بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة

« السابق التالي »

4 ـ العشيرة اليونانية

منذ الأزمنة ما قبل التاريخ، كان اليونانيون، شأنهم شأن البلاسج وغيرهم من الشعوب القريبة منهم، قد تشكلوا حسب السلسلة العضوية كما عند الأميركيين: العشيرة، الفراترية، القبيلة، اتحاد القبائل. إلا أنه كان من الممكن أن تنقص الفراترية، كما عند الدوريين، كما أن اتحاد القبائل لم يتشكل في كل مكان، على كل حال، كانت العشيرة الخلية الأساسية. وعندما ظهر اليونانيون في مسرح التاريخ، كانوا قد بلغوا عتبة الحضارة، وكانت تمتد بينهم وبين القبائل الأميركية التي تناولها الكلام آنفاً مرحلتان كبيرتان كاملتان تقريباً من التطور سبق بهما يونانيو العقد البطولي الإيروكوا. ولهذا لم تكن العشيرة اليونانية أبداً عشيرة الإيروكوا القديمة، ناهيك بأن طابع الزواج الجماعي*[1]. أخذ يمحى بصورة ملحوظة. وأخلى الحق الأمي المكان للحق الأبوي. وبذلك أحدثت الثروة الخاصة الناشئة أول شق في التنظيم العشائري. وجاء الشق الثاني نتيجة طبيعية للشق الأول: فبما أن ملك مورثة غنية كان ينبغي، بعد تطبيق الحق الأبوي، أن يعود بحكم الزواج إلى زوجها، وبالتالي إلى عشيرة أخرى، فقد حطموا أساس كل حق عشائري، ولم يسمحوا وحسب، بل جعلوا من الواجب في هذه الحال أن تتزوج الفتاة داخل عشيرتها لكي تحتفظ بملكها.

إن العشيرة الأثينية، مثلاً، كانت ترتكز، حسب غروت (تاريخ اليونان)(89)، على الأسس التالية:

1.طقوس دينية مشتركة، وحق الكهنة بوجه الحصر في ممارسة الشعائر المقدسة تكريماً لإله معين من المعتقد أنه جد العشيرة المشترك، ويطلق عليه، بحكم هذه الصفة، لقب خاص.

2.مكان مشترك للدفن (راجع “أوبوليدس” لديموستينس (90)).

3.حق الوراثة المتبادلة.

4.الواجب المتبادل في تقديم العون والحماية والمساندة ضد أعمال العنف.

5.الحق والواجب المتبادلان في بعض الأحوال في الزواج داخل العشيرة ولا سيما عندما يتعلق الأمر بيتيمات أو بوريثات.

6.امتلاك أموال مشتركة، في بعض الأحوال على الأقل، يشرف عليها “أرخونت” (زعيم) وخازن خاصان.
و فضلاً عن ذلك، كانت بضع عشائر تتحد وتترابط في فراترية، ولكن بعرى أقل وثوقاً، ولكننا نرى هنا أيضاً حقوقاً وواجبات متبادلة كالتي في العشيرة، ولاسيما منها المشاركة في ممارسة بعض الشعائر الدينية وحق الملاحقة في حال قتل عضو من الفراترية. ثم أن مجمل الفراتريات من قبيلة واحدة كانت لها بدورها أعياد مقدسة مشتركة تتكرر بانتظام، ويرأسها “فيلوبازيلوس”(“زعيم قبيلة” phylobasileus) ينتخب من بين النبلاء (“الأوباتريد” eupatrids).

هذا ما يقوله غروت، وإلى هذا يضيف ماركس:

“و لكن عبر العشيرة اليونانية، كان يتراءى المتوحش بوضوح (مثلاً، الإيروكي)”(91).

و سيبدو بمزيد من الوضوح إذا ما واصلنا الدراسة بعض الشيء.

و بالفعل، تتميز العشيرة اليونانية بالسمات التالية أيضاً:

7.حساب الأصل وفقاً للحق الأبوي.

