بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مناهضة العولمة

« السابق التالي »

ضد العولمة

إن كانت الحركات الجماهيرية والنقابات العمالية قد تعرضت لهجوم الليبرالية الجديدة في ظل تراجع لنفوذ القوى اليسارية منذ منتصف عقد الثمانينات، إلا أن حركة مناهضة العولمة لم تكن وليدة الأعوام الثلاثة الماضية، لقد بدأت مقاومة تلك السياسات منذ مطلع عقد التسعينات – إن لم يكن قبل ذلك – فالحركة ضد الخصخصة في دول أوروبا تلاها شن حملة من الجمعيات الأهلية بمناسبة انعقاد مؤتمر قمة الأرض عام 1992 في ريو دي جانيرو، وفي عام 1994 انطلقت حملة نظمها جمعيات أهلية ومنظمات سياسية ضد الاجتماع السنوي للبنك الدولي تحت شعار (خمسون عامًا تكفي) في منتصف التسعينات قامت حركة في كندا والمكسيك ضد إقامة منطقة تجارة حرة لدول أمريكا الشمالية، وفي عام 1996 عقد مؤتمر عالمي في تشباس مناهض للهيمنة الأمريكية حضره مثلون من 43 دولة وشاركت فيه حركة زاباتستان المكسيكية مطلقة شعارها الشهير (هذا يكفي) وانبثق عنه تكوين (رابطة الحركات المناهضة للسياسات الليبرالية الجديدة في جميع أنحاء العالم).

في عام 1998 قام تحالف بين جمعيات الدفاع عن المستهلكين وبين أنصار البيئة ضد اتفاقية “تحرير حركة الاستثمارات الدولية”.

وفي العام نفسه انطلقت مظاهرات في تايلاند بمشاركة كبيرة من فلاحو تايلاند في مواجهة اجتماع (البنك الأسيوية للتنمية).

وفي عام 1999 عقد المؤتمر الأول لمنتدى دافوس العالمي للبدائل طرح فيه الدعوى إلى صياغة (البدائل المضادة).

وفي العام نفسه احتشد متظاهرون بعشرات الآلاف في مدينة سياتل ضد مؤتمر الثمانية الكبار.

وفي عام 2000 تجمع 30 ألف متظاهر ضد اجتماع مشترك للبنك والصندوق عقد في حراسة 10 آلاف شرطي، واستمرت المظاهرات 4 أيام. وفي عام 2001 تظاهر في “دافوس” حوالي 50 ألف متظاهر، وفي أول مايو بمناسبة (عيد العمال) في العام ذاته خرجت مظاهرات في معظم دول أوروبا قوامها الأساسي الاتحادات العمالية ورفعت شعارات تندد بسياسات الليبرالية الجديدة. كما نظم (منتدى جنوة الاقتصادي) الذي يضم منظمات وجمعيات أهلية وأنصار بيئة وفوضويين، وقوميون متعصبون مظاهرات ضمت حوالي ربع مليون متظاهر أغلبهم من مدن أوروبا وسقط أثناءها أول شهيد للحركة. كما استمرت الحركة في 2002 و2003 في الاحتشاد والتظاهر بعد أن أضافت لأجندتها الاحتجاج ضد البربرية الصهيونية، وضد العدوان الأمريكي الذي كان وشيكًا على العراق.

كما تبنت الحركة أيضًا سياسة شن حملات خاصة ضد شركات عالمية مثل شركة نايك للأحذية، ونسك للألبان، وكوكاكولا وجاب وإدارة مطاعم التيك أواي لأسباب مختلفة يتعلق بعضها بشروط العمل أو ضرر المنتجات على الصحة وغيرها. ولا يتسع المقام هنا للقيام برصد تفصيلي لمظاهرات وفاعليات الحركة وخاصة هذه الاحتجاجات ما فوق القومية التي لا تزال السمة الرئيسية لنشاط الحركة وعلاقاتها الأكثر بروزًا.

هناك حيوية ظاهرة في قوة الحركة وقدرتها على التعبئة العالمية المضادة، وقد دفع ذلك العديد من القوى السياسية في أماكن مختلفة للمراهنة عليها، والمشاركة فيها بكل ثقله، بل واعتبارها أحيانًا بروفات ثورية لثورات اجتماعية وشيكة.

إلا أن هناك وجه آخر لتلك الحركة (المضادة للعولمة) حافل بالتناقضات ونقاط الضعف يجب رؤيته والتعامل معه.

إذ لا يوجد للحركة خطاب موحد ومنسجم، والأهداف التي تطرحها عبارة عن خليط من المطالب يحمل عددًا من التناقضات الجوهرية، وهناك تباين سياسي وأيدولوجي شديد بين الاتجاهات المشاركة فيها (من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار)، كما أن دور بعض الأطراف المشاركة مليء بالالتباسات وقابل للتحول للنقيض.

كذلك فإن عمومية شعاراتها يفتح الباب لتأويلات وتفسيرات عديدة. فإن ساعدت العمومية على (التجميع) وتفادي الخلافات، إلا أنها تخفض من قوة الشعار ووضوح ما يرمي إليه.

القوى المكونة للحركة:

تضم الحركة شريط عريض، يمكن تشبيهه بقوس قزح، يجمع كل الألوان والاتجاهات. من الجمعيات النسوية إلى الكنائس، ومن الفوضويين إلى جمعيات حقوق الإنسان، ومن النقابات العمالية إلى الفاشيين وأشباه الفاشيين، ومن الفلاحين – المزارعين الصغار – إلى جمعيات الدفاع عن المستهلكين ومن بقايا الستالينية والإصلاحيين إلى اليسار الجديد، من الليبرالية إلى حركة المدافعين عن البيئة وجمعية أطباء بلا حدود.

