بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة

« السابق التالي »

7ـ العشيرة عند السلت والجرمان

إن نطاق هذا البحث لا يسمح لنا بأن ندرس بالتفصيل مؤسسات النظام العشائري التي لا تزال قائمة حالياً عند شتى الشعوب المتوحشة والبربرية بشكل متفاوت النقاوة، أو آثار هذه المؤسسات في تاريخ الشعوب المتمدنة الآسيوية القديم. فهذه وتلك موجودة في كل مكان. حسبنا بعض الأمثلة. فقبل معرفة ماهية العشيرة، كان ماك-لينان، الذي بذل من الجهود أكثر مما بذله أي آخر لأجل تشويه معنى هذه الكلمة، قد أثبت وجودها ووصفها على العموم وصفاً صحيحاً كما كانت عليه عند الكلميك والشركس والساموييد* [1] وعند ثلاثة شعوب هندية –الفارلي والماغار والمانيبوري (127). ومؤخراً، اكتشفها كوفاليفسكي ووصفها عند البشاف والخفسور والسفان وغيرها من القبائل القفقاسية (128). ونكتفي هنا ببعض الملاحظات الوجيزة حول وجود العشيرة عند السلت والجرمان.

إن أقدم القوانين السلتية التي وصلت إلينا تبين لنا العشيرة في أوج حيويتها، وفي إرلنده، لا تزال العشيرة حية في ضمير الشعب في أيامنا هذه، بصورة غريزية على الأقل، بعد أن دمرها الإنجليز بالقوة، وفي اسكتلنده، كانت لا تزال في ذروة ازدهارها في أواسط القرن الماضي، وهنا أيضاً لم يقض عليها إلا بسلاح الإنجليز وقوانينهم ومحاكمهم.

إن قوانين بلاد ويلس القديمة، المكتوبة قبل الفتح الإنجليزي (129) بقرون كثيرة، آخرها القرن الحادي عشر، تدل على أن قرى بكاملها كانت تحرث الأرض بصورة مشتركة، وأن بصورة بقايا استثنائية من عادة كانت من قبل شاملة. كان لكل عائلة خمسة إكرات لأجل حراثتها في صالحها وحدها. وإلى جانب ذلك، كانت هناك قطعة تحرث بصورة مشتركة، ويُقتسم محصولها. ولا ريب أن هذه المشاعات الريفية كانت عبارة عن عشائر أو عن أقسام عشائر، وهذا ما يثبته التشابه بين إرلنده واسكتلنده، حتى وإن لم تؤكد دراسة جديدة لقوانين ويلس، لا وقت عندي للقيام بها،(إن مقتطفاتي تعود إلى عام 1869 (130)) صحة هذا القول مباشرة. ولكن المصادر الويلسية، ومعها المصادر الإرلندية تثبت مباشرة أن الزواج الأحادي لم يكن بعد في القرن الحادي عشر قد حل عند السلت محل الزواج الثنائي. وفي بلاد ويلس، لم يكن الزواج يصبح قابلاً للحل أو بالأصح قابلاً للفسخ بناء على طلب أحد الطرفين إلا قبل انقضاء سبع سنوات على عقده. وحين لا يبقى لاكتمال هذه السنوات السبع إلا ثلاث ليال، كان في وسع الزوجين أن ينفصلا. وآنذاك تجري قسمة الأموال: كانت الزوجة تقسم، والزوج يختار قسمه. وكانت المفروشات والأدوات المنزلية تقسم حسب قواعد واضحة محددة، طريفة جداً. فإذا كان الزوج هو الذي يفسخ الزواج، فقد كان عليه أن يعيد إلى زوجته بائنتها وبعض الأشياء الأخرى، وإذا كانت الزوجة، فقد كانت حصتها أقل. وكان الزوج يأخذ من الأولاد اثنين والزوجة واحداً، هو الأوسط بينهم. وإذا تزوجت الزوجة مرة أخرى بعد الطلاق، وشاء الزوج السابق الحصول عليها من جديد، فقد كان يتعين عليها أن تتبعه، حتى وإن كانت قد وطأت بقدم واحدة الفراش الزوجي الجديد. ولكن إذا عاش الرجل والمرأة معاً طوال سبع سنوات، فإنهما يصبحان زوجاً وزوجة حتى وإن لم يعقدا زواجهما من قبل حسب الأصول. ولم تكن بكارة المرأة قبل الزواج موضع مراعاة دقيقة وطلب صارم، فالقواعد في هذا المضمار ذات طبيعة عابثة جداً، ولا تتفق إطلاقاً مع الأخلاق البورجوازية. إذا خانت الزوجة زوجها، كان من حقه أن يضربها (و هذه حالة من ثلاث حالات كان يحق له فيها ضربها، أما في الحالات الأخرى، فكان يتعرض للعقاب)، ولكنه، بعد ذلك، لم يكن يحق له أن يطالب بأي ترضية أخرى لأنه:

“يجب أن يكون، لقاء الجرم نفسه، إما تكفير وإما ثأر، ولكن لا الاثنان في آن واحد” (131).