8.منع الزواج داخل العشيرة، باستثناء الزواج من الوريثات. إن هذا الاستثناء وإضفاء صفة القانون عليه يؤكدان أن القاعدة القديمة كانت ما تزال سارية المفعول. وهذا ينبع أيضاً من قاعدة إلزامية عامة تقضي بأن تمتنع المرأة بعد زواجها من المشاركة في طقوس عشيرتها الدينية، وتتبنى طقوس زوجها في فراترية زوجها التي كانت هي مسجلة فيها من قبل. وبموجب هذا، وكذلك وفقاً لمقطع معروف من ديكيارخ (92)، كان الزواج خارج العشيرة هو القاعدة، بل أن بيكر يعتبر صراحة في كتابه “خاريكلس” أنه لم يكن يحق لأحد أن يتزوج داخل عشيرته (93).

9.حق العشيرة في التبني. وكان هذا الحق يطبق بالتبني في إحدى العائلات ولكن شرط مراعاة الشكليات العامة، وعلى سبيل الاستثناء فقط.

10.الحق في انتخاب الزعماء وعزلهم. ونحن نعلم أنه كان لكل عشيرة “أرخونت”. ولم يرد في أي مكان أن هذه الوظيفة كانت تنتقل بالوراثة في عائلات معينة. وحتى نهاية عهد البربرية، يجب الظن دائماً أنه لم تكن توجد وراثة صارمة للوظيفة لا تتفق إطلاقاً مع النظام الذي كان في ظله يتمتع الأغنياء والفقراء داخل العشيرة بالمساواة التامة في الحقوق.

و ليس غروت وحسب، بل أيضاً نيبور ومومزن وجميع المؤرخين الآخرين الذين درسوا الأزمنة القديمة الكلاسيكية، استعصت عليهم مسألة العشيرة حتى الآن. فرغم أنهم رسموا بشكل صحيح كثيراً من علائمها، رأوا دائماً فيها مجموعة عائلات ومن جراء ذلك لم يستطيعوا أن يفهموا طبيعة العشيرة وأصلها. ففي ظل النظام العشائري، لم تكن العائلة أبداً ولم يكن بوسعها أن تكون خلية النظام الاجتماعي، لأن الزوج والزوجة كانا ينتميان بالضرورة إلى عشيرتين مختلفتين. كانت العشيرة تنتمي بكليتها إلى الفراترية، والفراترية إلى القبيلة، أما العائلة، فكانت تنتمي بنصفها إلى عشيرة الزوج وبنصفها الثاني إلى عشيرة الزوجة. كذلك لا تعترف الدولة بالعائلة في ميدان الحق العام، ولا تقوم العائلة حتى الآن إلا في ميدان الحق الخاص. ومع ذلك، ينطلق كل علم التاريخ حتى الآن من فرضية سخيفة خرقاء أصبحت ثابتة لا تتزعزع، ولا سيما في القرن الثامن عشر، ومفادها أن العائلة الفردية الأحادية الزواج، التي من المشكوك في أن تكون أقدم من عهد الحضارة، كانت النواة التي تبلور المجتمع والدولة حولها تدريجياً.

و هنا يضيف ماركس:

“يجدر بالسيد غروت أن يشير أيضاً إلى ما يلي: رغم أن اليونانيين كانوا يشتقون عشائرهم من الميثولوجيا، كانت هذه العشائر أقدم من الميثولوجيا التي خلقتها بنفسها، مع آلهتها وأنصاف آلهتها”(94).

و يفضل مورغان الاستشهاد بغروت لأن غروت شاهد له وزنه ومكانته وموثوق به تماماً. فإن غروت يروي يضأ أن كل عشيرة أثينية كانت تحمل اسماً انتقل إليها من مؤسسها المفترض، وأن أعضاء عشيرة (gennêtes) المتوفى كانوا يرثون أمواله قبل سولون على كل حال، وبعد سولون إذا لم تكن هناك وصية، وإن ملاحقة المجرم أمام المحكمة إذا ما وقعت جريمة قتل، كانت في المقام الأول، من حق وواجب أقرباء القتيل، ثم أعضاء عشيرة القتيل وأخيراً أعضاء فراترية القتيل.

“كل ما نعرفه عن أقدم القوانين الأثينية يرتكز على الانقسام إلى عشائر وفراتريات”(95).