ونتعرض بإيجاز إلى أهم تلك القوى المكونة للحركة وخطاباتها حتى نتعرف على “المتناقض” و”المشترك” بينهم:

1- أنصار البيئة:

صعدت حركة أنصار البيئة على أنقاض يسار السبعينات في أوروبا، فمع هزيمة يسار السبعينات والتمردات الطلابية. بدأ التراجع عن الأيدولوجيات الكبرى والأهداف الكلية الراديكالية ليحل محلها محاولة تحقيق انتصارات ملموسة في معارك جزئية محددة وظهرت عدة جمعيات وحركات تسعى لخوض معارك محددة بعيدًا عن الأهداف الكبرى وتزامن ذلك مع تفجر مشكلات تلوث البيئة الكونية ومشكلات الغلاف الجوي وتآكل طبقة الأوزون التي تحمي الأرض من حرارة الشمس ومشكلات التصحر والغازات المنبعثة من الصناعات والشركات الكبرى، والقضاء على الغابات من أجل الأخشاب، ودفن النفايات النووية، واستخدام هندسة الجينات الوراثية في الزراعة وغيرها على خلفية تلك المشكلات التي تفجرت بقوة في مطلع الثمانينات تشكلت جمعيات أنصار البيئة التي انضم إليها وساعد في تشكيلها العديد من رواد ومثقفو يسار السبعينات بعد فقدانهم الثقة في منظمات السياسية، وبدأت تكسب نفوذًا جماهيريًا أغرى بعضها بالتحول إلى أحزاب سياسية تخوض الانتخابات وتنافس على السلطة مثل أحزاب الخضر التي شاركت في حكومات ائتلافية في فرنسا وألمانيا.

وقد شهدت تلك الجمعيات نموًا هائلاً في عضويتها والتفاف الجماهير حولها، ففي عام 1985 بلغ عضوية (الرابطة العالمية للدفاع عن البيئة) التي تضم جمعيات من مختلف دول أوروبا 750 ألف عضو، وصل العدد في عام 2000 إلى 5 مليون عضوًا قبل مظاهرات سياتل بستة أشهر حاولت أهم جمعيات البيئة (نادي سيرا، الفيدرالية الوطنية للحياة البرية، وغيرهم) التفاوض مع البيت الأبيض الأمريكي على إعطاءه سلطة التفاوض باسمهم في قضايا التجارة على أن يراعى قضايا البيئة والصحة. وأن يتم تشكيل لجنة خاصة للتجارة العالمية تضم ممثلين لمنظمات البيئة وأعضاء من الكونجرس بالمشاركة مع ممثلين للحزبين الجمهوري والديمقراطي تلعب دورًا رقابيًا على منظمة التجارة العالمية. وقوبل طلبهم بالرفض. ولم يجد أنصار البيئة أمامهم سوى تصعيد الاحتجاجات والمظاهرات فلعبوا دورًا كبيرًا في إطلاق مظاهرات سياتل والحشد لها. كما لعبوا دورًا أساسيًا في مظاهرات “يوتبوري” في السويد ضد القمة الأوروبية المنعقدة هنا وركزوا هجومهم على بوش بسبب رفضه التوقيع على اتفاقية (كيوتو) حيث شارك بوش في تلك القمة الأوروبية.

ولا يعارض أنصار البيئة النظام الرأسمالي أو التجارة العالمية أو يرفضون وجودهم، وتقتصر معارضتهم على الأنشطة والاتفاقات ذات الآثار الضارة بالبيئة وبالصحة العامة، بل أنهم يمنحون تأييدهم لمنظمة التجارة في بعض السياسات مثل إلغاء الدعم على الصيد لحماية الأحياء المائية (التي تؤدي بدورها لارتفاع أسعار الأسماك والمنتجات البحرية) وهو ما يعد بالنسبة لنا ترفًا يليق بالطبقة الوسطى الأوروبية بالمقابل حدثت تحالفات بين بعض النقابات العمالية وأنصار البيئة في حملات خاصة في مجرى الحركة، مثل تحالف (سائقي الشاحنات، والمدافعين عن الضفادع) و(عمال الصلب الأمريكيين والمدافعين عن الغابات) في حملة ضد شركة (شاليز هوريز ملكسمام) التي تعمل في صناعة الصلب الأمريكية في إزالة الغابات في أمريكا الجنوبية باعتبارها عدوًا مشتركًا، وأيضًا (تحالف الخضر والحمر) الذي نجم عن تقارب بين الشيوعيين النقابيين وأنصار البيئة في مواجهة بعض قضايا التجارة العالمية.

نتيجة لتلك التحالفات وسع البيئيون أهدافهم لتضم مطالب عمالية مثل تحسين شروط العمل، ووسعت اتحادات نقابية أهدافها لتشمل بعض قضايا البيئة مثل ارتفاع درجة حرارة الأرض وعلاقاتها بالغازات الملوثة للبيئة.

2- الحركة النسائية:

اهتمت الحركة النسائية الغربية التي ظهرت في الستينيات بقضايا من نوع حق الإجهاض، الاعتراف بالعلاقات غير الرسمية، المساواة السياسية بين النساء والرجال، تغيير بنية الأسرة البطريركية (الأبوية). وبالغت في الاستقلال تجاه السياسات الذكورية أنانية الذكور المسئولة عن وقوع الحرب. وبؤس النساء رافعين شعار (لا للإمبريالية الذكورية) ومنذ مطلع السبعينيات تغير خطاب الحركة النسائية لنقد النظام الاجتماعي مع الاحتفاظ بمفهوم البطريركية لوصف هذا النظام.

ومع بدايات تطبيق سياسات الليبرالية الجديدة احتل الجانب الاقتصادي والاجتماعي الخاص بالنساء العاملات الذين يتعرضون لهجوم الليبرالية الجديدة مقدمة اهتمام الحركات النسائية، وبدأت في المشاركة في الاحتجاجات الواسعة التي تضمنتها جماعات مناهضة العولمة، خاصة وأن خفض ميزانية الخدمات وتشريعات العمل الجديدة التي يقف وراءها مؤسسات العولمة أضرت بشدة ملايين العاملات في مختلف المهن.

3- الجمعيات الكنسية:

يقوم العديد من الكنائس الأوربية (خاصة الكاثوليكية) بأنشطة خدمية وإنسانية في دول العالم الثالث، ويطالبون بتخفيف حدة الفقر في تلك الدول، وإلغاء، أو إنقاص ديونها المستحقة للبنوك والحكومات الغربية، ويعتبرون العولمة مرتبطة بأنانية وجشع الرأسمالية والحكومات الكبيرة، ويشاركون بهذا الخطاب من منطلق إنساني في حركة العولمة مطالبين بإعادة النظر في ديون وحاجات العالم الثالث، وإتاحة الفرصة لقيام نمو حقيقي فيه. ويساندهم في ذلك جزء من المثقفين الأوربيين ذوي الأصول الفكرية اليسارية وغيرهم من ذوي النزعات الإنسانية المناصرين لقضايا العالم الثالث.