إن الأسباب التي كان يحق بموجبها للزوجة أن تطلب الطلاق دون أن تفقد أياً من حقوقها عند قسمة المقتنيات، كانت متنوعة جداً: فقد كانت رائحة فم الزوج الكريهة تكفي لهذا الغرض. إن الفدية المدفوعة لزعيم القبيلة أو للملك تعويضاً عن حق الليلة الأولى (gobr merch، ومن هنا الكلمة القروسطية marchet وبالفرنسية marquette) تضطلع بدور كبير في مجموع القوانين. وكان للنساء حق التصويت في الجمعيات الشعبية. أضف إلى هذا أنه قد أقيم البرهان على وجود مثل هذه النظم في إرلنده أيضاً، وعلى أن الزواجات لفترة معينة من الزمن كانت أمراً عادياً تماماً، وأنهم كانوا يضمنون للزوجة في حال الطلاق فوائد كبيرة محددة بدقة، وحتى تعويضاً عن خدماتها البيتية، وأنه كانت توجد هناك “زوجة أولى” إلى جانب الزوجات الأخريات وأنه لم يكن هناك أي تفريق عند قسمة الإرث بين الأولاد الشرعيين وغير الشرعيين. وهكذا نرى أمامنا لوحة عن الزواج الثنائي يبدوا تجاهها شكل الزواج القائم في أميركا الشمالية صارماً، ولكن ذلك لم يكن في القرن الحادي عشر ليثير الدهشة عند شعب كان لا يزال في زمن قيصر يمارس الزواج الجماعي.

إن وجود العشيرة الإرلندية (sept “السبط”)، وكانت القبيلة تسمى clianne-“كلان”) لا تؤكده وتصفه كتب القانون القديمة وحسب، بل يؤكده ويصفه أيضاً رجال القانون الإنجليز من القرن السابع عشر الذي أرسلوا إلى إرلنده لتحويل أراضي “الكلانات” إلى ممتلكات لملك إنجلترا. وحتى ذلك الوقت، كانت الأرض ملكاً عاماً “للكلان” أو للعشيرة إذا لم يكن الزعماء قد حولوها إلى ملك خاص لهم. وعندما كان يتوفى أحد أعضاء العشيرة، وبالتالي عندما كانت تزول إحدى الاستثمارات البيتية، كان الزعيم (و قد سماه رجال القانون الإنجليز caput cognationis) يعمد إلى تقسيم الأرض كلها من جديد بين الاستثمارات البيتية الباقية. وكان هذا التقسيم الجديد يجري، على الأرجح، وبوجه عام، حسب القواعد السارية المفعول في ألمانية. وفي الوقت الحاضر أيضاً، توجد هنا وهناك في القرى حقول تدخل فيما يسمى نظام rundale (روندال)، وكانت كثيرة جداً منذ أربعين أو خمسين سنة. إن الفلاحين، المستأجرين الفرديين للأرض التي كانت تخص من قبل العشيرة كلها والتي استولى عليها الغزاة الإنجليز، يدفع كل منهم بدل إيجار عن قطعته، ولكنهم يجمعون جميع حقول ومروج قطعهم في كل واحد، ويقسمونها تبعاً لموقعها ونوعية تربتها إلى “قطاعات” (“Gewann”)، كما يسمونها على ضفاف نهر الموزيل ويمنحون كلاً منهم حصة في كل “قطاع”. أما المستنقعات والمراعي، فكانوا يستخدمونها بصورة مشتركة. ومنذ نحو خمسين سنة، كان يجري تقسم جديد بين الفينة والفينة، وأحياناً كل سنة. إن خريطة القرية التي يسري فيها نظام روندال rundale تظهر مماثلة تماماً لخريطة أي مشاعة ريفية ألمانية (Gehöferschaft) في منطقة الموزيل أو في منطقة خوخفالد. كذلك لا تزال العشيرة تعيش في factions*[2] أيضاً. فإن الفلاحين الإرلنديين ينقسمون أحياناً كثيرة إلى أحزاب يتميز بعضها عن بعض بعلائم تبدو في الظاهر سخيفة وباطلة تماماً، بعلائم غير مفهومة أبداً بالنسبة للإنجليز، ويخيل أنها لا تبتغي أي هدف غير المشاجرات التي تنشب بين هذه الأحزاب في أيام الأعياد والتي تطيب لها جداً. إنها بعث مصطنع للعشائر البائدة، وبديل عنها ظهر بعد زوالها، وشاهد أصيل على حيوية الغريزة العشيرية المتوارثة. ناهيك بأن أعضاء العشيرة لا يزالون في بعض الأماكن يعيشون معاً في أرضهم القديمة، ففي الثلاثينيات، مثلاً، لم يكن للأغلبية الكبيرة من سكان كونتية موناخان سوى أربع كنيات، وهذا يعني أنهم كانوا يتحدرون من أربع عشائر أو “كلانات”**[3].

في اسكتلنده، يطابق زوال النظام العشائري قمع انتفاضة 1745 (133). يبقى لنا أن نبين أي حلقة بالضبط من هذا النظام تمثل “الكلان” الاسكتلندية، ولكنه لا ريب في أنها حلقة منه. ففي روايات فالتر سكوت، نرى هذه “الكلان” من جبال اسكتلنده حية أمامنا. إن هذه “الكلان”، -كما يقول مورغان-

“نموذج ممتاز للعشيرة من حيث تنظيمها ومن حيث روحها، ومثال باهر على سلطان نمط الحياة العشيري على أعضاء العشيرة… ففي مشاجراتهم وفي ثأرهم الدموي، وفي توزيع الأراضي حسب “الكلانات”، وفي استغلالهم للأرض بصورة مشتركة، وفي وفاء أعضاء “الكلان” للزعيم ولبعضهم بعضاً، نجد سمات المجتمع العشائري الثابتة في كل مكان… كان الأصل يحسب بموجب الحق الأبوي، وهكذا كان أولاد الرجال يبقون في “الكلان”، بينا أولاد النساء ينتقلون إلى “كلانات” آبائهم”(134).

و لكن الواقع التالي، وهو أن التسلسل الوراثي كان يجري في سلالة “البيكت” الملكية حسب حبل النسل النسائي (135)، كما يقول بيدا، يثبت أن الحق الأمي كان هو السائد من قبل في اسكتلنده. بل أن بقية من العائلة البونالوانية بقيت سواء عند الويلسيين أم عند السكوتيين، حتى القرون الوسطى بصورة حق الليلة الأولى الذي كان بوسع زعيم “الكلان” أو الملك، بوصفه الممثل الأخير للأزواج المشتركين سابقاً، أن يستخدمه حيال كل عروس إذا لم يُفْدَ.