إن تحدر العشائر من جدود مشتركين قد تسبب “للعلماء التافهين الضيقي الأفق”(ماركس)(96) المزعجات والمنغصات. فبما أنهم، بالطبع، يتصورون هؤلاء الجدود كائنات ميثولوجية صرف، فإنه لا تبقى لديهم أي إمكانية لكي يفسروا لأنفسهم نشوء العشيرة من عائلات منفردة تعيش بعضها في جوار بعض، ولم تكن تجمع بينها في البدء رابطة القرابة، ومع ذلك ينبغي عليهم أن يفعلوا ذلك لكي يفسروا على الأقل وجود “العشيرة”. وهكذا يجدون أنفسهم في حلقة مفرغة، ويصبون سيولاً من الكلام الفارغ، دون أن يتجاوزوا الزعم بأن شجرة النسب هي، بالطبع، خرافة، بينا العشيرة موجودة في الواقع، وفي آخر المطاف، نجد عند غروت ما يلي (الكلمات بين هلالين لماركس):

“نحن لا نسمع عن شجرة النسب هذه إلا نادراً، لأنه لا يشار إليها أمام الملأ إلا في أحوال معينة، احتفالية جداً. ولكن العشائر الأقل شأناً كان لها طقوسها الدينية المشتركة”(ما أغرب ذلك، أيها السيد غروت!)، “و كذلك جد مشترك- سوبرمان وشجرة نسب مشتركة، مثلها تماماً مثل العشائر الأكبر شأناً”( ما أغرب هذا، أيها السيد غروت، عند العشائر الأقل شأناً!)”إن التصميم الرئيسي والأساس المثالي”(لا المثالي ideal، يا سيدي العزيز، بل اللحمي carnal، أو بلغتنا الألمانية الجسدي!)”كانا مشتركين عند جميع العشائر”(97).

و يوجز ماركس جواب مورغان عن هذا السؤال بما يلي:

“إن نظام قرابة الدم، المناسب للعشيرة في شكلها الأولي- وعند اليونانيين قام هذا الشكل فيما مضى كما قام عند جميع البشر- كان يضمن معرفة علاقات القربى بين جميع أعضاء العشائر. وكانوا منذ سنين الطفولة يستوعبون بالفعل هذه المعلومات الخارقة الأهمية بالنسبة لهم. ومع نشوء العائلة الأحادية الزواج، لف النسيان ذلك. وقد خلق الاسم العشيري شجرة نسب ظهرت إزاءها شجرة نسب العائلة الفردية تافهة لا وزن لها. إن هذا الاسم العشيري هو الذي كان ينبغي له من الآن وصاعداً أن يقدم البرهان على أن حامليه يتحدرون من أصل مشترك. ولكن شجرة نسب العشيرة كانت تمد جذورها في أعماق الزمن إلى حد أنه لم يبق بوسع أعضائها أن يتقبلوا القرابة القائمة فعلاً بينهم، باستثناء حالات قليلة جداً كانوا يعرفون فيها أسلافاً مشتركين أقرب عهداً. وكان الاسم نفسه دليلاً على الأصل المشترك ودليلاً لا جدال فيه، ما عدا حالات التبني. إن إنكار القرابة بين أعضاء العشيرة إنكاراً تاماً، فعلياً، كما يفعل غروت**[2] ونيبور، اللذان جعلا من العشيرة نتاج اختلاق صرف وإبداع شعري، جدير “بالمثاليين” وحدهم، أي بعلماء البرج العاجي. فلأن الصلة بين الأجيال، وخاصة منذ ظهور أحادية الزواج، تبتعد في أعماق الزمن ولأن الواقع الماضي ينعكس في الشخصيات الخيالية الميثولوجية، خلص التافهون الضيقو الأفق الحسنو النية ولا يزالون يخلصون إلى القول أن شجرة النسب الخيالية خلقت العشائر الفعلية”(98).

و كمنا عند الأميركيين، كانت الفراترية عشيرة أماً مقسمة إلى بضع عشائر بنات وتجمع بينها، وتشير أحياناً كثيرة إلى تحدرها جميعها من جد مشترك. وعليه، حسب غروت:

“كان جميع الأتراب، الأعضاء في فراترية “هيكاتية” يعتبرون أن لهم إلهاً واحداً هو جدهم المشترك من الدرجة السادسة عشرة”(99).