4- النقابات العمالية:

في مطلع الثمانينات بدت المنظمات النقابية الأوروبية عاجزة عن تنظيم دفاع قوي ضد هجوم السياسات الليبرالية الجديدة، وكانت أحزاب اليسار التقليدي بدورها تعاني من أزمات عديدة وتراجع نسبي لنفوذ اليسار خاصة في الدول التي كان يوجد بها أحزاب شيوعية قوية (فرنسا/ إيطاليا على سبيل المثال).

ومن ثم شعر العمال بالإحباط وفقدان الثقة في قدرة منظماتهم النقابية ومع ظهور الآثار التدميرية لليبرالية الجديدة في بداية التسعينات ومساسها بأوضاعهم الاجتماعية وحقوقهم بدأ العمال في التذمر والاحتجاج. وتحت ضغط غضب القواعد العمالية أخطرت الاتحادات النقابية لتنظيم احتجاجات عمالية ضخمة والمشاركة في الاحتجاجات العامة ضد (العولمة).

ونظم الاتحاد الفرنسي للعمال (C.G.T) إضراب عام في 1995، وقاد الاتحاد الألماني مظاهرات عمالية ضخمة في 96 ضد خفض الإنفاق العام. وشارك مليون عامل في إضراب نظمته كونفدرالية العمل الأمريكية في “تورنت” كما شارك عمال الصلب وعمال الملابس الجاهزة الأمريكية بدور كبير في تظاهرات نيويورك وسياتل ضد البنك والثمانية الكبار.

وتحول عيد أول مايو إلى تعبئة عمالية احتجاجية ضخمة في أغلب دول أوروبا وأمريكا.

5- الحركات الفلاحية:

يقف المزارعون الفرنسيون على رأس الحركة الفلاحية الأوروبية ضد إلغاء الدعم على مستلزمات الزراعة. وقد تأسس في فرنسا (بسبب قوة الحركة الفلاحية بها) المرصد العالمي للفلاحين. بهدف مساعدة فلاحين العالم الثالث. ويلعب الفلاحون في البرازيل (المحرومون) والمكسيك (زابتستا) دورًا في أمريكا الجنوبية وفي الحركة العامة ضد العولمة.

باستثناء زابتستا التي تخوض نضالاً مسلحًا ضد السلطة في المكسيك وتهاجم مباشرة آثار العولمة في دعايتها، تقف مشاركة معظم الحركات الفلاحية عند حد الدعاية والمظاهرات الاحتجاجية.

6- الفاشيون والقوميون:

مع تزايد حدة البطالة في أوروبا في مطلع الثمانينات الذي تزامن مع انهيار أوروبا الشرقية، وعادت المنظمات الفاشية إلى الظهور والعمل، واكتسبت إلى صفوفها عدد كبير من الشباب – خاصة الذين يعانون من البطالة – بين البرجوازية الصغيرة والمعدمين. ورفعت شعارات ضد المهاجرين الملونين أو القادمين من دول أقل تطورًا، باعتبار أن هؤلاء هم سبب بطالة الشباب الأوروبي والذين يزاحمونهم في أرزاقهم مطالبة بالحد من الهجرة وطرد المهاجرين. ومن ثم تقف ضد العولمة التي تفتح الحدود الأوروبية أمام تدفق الأتراك والأفارقة والأسيويين والغرب الذين يمثلون عمالة رخيصة منافسة لهم، ويجد خطاب الفاشيين واليمين القومي أنصارًا له داخل الاتحادات العمالية الأمريكية. وتزداد قوتهم في إيطاليا/ فرنسا/ أمريكا، ألمانيا، بالإضافة لوجود ملحوظ في أوروبا الشرقية.

7- الجمعيات الأهلية:

وهي جمعيات ذات أغراض متنوعة ينطلق جزء منها من مربعيات المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي ترتبط بعدد كبير من القضايا المطروحة على جدول أعمال الحركة مثل عمالة الأطفال، شروط العمل حقوق الممثلين، السكن، الحياة، الصحة… إلخ.

ويطالبون بإخضاع منظمة التجارة للأمم المتحدة بدلاً من هيمنتها المتصلة ووضع قيود وضوابط على أداء المؤسسات العالمية توفر ضمانة لتحقيق الحد الأدنى من الحقوق الإساسية للإنسان المنصوص عليها في المواثيق الدولية.

8- الفوضويون:

يعتبر الفوضويون أن السلطة (أو الدولة) هي عدوهم الأساسي، ورغم أنهم يعتبرون أنفسهم اشتراكيين وشيوعيين إلا أنهم يرفضون فكرة وجود دولة مركزية بإمكانياتها العسكرية والقمعية لأنها تمثل بالضرورة هيمنة وقمع جديد على أفراد المجتمع المحرومون من امتلاك نفس القوة.

ويعد الفوضويون تيار هام في عدد الدول الأوروبية، وأصبح لهم منظمات قوية وهامة في أوروبا الشرقية بعد سقوط نظمها السابقة.

ويسعى الفوضويون بمشاركتهم في حركة العولمة إلى تصعيد المواجهة العنيفة لأجهزة الشرطة والدولة باعتبار أنه لا تكفي الهتافات واليافطات ولكن يجب مواجهة القمع بالقوة. وتعد جماعة (الكتلة السوداء) الفوضوية من أقوى منظمات الفوضويين في أوروبا الشرقية وتلعب دورًا ملحوظًا في مظاهرات ضد العولمة، وتعد مسئولة بدرجة عن تصاعد أعمال العنف في الاحتجاجات.

9- الشيوعيون:

يقف الشيوعيون التقليديون ومنظمات اليسار الجديد موقفًا رافضًا للعولمة – أو الليبرالية الجديدة – باعتبارها نتيجة لصعود اليمين البرجوازي بعد انهيار أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي، ويربطون بينها وبين النظام الرأسمالي ككل، ويصفونها باعتبارها حالة “توحش” رأسمالي تتسبب في حروب عسكرية وعدوان على الشعوب والحقوق خاصة حقوق الفقراء. بينما تؤدي لزيادة ثراء الأثرياء.

ويذهب بعضهم إلى تعظيم الحركة المضادة للعولمة باعتبارها تجسيد لحالة من التجزر في الحركات الشعبية على المستوى العالمي، وأنها مقدمة (أو بروفة) وضع ثوري وشيك. ويشبهون الأوضاع العالمية الحالية بما كان عليه حالة العالم في الثلاثينات من القرن الماضي ولكن بإيقاعات أقل حدة وسرعة، إنها الثلاثينات ولكن – بالتصوير البطيء – وهو مجاز يعكس حجم التفاؤل والتعظيم للحركة. ومن ثم يحددون الدور الرئيسي للقوى الاشتراكية في العالم كله بالانخراط التام – أو إلى أقصى حد ممكن على الأقل – في هذه الحركة، والدخول في كل التحالفات الممكنة التي تحقق هذا الانخراط، بغض النظر عن مجمل التناقضات في الأهداف والأيديولوجيات والمصالح التي يمثلها الأطراف.