***

و لا سبيل إلى الريب في أن الجرمان كانوا منظمين في عشائر قبل هجرات الشعوب. ولم يكن من الممكن، على ما يبدو، أن يكونوا قد شغلوا الأرض الواقعة بين أنهر الدانوب والراين والفيستول والبحار الشمالية إلا قبل الميلاد ببضعة قرون. وآنذاك كانت هجرات السمبر cimrbes والتوتونيين teutons لا تزال في أوجها، بينا لم يجد السوييف suèves مقامات مستقرة إلا في عهد قيصر. ويقول قيصر عن هؤلاء الأخيرين بكل وضوح أنهم أقاموا حسب العشائر وحسب الجماعات العرقية التي تربط بينها صلة القربى (gentibus cognationibusque)(136).و لكلمة genibus هذه على لسان روماني من gens Julia* [4]معنى دقيق لا جدال فيه. وهذا القول ينطبق على جميع الجرمان. بل أن الجرمان كانوا، على الأرجح، يسكنون عشائر عشائر في الأقاليم الرومانية المحتلة. ويؤكد “الحق الألماني”(alaman) أن الشعب في الأرض المحتلة جنوبي نهر الدانوب يقيم عشائر عشائر (genealogiae)(137). وكلمة genealogia تستعمل هنا تماماً بنفس المعنى الذي استعملت به فيما بعد المشاعة-المارك أو المشاعة الريفية. ومؤخراً عرض كوفاليفسكي رأياً مفاده أن هذه genealogiae كانت عبارة عن مشاعات منزلية كبيرة كانت الأرض مقسمة فيما بينها، ولم تنشأ وتتطور منها المشاعة الريفية (138) إلا فيما بعد. وفي هذه الحال، يمكن قول الشيء نفسه أيضاً عن fara (فارا)، وهذه الكلمة كانت عند البورغوند واللومبارد- وبالتالي عند قبيلة قوطية وقبيلة هرميتونية أو ألمانية عليا- تعني تقريباً، إن لم يكن تماماً، ما تعنيه كلمة genealogia في “الحق الألماني”. ويجدر بنا أن نواصل البحث والدراسة لنعرف ما إذا كنا بالفعل أمام العشيرة أو أمام المشاعة البيتية.

إن الآثار اللغوية لا تفيدنا بصورة واضحة عما إذا كانت هناك عند جميع الجرمان كلمة مشتركة لتسمية العشيرة، وما هي هذه الكلمة بالذات. فمن حيث علم الاشتقاق، تقابل الكلمة اليونانية genos (“جينوس”)، واللاتينية gens (“جنس”) الكلمة القوطية kuni (“كوني”) والكلمة الألمانية –العليا الوسطى künne (“كوّنه”)، وهذه الكلمة تستعمل بالمعنى نفسه. ومما يدل على زمن الحق الأمي أن الكلمة التي تعني المرأة تتفرع من الجذر ذاته: باليونانية gyne، بالسلافية zena، بالقوطية qvino، بالسكاندينافية القديمة kona، kuna. – وعند اللومبارد والبورغوند، نجد، كما قيل أعلاه، كلمة fara التي يشتقها غريم من الجذر الفرضي fisan-وَلَد. وأني أميل إلى الانطلاق من أصل أوضح، هو faran*[5] – ذهب راكباً، ترحل، عاد- لتسمية جزء معين من جماعة مترحلة لا تتألف، بطبيعة الحال، إلا من أقارب. وهذه التسمية أخذت شيئاً فشيئاً، أثناء الهجرات خلال قرون وقرون، أولاً إلى الشرق، ثم إلى الغرب، تعني الجماعة العشيرية.-ثم هناك الكلمة القوطية sibja الأنجلو-ساكسونية sib، والألمانية العليا القديمة sippia،sippa- الأقارب[6] **. وفي اللغة السكاندينافية القديمة لا نجد غير الجمع sifjar- الأقارب، ولا نجد المفرد إلا لاسم الآلهة سيف (Sif). –و أخيراً، نجد أيضاً في “نشيد هيلديبراند” (139) كلمة أخرى، وذلك على وجه الضبط في المقطع الذي يسال فيه هيلديبراند هادوبراند:

“من هو أبوك بين رجال هذا الشعب… أو من أي عشيرة أنت؟” “eddo huêlîhhes cnuosles dusîs”.

و لئن كانت قد وجدت على العموم كلمة ألمانية مشتركة لتعيين العشيرة، لكان لفظها، على الأرجح، قريباً من لفظ الكلمة القوطية kuni، ويدل على صحة هذا القول، ليس فقط التشابه مع التعبير المناسب في اللغات المتقاربة، بل أيضاً كون كلمة kuning*[7] -الملك- مشتقة منه وتعني في الأصل شيخ العشيرة أو القبيلة. أما كلمة sibja (الأقارب) فيبدو أنه لا يجوز أخذها بعين الاعتبار، لأن sifjar، على الأقل، لا تعني باللغة السكاندينافية القديمة الأقارب بالدم وحسب، بل تعني أيضاً الأقارب بالمصاهرة، أي أنها تشمل أعضاء عشيرتين اثنتين على الأقل، ولهذا لم يكن من الممكن أن تكون كلمة sif ذاتها اسماً لتعيين العشيرة.