و لهذا كانت جميع عشائر هذه الفراترية عشائر شقيقة بمعنى الكلمة الحرفي. وإننا لنجد الفراترية عند هوميروس بوصفها وحدة عسكرية، وذلك في المقطع المشهور الذي ينصح فيه نسطور أغممنون قائلاً: صف الرجال حسب القبائل والفراتريات بحيث تساعد الفراترية الفراترية والقبيلة القبيلة (100).- وفضلاً عن ذلك، كان من حق الفراترية وواجبها أن تثأر لاغتيال عضو من أعضائها، ولذا كان يقع على عاتقها، في الأزمنة السابقة، واجب ثأر الدم. وفضلاً عن ذلك، كانت لها مقدسات وأعياد مشتركة، بل أن تكون الميثولوجيا الإغريقية كلها من عبادة الطبيعة التقليدية، الموروثة من دماء الآريين، كان مشروطاً من حيث الجوهر بالعشائر والفراتريات، وجرى في داخلها. وفضلاً عن ذلك، كان للفراترية زعيم (phratriarchos) وكانت، حسبما يقول دي كولانج، تعقد جمعيات عامة، وتتخذ قرارات إلزامية، وتملك سلطة قضائية وإدارية (101). بل أن الدولة التي ظهرت فيما بعد، والتي كانت تجهل العشيرة، تركت للفراترية بعض الوظائف العامة ذات الطابع الإداري.

تتألف القبيلة من بضع فراتريات تجمع بينها صلات القربى. وفي مقاطعة الأتيك، كانت توجد أربع قبائل، كل منا تتألف من ثلاث فراتريات، وكل فراترية من 30 عشيرة. إن تحديد الجماعات بمثل هذه الدقة يفترض تدخلاً واعياً ومنهاجياً في وضع الأمور الذي تكوّن بصورة عفوية. أما كيف حدث هذا التدخل ومتى ولماذا، فإن التاريخ اليوناني يلزم الصمت حوله، ناهيك بأن اليونانيين أنفسهم لم يتذكروا ماضيهم إلا ابتداء من العصر البطولي.

و عند اليونانيين المزدحمين في رقعة من الأرض غير كبيرة نسبياً، تطورت فوارق اللهجات أقل مما في الغابات الأميركية الشاسعة. ولكننا نرى هنا أيضاً أن القبائل التي تملك لغة أساسية واحدة هي وحدها التي تتجمع في كل أكبر بل أننا نجد في مقاطعة الأتيك الصغيرة لهجة خاصة أصبحت فيما بعد اللهجة السادة بوصفها لغة مشتركة لعموم النثر اليوناني.

و في قصائد هوميروس، نجد القبائل اليونانية متحدة في أغلبية الأحوال في أقوام صغيرة تحتفظ في داخلها العشائر والفراتريات والقبائل مع ذلك باستقلالها كاملاً. كانت هذه الأقوام تعيش آنذاك في مدن محمية بالأسوار. وكان عدد السكان ينمو مع نمو القطعان ومع انتشار الزراعة وبداية الحرف. وفي الوقت نفسه كانت تتعاظم الفوارق في الملكية، ويتعاظم معها العنصر الأريستقراطي داخل الديموقراطية القديمة، البدائية. وكانت مختلف الأقوام الصغيرة تخوض غمار حروب متواصلة من أجل امتلاك خيرة الأراضي، وكذلك، بالطبع، من أجل الظفر بالغنائم الحربية. وآنذاك كان استعباد أسرى الحرب قد أصبح مؤسسة معترفاً بها.

و فيما يلي تنظيم الإدارة عند هذه القبائل وهذه الأقوام الصغيرة:

1.كان المجلس،bulê، الهيئة الدائمة للسلطة، في البدء، كان يتألف، على الأرجح، من الذين يختارونهم، الأمر الذي أتاح الفرصة لتطوير وتعزيز العنصر الأريستقراطي، هكذا بالضبط يروي لنا ذيونيسيوس إن المجلس في العهد البطولي كان يتألف من النبلاء (الأريستقراطيين kratistoi) (102). وفي القضايا الهامة، كان المجلس يتخذ القرارات النهائية. فعند إسخيلوس، مثلاً، يتخذ مجلس مدينة ثيبة قراراً حاسماً في الوضع الناشئ يقضي بدفن إيتيوكل بكل مراسم الفخار، وبرمي جثة بولينيك إلى الكلاب (103) لتنهشها. وفيما بعد، عندما تأسست الدولة، أصبح هذا المجلس “السينات” sénat (مجلس الشيوخ).

