بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة

« السابق التالي »

مقدمة الطبعة الألمانية الرابعة لعام 1891

مساهمة في تاريخ العائلة البدائية

(باهوفن، ماك- لينان، مورغان)

الطبعات السابقة من هذا الكتاب التي صدرت بأعداد كبيرة قد نفذت كلياً منذ حوالي نصف سنة، ومن زمان، طلب مني الناشر*[1] أعداد طبعة جديدة. وحتى الآن حالت دوني والقيام بذلك أعمال عاجلة. ومنذ صدور الطبعة الأولى، تصرمت سبع سنوات، وفي هذه السنوات تحققت نجاحات كبيرة في دراسة الأشكال البدائية للعائلة. ولهذا كان من الضروري إدخال إصلاحات وإضافات دقيقة هنا خصوصاً وإن نية طبع النص الحالي نقلاً عن الكليشهات تحرمني لفترة من الوقت إمكانية إجراء التعديلات اللاحقة.

و هكذا أعدت النظر في النص كله بدقة وانتباه، وأدخلت جملة من الإضافات أخذت فيها بالحسبان بقدر كاف، كما آمل، حالة العلم في الوقت الحاضر. ثم أني أورد أدناه، في هذه المقدمة، لمحة موجزة عن تطور النظرات إلى تاريخ العائلة، ابتداء من باهوفن حتى مورغان، وإني أفعل ذلك بصورة رئيسية لأن مدرسة التاريخ البدائي الإنجليزية ذات الميول الشوفينية تبذل كل ما في وسعها، كما من قبل، لكي تلزم الصمت حول الانقلاب الذي حققته اكتشافات مورغان في حقل النظرات إلى التاريخ البدائي، دون أن تستحي، مع ذلك، من أن تنسب لنفسها النتائج التي توصل إليها مورغان. ناهيك بأنهم هنا وهناك في البلدان الأخرى يتبعون هذا المثال الإنجليزي بفائق الحمية.

لقد ترجم عملي إلى مختلف اللغات الأجنبية. بادئ ذي بدء إلى الإيطالية: “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”، ترجمة باسكواله مارتينييتي ومراجعة المؤلف، دار بينيفنتو، عام 1885. ثم إلى الرومانية: “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”، ترجمة يون نيد يجده، صدرت الترجمة في مجلة ياسي “Contemporanul” من أيلول 1885 إلى أيار 1886، ثم إلى الدانماركية: “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”،و قد أعد غرسون ترير الطبعة. كوبنهاغن، عام 1888، والترجمة الفرنسية بقلم هنري رافه، نقلاً عن هذه الطبعة الألمانية، هي قيد الطبع.

***

قبل بداية الستينيات، لم يكن من الممكن أن يتناول الكلام تاريخ العائلة. فإن علم التاريخ في هذا الميدان كان لا يزال بعد بكليته خاضعاً لتأثير أسفار موسى الخمسة (التوراة). فإن شكل العائلة البطريركي، الموضوف هناك بإسهاب أكثر مما في أي مكان آخر، لم يعتبروه قطعاً أقدم شكل وحسب، بل اعتبروه أيضاً مماثلاً تماماً- باستثناء تعد الزوجات- لشكل العائلة البرجوازية المعاصرة، وعليه لم يطرأ حقاً وفعلاً، حسب زعمهم، أي تطور تاريخي على العائلة. وأكثر ما أجازوه، هو إمكان وجود مرحلة من العلاقات الجنسية غير المنظمة في الأزمنة البدائية.-صحيح أنهم كانوا يعرفون أيضاً، علاوة على شكل الزواج الأحادي، شكل تعدد الزوجات الشرقي وشكل تعدد الأزواج الهندي التيبتي، ولكنه كان من المستحيل وضع هذه الأشكال الثلاثة في تعاقب تاريخي، فظهرت بعضها إلى جانب بعض دون أي صلة متبادلة. أما أن النسب عند بعض شعوب العالم القديم، كما عند بعض الشعوب المتوحشة التي لا تزال موجودة، لم يكن إلى الأب بل إلى الأم، وأن خط الأم كان يعتبر بالتالي الخط الوحيد الذي له شأن، وأن الزواج ممنوع عند كثير من الشعوب المعاصرة داخل جماعات معينة، كبيرة إلى هذا الحد أو ذلك، لم تتناولها الدراسة بعد بإسهاب وتفصيل، وإن هذه العادة لا تزال قائمة في جميع مناطق الدنيا، – فإن هذه الوقائع كان، حقاً , فعلاً، معروفة، وكانت الأمثلة من هذا الطراز تتراكم أكثر فأكثر. ولكن أحداً لم يكن يعرف كيف يتناولها ويدرسها، بل إنها تظهر ببساطة، حتى في “أبحاث في تاريخ البشرية البدائي، الخ..” لمؤلفه أ.ب. تايلور 1865 (3)، بمثابة “عادات غريبة” إلى جانب تحريم بعض المتوحشين للمس حطبة مشتعلة بأداة حديدية، وغير ذلك من الترهات الدينية.

إن دراسة تاريخ العائلة تبدأ منذ عام 1861، عندما صدر عمل باهوفن “حق الأم”(4). فقد تقدم المؤلف في هذا العمل بالموضوعات التالية:

1. في البدء كانت توجد عند البشر علاقات جنسية غير محدودة، أطلق عليها التعبير غير الموفق “الهيتيرية” (“Hétérisme”).

