بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

9- الأرثوذكسية الجديدة

مزاعم هذه الأرثوذكسية الجديدة واسعة الانتشار بحيث أصبحت “إدراكا عاما” تقريبا عند اليسار واليمين في الشرق والغرب على السواء. التقطْ أيّ جريدة تقريبا ويمكنك أن تقرأ أنه “لا شيء يعمل” في أوروپا الشرقية (هل قارن هؤلاء الكتاب أبدا ركوب مترو موسكو مع ركوب مترو الأنفاق في لندن؟)، وأن “النقود لا قيمة لها” في البلدان الشرقية (لماذا إذن يرفع العمال في هذه البلدان مطالب خاصّة بالأجورعندما يُضْرِبُون؟)، وأن الأزمة البيئية أسوأ هناك من أيّ مكان في العالم الرأسمالي (الأمر الذي يجعل المرء يتساءل عما إذا كانت غابات الأمازون أو أعمال الصلب في جارى-إنديانا في الشرق أم في الغرب!). الإيكونوميست، التي يُراد لها أن تكون مجلة أعمال ذكية، مضت في 1988 إلى حدّ زعم أنه لم يكن هناك أيّ نمو اقتصادي في الاتحاد السوڤييتي على مدى 20 سنة[102]، في حين أساء مارتين ووكر Martin Walker من الجارديان اقتباس جورباتشوڤ بما مؤداه أنه “على مدى 20 سنة، إذا استبعدتم عائد الدولة من الڤودكا وتصدير الپترول، لم يكن هناك أيّ نمو في الاقتصاد السوڤييتي”[103].

أكثر المزاعم رواجا هو أن دول أوروپا الشرقية كان يمكنها أن تكون الآن في مستوى تقدّم دول أوروپا الغربية لو أنها اتبعت سياسات السوق المفتوح طوال اﻟ 40 سنة الأخيرة. وإذا كانت لم تفعل، فيما يقال، فذلك بسبب “العقيدة الماركسية” (وجهة نظر الجناح اليميني) أو بسبب “لا عقلانية البيروقراطية” (وجهة نظر تيكتين، وفوريدي، وآخرين). وأمام هذا يتعيّن على أيّ تحليل جادّ للدول الشرقية أن يأخذ في اعتباره بعض الحقائق الأولية.

أولا، كما يكشف المصدر الذي يصعب تماما اعتباره “متساهلا فيما يخصّ الشيوعية”، أعني وكالة المخابرات المركزية، كان اقتصاد الاتحاد السوڤييتي ينمو إلى وقت قريب بسرعة تضارع سرعة نمو اقتصاد كثير من دول غرب أوروپا -بمعدل وسطيّ يبلغ حوإلى 2.6 في المائة سنويا خلال السبعينيات[104]. ويخبرنا أشمل تاريخ صدر حديثا لاقتصادات أوروپا الشرقية أنه في سنوات 48-1968 كان نموّ “أقل بلدين تطورا” من بلدان أوروپا الشرقية، بلغاريا ورومانيا، بمعدل 6-7 في المائة سنويا. وبين 1950 و1970 كانت الاقتصادات الأخرى المخططة مركزيا تدور حول معدل نمو يبلغ 4.5 في المائة[105]. كان هذا المعدّل يُضارع ذلك الخاص بأوروپا الغربية، حيث بلغ معدّل الاقتصاد البريطاني 3 في المائة، والفرنسي 5 في المائة، والإيطالي 6.5 في المائة، والألماني الغربي 7.5 في المائة[106]. والواقع أن الاقتصاد الألماني الشرقي نما أسرع قليلا جدا من الاقتصاد الألماني الغربي طوال عقد ونصف بعد أن أوقف بناء سور برلين نزوح عمل الشباب والعمل الماهر: نمت ألمانيا الشرقية بمعدّل 4.5 في المائة، وألمانيا الغربية بمعدّل 3.8 في المائة[107].

ربما كان وثيق الصلة بذلك أكثر واقع أن كل اقتصادات أوروپا الشرقية كانت أكثر نجاحا بصورة ملحوظة في عقديْها الأوّليْن كاقتصادات أوامر ممركزة مما كانت في سنوات ما بين الحربين كرأسماليات “سوق حرة”:

كان متوسط معدل النمو المتحقق في هذه المنطقة خلال العقدين الأولين من التخطيط المركزي (50-1970) أفضل من معدلات الذروة التي ظهرت في أفضل سنوات ما بين الحربين (25-1929). كان نموّ البلدين الأقل تطورا يجري بنفس سرعة نموّ أسرع بلدين نموّا في أفضل فترة خمس سنوات فيما بين الحربين، تشيكوسلوڤاكيا والمجر[108].

مهما كانت إدارة الاقتصاد الپولندي فيما بعد الحرب خالية من الكفاءة، لا يمكن لأحد أن يزعم أنه لم يشهد نموا كبيرا بين 1948 و1980. على النقيض من ذلك: “لا يبدو مطلقا أن پولندا ما بين الحربين قد عادت إلى حجم إنتاج 1913 على أراضٍ قابلة للمقارنة، أما الارتفاع المتواضع الذي تحقق في ألبانيا فكان متخلّفا تماما عن معدّل نموّ السكان”.

لم يكن النظام الشرقي شكلا لاعقلانيا تماما للتنظيم الاقتصادي. كان شكلا استطاع أن يكون حافزا لنموّ اقتصادي هائل حتى نقطة بعينها، لكنه وقع في أزمة.

« السابق التالي »