ويلعب اليسار الشيوعي دورًا هامًا في الحركة العامة وفي الإعداد والحشد للمظاهرات. وإن كانت ثمة خلاف عميق بين فصائله حول تقييم طبيعة وحدود الحركة العامة، وقضايا التحالفات المفتوحة والغير مشروطة – التجمع على النشاط والحركة فحسب – وأيضًا وزن العمل المحلي والعمل الأممي في أجندة العمل.

ما تبقى من أطراف الحركة – مثل جمعيات المستهلكين وغيرهم – أقل وزنًا في الحركة العامة وثمة سعي للربط ما بين حملاتهم المحلية ومناهضة السياسات الليبرالية الجديدة.

تلك هي الأطراف الأساسية الفاعلة في الحركة المناهضة للعولمة بتنويعاتها الفكرية والأيدولوجية وارتباطاتها الاجتماعية وأغلبها – خاصة أنصار البيئة والشيوعيين والقوميين والاتحادات النقابية والفلاحية تعكس درجة أو أخرى من النفوذ السياسي والجماهيري في بلدانها.

تناقضات الخطاب والمطالب:

يبدو أن العنصر المشترك بين الأطراف المشاركة في حركة مناهضة العولمة أقل كثيرًا مما يبدو لأول وهلة.

فإذا استثنينا التحالفات الجزئية في إطار حملة جزئية أو بين أطراف محددة مثل تحالف أنصار البيئة والنقابات في أحوال معينة وحول مطالب معينة، وكذلك الصلات والتحالفات بين بعض الحركات الفلاحية ومثيلتها كالحال بين المزارعين الفرنسيين والزابتستين والبرازيليين يكاد لا يوجد تحالف حقيقي بين الأطراف.

العنصر المشترك بين الجميع هو وضع ضوابط وقيود على أداء مؤسسات العولمة، ولكن طبيعة هذه الضوابط وأهدافها يصل لحد التناقض أحيانًا.

فالنقابات الأوروبية تدافع عن استمرار ضمانات العمل وشروط عمل عادلة، كما تدافع عن عدم المساس بالخدمات العامة التي ترعاها الدولة مثل (الصحة/ التعليم وغيرها) بينما يقف العمال الأمريكيون ضد اتفاقية النافتا من منظور مصالح قومية خاصة بهم لأن تطبيق تلك الاتفاقية يهدد العمال الأمريكيون بمزاحمة العمال المكسيك والصينيون والمهاجرون لهم رخيصوا الأجر، كما تؤدي لمزاحمة البضاعة الصينية لمصانعهم.

بينما تجاوزت النقابات الفرنسية هذا الوضع (الدفاعي) برمته لتشن حملة (هجومية) لتخفيض ساعات عمل الأسبوع إلى 35 ساعة.

هذا التباين يضع العمال الأمريكيين في مواجهة عمال المكسيك والصين وغيرهم، وهو موقف بلا شك يتسم بالشوفينية والدفاع عن المصالح الضيقة الخاصة ولا يمثل أدنى هجومًا على الرأسمالية بينما يتجاوزهم الأوروبيون سواء في الجانب الدفاعي أو الهجوم. يقترن الفاشيون وأشباههم في مطالبهم وشعاراتهم من الموقف النقابي الأمريكي فعلى خلفية الحركات الفاشية المعادية للمهاجرين والملونين في فرنسا وإيطاليا وألمانيا.

يتحرك الفاشيون داخل حركة مناهضة العولمة ضد أن تفتح الأسواق الأوروبية أمام العمالة القادمة من دول العالم الثالث أو الصين.

إنهم مذعورون من انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي وهجرة العمال الأتراك لبلدانهم، يحملون العمال المهاجرين مسئولية البطالة في أوروبا، يرفعون شعار (كل مهاجر تركي يقابله مليون عاطل أوروبي) وعملية العولمة في رأيهم هي السبب والمسئول الرئيسي. ورغم قوتهم النسبية في بعض دول أوروبا (ألمانيا، فرنسا، إيطاليا) إلا أن الوجود القوي لمنظمات اليسار هناك يحد من انتشارهم بدرجة ما. بينما يتعزز وجودهم في أمريكا، وينعكس هذا في شعارات النقابات الأمريكية ومطالبها.

منظمة “أتاك” التي تضم تجمعًا كبيرًا من الجمعيات والمنظمات لا تحمل أي عداء للرأسمالية كنظام، ولا الشركات العالمية، الهدف الأساسي لأتاك والذي نشأت على أساسه هو (فرض ضريبة على المعاملات المالية لمساعدة المواطنين) وهو هدف شديد الإصلاحية وقاصر على المساس (المحدود) بجانب واحد من الأنشطة الرأسمالية، المعاملات المالية، تاركًا الإنتاج الصناعي والزراعي والصيد والبناء وغيرهم دون مساس.

الحركات الفلاحية أيضًا بينها قدر من التباين في الأهداف، في فرنسا وأغلب دول أوروبا تمثل المالك الزراعي الصغير ومخاوفه من المنافسة مع واردات زراعية رخيصة دون مساندة من الدولة (في وجه تلك المنافسة)، فيدرالية المزارعين في أوروبا تطالب منظمة التجارة بمراعاة مصالح وحقوق المزارعين أولاً، وفتح الباب دون شروط لعضوية المنظمة كي يدافع الجميع عن مصالحهم داخلها وتحرير المزارع الصغير من هيمنة الشركات الاحتكارية في الدول المتأخرة يعاني الفلاحون من حرمانهم أو تجريدهم من الملكية الزراعية (خاصة بعد إخفاق مشاريع الإصلاح الزراعي بها وتحول دولهم لتبني سياسات التكيف الهيكلي). في البرازيل حيث توجد مليون أسرة فلاحية محرومة من ملكية أرض، ويفاوضون السلطة البرازيلية في تمليكهم قطع أرض صغيرة. يناضل الفلاحون تحت اسم (المحرومون من الأرض)، وفي المكسيك على أساس برنمج عام للتحرر من التبعية لأمريكا. وفي أمريكا يقف الفلاح الأمريكي (الصغير والمتوسط) ضد اتفاقية النافتا التي تفتح الباب للمنتجات الزراعية الصينية الرخيص التي ستغزو الأسواق الأمريكية.