2. إن هذه العلاقات تنفي كل إمكانية لتقديم الدليل الأكيد على الأبوة، ولهذا لم يكن من الممكن تقرير النسب إلا حسب خط الأم- بموجب حق الأم،-كما كان الحال في البدء عند جميع شعوب الأزمنة الغابرة.

3. من جراء هذا، تمتعت النساء، بوصفهن أمهات، بوصفهن الوالدات الوحيدات المعروفات بكل ثقة وتأكيد للجيل الفتي، بقدر كبير من الاحترام والتقدير، بلغ، برأي باهوفن، حد سيادة النساء التامة(“لجينيكوقراطية” Gynécocratie أي “حكم النساء”).

4. إن الانتقال إلى الزواج الأحادي الذي تخص المرأة بموجبه رجلاً واجداً لا غير كان ينطوي على مخالفة لوصية دينية متقادمة العهد (أي على مخالفة عملية لحق الرجال الآخرين المزمن في هذه المرأة)، مخالفة كان ينبغي التكفير عنها أو كانت تجاز بشرط التعويض عنها، أي أنه كان ينبغي على المرأة في خلال فترة معينة أن تضاجع غير زوجها من الرجال.

و الأدلة على هذه الموضوعات يجدها باهوفن في استشهادات عديدة، مجموعة بفائق الدقة والعناية، من أدب الأزمنة الغابرة الكلاسيكي. وأن التطور من “الهيتيرية” إلى أحادية الزواج، ومن حق الأم إلى حق الأب يجري، برأيه، – ولا سيما عند الإغريق،- أثر تطور التصورات الدينية المطرد، أثر تنصيب آلهة جدد، يمثلون المفاهيم الجديدة، في مجموعة الآلهة التقليدية التي تمثل المفاهيم القديمة، الأمر الذي يؤدي إلى زحزحة هذه المفاهيم القديمة أكثر فأكثر إلى المؤخرة من قبل المفاهيم الجديدة. وعليه، ليس تطور الظروف الفعلية لحياة الناس، بل الانعكاس الديني لهذه الظروف في رؤوس هؤلاء الناس بالذات هو الذي أفضى، برأي باهوفن، إلى التغيرات التاريخية في وضع الرجل والمرأة الاجتماعي المتبادل. وتبعاً لذلك، يفسر باهوفن ثلاثية “أوريستية” المسرحية لإسخيلوس على إنها تصور درامي للصراع بين حق الأم الهالك وحق الأب الذي انبثق في العهد البطولي وانتصر. فإن كليتمنسترا، إرضاء لعشيقها إيغيست، قد قتلت زوجها أغممنون بعد عودته من حرب طروادة، ولكن أوريست، ابنها وابن أغممنون، يقتل أمه انتقاماً لمقتل أبيه. ونظراً لذلك، تطارده الإيرينيات (Erinnyes) الحاميات الشيطانيات لحق الأم، الذي يعتبر قتل الأم أفدح جريمة، وجريمة لا تغتفر. ولكن أبولون الذي أقنع أوريست، بوسيط الوحي باقتراف هذا العمل، وأثينا التي يدعونها للقضاء في هذه المسألة، – وهذا الإله وهذه الآلهة يمثلان كلاهما هنا النظام الجديد القائم على حق الأب، -يحميان أوريست، وتستمع أثينا إلى الطرفين. إن كل موضوع النزاع وارد بإيجاز في المناقشات التي تجري بين أوريست والإيرينيات. فإن أوريست يستند إلى كون كليتمنسترا قد ارتكبت إثماً مزدوجاً بقتلها زوجها هي ووالده هو في الوقت نفسه. فلماذا تلاحقه إذن الإيرينيات ولم يلاحقنها هي المذنبة أكثر منه بكثير؟ الجواب مذهل:

“لم تكن مع الزوج الذي قتلته في قرابة الدم”**[2]

إن قتل امرئ لا تربطه بالقاتل رابطة الدم، حتى وإن كان زوج المرأة التي قتلته، تمكن فديته، ولا علاقة أبداً للإيرينيات بهذا الأمر. فشأنهن ألا يلاحقن جريمة القتل إلا عندما تقع وسطع الأقرباء بالدم، وجريمة قتل الأم هي، في هذه الحال، بموجب حق الأم، أفدح جريمة لا يمكن افتداؤها بشيء. ولكن هاهو ذا بولون يأخذ جانب الدفاع عن أوريست، وتطرح أثينا المسألة على التصويت أمام أعضاء “الأريوباغ”- أي أمام المحلفين الأثينيين، فانقسمت الأصوات قسمين متعادلين، قسم يؤيد التبرير وقسم يؤيد المعاقبة، آنذاك صوتت أثينا بوصفها رئيسة المحكمة في صالح أوريست وأعلنت براءته. وهكذا انتصر حق الأب على حق الأم، وتغلب “آلهة الجيل الأصغر”، كما تسميهم الإيرينيات ذاتهن، على الإيرينيات، وفي آخر المطاف، تنتقل الإيرينيات أيضاً إلى خدمة النظام الجديد آخذات على أنفسهن واجبات جديدة.