و كما عند المكسيكيين واليونانيين، كذلك عند الجرمان، كان ترتيب الصفوف القتالية في فصيلة الخيالة وفي طابور المشاة الإسفيني الشكل يجري حسب مجموعات العشائر. وإذا كان تاقيطس يقول: حسب العائلات وحسب الجماعات المتقاربة (140)، فإن هذا التعبير غير الواضح يفسره كون العشيرة كانت في زمنه قد زالت من الوجود في روما منذ وقت بعيد بوصفها وحدة أهلاً للحياة.

يوجد عند تاقيطس مقطع يتسم بأهمية حاسمة، هو المقطع الذي يقول أن أخ الأم يعتبر ابن أخته كابنه، بل أن بعضهم يرى أن رابطة الدم بين الخال وابن الأخت أقدس وأوثق من الرابطة بين الأب والابن، وهكذا عندما يتطلبون الرهائن، يعتبرون ابن الأخت ضمانة أثبت من ابن الرجل الذي يراد تقيده بهذه العملية. وهنا نجد بقية حية من العشيرة المنظمة تبعاً للحق الأمي، أي العشيرة البدائية، ناهيك بأنها عشيرة تشكل سمة خاصة يتميز بها الجرمان*[8]. فإذا قدم أحد أعضاء مثل هذه “العشيرة” ابنه ضمانة لتعهد قطعه على نفسه أمام الملأ، وإذا ما مات الولد ضحية لحنث والده بتعهده، فإن هذا كان شأن الوالد وحده. ولكن إذا كانت الضحية ابن الأخت، فإن هذا كان مخالفة لأقدس قوانين العشيرة. فإن أقرب قريب للصبي أو للفتى ملزم أكثر من غيره بحمايته، يصبح مسؤولاً عن موته، وقد كان على هذا القريب، إما ألا يجعل منه رهينة، وإما أن ينفذ تعهده. وحتى إذا لم نكتشف أي آثار أخرى عن النظام العشائري عند الجرمان، فإن هذا المقطع وحده يكفي.

و هناك بقية أخرى من الحق أمي الذي زال للتو، هي ذلك الاحترام الذي يكنه الجرمان للنساء، والذي كان بالنسبة للرومانيين غير مفهوم تقريباً. كانت البنات من عائلة نبيلة يعتبرن أوثق الرهائن عند عقد المعاهدات مع الجرمان. فإن فكرة أن زوجاتهم وبناتهم قد يقعن في الأسر والعبودية هي بالنسبة لهم فكرة رهيبة، وتثير شجاعتهم في القتال أكثر من أي عامل آخر، وهم يرون في المرأة شيئاً ما مقدساً ونبوئياً، وهم يستمعون إلى نصيحتها، حتى في أهم القضايا: فان فيليدا، كاهنة قبيلة البروكتر على ضفة نهر ليب، مثلاً، كانت روح انتفاضة الباتافيين كلها التي زعزع أثناءها زيفيليس على رأس الجرمان والبلجيكيين السيادة الرومانية في عموم بلاد الغال (145). ويبدو أن سيادة المرأة في البيت أمر لا جدال فيه. صحيح أن جميع الأعمال البيتية ملقاة على عاتقها وعلى عاتق الشيوخ والأطفال، أما الزوج فيطارد أو يشرب، أو يتكاسل. هكذا يقول تاقيطس. ولكن بما أنه لا يذكر من ذا الذي يحرث الحقل، وبما أنه يعلن بصراحة أن العبيد كانوا يدفعون أتاوات وحسب، ولا يقومون بأي عمل من أعمال السخرة، فإنه كان لا بد، أغلب الظن، لسواد الرجال الراشدين، أن يقوموا مع ذلك بالقليل من العمل الذي كانت تقتضيه حراثة الأرض.

كان شكل الزواج، كما قيل أعلاه، الزواج الثنائي المقترب شيئاً فشيئاً من الزواج الأحادي. ولم يكن ذلك بعد زواجاً أحادياً صرفاً، لأن تعدد الزوجات كان مسموحاً للأعيان. وعلى العموم، كانت بكارة الفتيات موضع مراقبة ومطالبة صارمة، (خلافاً لما هو الحال عند السلت)، ويتحدث تاقيطس كذلك بحرارة خاصة عن حرمة الرابطة الزوجية عند الجرمان. ولا يورد غير زنى الزوجة سبباً للطلاق. ولكن روايته في هذا الصدد تشوبها ثغرات كثيرة، ناهيك بأنه يقصد منها بفائق الوضوح التلويح بمرآة الفضيلة أمام الرومانيين الفاسدين. هناك أمر لا ريب فيه، لئن كان الجرمان في غاباتهم فرساناً للفضيلة لا نظير لهم، فقد كفاهم أقل تماس مع العالم الخارجي حتى ينحطوا إلى مستوى الأوروبيين المتوسطين الآخرين، وفي بيئة العالم الروماني زال آخر أثر لصرامة الأخلاق بأسرع بكثير مما زالت اللغة الجرمانية. حسبا أن نقرأ غريغوريوس التوري. وبديهي أنه لم يكن من الممكن أن يسود في الغابات الكثيفة في جرمانيا، كما في روما، الإفراط والتفنن في التمتع الجنسي، وفي هذا المضمار أيضاً، يبقى إذن للجرمان ما يكفي من التفوق حيال العالم الروماني، حتى ولو لم ننسب إليهم تلك العفة الجسدية التي لم تكن يوماً في أي مكان ما قاعدة عامة لشعب بكامله.