عدد كبير من المنظمات الأهلية تسعى إلى “المشاركة” بدور استشاري أو رقابي في مؤسسات العولمة. وثمة ميل داخل تلك المؤسسات لتعيين مستشارين من الجمعيات الأهلية بهدف إضعاف وشق الحركة العامة للمناهضة.

شعارات الحركة تعكس في عموم مضمونها مدى تناقض أهداف أطرافها. الشعار المركزي (الإنسان قبل الأرباح) الذي يحمل ظلال يسارية، يعكس في نفس الوقت مطالب يمين الحركة والمنظمات الفاشية إذ ترفعه في مواجهة استيراد عمالة أجنبية رخيصة بهدف تعظيم أرباح الشركات، ويطلقه المزارعون الصغار أيضًا ضد الواردات الرخيصة من الصين والعالم الثالث. شعار (عالمنا ليس للبيع) يحمل نفس القدر من الغموض، وهل أصبح حقًا عالمنا من وجهة النظر اليسارية؟ إنه يطلق تحفظ ضد التصرف في عالم يبدو وكأننا نملكه. وهو أحد الشعارات المركزية ضد الخصخصة أنه شعار يربط الفقراء بالدفاع عن النظام بدلاً من الدعوة لتغييره.

وينطبق نفس الشيء على شعار (عالم آخر ممكن)، الذي لا يقدم أدنى إشارة لشكل أو مضمون هذا (العالم البديل).

حتى الهجوم الواضح على الرأسمالية في منظوة الشعارات العامة لا يخلو من غموض، لا للرأسمالية المتوحشة، ضد العولمة الرأسمالية المتوحشة الذي يبدو وكأنه نوعًا من التحفظ الأخلاقي على (توحش) الرأسمالية وليس ضد الرأسمالية كنظام أيًا كانت حالته، أنه يخاطب الجانب العاطفي في جمهور الحركة ويعبئها ضد نوعًا من الهمجية والوحشية تحدث من الرأسمالية.

هل ثمة دلالة وراء غموض مضمون شعارات الحركة وتجنبها الوضوح وما معنى تلك المسحة شبه الصوفية في هذه الشعارات التي تذكرنا بالمسحة الصوفية والغموض في شعارات الحركة الفاشية في الثلاثينات.

وذلك لأن الحركة تخاطب تشكيلة متباينة – وبدرجة ما – متناقضة، فكان عليها أن تقف عند حدود عموميات مجردة تغطي أكثر مما تظهر، فالوضوح تحديد بالضرورة، والميل الجبهوي التجميعي يدفع منظموا الحركة إلى تفادي التحديد فتبدو الشعارات عاكسة للمشترك بين كافة الاتجاهات، بينما لا تعكس شيئًا محددًا يمكن المراكمة على أساسه في اتجاه محدد، إن عمومية وصوفية هذه الشعارات تعكس ليس فقط توازنات حرجة داخل الحركة، ولكن أيضًا كونها دون التبلور حتى الآن، فثمة مضمون معين يجب إعطاءه لتلك الشعارات، حتى يمكن المراكمة على أساسه، تلك الوحدة الراهنة بين أطراف الحركة تحت راية هذه الشعارات العامة والمجردة من أي مضمون محدد، هي وحدة قشرية، هشة، تعكس طورًا أوليًا للحركات العمالية والجماهيرية التي بدأت استعادة الثقة والمبادرة الاحتجاجية، الرغبة في الاستواء – عبر التحالف – لازالت تتقدم على تحديد الأهداف بدقة ووضوح وتحديد التكتيكات المتلائمة مع تلك الأهداف. لقد أفرزت لحظة التحولات الليبرالية الجديدة في مطلع الثمانينات جملة من التناقضات. عكست نفسها على أوضاع العمال والفلاحين والبرجوازية الصغيرة وبعض أقسام من البرجوازية المتوسطة، وفي مناخ مد يميني حافل بالأزمات، ومن ثم ولدت – أو أطلقت – كل ما في جعبة هذه القوى من وسائل وأفكار دفعة واحدة، غذت الفاشية واليسار الجديد، الفوضوية وأنصار البيئة الفلاحين الصغار والنقابات العمالية، الفوضويين والكنائس، الجمعيات والحركات النسائية.

في خلفية تحرك تلك القوى تقف أيضًا، وبقوة أزمة ما يسمى بالطبقة الوسطى – وهي تسمية غير دقيقة تستخدمها مجازًا لشيوعها تلك الطبقة التي هي عبارة عن شرائح وسطى أهمها التكنوقراط (الفنيين أمثال المهندسين/ الأطباء/ المشرفين الصناعيين / الأطباء… إلخ) والشرائح الوسطى والدنيا من البيروقراطيين (الكتبة، الموظفين الإداريين، المحاسبين، الإداريين..، الصحفيين، المحامين، … إلخ).

تلك الطبقة من خدم رأس المال التي كانت تتمتع بمكانة اجتماعية مرموقة من الأربعينات حتى السبعينيات، وتعرضت لآثار هجوم الليبرالية الجديدة التي طردت أقسام منها من العمل وقلصت دخول أقسام أخرى، ضيقت أمام أبناءها فرص التعليم والعمل والعلاج والسكن المناسب.. إلخ هبطت مكانتها الاجتماعية بشدة وتزعزع استقرارها ولم يسعفها الأحزاب الإصلاحية التقليدية التي كانت تعتمد عليها، ومن ثم انصرفت قطاعات كبيرة منها عن الأحزاب الإصلاحية التقليدية التي كانت تعتمد عليها، ومن ثم تحولت إلى رافدًا أساسيًا من الروافد التي تغذي حركة مناهضة العولمة وتمدها بالعضوية وبالعناصر القيادية.

وتشكل تلك الطبقة مهادًا ملائمًا للأيدلوجيات التوفيقية والانتقائية التي يمكن أن تترعرع في ظلها الشعارات الضبابية والمجردة. فليس ثمة ما يوحدها فيما بينها – وليس ثمة ما يوحدها وباقي القوى الاجتماعية سوى هذا المستوى القشري الغامض من الشعارات مثل “عالمنا ليس للبيع” وهو أقرب للتعبير عن الحالة الذهنية لتلك الطبقة وأزمتها من أن يعبر عن مصالح أي طرف آخر في الحركة.