2.الجمعية الشعبية (agora). لقد رأينا عند الإيروكوا أن الشعب، رجالاً ونساءً، يحيط باجتماع المجلس وأنه يشترك حسب الأصول المقرر في المناقشة، ويؤثر بالتالي في قرارات المجلس. وعند اليونانيين في زمن هوميروس، كان هذا “المحيط” (Umstand)، إذا استعملنا هذا التعبير الحقوقي من اللغة الألمانية القديمة، قد تطور وغدا جمعية شعبية حقيقية، كما جرى أيضاً عند الجرمان القدامى. وكانت هذه الجمعية تنعقد بدعوة من المجلس لحل القضايا الهامة. وكان بوسع كل رجل أن يتكلم. وكان القرار يتخذ برفع الأيدي (في “المترجيات” لأسخيلوس) أو بالهتاف. وكانت الجمعية تملك السلطة العليا بوصفها المرجع الأخير، لأنه، كما يقول شومان (“الأزمنة القديمة اليونانية”)،

“عندما يدور الكلام حول قضية يتطلب تنفيذها معونة الشعب، لا يبين لنا هوميروس أي وسيلة يمكن بها إرغام الشعب إرغاماً على تقديم معونته”(104).

ففي ذلك الوقت حين كان كل رجل راشد في القبيلة محارباً، لم تكن توجد بعد سلطة عامة منفصلة عن الشعب من الممكن معارضته بها. كانت الديموقراطية البدائية لا تزال بعد في أوج ازدهارها، ومن هنا ينبغي لنا أن ننطلق عند البحث في سلطة ومركز المجلس والباسيليوس على السواء.

3.الرئيس العسكري (Basileus). إليكم ما يلاحظه ماركس في هذا الصدد:

“إن العلماء الأوروبيين، الذين فطروا بمعظمهم على خدمة الملوك والأمراء، يجعلون من الباسيليوس ملكاً بمعنى الكلمة الحديث. وضد هذا يحتج الجمهوري اليانكي مورغان ويقول ببالغ السخرية، ولكن بكامل الحق والصواب، عن المعسول غلادستون وكتابه “شباب العالم””(105):

“إن السيد غلادستون يقدم لنا الزعماء اليونانيين من العقد البطولي بصورة ملوك وأمراء، جاعلاً منهم فوق ذلك جنتلمانات. ولكنه يترتب عليه أن تعترف هو نفسه بأننا نجد عندهم، على العموم، عادة أو قانون البكورية محددة بصورة كافية، ولكن بدون إفراط في الدقة”(106).

ينبغي الظن أن حق البكورية المرفق بمثل هذه التحفظات سيبدو للسيد غلادستون نفسه باطلاً لا قيمة له إطلاقاً، حتى إن لم يكن مفرطاً من حيث حدة التعبير.

و لقد سبق ورأينا ما كانت عليه وراثة وظائف الشيوخ عند الإيروكوا وعند الهنود الحمر الآخرين. كانت جميع الوظائف انتخابية في أغلبية الأحول داخل العشيرة ولذا كانت وراثية ضمن حدود العشيرة. وعند إملاء الوظائف الشاغرة، أخذوا تدريجياً يفضلون النسيب الأقرب- أي الأخ أو ابن الأخت، إذا لم يكن ثمة سبب لاستبعاده. ولهذا، إذا كانت وظيفة الباسيليوس عند اليونانيين تنتقل عادة، في ظل سيادة الحق الأبوي، إلى الابن أو أحد الأبناء، فإن هذا يثبت فقط أنه كان في وسع الأبناء هنا أن يأملوا بالوراثة عن طريق الانتخاب الشعبي، ولكنه لا يدل أبداً على الاعتراف بالوراثة شرعاً وقانوناً بدون الانتخاب الشعبي. وفي هذه الحال، لا نجد عند الإيروكوا واليونانيين غير الجنين الأولي للعائلات النبيلة الخاصة داخل العشيرة فقط ولا نجد أيضاً عند اليونانيين بالإضافة غير الجنين الأولي لسلالة مقبلة من الزعماء الوراثيين، أي الجنين الأولي للملكية. ولهذا ينبغي الظن أنه كان يجب للباسيليوس عند اليونانيين إما أن ينتخبه الشعب وإما أن تصادق عليه هيئات الشعب الرسمية-المجلس أو الأغورا- كما كان يجري ذلك أيضاً بالنسبة “للملك” (rex) الروماني.