إن هذا التفسير الجديد، ولكن الصحيح تماماً لثلاثية “أوريستية” المسرحية هو من أروع وأحسن الأماكن في كل كتاب باهوفن، ولكنه يثبت في الوقت نفسه أن باهوفن يؤمن على الأقل بالإيرينيات وأبولون وأثينا كما كان يؤمن بهم إسخيلوس في زمنه أي أنه يؤمن بأنهم اجترحوا معجزة في العهد البطولي الإغريقي: فقد دكوا الحق الأمي وأحلوا محله الحق الأبوي. وواضح أن هذا المفهوم الذي يقول أن الدين يقوم بالدور الفاصل في تاريخ العالم يؤدي في آخر المطاف إلى الصوفية الصرف. ولهذا كانت دراسة كتاب باهوفن- وهو عبارة عن مجلد ضخم كبير القطع- عملاً صعباً وأبعد من أن يكون دائماً مثمراً. ولكن هذا لا يقلل من منزلة باهوفن بوصفه بحاثة شق سبيلاً جديداً. فهو أول من نبذ الكلام الفارغ عن الحالة البدائية المجهولة المرفقة بعلاقات جنسية شاذة، وقدم البرهان على وجود شواهد كثيرة في الأدب الكلاسيكي القديم تؤكد أن الإغريق والشعوب الآسيوية قد عرفت بالفعل قبل الزواج الأحادي حالة لم يكن فيها الرجال وحسب يدخلون في علاقات جنسية مع بضع نساء بل كانت فيها النساء أيضاً يدخلن في علاقات جنسية مع بضعة رجال، دون أن يشكل ذلك مخالفة للعادة، سواء من جانب الرجل أو المرأة. وأثبت أن هذه العادة قد خلف زوالها أثراً تجلى في واجب المرأة، المحصور ضمن إطار معين، بافتداء حقها في الزواج الأحادي بمضاجعة رجال آخرين، وأنه، لهذا السبب، لم يكن من الممكن في البداية حساب الأصل إلا تبعاً للخط النسائي، أي من أم إلى أم، وإن أهمية الخط النسائي الاستثنائية هذه قد بقيت زمناً طويلاً حتى في مرحلة الزواج الأحادي، عندما أصبحت الأبوة ثابتة أو عندما صارت، على كل حال، تلقى اعترافاً، وأثبت أخيراً أن وضع الأمهات الأولي هذا بوصفهن الوالدات الوحيدات الأكيدات لأولادهن قد كفل لهن، وللنساء على العموم في الوقت نفسه، منزلة اجتماعية عالية لم يشغلنها قط مذ ذاك. صحيح أن باهوفن لم يضع هذه الموضوعات بمثل هذا الوضوح، فقد أعاقته عن ذلك نظرته الصوفية إلى العالم. ولكنه قدم البرهان عليها، وكان هذا في عام 1861 بمثابة ثورة كاملة.

كتب باهوفن كتابه الضخم باللغة الألمانية أي بلغة أمة كانت في ذلك الحين تهتم، أقل ما تهتم، بما قبل تاريخ العائلة الحديثة. ولهذا بقي الكتاب مجهولاً. بل أن أقرب وريث لباهوفن تناول الموضوع ذاته في عام 1865 لم يسمع به.

هذا الوريث كان ج.ف. ماك –لينان، النقيض المباشر السافر لسلفه. فعوضاً عن الصوفي العبقري، نجد أمامنا حقوقياً جافاً، وعوضاً عن الخيال الشعري الجامح، نجد مطالعات محام أمام المحكمة مبنية وموزونة بدقة وإمعان. فإن ماك-لينان يجد عند كثير من الشعوب المتوحشة والبربرية وحتى المتمدنة في الزمن القديم والجديد شكلاً لعقد الزواج كان يترتب بموجبه على العريس أن يتصرف كأنما يخطف بالقوة، هو وحده أو مع أصدقائه، العروس من عند أهلها. وهذه العادة، على ما يبدو، هي بقية عادة أقدم عهداً، كان بموجبها رجال إحدى القبائل يخطفون فعلاً بالقوة لأنفسهم الزوجات من خارج قبيلتهم، من عند القبائل الأخرى. فكيف ظهر إذن هذا “الزواج – الخطف”؟ طالما كان في مستطاع الرجال أن يجدوا ما يكفي من النساء في قبيلتهم بالذات، لم يكن ثمة داع لمثل هذا الزواج. ولكننا نجد في عدد كبير مماثل من الحالات أنه توجد عند الشعوب غير المتطورة جماعات معينة (في عام 1865 كانوا لا يزالون يعتبرونها في أحيان كثيرة من عداد القبائل) كان الزواج في داخلها ممنوعاً، ولذا كان الرجال مضطرين إلى أخذ نساء لهم، والنساء مضطرات إلى أخذ رجال لهن، من خارج الجماعة المعنية، ناهيك بأنه توجد عند شعوب أخرى عادة تقضي بألا يأخذ الرجال من جماعة معينة نساء لهم إلا من داخل جماعتهم بالذات. ويسمي ماك – لينان الجماعات الأولى بجماعات “الزواج الخارجي” Exogamos والجماعات الثانية بجماعات “الزواج الداخلي” Endogamos، ولكنه سرعان ما يشير، بدون أي تعليل، إلى التناقض الحاد بين “قبائل” الزواج الخارجي و”قبائل” الزواج الداخلي. ورغم أن دراسته الخاصة بالذات للزواج الخارجي تقوده إلى الاصطدام رأساً بالواقع التالي، وهو أن هذا التناقض لا يوجد في كثير من الحالات، أن لم يكن في أغلبيتها أو حتى في جميعها، إلا في مخيلته، فإنه يبني مع ذلك كل نظريته على أساسه. وحسب نظريته، لا يستطيع رجال قبائل الزواج الخارجي أن يأخذوا زوجات لهم إلا من القبائل الأخرى، وهذا لم يكن من الممكن تحقيقه في حالة الحرب الدائمة بين القبائل في مرحلة الوحشية إلا عن طريق الخطف.