و من التنظيم العشائري، نجم واجب وراثة ما كان للوالد أو للأقارب من علاقات صداقة وعلاقات عداوة على السواء. كذلك، كانت تورث wergeld (فرغلد)، وهي غرامة يفدى بها الثأر في حال القتل أو الإصابة بجراح. إن هذه “الفرغلد” التي كان يعتبرها الجيل الماضي مؤسسة ألمانية صرف، قد أقيم الدليل الآن على وجودها عند مئات الشعوب. فهي شكل عام لتخفيف الثأر الناجم عن النظام العشائري. ونحن نجدها كذلك، فيما نجدها، عند الهنود الحمر الأمريكيين مثلها مثل الضيافة الإلزامية. إن الوصف الذي يعطيه تاقيطس لعادات الضيافة (“جرمانيا”، الفصل 21) يطابق تقريباً، حتى في التفاصيل، الوصف الذي يعطيه مورغان للضيافة عند هنوده الحمر.

إن النقاش الحار الذي لا نهاية له حول معرفة ما إذا كان الجرمان في زمن تاقيطس كانوا يتقاسمون نهائياً حقولهم أم لا وحول تفسير المقاطع التي تتعلق بهذه المسألة، غدا الآن طي الماضي. ويكاد لا يجد التذكير بذلك بعد أن أقيم الدليل على أن جميع الشعوب تقريباً قد عرفت حراثة الأرض بصورة مشتركة من قبل العشيرة أولاً، ثم فيما بعد من قبل الرابطات العائلية الشيوعية التي كانت موجودة أيضاً عند السوييف Suèves (146)، كما أفاد قيصر، وعلى أن هذا الوضع قد عقبه توزيع الأرض بين مختلف العائلات، وإعادة توزيعها بصورة دورية، وبعد أن أقيم الدليل أيضاً على أن هذا التوزيع الدوري للأرض المحروثة دام في بعض الأنحاء من ألمانيا ذاتها حتى أمامنا هذه. ولئن كان الجرمان في حقبة الـ 150 سنة التي تفصل بين قصة قيصر وشهادة تاقيطس قد انتقلوا من حراثة الأرض بصورة مشتركة- التي ينسبها قيصر بكل وضوح إلى السوييف (فهو يقول أنه لا توجد عندهم على الإطلاق حقول مقسمة أو خاصة)- إلى حراثة الأرض من قبل العائلات كلا بمفردها مع إعادة توزيع الأرض كل سنة، فإن هذا هو حقاً تقدم كبير. فإن الانتقال من حراثة الأرض بصورة مشتركة إلى الملكية الخاصة الكاملة للأرض خلال مثل هذه الحقبة القصيرة من الزمن وبدون أي تدخل من الخارج مستحيل حقاً وفعلاً. ولهذا لا أقرأ عند تاقيطس إلا ما يقوله بوضوح وإيجاز: إنهم يغيرون (أو يتقاسمون من جديد) كل سنة الأرض المحروثة، ناهيك بأنه يبقى أيضاً ما يكفي من الأرض المشتركة (147). وهذا طور من الزراعة والاستفادة من الأرض يناسب بالضبط التنظيم العشائري عند الجرمان في ذلك العهد.

إني أترك المقطع السابق حسبما ورد في الطبعات السابقة، دون أن أدخل عليه أي تعديل. ففي هذه الحقبة من الوقت، سارت الأمور في مجرى آخر. فبعد أن أثبت كوفاليفسكي (راجع أعلاه) أن المشاعة البيتية البطريركية كانت منتشرة على نطاق واسع، إن لم يكن في كل مكان، بوصفها درجة متوسطة بين العائلة الشيوعية المؤسسة على الحق الأمي، وبين العائلة المنفردة العصرية، لم يبق المقصود معرفة ما إذا كانت ملكية الأرض مشتركة أو خاصة، كما كان القصد من النقاش بين مورير وفايتس، بل معرفة شكل الملكية المشتركة. بلا ريب أبداً في أن الملكية المشتركة للأرض لم تكن وحدها قائمة عند السوييف في زمن قيصر، بل كانت هناك أيضاً الحراثة المشتركة للأرض بالجهود المشتركة. ولا يزال من الممكن النقاش طويلاً لمعرفة ما إذا كانت الوحدة الاقتصادية هي العشيرة أم المشاعة البيتية أم جماعة شيوعية ما متوسطة بينهما تجمعها رابطة القربى، أو لمعرفة ما إذا كانت هذه الجماعات الثلاث موجودة جميعها تبعاً لأحوال الأرض. والحال، يؤكد كوفاليفسكي أن الأوضاع التي يصفها تاقيطس لا تفترض وجود مشاعة-مارك ما أو مشاعة زراعية ما، بل تفترض مشاعة بيتية. ومن هذه المشاعة البيتية وحدها، نشأت وتطورت بعد زمن طويل المشاعة الريفية نتيجة لنمو عدد السكان.

و بموجب هذا الرأي، كانت مقامات الجرمان في الأراضي التي كانوا يشغلونها في عهد روما، وكذلك في الأراضي التي انتزعوها فيما بعد من الرومانيين، لا تتألف من قرى، بل من مشاعات عائلية كبيرة كانت تشمل بضعة أجيال وتأخذ رقعة من الأرض للحراثة تبعاً لعدد أعضائها، وتستعمل مع جيرانها الأراضي البور المحيطة، بوصفها ماركاً مشتركة. ولهذا يجب إذن أن نفهم على صعيد الأساليب الزراعية المقطع الذي يقول فيه تاقيطس أنهم يغيرون الأرض المحروثة: فكل سنة كانت المشاعة تحرث رقعة أخرى من الأرض، بينا تريح الرقعة المحروثة في السنة الماضية أو تتركها بوراً تماماً. ونظراً لضعف كثافة السكان، كان يبقى من الأرض البور ما يكفي للحيلولة دون قيام أي نزاع حول ملكية الأرض. وبعد قرون، عندما نما عدد أعضاء المشاعات البيتية إلى حد أن إدارة الاستثمارة المشتركة أصبحت أمراً مستحيلاً في ظل ظروف الإنتاج السائدة آنذاك، بعد ذاك فقط، انحلت هذه المشاعات. وأخذت الحقول والمروج التي كانت حتى ذاك ملكاً مشتركاً تصبح موضع قسمة تبعاً للأسلوب المعروف بين الاستثمارات البيتية المنفردة التي كانت تتشكل آنذاك، أولاً لفترة من الوقت، ثم بصورة نهائية، بينا بقيت الغابات والمراعي والمياه ملكاً مشتركاً.