و في “الإلياذة”، لا يظهر أغممنون، “سيد الرجال” بصفته ملكاً أعلى لليونانيين، بل بصفه آمراً أعلى لقوات متحالفة أمام مدينة محاصرة. وعندما نشب الشقاق بين اليونانيين، أشار أوذيس إلى هذه الصفة بالذات في المقطع الشهير: لا جدوى من تعدد الآمرين، فليأمر واحد فقط،الخ. (ثم يرد البيت المشهور الذي يذكر الصولجان، ولكن هذا البيت أضيف فيما بعد)(107).
“إن أوذيس لا يلقي هنا محاضرة حول شكل الحكم، بل يطالب بالخضوع للآمر الأعلى في الحرب. وبالنسبة لليونانيين الذين لم يظهروا أمام طروادة إلا بوصفهم جيشاً محارباً، يسلك الأغورا (المجلس) بما يكفي من الديموقراطية: فإن آخيل، حين يتكلم عن الهدايا، أي عن تقاسم الغنائم، يذكر دائماً أن هذا ليس من شأن أغممنون أو أي باسيليوس آخر، بل من شأن “أبناء الآخيين”، أي من شأن الشعب. إن النعوت: “وليد زفس”، “ربيب زفس”، لا تثبت شيئاً، لأن كل عشيرة تتحدر من إله من الآلهة، وعشيرة رئيس القبيلة تتحدر من إله “أميز”،- وفي هذه الحال، من زفس. بل إن الذين لا يتمتعون بالحرية الشخصية كراعي الخنازير إيفميه وغيره، مثلاً، هم “آلهيون” dioi وtheioi وهذا في “الأوذيسة”، وبالتالي في زمن أقرب إلينا بكثير من زمن “الإلياذة”، وفي “الأوذيسة” أيضاً يرفق اسم “البطل” باسم الرسول موليوس وكذلك باسم المغني الأعمى ديمودوكس***[3]. وبإيجاز نقول أن كلمة basileia التي يستعملها الكتاب اليونانيون للإشارة إلى السلطة الهوميرية المسماة بالسلطة الملكية (لأن قيادة الجيوش هي علامتها المميزة الرئيسية)، والقائمة إلى جانب مجلس الزعماء والجمعية الشعبية، لا تعني غير الديموقراطية الحربية”(ماركس)(108).

و علاوة على الصلاحيات العسكرية، كان للباسيليوس صلاحيات أخرى، كهنوتية وقضائية. ولم تكن الصلاحيات الأخيرة محددة بدقة، وكان يتمتع بالأولى بوصفه الممثل الأعلى للقبيلة أو لاتحاد القبائل. أما الصلاحيات المدنية، الإدارية، فلم ترد يوماً، ولكن الباسيليوس كان، أغلب الظن، بحكم وظيفته، عضواً في المجلس. وعليه، من الصحيح تماماً من الناحية اللغوية ترجمة كلمة basileia (باسيليوس) بالكلمة الألمانية könig (كونيغ) لأن كلمة könig (Kuning) مشتقة من كلمة Kuni (كوني)، Künne (كونّه) وتعني زعيم العشيرة. ولكن المعنى الحالي لكلمة könig (ملك) لا يناسب إطلاقاً معنى كلمة basileus في اليونان القديمة. فإن ثوقيديدس يصف basileia القديمة بكل صراحة بأنها patrikê (بطريكه) أي متحدرة من العشائر، ويقول أنها كانت مخولة صلاحيات معينة، ثابتة أي محدودة(109). كذلك يشير أرسطو إلى أن basileia العصر البطولي كانت قيادة لرجال أحرار وإن الباسيليوس basileia كان قائداً عسكرياً وقاضياً ورئيس كهنة (110). ولذا لم يكن يتمتع بسلطة الحكم بمعنى الكلمة اللاحق ****[4].