و بعد هذا، يتساءل ماك-لينان: من أين جاءت عادة الزواج الخارجي هذه؟ إن التصورات بصدد القرابة بالدم والاختلاط بالدم لا تمت إلى ذلك بأي صلة، فهما عبارة عن ظاهرات لم تظهر وتتطور إلا بعد حقبة كبيرة. أما عادة قتل الأولاد من الإناث فور ولادتهن- وهي عادة واسعة الانتشار بين المتوحشين- فهي مسألة أخرى. فمن جراء هذه العادة، يظهر في كل قبيلة بمفردها فيض من الرجال تكون عاقبته الأولى، بصورة لا ندحة عنها، تشارك بضعة رجال في امتلاك زوجة واحدة، أي شكل تعدد الأزواج. ومن هنا، برأي ماك-لينان، ينجم أن أم الولد كانت معروفة بينا كان أبوه غير معروف، ولهذا لم يكن يجري حساب القرابة إلا بموجب الخط النسائي، لا بموجب الخط الرجالي. وهذا ما كانه الحق الأمي. أما العاقبة الثانية لنقص النساء داخل القبيلة- وهو نقص يخفف منه تعدد الأزواج ولكنه لا يزيله- فقد كانها خطف نساء القبائل الأخرى بالقوة باستمرار.

“و بما أن الزواج الخارجي وتعدد الأزواج يظهران بفعل السبب الواحد نفسه- أي عدم تساوي الجنسين عددياً- فإنه ينبغي لنا أن نقر بأن تعدد الأزواج كان موجوداً في البدء عند جميع العروق ذات الزواج الخارجي… ولذا يجب أن نعتبر مما لا جدال فيه أن أول نظام للقرابة بين العروق ذات الزواج الخارجي كان ذلك النظام الذي لم يعرف علاقات الدم إلا من جانب الأم” (ماك-لينان “دراسات في التاريخ القديم”، الزواج البدائي”).(5)

و مأثرة ماك-لينان أنه أشار إلى الأهمية الكبيرة لما أسماه هو بالزواج الخارجي وإلى انتشاره في كل مكان. أنه لم يكتشف على الإطلاق واقع وجود جماعات الزواج الخارجي، وهو، على كل حال، لم يفهمه. وفضلاً عن مختلف الملاحظات التي أدلى بها قبل ذلك كثيرون من المراقبين- وهم بالذات الذين كانوا مصادر ماك-لينان- وصف ليتام (“الإتنولوجيا الوصفية”، هام 1859)(6) بصورة دقيقة وصحيحة هذه المؤسسة عند الماغار الهنود وأعرب عن رأي مفاده أن هذه المؤسسة منتشرة في كل مكان وأنها موجودة في جميع مناطق العالم- وهذا ما يستشهد به ماك لينان نفسه. ثم أن صاحبنا مورغان ذاته سبق له في عام 1847 في رسائله عن الإيروكوا (المنشورة في “أميريكان ريفيو”- “المجلة الأمريكية” –(“American Review”) وفي عام 1851 في عمله “عصبة الإيروكوا” (7) أن قدم الدليل على وجود مؤسسة مماثلة عند هذه المجموعة من القبائل وأعطى وصفاً صحيحاً عنها، في حين أن عقل المحامي عند ماك-لينان، كما سنرى، قد أدخل هنا من التشوش أكثر بكثير مما أدخله الخيال الصوفي عند باهوفن في ميدان الحق الأمي. ومأثرة ماك-لينان الأخرى أنه اعتبر نظام الأصل حسب الحق الأمي هو الأول، رغم أنه اعترف بنفسه فيما بعد بأن باهوفن قد سبقه في هذا الصدد. ولكننا نجد هنا أيضاً بعض الغموض عنده، فهو يتكلم على الدوام عن “القرابة حسب الخط النسائي وحده”(Kinship through femaleonly)، ويستخدم دائماً هذا التعبير الصحيح، بالنسبة لدرجات أبكر، كذلك لدرجات لاحقة في سلم التطور، عندما كان الأصل وحق الوراثة لا يزالان يحسبان بموجب الخط النسائي بوجه الحصر، بينما كانت القرابة تحدد ويعترف بها بموجب الخط الرجالي أيضاً. وهذه محدودية الحقوقي الذي يخلق لنفسه تعبيراً حقوقياً ثابتاً ويواصل استعماله بشكل لا يتغير ويطبقه على ظروف لم يعد يلصح لتطبيقه عليها.

و لكن نظرية ماك-لينان، رغم كل متانتها ورسوخها، بدت لصاحبها نفسه، على ما يظهر، غير معللة تعليلاً كافياً. وهو ذاته، على كل حال، لفت الانتباه إلى:

“ذلك الواقع الواسع الدلالة وهو أن الشكل الأوضح تعبيراً لخطف النساء”(الظاهري)”منتشر على وجه الدقة عند الشعوب التي تسود بينها القرابة الرجالية”(أي الأصل حسب الخط الرجالي).

ثم قال: “من الغريب أن قتل الأولاد، بقدر ما نعرف، لا يمارس أبداً بدأب وانتظام حيث يوجد جنباً إلى جنب الزواج الخارجي وأقدم شكل للقرابة”.