وفي مصر والعالم الثالث افتقاد سند الدولة – والهبوط كانت الدولة هي السند الرئيسي لما يسمى بالطبقة الوسطى، أعطتها الدولة في الستينيات والسبعينيات وضعًا مستقرًا من خلال سياسة تعيين الخريجين، كما منحتها امتيازات كثيرة وبالمقابل كان السند الرئيسي للدولة يأتي من صفوف تلك الطبقة، وعندما بدأت الدولة في التحول لتطبيق سياسات الليبرالية الجديدة أصبحت الطبقة الوسطى هي المضرور الرئيسي – على الأقل في بداية التطبيق – من تلك السياسات، ومن ثم تحولت عن تأييد الدولة إلى التذمر وتغذية احتياجات النخب في الحدود التي تسمح بها الأوضاع السياسية في مصر.

ولا تسع هذه المقدمة تحليل دور وطبيعة تلك الطبقة لذلك فسوف أكتفي بعرض الوضع في مصر مختصرًا في الصفحات التالية من زاوية طبيعة المشهد السياسي وحركة مناهضة العولمة.

الوضع المصري:

تعد مصر في مقدمة دول العالم الثالث التي تبنت سياسات التخلي عن رأسمالية الدولة وفتح الأبواب أمام الشركات الأجنبية، وسن تشريعات تستهدف جذب الاستثمار الأجنبي في مصر، وذلك منذ تطبيق سياسة (الانفتاح الاقتصادي) الساداتية الشهيرة، وعمق النظام الحالي نفس التوجه بالهجوم المتوالي على مكتسبات القطاعات الاجتماعية الفقيرة. رفع الدعم المتدرج، عدم الالتزام بتعيين الخريجين، الإعفاء الضريبي للشركات الاستثمارية، تحرير الأسعار، تسريح عمالة القطاع العام بهدف بيعه (المعاش المبكر)، نزع الأرض من الفلاحين، خفض ميزانية التعليم والصحة، زيادة أسعار المياه والكهرباء، وأخيرًا – وليس آخرًا – تغيير تشريعات العمل التي كانت توفر قدر من الضمانات القانونية للعمال.

ومن الزاوية السياسية تعاني مصر من استمرار حالة الطوارئ وحظر التجمعات والمظاهرات ورقابة الدولة على حق تكوين الأحزاب والجمعيات الأهلية التي تعاني من تضييق أمني كبير على أنشطتها، والمنع من عقد مؤتمرات أو تنظيم اجتماعات خارج مقارها.

ويخضع الاتحاد العام للنقابات لسيطرة الدولة، كما تسيطر الدولة أيضًا على حق تشكيل النقابات ويحظر القانون المصري على الشيوعيين والإسلاميين تكوين أحزاب شرعية، وتتعرض عناصر هذين الاتجاهين لملاحقات أمنية مستمرة ينال الإسلاميون الجزء الأكبر منها.

حتى الجمعيات الأهلية لم تنجو من التدخل التشريعي المباشر خاصة العاملة منها في مجال حقوق الإنسان، وسنت تشريعات تخضعها لوصاية الدولة وتحد من حرية نشاطها أكثر فأكثر، هذا في ظل المناخ الاستبدادي يصبح من الصعب أمام القوى والتيارات السياسية الاتصال بجماهير وتنظيمها أو تعبئتها لممارسة أنشطة احتجاجية.

على خلفية هذا المشهد يخلو الصراع السياسي الراهن في مصر تقريبًا من فعل جماهيري (عدا حالات الاندفاع العفوي مثلما جرى في أحداث التضامن مع الانتفاضة أو ضد العدوان الأمريكي الإنجليزي على العراق)، وتقابل التحركات الجماهيرية العفوية بعنف شديد. ومن ثم تظهر التيارات السياسية في وضع النخب الضعيفة التي تفتقر إلى سند أو صلات جماهيرية.

وفي ظل هذا المناخ أيضًا تظل قضية “مناهضة العولمة” قضية نخب ضيقة معزولة أغلبها من الطبقة الوسطى أو البرجوازية الصغيرة.

وتتباين هذه النخب في نظرتها لمشكلاتها وآثار العولمة فالإسلاميون والقوميون يعارضونها من منظور تأثير على الهوية (الإسلامية – العربية) وعلى الأخلاق الشرقية ولا يعطي الإسلاميون اهتمامًا يذكر لجوانبها وآثارها الاقتصادية أو الاجتماعية الأخرى.

ويعارضها الناصريون وأقسام اليسار التقليدي (التجمع والشيوعيون) وعناصر أخرى من البرجوازية المتوسطة، من يمكن تسميتهم مجازًا بالديمقراطيين والوطنيين، من منظور خطرها على الاقتصاد الوطني والتنمية! والإرادة الوطنية نتيجة للمنافسة – غير المتكافئة – مع الواردات الأجنبية والشركات العالمية. ويطالبون بتوفير حماية للصناعة المحلية الضعيفة أصلاً.

ويعارضها اليسار الجديد (الاشتراكيين) من زاوية تأثيرها على العمال والفلاحين والقطاعات الفقيرة، ولأنها تمثل الجانب (الوحشي) من الرأسمالية – زيادة أدوات الدمار والقمع والحروب – ويطالبون بتوفير ضمانات وحماية مناسبة للقطاعات الفقيرة بما في ذلك إطلاق الحق في الإضراب والتظاهر والتعبير.. إلخ، وكذلك يطالبون إطلاق حق العمال في التنظيم النقابي والسياسي المستقل عن الدولة.

وعلى صعيد الشعارات العامة يرفعون شعار (من أجل عولمة إنسانية) وبعض شعارات الحركة العالمية الأخرى.

تنظيم حركة مصرية ضد العولمة:

تبنى الاشتراكيون المصريون مبادرة عمل تكوين جبهوري مضاد للعولمة. وبناء على سلسلة من الأعمال التحضيرية السابقة تم عقد مؤتمر تأسيسي حضره بضعة مئات وتشكلت المجموعة المصرية لمناهضة العولمة واتخذت اختصار لاسمها (أجيج). وعقدوا بعض اللقاءات الفكرية والفنية وأصدروا بضعة أوراق وشارك ممثلين عنهم في لقاءات دولية مثل (البرتواليجيرو).

وكان منطقيًا أن تولد تلك الحركة نخبوية تمامًا وكلها تقريبًا من صفوف البرجوازية الصغيرة والمتوسطة الأقرب في تكوينها إلى قوى سياسية منظمة وقد شارك في تحالف (أجيج) بعض الجمعيات الأهلية المصرية وهي أيضًا تفتقر لأسباب ذكرنا بعضها لوجود قاعدة جماهيرية وتنطلق من قواعد المواثيق الدولية في النظر للقضايا المختلفة.