و هكذا نرى في النظام اليوناني من العصر البطولي التنظيم العشائري القديم لا يزال زاخراً بكل قواه، ولكننا نرى أيضاً بداية انحلاله: فإن الحق الأبوي مع توريث الملكية للأولاد ييسر تراكم الثروات في العائلة ويجعل من العائلة قوة في وجه العشيرة، والفوارق في الملكية تؤثر بدورها في تنظيم الإدارة بخلقها أولى أجنة الأريستقراطية الوراثية والسلطة الملكية، والعبودية، التي كانت لا تشمل في البدء غير أسرى الحرب، تفتح السبيل أمام المستعبد لاستعباد أعضاء قبيلته بالذات وحتى أعضاء عشيرته، والحرب القديمة بين القبائل تتحول مذ ذاك إلى عملية نهب وسلب في البر والبحر لأجل الاستيلاء على الماشية والعبيد والكنوز، وتتحول بالتالي إلى مصدر عادي للكسب، إلى حرفة، وبكلمة، تغدو الثروة موضع إطراء وتبجيل وتقدير بوصفها الخير الأعظم، وتمسي القواعد العشائر القديمة موضع تحقير لأجل تبرير نهب الثروات بالعنف والقسر. ولم يكن ينقص غير أمر واحد، ونعني به مؤسسة من شأنها، لا أن تحمي الثروات التي اكتسبها الأفراد حديثاً من تقاليد النظام العشائري الشيوعية وحسب، ولا أن تكرس الملكية الخاصة التي كانت محتقرة بالغ الاحتقار وحسب، ولا أن تعلن هذا التكريس الهدف الأسمى لكل جماعة بشرية وحسب، بل أن تختم أيضاً بخاتم الاعتراف العام من قبل المجتمع على العموم الأشكال الجديدة لتحصيل الملكية، المتطورة الواحدة تلو الآخر، أي لتكديس الثروات بوتيرة متسارعة باستمرار، مؤسسة من شأنها لا أن تثبت وتخلد الانقسام البادئ في المجتمع إلى طبقات وحسب، وبل حق الطبقة المالكة في استثمار الطبقة غير المالكة وسيادة الأولى على الثانية.

و هذه المؤسسة ظهرت. فقد تم اختراع الدولة.

الهوامش:

(89)G. Grote “A History of Greece”. Vol. I-XII. (جورج غروت. “تاريخ اليونان”. المجلدات 1-12). صدرت الطبعة الأولى من هذا المؤلف في لندن في سنوات 1846-1856، المقطع المذكور هنا ورد في الصفحتين 54 و55 من المجلد الثالث الصادر في لندن عام 1869).

(90)المقصود هنا خطاب ديموسفينس في المحكمة ضد أوبليد. وقد أشير في هذا الخطاب إلى العادة القديمة التي تقضي بألا يدفن في المدافن العشائرية غير أبناء العشيرة المعنية.

(91)كارل ماركس. “ملخص كتاب لويس هـ. مورغان “المجتمع القديم””.

(92)القطع الذي أشار إليه إنجلس هنا من مؤلف للفيلسوف اليوناني القديم ديكيارخ لم يصل إلينا، ورد في كتاب فاكسموت “Hellenische Alterthumskunde aus dem Geschichtspunkte des states”. Th. I, Abth. I, Halle, 1826. (“دراسة الأزمنة القديمة الهيللينية على صعيد أنظمتها السياسية”. القسم الأول. الباب الأول. هاله، 1826).

(93)W. A. Becker. “Charikles. Bilderaltgriechischer Sitte. Zur genaueren Kenntniss des griechischen Privatlebens “. Th. II , Leipzig.1840. (ولهلم أدولف بيكر. “خاريكل. لوحات عن الأخلاق اليونانية القديمة، لأجل الإطلاع بمزيد من التفصيل على حياة اليونانيين الخاص”. القسم الثاني. ليبزيغ، 1840).

(94)كارل ماركس. “ملخص كتاب لويس هـ. مورغان “المجتمع القديم””.

(95)G. Grote “A History of Greece”.A New Ed, Vol. III , London 1869. (جورج غروت. “تاريخ اليونان”. طبعة جديدة. المجلد الثالث، لندن 1869).