هذان الواقعان يتناقضان بكل لجلاء مع طريقة تفسيره بالذات، فلا يسعه أن يعارضهما إلا بفرضيات جديدة، أكثر غموضاً وتشوشاً.

و مع ذلك حظيت نظريته في بريطانيا بحار التحبيذ وواسع الصدى، وكان الجميع هنا يعتبرونه مؤسس تاريخ العائلة والحجة الأولى في هذا الميدان. وإن معارضته “قبائل” الزواج الخارجي بـ “قبائل” الزواج الداخلي قد بقيت، رغم ثبوت بعض الاستثناءات والتغيرات، أساساً معترفاً به من الجميع للمفاهيم السائدة، وتحولت إلى غمامة حالت دون أي دراسة غير متحيزة للميدان المدروس، وحالت بالتالي دون أي خطوة حازمة إلى الأمام. وخلافاً لاستعظام مآثر ماك-لينان في بريطانيا، وكذلك في بلدان أخرى اقتداء ببريطانيا، تجدر الإشارة إلى أنه، بمعارضته “قبائل” الزواج الخارجي بـ”قبائل” الزواج الداخلي، الناجمة عن مجرد سوء فهم، قد أحدث من الضرر أكثر مما جلب من النفع بدراساته.

و لكنه سرعان ما أخذت تتكشف أكثر فأكثر وقائع لا تتوضع في إطارات نظريته الأنيق الضيق. ذلك أن ماك –لينان لم يعرف سوى ثلاثة أشكال للزواج: تعدد الزوجات، وتعدد الأزواج، والزواج الأحادي. ولكن بما أن الانتباه قد وجه إلى هذه الناحية، فقد شرعوا يجدون أكثر فأكثر من الأدلة على أنه كانت توجد عند الشعوب المتخلفة أشكال للزواج كان بضعة رجال في ظلها يملكون بضع نساء بصورة مشتركة. وقد أقر ليبوك (“أصل الحضارة”، عام 1870)(8) بهذا الزواج الجماعي (Communal marriage) كواقع تاريخي.\

و بعد ذلك، أي في عام 1871، تقدم مورغان بمادة جديدة وفاصلة في كثير من النواحي. فقد اقتنع بأن، نظام القرابة الطريف الساري المفعول عند الإيروكوا كان ملازماً لجميع السكان الأصليين في الولايات المتحدة وبأنه كان بالتالي منتشراً في عموم القارة، رغم أنه كان يناقض مباشرة درجات القرابة، النابعة عملياً من نظام الزواج المعمول به هناك. وقد دفع مورغان الحكومة الاتحادية الأميركية إلى جمع المعلومات عن أنظمة القرابة عند مختلف الشعوب حسب الجداول ومجموعة الأسئلة التي وضعها بنفسه، فتبين له من الأجوبة :

1. أن نظام القرابة المعمول به عند الهنود الحمر في أميركا موجود كذلك عند عدد كبير من القبائل في آسيا، وبشكل مختلف نوعاً في أفريقيا وأوستراليا.

2. إن هذا النظام يحدد تفسيراً كاملاً له في ذلك الشكل من الزواج الجماعي، الذي هو على وجه الدقة في طور الاضمحلال في جزر هاواي وفي الجزر الأوسترالية الأخرى.

3. إنه يوجد مع ذلك، إلى جانب هذا الشكل من الزواج، وفي الجزر نفسها، نظام آخر للقرابة لا يمكن تفسيره إلا بشكل أقدم للزواج الجماعي لم يبق له وجود في الوقت الحاضر.

و قد نشر مورغان المعلومات المجموعة مع استنتاجاته منها في مؤلفه “أنظمة القرابة والنسب”، الصادر في عام 1871(9)، وبذلك نقل النقاش إلى مجال أرحب بما لا يقاس. وعلى أساس أنظمة القرابة، بعث ما يناسبها من أشكال العائلة، وبذلك فتح طريقاً جديداً أمام البحث، ووفر إمكانية النظر بمزيد من التعمق إلى ما قبل تاريخ البشرية. إن انتصار هذه الطريقة كان من شأنه أن يبدد تلفيقات ماك-لينان البديعة هباء.

و لهذا هب ماك-لينان إلى الدفاع عن نظريته في الطبعة الثانية لمؤلفه “الزواج البدائي”(“دراسات في التاريخ القديم”،عام 1876). وهو يبني تاريخ العائلة بصورة مصطنعة إلى أقصى حد، معتمداً على الفرضيات وحسب، ويتطلب في الوقت نفسه من ليبوك ومورغان لا البراهين على كل من أقوالهما وحسب، بل أيضاً براهين دامغة قاطعة كالتي لا يقبل غيرها في المحكمة الإسكوتلندية. هكذا بالذات يسلك ذلك الرجل الذي يستند إلى وجود صلة وثيقة بين أخ الأم وابن الأخت عند الجرمان (تاقيطس، “جرمانيا”، الفصل 20) وإلى حكاية قيصر القائلة أن لكل عشرة رجال أو اثني عشر جلاً من البريطانيين (Bretons) زوجات مشتركات وإلى حكايات الكتاب القدامى الأخرى عن شيوعية النساء عند البرابرة، فيستنتج، دون أي تردد، أن تعدد الزواج هو الذي كان سائداً عند جميع هذه الشعوب! يخيل للمرء أنه يسمع مدعياً عاماً مستعداً لأن يسمح لنفسه بالتصرف على هواه عند توجيه التهمة، ولكنه يطالب جهة الدفاع بأن تقدم برهاناً قاطعاً على كل كلمة له قوة البرهان القانوني.