تقييم تجربة “أجيج”:

ولدت أجيج بمبادرة نخبوية صرف ولم تنطلق من قاعدة تحركات جماهيرية، وبسبب طبيعة النخب المشاركة فيها لم تحاول أن تبني لها قاعدة جماهيرية، واكتفت بالعمل في دوائر نخبوية ضيقة، لم تنطلق أجيج من أرضية المطالب الشعبية المباشرة اكتفت بترديد خطاب المجموعات الأوروبية، رغم أنها تجمع محلي إلا أنها أطلقت فور ظهورها الشعارات العامة للحركة ولم تصوغ شعارات خاصة مرتبطة بالواقع المحلي ومما له دلالة في هذا الشأن أن الاسم المختصر لها هو اختصار لاسمها باللغة الإنجليزية egyption group وليس اختصار باللغة العربية المحلية. تجمع أجيج في الواقع أقرب إلى التجمع الاسمي منه إلى التحالف الحقيقي بين عناصرها، فقد اتفق منذ المؤتمر التأسيسي على حق كل العناصر في المجموعة أن تشن ما تراه من حملات بمفردها – وباسم المجموعة – بغض النظر عن أجندة باقي الأطراف. ليس ثمة أجندة خاصة لدى تشكيل أجيج. ومن ثم لم يظهر أي عمل أو تحرك حقيقي للمجموعة. كما ظهرت في مؤتمرها التأسيسي، باستثناء بعض اليافطات التي رفعها أفراد باسمها في بعض المناسبات. والحال التي تجمع فيها عناصر أجيج هي بعض المؤتمرات النخبوية أو اللقاءات الفنية.

وحيث لم تميز أجيج نفسها بأي خطاب سوى عموميات تتعلق بموضوع العولمة، ولم تقم بأي تحرك على قضية تهم جماهير مباشرة، فقد عاد المشاركون إلى قواعدهم كل يعمل وسط تجمعه على أجندته الخاصة بعد مشاركته الشكلية في المؤتمر التأسيسي. واقتصرت اجتماعات أجيج ونشاطها المحدود على عدد قليل للغاية من النشطين اليساريين الذين لم ينجحوا، أو حتى لم يحاولوا أن يحولوا نشاطها لعمل جماهيري فعلاً كما هو الحال في بعض البلدان الأوروبية واللاتينية والأسيوية فمنذ نشأتها لم تتفاعل مع أي إضراب عمالي أو قضية محلية في أي موقع حتى أن محاولة تنظيم دعاية مضادة أمام المطاعم الأمريكية (ماجدونلز) جاء من خلال اللجنة الشعبية للتضامن مع الانتفاضة ودعايتها حول المقاطعة وليس من خلال (أجيج) المناهضة للعولمة. أما العدد الذي شارك في المؤتمر التأسيسي فقد تحول إلى رقم للذكرى فور انفضاض المؤتمر.

ثمة تحفظ آخر لا يجب إنكاره يتعلق بممارسة النخب السياسية المصرية، هذه النخب تعوض عن افتقارها لقاعدة جماهيرية بالتجمع العرضي لمجموعتها وأشخاصها بمناسبة المشاركة في عمل أو آخر فيما يشبه التحالفات العارضة المؤقتة، وتعاني تلك النخب من فقر شديد في النمو حتى في أوساط المثقفين، ومن ثم تغير اليافطات والأسماء في كل مناسبة دون أن يعني هذا أي زيادة فعلية جديرة بالذكر في عدد المشاركين أو الاتجاهات وهو ضعف يعود غالبًا إلى مناخ الاستبداد السياسي بالدرجة الأولى، والطبيعة الاجتماعية للنخب السياسية في المقام الثاني. ولا تعد أجيج استثناء من تلك الوضعية. وهو ما يحكم على أغلب تشكيلات أو لجان عمل تلك النخب بالموت السريع المفاجئ.

والسؤال الجوهري الذي نطرحه ولا نملك إجابته حتى الآن هو: هل ستسعى النخب السياسية لتنظيم حركة كتل جماهيرية حقيقية حول قضايا تلك الأخيرة؟ أم ستستمر لعبة تغيير اليافطات والأسماء داخل الإطار النخبوي؟

ويبدو أن إجابة هذا السؤال مرهون بالمستقبل وبنهوض حقيقي للحركة الجماهيرية. يعيد تشكيل مشهد الصراع السياسي القاصر حتى الآن على الدولة والنخب السياسية البرجوازية.

وقفة قصيرة:

لا يمكن على الرغم من حجم تناقضات حركة مناهضة العولمة، التقليل من أهميتها. فهي تشكل إطارًا للتعبئة ضد سياسات ومؤسسات الليبرالية الجديدة، وربما هي أهم صيغة عمل تقف بمواجهة الرأسمالية العالمية في هذه اللحظة. وتمثل تحديًا وإزعاجًا حقيقيًا للرأسماليات الأوروبية والأمريكية حتى خارج دولهم. لكن أغلب المشاركين في الحركة لا يعادون الرأسمالية كنظام، ولا يفكرون في بديل هيكلي لها، وحتى الأقلية اليسارية الراديكالية في الحركة بسبب من اهتمامها بالعمل المشترك فضلت الوقوف عند العموميات ولم تتخطاها لطرح بدائل جذرية للنظام ولو على سبيل الدعاية حتى (منتدى البدائل العالمي) لا يقدم بدائل معادية للرأسمالية كنظام، بل يمكن استيعاب أغلبها من النظام نفسه إذا زادت أزماته وتصاعدت الاحتجاجات ضده.

وكما أشرنا توجد ضمن توجهات الحركة مطالب وشعارات مرتبطة بنفوذ قوى تيارات اليمين فيها.