(96)كارل ماركس. “ملخص كتاب لويس هـ. مورغان “المجتمع القديم””.

(97)G. Grote “A History of Greece”.A New Ed, Vol. III , London 1869. (جورج غروت. “تاريخ اليونان”. طبعة جديدة. المجلد الثالث، لندن 1869). أورد ماركس الاستهاد (مع ملاحظات بين هلالين) في مؤلفه “ملخص كتاب لويس هـ. مورغان “المجتمع القديم””.

(98)كارل ماركس. “ملخص كتاب لويس هـ. مورغان “المجتمع القديم””.

(99)G. Grote “A History of Greece”.A New Ed, Vol. III , London 1869. (جورج غروت. “تاريخ اليونان”. طبعة جديدة. المجلد الثالث، لندن 1869).

(100)هوميروس “الإلياذة”، النشيد الثاني.

(101)Fustel de Coulanges. “La cité antique “. livre III, chap. I المقصود هنا مؤلف (فوستيل دي كولانج. “المشاعة المدنية القديمة”، الكتاب الثالث، الفصل الأول. صدرت الطبعة الأولى من هذا المؤلف في باريس وستراسبورغ عام 1864).

(102)ديونيسيوس الهاليكارناسي. “تاريخ روما القديم”. الكتاب الثاني. الفصل الثاني عشر.

(103)اسخيلوس. “سبعة ضد ثيبه”.

(104)G.F. Schoemann. “Griechische Alterthümer “. Bd.I, Berlin 1855. (غ. ف. شومان “الأزمنة القديمة اليونانية”. المجلد الأول، برلين، 1855).

(105)المقصود هنا كتاب W.E. Gladstone. “Juventus Mundi” The Gods andMen of the Heroic Age”, chap 11. (و.ي. غلادستون. “شباب العالم. الآلهة والناس في العصر البطولي”، الفصل الحادي عشر)، صدرت الطبعة الأولى من هذا المؤلف في لندن عام 1869.

(106)كارل ماركس. “ملخص كتاب لويس هـ. مورغان “المجتمع القديم””.

(107)هوميروس “الإلياذة”، النشيد الثاني.

(108)كارل ماركس. “ملخص كتاب لويس هـ. مورغان “المجتمع القديم””.

(109)ثوقيديس. “تاريخ حرب البيلوبينيز”. الكتاب الأول، الفصل الثالث عشر.

(110)أرسطو. “السياسة”. الكتاب الثالث، الفصل العاشر.

 

[1] في طبعة عام 1884 ورد تعبير “العائلة البونالوانية” بدلاً من تعبير “الزواج الجماعي”. الناشر.

[2] في مخطوطة ماركس، ورد عوضاً عن اسم غروت، اسم العالم الإغريقي من القرن الثاني الميلادي بولكس الذي يستشهد به غروت أحياناً كثيرة. الناشر.

[3] ثم ترد في مخطوطة ماركس الجملة التالية التي أغفلها إنجلس: “إن كلمة “كويرانوس” التي يستعملها أوذيس بصدد أغممنون، إلى جانب كلمة “الباسيليوس” (basileus)، لا تعني هي أيضاً غير “آمر الجيوش في الحرب”. الناشر.

[4] كما صوروا الباسيليوس اليوناني بصورة أمير عصري، كذلك صوروا القائد العسكري الأزتيكي. وللمرة الأولى، ينتقد مورغان، على ضوء التاريخ، قصص الإسبانيين التي كانت في البدء حافلة الازدراء والمبالغات، وأمست فيما بعد بينة الكذب، ويثبت أن المكسيكيين كانوا قد بلغوا الطور الأوسط من البربرية، ولكنهم كانوا قد سبقوا بعض الشيء في تطورهم الهنود الحمر البويبلو في المكسيك الجديدة، وإن نظامهم، بقدر ما يمكن الاستنتاج من المعلومات المشوهة، كان يتميز بالسمات التالية:اتحاد من ثلاث قبائل أجبر بضع قبائل أخرى على دفع جزية له، هذا الاتحاد يديره مجلس اتحادي وقائد عسكري اتحادي، وقد صور الإسبانيون هذا القائد العسكري بصورة “إمبراطور”.

« السابق التالي »