إن الزواج الجماعي مجرد تلفيق. هكذا يقول ماك-لينان، فيبدو بالتالي بعيداً وراء باهوفن. وبرأي ماك- لينان أن نظام القرابة عند مورغان هو عبارة عن قواعد بسيطة للتهذيب الاجتماعي، وهذا ما يثبته الواقع التالي وهو أن الهنود الحمر يخاطبون الغرباء أيضاً- أي البيض – بكلمة: أخ أو والد. وهذا يعني كما لو أن أحداً يحاول أن يزعم أن أسماء الأم والأم وأخ والأخت هي مجرد أشكال للمخاطبة لا تعني شيئاً، لأن رجال الدين الكاثوليك ورئيسات الأديرة الكاثوليكية يسمونهم بالآباء والأمهات، ولأن الرهبان والراهبات وحتى الماسونيين وأعضاء الجمعيات الحرفية البريطانية يخاطبون بعضهم بعضاً في الجلسات الاحتفالية بكلمتي: أخ وأخت. وهكذا كان دفاع ماك- لينان في أقصى الضعف.

و لكنه بقيت هناك نقطة كان فيها منيعاً لا يطال. فإن التضاد بين “قبائل” الزواج الخارجي و”قبائل” الزواج الداخلي، الذي ارتكز عليه كل نظامه، لم يتزعزع، وليس هذا وحسب، بل حتى أنه اعتبر أيضاً في كل مكان حجر الزاوية في كل تاريخ العائلة. صحيح إنهم قالوا أن التفسير الذي حاول ماك-لينان أن يعطيه عن هذا التضاد غير مقنع كفاية، وأنه يناقض الوقائع التي أوردها بنفسه. ولكن هذا التضاد ذاته، أي وجود نوعين ينفي أحدهما الآخر من قبائل منعزلة ومستقلة كانت قبائل أحد النوعين تأخذ لنفسها زوجات من داخل القبيلة، بينما كان ذلك ممنوعاً منعاً باتاً على قبائل النوع الثاني،كان يعتبر بمثابة حقيقة إنجيلية لا تدحض. قارن، مثلاً، جيرو طولون، “أصل العائلة”(1874)و حتى ليبوك،”أصل الحضارة”(الطبعة الرابعة،1882)(10).

و ضد هذه النقطة، وجه مورغان مؤلفه الرئيسي “المجتمع القديم”(1877)(11)- وهذا المؤلف اتخذناه أساساً لعملنا هذا. فإن ما حزره مورغان بغموض وحسب في عام 1871، معروض هنا الآن بوضوح تام. فإن الزواج الخارجي والزواج الداخلي لا يشكلان أبداً تضاداً، ووجود “قبائل ” الزواج الخارجي لم يعط عنه حتى الآن البرهان في أي مكان كان. ولكن عندما كان الزواج الجماعي لا يزال سائداً- كانت القبيلة منقسمة إلى جملة من جماعات وعشائر مرتبطة بعضها ببعضها بقرابة الدم حسب خط الأم- والزواج في داخلها ممنوع منعاً باتاً، ولذا كان الرجال من عشيرة معينة يستطيعون أن يأخذوا زوجات لهم من داخل القبيلة، وكانا على العموم يفعلون ذلك، ولكنه كان يتعين عليهم أن يأخذوهن من خارج عشيرتهم. وعليه، إذا كانت العشيرة خاضعة تماماً لنظام الزواج الخارجي، فإن القبيلة التي تشمل مجمل العشائر كانت هي أيضاً خاضعة تماماً لنظام الزواج الداخلي. وهذا ما دحض نهائياً آخر بقية من تلفيقات ماك-لينان المصطنعة.

بيد أن مورغان لم يكتف بهذا. فإن عشيرة الهنود الحمر الأميركيين أعطته فيما بعد أساساً للقيام بالخطوة الحاسمة الثانية إلى الأمام في الميدان الذي يدرسه. ففي هذه العشيرة المنظمة حسب الحق الأمي، اكتشف الشكل الأولي الذي نشأت منه وتطورت فيما بعد العشيرة المنظمة حسب الحق الأبوي- أي تلك العشيرة التي نجدها عند الشعوب المتحضرة في الزمن القديم. فإن العشيرة اليونانية والرومانية التي كانت قبل ذاك لغزاً على جميع المؤرخين، قد وجدت تفسيراً لها في عشيرة الهنود الحمر، ووجد بالتالي أساس جديد لكل التاريخ البدائي.

إن هذا الاكتشاف الجديد للعشيرة الأولية، المرتكزة على الحق الأمي، بوصفها مرحلة سبقت العشيرة المرتكزة على الحق الأبوي عند الشعوب المتحضرة، يتسم بالنسبة للتاريخ البدائي بنفس القدر من الأهمية الذي تتسم به نظرية داروين حول النشوء والارتقاء بالنسبة للبيولوجيا والذي تتسم به نظرية ماركس حول القيمة الزائدة بالنسبة للاقتصاد السياسي. وقد أتاح هذا الاكتشاف لمورغان أن يرسم للمرة الأولى لوحة عن تاريخ العائلة كانت تحتوي، بقدر ما سمحت المادة المعروفة حتى الآن، الخطوط الكبرى لدرجات التطور، المثبتة مسبقاً، الكلاسيكية على الأقل. وواضح لكل امرئ أن عهداً جديداً في دراسة التاريخ البدائي ينفتح بذلك. فإن العشيرة المرتكزة على الحق الأمي أصبحت ذلك المحور الذي يدور حوله كل هذا العلم، ومنذ اكتشافها، صار مفهوماً في أي اتجاه يجب توجيه الدراسة وما تنبغي دراسته وكيف يتعين تصنيف النتائج الحاصلة. وتبعاً لذلك، يحرزون الآن النجاحات في هذا الميدان بصورة أسرع بكثير مما قبل صدور كتاب مورغان.