و يبدو فيما يتعلق بروسيا أن التاريخ قد قدم البرهان الكامل على مجرى التطور هذا. أما فيما يتعلق بألمانيا، وفي المقام الثاني، بسائر البلدان الجرمانية، فلا يمكننا أن ننكر أن هذه الفرضية تعطي، في كثير من النواحي، تفسيراً أفضل للوثائق والمصادر، وتحل المصاعب بصورة أسهل مما تفعله وجهة النظر السائدة حتى الآن والتي تعيد وجود المشاعة الريفية إلى زمن تاقيطس. فإن أقدم الوثائق، من Codex Laureshamensis (148) مثلاً،تُفسر على العموم بواسطة المشاعة البيتية بصورة أفضل بكثير مما بواسطة المشاعة-المارك الريفية. ولكن هذا التفسير يثير بدوره مصاعب جديدة ومسائل جديدة لا يزال يترتب حلها. ولا يمكن هنا أن يأتي بالحل النهائي غير البحوث والدراسات الجديدة. بيد أني لا أستطيع أن أنكر أن وجود المشاعة البيتية بوصفها درجة متوسطة في ألمانيا وسكاندينافيا وإنجلترا أيضاً هو أمر محتمل جداً.

و بينا كان الجرمان في عهد قيصر قد أقاموا للتو جزئياً في مقامات دائمة أو كانوا جزئياً لا يزالون يفتشون عن محل إقامة دائمة، كانوا في عهد تاقيطس قد أمضوا قرناً كاملاً في الحياة الحضرية. وهذا ما وافقه تقدم لا مراء فيه في إنتاج وسائل المعيشة. فهم يعيشون في بيوت من جذوع الشجر، ويرتدون ألبسة بدائية لا تزال تشبه ألبسة سكان الغابات أي المعاطف الخشنة الصوفية، وجلود الوحوش، أما النساء والأعيان، فكانت لهم ألبسة تحتية من الكتان. وكان طعامهم يتألف من الحليب واللحم والثمار البرية، ومن عصيد الشوفان (149) كما يضيف بلينوس (و حتى الآن، لا تزال هذه العصيدة نوعاً من المأكل القومية السلتية في إرلنده واسكتلنده). وتتألف ثروتهم من الماشية، ولكن هذه الماشية رديئة النوع: الثيران والأبقار صغيرة، هزيلة لا قرون لها، الأحصنة قزمة ولا تصلح للسباق. وكانت النقود رومانية بوجه الحصر، وقليلاً ونادراً ما كانت تستعمل. وكانوا لا يصنعون ولا يقدّرون المصنوعات من الذهب والفضة، وكان الحديد نادراً، ويبدو أنه كان يُستورد كلياً تقريباً، على الأقل عند القبائل القاطنة على ضفاف الراين والدانوب، ولم يكن يُستخرج في موضعه. ولم تكن الكتابة الرونية (المأخوذة عن الأحرف اليونانية أو اللاتينية) معروفة إلا ككتابة سرية، ولم تكن تستعمل إلا لأغراض سحرية دينية. وكانت عادة تقديم الضحايا البشرية لا تزال سارية المفعول. وبكلمة، نجد هنا أمامنا شعباً ارتقى للتو من طور البربرية الأوسط إلى طورها الأعلى. ولكن بينا كانت سهولة استيراد منتوجات الصناعة الرومانية تعيق تطور صناعة المعدن والنسيج بصورة مستقلة عند القبائل المقيمة مباشرة على الحدود مع الرومانيين، كان هذا الإنتاج قد نشأ ورسخ بشكل لا جدال فيه في الشمال الشرقي، على ساحل بحر البلطيق. إن أدوات التسلح التي وجدت في مستنقعات شليسفيغ مع النقود المعدنية الرومانية من أواخر القرن الثاني،- وهي سيف حديدي طويل، ودرع، وخوذة فضية،الخ.،- وكذلك المصنوعات الألمانية التي انتشرت بفضل هجرة الشعوب، تبين نموذجاً خاصاً تماماً يتميز بمستوى عال نسبياً من التطور حتى عندما تقترب من النماذج الرومانية الأصلية. وإن الهجرة إلى الإمبراطورية الرومانية المتحضرة قد وضعت حداً نهائياً لهذا الإنتاج المحلي في كل مكان باستثناء إنجلترا. وإن المشابك البرونزية، مثلاً، تبين بأي وتيرة واحدة منتظمة نشأ هذا الإنتاج وتطور. ومن الممكن أن تكون المشابك البرونزية التي اكتشفت في بورغونديا ورومانيا وعلى سواحل بحر آزوف قد خرجت من نفس المشغل الذي خرجت منه المشابك الإنجليزية والسويدية، ولا ريب أيضاً أنها جرمانية الأصل.