إن نجاح أي تكتيك للمقاومة يدفع النظم الرأسمالية للتفكير في عدة سبل لاحتوائه، أو التقليل من أثره، أو تطوير تكتيك (رجعي) مضاد لمواجهته. وهذا الأمر يهدد الحركة إن لم تعمل على تطوير أساليبها وخلق عمق أكثر شعبية لها يمكن أن تكون وسيلته حملات محلية تساندها الأطراف العالمية لتحقيق انتصارات فعلية في مواقع مختلفة، وهو أمر أقرب إلى حرب المواقع السياسية، مع العمل على تعبئة الجمهور المحلي خلال الحملة، وهو ما يقلل الحاجة إلى الاستقواء بخصوم سياسين ويساعد على عزل قوى اليمين محليًا وتعميق البعد الجماهيري لعملية المقاومة محليًا وعالميًا، لا يعني هذا إغفال التجمعات الاحتجاجية العالمية في مناسبة أو أخرى بل يعني إعطاء وزن أكبر للعمل المحلي الذي سيقوي الاتجاهات الراديكالية ويجهز جمهور أكبر موقعي/ دائم للمشاركة في المعركة داخل عقر داره.. وليس فقط في المناسبات.

وقد يكن ترديد الخطاب العام غير ملائم في مواقع محلية، أو حتى الاختلاف في أولويات الحركة وأجندة عملها الذي يجب أن يبدأ من المحلي حتى يجد تعبيره في العالمي وليس العكس – التعميم للشعارات والخطابات العامة دون اعتبار للتفاوتات والاختلافات – ثمة تخوف آخر يتعلق بتكلفة ومتاعب التجمعات العالمية أن قدوم وفود كبيرة من بلدان تبعد أحيانًا بمسافات كبيرة عن بلد الحدث الاحتجاجي يحتاج إلى نفقات وجهود ضخمة قد لا يقدر عليها المشارك دائمًا. ناهيك عن الجهود الإجرائية والاستضافات… إلخ. الوفد القادم ليس له صلات بجماهير بلد الحدث، وقد لا يجيد أصلاً لغتها، ويقتصر دوره الرئيسي على المشاركة في حدث الاحتجاج بضعة ساعات غالبًا ثم العودة ومحتمل مع تكرار نوع الاحتجاجات بنفس الجهود والنفقات أن يشعر كل من المشاركين من الخارج بالإرهاق وربما الإحباط بمرور الوقت. وقد تكون مشاركته في الحدث لتنظيم احتجاج محلي أقل تكلفة، وأكبر أثرًا، ويفتح الباب لمشاركة جمهور أكبر من الفئات الفقيرة قد نقترح هنا أيضًا تقليل حالات التعبئة لتلك الاحتجاجات فوق القومية وقصرها على مناسبات معينة مهمة، في مقابل توسيع – وزيادة تركيز – العمل المحلي، مع زيادة التعاون بين الأطراف لدعم حملاتهم المحلية عبر وسائل اتصال ولقاءات ممثلين.

نحو بدائل مقاومة مصرية

ليست السياسة المسماة بالعولمة شيئًا مختلفًا عن الرأسمالية في اللحظة الراهنة، والرأسمالية بحكم طبيعتها نظام عالمي ولن يمكن إلحاق هزيمة نهائية بها إلا على صعيد عالمي.

ولكن الرأسمالية بتناقضات حركتها وتفاوت ظروف نمو نظمها تعكس شروط للصراع متباينة من قطر لآخر. ومن ثم لا يمكن ترجمة الهدف العام للحركة ضدها إلا في لغات محلية، بما يعني ذلك ترتيب يتفق والشروط المحلية للشعارات والمطالب والتحالفات… إلخ.

الواقع في التجربة المصرية يشبه وضع يافطة على أرض فضاء مكتوب عليها (المطعم الشعبي للوجبات الساخنة مواعيد العمل من 8 إلى 6) فقبل أن تتمكن النخب السياسية من بناء قواعد جماهيرية أو حتى منظمات جديرة بالذكر تتصرف وكأن الغذاء ساخن الآن داخل المطعم. أن النخب السياسية المصرية تتجاهل كليًا أهمية تعبئة رأي عام شعبي مضاد، حملات الدعاية الأولية الدءوبة طويلة النفس، تنظيم كتل جماهيرية حول مطالبها، الانغراس داخل مواقع جماهيرية. ومن ثم تتحرك وفقًا لاختيارات نخبوية للنشاط.

ليس ثمة حركة حقيقية لمناهضة العولمة في مصر، وحتى الآن ترتبط الجماهير المصرية بين معاناتها وسياسات الليبرالية الجديدة أو صندوق النقد الدولي. خاض الفلاحون المصريون معركتهم في 97 باعتبارها معركة ضد الملاك المحليين وجور الدولة لا أكثر، ولم يرفع أي إضراب عمالي على مدار التسعينات وحتى الآن، شعار ضد مؤسسات العولمة وأهدافها، ليس ثمة حركة نقابية نشطة في مصر إلا في أضيق الحدود على سبيل الاستثناء، خاصة والدولة تفرض وصايتها تقريبًا على النقابات. وفي أوساط الحركة الطلابية يكاد يقتصر رفض العولمة على النشطاء اليساريين والقوميين.

وذلك رغم ارتباط سلسلة كبيرة من معاناة تلك الجماهير بآثار برامج التكيف الهيكلي.

كما أن حالة الاستبداد السياسي في مصر تضع شروطًا ومطالب تفرض نفسها على عمل أي تحرك مضاد.

يجب أولاً إعادة هيكلة النخب على هدف الانغراس وبناء قواعد جماهيرية، على الأقل النخب التي تراهن على الفعل الجماهيري، ولا تتعدى مراهنتها – حتى الآن – المستوى اللفظي.

حملات الدعاية الأولية والشرح الصبور المتكرر والمساعدة في تنظيم كتل جماهيرية عبر الدعاية، وعبر المشاركة في المعارك الصغيرة (الغير مصطنعة) والتي تفرضها فعلاً حالات التذمر الجماهيري هنا أو هناك هي التي يجب أن تتصدر مهام النخب الراديكالية.

صياغة خطاب دعائي محلي وشعارات محلية تنطلق من الاهتمامات الآتية والمباشرة للجماهير، وتوظيفه في الحملات الدعائية والتعبئة سيكون مقدمة لأن تلتف الجماهير حول شعار تشعر أنه يعبر عن همومها بشكل مباشر.

ابتكار أشكال مرنة للاحتجاج أو الحملات تتفق مع الحالة الراهنة للحركة الجماهيرية، وتتصاعد تدريجيًا بالارتباط مع درجة نمو وعي الحركة الجماهيرية ودرجة تنظيمها واستعدادها نفسيًا وعمليًا. يجب قلب التربة أولاً وتسميدها قبل انتظار جني الحصاد.

وأخيرًا لا أملك سوى الثناء على كراس كريس هرمان الغني بالشروح والمعلومات الأولية التي أتصورها هامة كأحد صور الدعاية الأولية.

« السابق التالي »