و في بريطانيا أيضاً اعترف الآن جميع مؤرخي المجتمع البدائي باكتشافات مورغان أو، بالأصح، استأثروا بها. ولكننا لا نجد عند أي منهم تقريباً اعترافاً صريحاً بأنهم مدينون لمورغان بالذات بهذه الثورة في النظرات. وفي بريطانيا يلزمون الصمت المطبق قدر الإمكان حول كتابه، ولكنهم يتخلصون منه بمجرد مديح متعال على أعماله السابقة، وينقبون ببالغ الجهد في مختلف تفاصيل عرضه، ولكنهم يلزمون الصمت بعناد حول اكتشافاته الكبيرة حقاً وفعلاً. لقد نفدت الطبعة الأولى من كتابه “المجتمع القديم”، أما في أميركا، فإن أمثال هذه الأشياء لا تجد ما يليق بها من التصريف، وفي بريطانيا، تجاهلوا على الدوام هذا الكتاب، حسبما يبدو، والطبعة الوحيدة التي لا تزال قيد البيع لهذا لمؤلف الذي يشكل دهراً، هي ترجمة ألمانية.

فأين يكمن سبب هذا التحفظ الذي يصعب عدم استشفاف مؤامرة الصمت فيه، خصوصاً إذا لم يغب عن البال ما يبرقش مؤلفات خبرائنا المعترف بهم في التاريخ البدائي من استشهادات عديدة يوردونها بدافع اللطف والتهذيب ومن أدلة أخرى على احترام الزملاء؟ ألا يكمن في أن مورغان أميركي وأنه من غير المستطاب أبداً لمؤرخي المجتمع البدائي البريطانيين أنهم، رغم كل ما بذلوه من جهود تستحق كل تقدير من أجل جمع المواد، قد اضطروا إلى الاقتباس من أجنبيين عبقريين هما باهوفن ومورغان عندما تعلق الأمر بالموضوعات الأساسية العامة الضرورية لأجل تصنيف وتبويب هذه المواد، أي بإيجاز، عندما تعلق الأمر بالأفكار الضرورية لهم؟ لقد كان من الممكن القبول بالألماني، أما بالأميركي! فحيال الأميركي، يصبح كل بريطاني وطنياً متحمساً، ولقد رأيت في الولايات المتحدة أمثلة مضحكة عن ذلك. ناهيك بأن ماك-لينان كان، كما يقال، معترفاً به رسمياً مؤسساً ورئيساً لمدرسة التاريخ البدائي البريطانية. وفي هذا الميدان، أصبح من المستحسن نوعاً التكلم فقط بأعظم الإجلال عن بنائه التاريخي المصطنع، الذي يؤدي من قتل الأولاد عبر تعدد الأزواج والزواج – الخطف إلى العائلة المرتكزة على الحق الأمي، وكانوا يعتبرون أقل شك في وجود “قبائل” الزواج الخارجي و”قبائل” الزواج الداخلي التي تنفي بعضها بعضاً بصورة مطلقة، ضرباً من الهرطقة الوقحة، وعلى هذا لنحو، اقترف مورغان، بتبديده كالدخان جميع هذه العقائد المقدسة، ضرباً من التدنيس والتنجيس للقدسيات. ناهيك بأنه بددها بحجج كان حسبه أن يدلي بها حتى تصبح على الفور جلية للجميع، وهكذا كان لا بد لمداحي ماك- لينان العاجزين حتى الآن عن الخلاص من التناقض بين الزواج الخارجي والزواج الداخلي، من أن يلطموا جباههم أو يكاد يهتفوا: كيف أمكننا أن نكون أغبياء إلى حد أننا لم نكتشف هذا بأنفسنا من زمان بعيد!

و إذا كانت حتى هذه الجرائم غير كافية لكي تقف المدرسة الرسمية من مورغان موقفاً غير موقف الانصراف عنه ببرودة وجفاء، فقد جعل الكأس يطفح بكونه لم يقتصر على انتقاد الحضارة- أن مجتمع الإنتاج البضاعي، الشكل الأساسي لمجتمعنا المعاصر- انتقاداً يحمل على تذكر فوريه، بل تحدث أيضاً عن التحولات المقبلة التي ستطرأ على هذا المجتمع بتعابير كان من الممكن أن يلجأ إليها كارل ماركس. ولهذا نال مورغان ما يستحقه عندما لامه ماك-لينان بسخط على “نفوره التام من الطريقة التاريخية” وعندما أكد البروفسور السيد جيرو-طولون من جينيف هذا اللوم في عام 1884 أيضاً. مع أنه سبق لهذا السيد جيرو –طولون نفسه أن ضل في 1874 (“أصل العائلة”)، عاجزاً، ضعيفاً، في متاهات الزواج الخارجي الماك-ليناني التي لم يخرجه منها إلا مورغان!