كذلك يناسب تنظيم الحكم الطور الأعلى من البربرية. ففي كل مكان، كما يقول تاقيطس، كان مجلس الشيوخ (principes) موجوداً، وكان يبت بأصغر القضاياـ، ويهيئ أهم القضايا لكي تبت بها الجمعية الشعبية. إن الجمعية الشعبية في الطور الأدنى من البربرية، وعلى الأقل حيث نعرف عنها، أي عند الأميركيين، لا توجد إلا من أجل العشيرة، لا من أجل القبلة أو من أجل اتحاد القبائل. وكان الشيوخ (principes) لا يزالون يتميزون كثيراً عن الزعماء العسكريين (duces) تماماً كما عند الإيروكوا. فالشيوخ يعيشون جزئياً بفضل الهبات الفخرية التي يقدمها أعضاء القبيلة من الماشية والحبوب وخلافها. وينتخبونهم بمعظمهم، كما في أميركا، من العائلة ذاتها. والانتقال إلى الحق الأبوي ييسر، كما في اليونان وروما، تحويل المبدأ الانتخابي تدريجياً إلى حق وراثي، وييسر بالتالي نشوء عائلة أريستقراطية في كل عشيرة. إن هذه الأريستقراطية القديمة المسماة بالأريستقراطية القبلية قد هلكت بأغلبيتها أثناء هجرة الشعوب أو بعدها بفترة وجيزة. وكان القادة العسكريون يُنتخبون بصرف النظر عن أصلهم، وحسب كفاءاتهم فقط. ولم تكن سُلطتهم كبيرة، وكان عليهم أن يؤثروا بمثالهم. وينسب تاقيطس بكل وضوح إلى الكهان السلطة الانضباطية الصرف في الجيش. وكانت السلطة الفعلية مركز في الجمعية الشعبية. والملك أو زعيم القبيلة هو الذي يرأس الجمعية، والشعب يصدر قراره: السلبي بالدمدمة، والإيجابي بهتافات الاستحسان وصليل السلاح. والجمعية الشعبية هي أيضاً بمثابة محكمة، فإليها تقدم الشكاوي، وفيه تصدر القرارات بهذه الشكاوي، وفيها تصدر الأحكام بالموت، مع العلم أن عقوبة الموت لا تطبق إلا في جرائم الجبانة وخيانة الشعب وفي العيوب المخالفة للطبيعة. وداخل العشائر وفروعها، تبت المحكمة في جميع القضايا بصورة مشتركة برئاسة الشيخ، وكما في كل محكمة وطرح الأسئلة. ودائماً وفي كل مكان كانت الجماعة كلها هي التي تصدر الحكم عند الجرمان.

و منذ عهد قيصر، تشكلت اتحادات القبائل، وكان عند بعضها ملوك. وكما عند اليونانيين والرومانيين كان القائد العسكري الأعلى يطمح آنذاك إلى السلطة المستبدة، وكان أحياناً يحصل عليها. ولكن هؤلاء المغتصبين المحظوظين لم يكونوا حكاماً مطلقين، بيد أنهم شرعوا يحطمون قيود النظام العشائري. وبينا كان العبيد المعتقون يشغلون على العموم مركزاً متدنياً لأنه لم يكن بوسعهم الانتساب إلى أي عشيرة، كان أحظياء الملوك الجدد من بيئة العبيد المعتقين يتوصلون أحياناً إلى المناصب العالية والثروة والوجاهة. وقد حدث الأمر نفسه بعد الاستيلاء على الإمبراطورية الرومانية بالنسبة للقادة العسكريين الذين تحولوا إلى ملوك في بلدان شاسعة. وعند الفرنج، اضطلع عبيد ومعتقو الملك بدور كبير أولاً في البلاط ثم في الدولة. ومنهم يتحدر قسم كبير من الأريستقراطية الجديدة.

و قد أسهمت مؤسسة في نشوء السلطة الملكية هي فصائل المتطوعين (Gefolgschaften). وقد سبق ورأينا عند الهنود الحمر الأميركيين كيف تنشأ، على هامش النظام العشائري، رابطات خاصة لأجل خوض غمار الحرب على عهدتها ومسؤوليتها. وقد أصبحت هذه الرابطات الخاصة عند الجرمان اتحادات دائمة. فقد كان الزعيم العسكري الذي أحرز شهرة، يجمع حوله فصيلة من الشبان المتحرقين إلى الغنائم، ويلتزمون تجاهه بالوفاء الشخصي كما يلتزم تجاههم. وكان الزعيم يعيلهم ويكافئهم وينظمهم طبقاً لدرجات ومراتب. وكانوا يخدمونه في الحملات الصغيرة كفصيلة حراسة وقوات مستعدة دائماً للقتال، وفي الحملات الكبيرة كهيئة جاهزة من الضباط. ومهما كان لا بدّ لهذه الفصائل أن تكون ضعيفة، ومهما ظهرت بالفعل ضعيفة فيما بعد، كما عند أودواكر، مثلاً، في إيطاليا، فقد كانت تنطوي على جنين انحطاط الحرية الشعبية القديمة، وهذا الدور بالذات هو الذي اضطلعت به أثناء هجرة الشعوب وبعدها. وذلك أولا لأنها يسّرت نشوء السلطة الملكية، وثانياً، كما أشار تاقيطس، لأنه لم يكن يمكن الاحتفاظ بها ككل منظم إلا عن طريق الحروب الدائمة والغزوات اللصوصية. وأصبح النهب هدفاً. وحين كان رئيس الفصيلة لا يجد ما يفعله في الجوار، كان يمضي مع رجاله إلى شعوب أخرى كانت تدور عندها رحى الحرب وكانت تتوفر عندها احتمالات الظفر بالغنائم. ثم أن القوات المعاونة الجرمانية التي تقاتل بأعداد كبيرة تحت الراية الرومانية حتى ضد الجرمان أنفسهم، كانت تتألف أحياناً من مثل هذه الفصائل. وهنا نرى المعالم الأولى لنظام الجنود المرتزقة-عار الألمان ولعنتهم. وبعد الاستيلاء على الإمبراطورية الرومانية، شكلت فصائل الملوك هذه، إلى جانب خدم البلاط من عبيد ورومانيين، القسم الثاني من الأقسام الرئيسة للأريستقراطية المقبلة.