و لا داعي إلى البحث هنا في النجاحات الأخرى التي يدين بها التاريخ البدائي لمورغان، فكل ما يلزم بهذا الصدد يمكن إيجاده في الأماكن المناسبة من كتابي. ثم أن السنوات الأربع عشرة التي تصرمت منذ صدور عمل مورغان الرئيسي، قد أغنت كثيراً ما لدينا من مواد في تاريخ المجتمعات البشرية البدائية، فإلى الانتروبولوجيين والرحالة ومؤرخي المجتمع البدائي المحترفين انضم الحقوقيون الذين يهتمون بالحق المقارن والذين أعطوا جزئياً مادة جديدة وتقدموا جزئياً بوجهات نظر جديدة. وهذا ما أدى إلى زعزعة بعض من فرضيات مورغان وحتى إلى دحضها. ولكن المادة المجموعة حديثاً لم تؤد في أي مكان إلى ضرورة الاستعاضة عن موضوعاته الجوهرية بموضوعات ما أخرى. إن النظام الذي حمله إلى التاريخ البدائي لا يزال حتى الآن يحتفظ بقوته من حيث خطوطه الكبرى. بل أنه يمكن القول أنه يظفر أكثر فأكثر بالاعتراف العام، وذلك بنفسن القدر الذي يحاولون به أن يخفوا أنه هو واضع الحجر الأساسي لهذا التقدم العظيم***[3].

لندن، في 16 حزيران 1891

فريدريك إنجلس

صدرت في مجلة “Die Neue Zeit” (“دي نويه زايت”) المجلد 2، العدد 41، 1890-1891 وفي كتاب Friedrich Engles. ” Der Ursprung der Familie, des Privateigenthums und desStaats”, Stuttgart, 1891.تصدر حسب نص الكتاب بعد مقارنته بنص المجلة. تمت الترجمة نقلاً عن الألمانية.

الهوامش:

(3) E.B.Tylor “Research into the Early History of Manking and the Development ofCivilization”. London, 1865 (تايلور. “أبحاث في تاريخ البشرية البدائي ونشوء الحضارة”. لندن، 1865).

(4) J.J.Bachofen. “Das Mutterrecht.EineUntersuchung über die Gynaikokratie der alten Welt nach ihrerreligiösen und rechtlichen Natur”. Stuttgart, 1861. (باهوفن. “حق الأم. بحث في حكم النساء في العالم القديم على أساس طبيعته الدينية والحقوقية”. شتوتغارت، 1861).

(5) J.F.Mac-Lennan “Studies in Ancient Historycomprising a Reprint of “Primitive Marriage. An Inquiry into the Origin of theForm of Capture in Marriage Ceremonies””. London and Newyork, 1886. (ماك-لينان “دراسات في التاريخ القديم تشمل إعادة طبع “الزواج البدائي. بحث في أصل طقس الخطف في حفلات الزواج”. لندن ونيويورك، 1886).

(6) R.G.Latham “Descriptive Ethnology”. Vol I-II, London,1859. (ليتام “الإثنولوجيا الوصفية”. المجلدان الأول والثاني. لندن، 1859).

(7) L. H. Morgan “Leage of theHo-dé-no-sau-nee or Iroquois”. Rochester, 1851. (مورغان. “عصبة هو-دي-نو-سي-ني أو الإيروكوا” روتشستر، 1851).

(8) J. Lubbock. “The Origin of Civilization andthe Primative Condition of Man. Mental and Social Condition of Savages”. London ; 1870. (ليبوك. “أصل الحضارة وحالة الإنسان البدائية. أوضاع المتوحشين الفكرية والاجتماعية”. لندن، 1870).

(9) L. H. Morgan “Systems of Consanguinity andAffinity of the Human Family”. Washington, 1871. (ل. هـ. مورغان. “أنظمة القرابة بالعصب والمصاهرة في العائلة البشرية”. واشنطن، 1871).

(10) A. Girard- Teulon. “Les origines de la famille” Genève, Paris, 1874. J. Lubbock. “The Origin ofCivilization and the Primative Condition of Man. Mental and Social Condition ofSavages”. 4th Ed. London 1882. (جيرو-تولون. “أصل العائلة”. جينيف وباريس 1874. ليبوك. ” أصل الحضارة وحالة الإنسان البدائية. أوضاع المتوحشين الفكرية والاجتماعية”. الطبعة الرابعة، لندن، 1882).

(11) L. H. Morgan. “AncientSociety, or Researches in the Lines of Human Progress from Savagery throughBarbarism to Civilization”. London,1877. (ل. هـ. مورغان. “المجتمع القديم، أو البحث في خطوط التقدم البشري من الوحشية عبر البربرية إلى الحضارة”. لندن، 1877).

 

[1] ي.ديتس. الناشر.

[2] إسخيلوس.”أوريستية.الإيرينيات”. الناشر.

[3] في طريق عودتي من نيويورك، في أيلول 1888، التقيت بنائب سابق في الكونغرس عن دائرة روتشستر الانتخابية، كان يعرف لويس مورغان. ومع الأسف، لم يستطع أن يحدثني عنه إلا قليلاً. كان مورغان يعيش في روتشستر كفرد عادي منصرفاً إلى عمله العلمي فقط. وكان أخوه كولونيلاً يخدم ي وزارة الحربية في واشنطن، وبمعونة أخيه، استطاع أن يثير اهتمام الحكومة بأبحاثه وأن يصدر بعض مؤلفاته بأموال الدولة، ثم أن محدثي، كما قال لي، سعى هو أيضاً غير مرة نم أجله عندما كان نائباً في الكونغرس.

« السابق التالي »