و هكذا كان على العموم للقبائل الجرمانية المتحدة في شعوب نفس التنظيم للإدارة الذي تطور عند اليونانيين في العهد البطولي وعند الرومانيين في زمن من يسمون بالملوك: الجمعية الشعبية، مجلس شيوخ العشائر، القائد العسكري الساعي وراء السلطة الملكية الحقيقية. وكان ذلك أرقى تنظيم للإدارة كان يمكن على العموم أن يتكون في ظل النظام العشائري. وكان التنظيم النموذجي في الطور الأعلى من البربرية. وما أن تخطى المجتمع الإطار الذي كان فيه هذا التنظيم للإدارة يفي بغايته، حتى حلت نهاية النظام العشائري، فانهار ومكانه قامت الدولة.

الهوامش:

(128) M. Kovalevsky. “Tableau des origines et de l’évolution de lafamille et de la propriété”. Stockholm; 1890. (مـ. كوفالفسكي. “بيان عن أصل وتطور العائلة والملكية”. ستوكهولم، 1890).

(129) أنجز الإنجليز عملة استيلائهم على منطقة ويلس في عام 1283. ولكن ويلس ظلت بعد ذلك محتفظة بالحكم الذاتي. وقد ضمت نهائياً إلى انجلترا في أواسط القرن السادس عشر.

(130) في 1869 و1870، عمل إنجلس على كتابة بحث كبير في تاريخ ارلنده، ولكنه لم ينجزه. ولمناسبة دراسة تاريخ السلت درس إنجلس قوانين ويلس القديمة أيضاً.

(131) يستشهد إنجلس بكتاب: “AncientLaws and Institutes of Wales” Vol. I, 1841 (“القوانين والمؤسسات القديمة في ويلس”. المجلد الأول، عام 1841).

(132) في أيلول 1891 قام إنجلس برحلة إلى اسكتنلده وارلنده.

(133) في 1745 و1746، قامت الكلافات (العشائر) الجبلية في اسكتلنده بانتفاضة ضد عمليات التضييق وانتزاع الأراضي، التي كانت تجري في مصلحة الأريستقراطية العقارية الأنجلو-اسكتلندية وفي مصلحة البورجوازية الأنجلو-اسكتلندية. قاتل الجبليون من أجل الاحتفاظ بالتنظيم العشائري القديم. إلا أن قسماً من نبلاء اسكتلنده الجبلية ممن لهم مصلحة في الحفاظ على النظام الكلاني البطريركي الإقطاعي استغل استياء الجبليين وأعلن أن هدف الانتفاضة هو إعادة سلالة ستيوارت إلى العرش الإنجليزي. في البدء، أحرز جيش المنتفضين نجاحات قصيرة الأجل، ولكنه هزم في نهاية المطاف. بعد قمع الانتفاضة، قضي على النظام العشائري في اسكتلنده الجبلية، وتمت تصفية بقايا الملكية العشائرية للأرض. واشتدت وتسارعت عملية طرد الفلاحين الاسكتلنديين من الأراضي، وألغيت المحاكم العشائرية، ومنعت بعض العادات العشائرية.

(134) L. H. Morgan. “Ancient Society”. London,1877. (ل. هـ. مورغان. “المجتمع القديم” لندن، 1877).

(135) Beda Venerabilis “Historiaecclesiastica gentis Anglorum” (بيدا الملقب بالبار. “تاريخ الإنجليز الكنسي”. الكتاب الأول، الفصل الأول.

(136) يوليوس قيصر. “مذكرات عن حرب الغال”. الكتاب السادس. الفص الثاني والعشرون.

(137) “الحق الألماني”، مجموعة من قوانين العرف والعادة عند حلف الألمان (alamans) القبلي الجرماني الذي كان يشغل منذ القرن الخامس أراضي الإلزاس وسويسرا الشرقية وألمانيا الجنوبية الغربية حالياً. تعود المجموعة إلى أواخر القرن السادس وبداية القرن السابع وإلى القرن الثامن. وهنا يستشهد إنجلس بالقانون 81 (84) من “الحق الألماني”.

(138) المقصود هنا مؤلفا كوفاليفسكي. “الحق البدائي. الطبعة الأولى. العشيرة” موسكو، 1866 ومؤلف “Tableaudes origines et de l’évolution de la famille et de la propriété”. Stockholm; 1890.

(139) “نشيد هيلديبراند”، قصيدة بطولية، أثر من الشعر الملحمي الألماني القديم من القرن الثامن، بقيت منها مقاطع.

(140) تاقيطس. “جرمانيا”، الفصل السابع.

(141) ديودوروس الصيقلي. “المكتبة التاريخية”. الكتاب الرابع. الفصل الرابع والثلاثون.

(142) “Völuspâ” (“رؤيا النبية”) – نشيد من “أيدا الكبرى” (راجعوا الملاحظة رقم 28).

(143) المقصود هنا المؤلفان التاليان:

Völuspâ og de sibyllinske orakler” 1879 A.Ch. Bang. ” (أ. ك. بانغ. “رؤيا النبية وتكهنات العرافة”، 1879)، S. Bugge. “Studier over de nordiske Gude- og Heltesagns oprindelse”. Kristiania , 1881-1889. (س. بوغه. “لمحات في مسألة أصل الساغات السكاندينافية عن الآلهة والأبطال”. كريستيانا، 1881-1889).

(144) G. L. Maurer. ” Geschichte der Stadt-Verfassung in Deutsch-land ” Bd I, Erlangen, 1869.

(145) انتفاضة القبائل الجرمانية والغالية بقيادة زيفيليس ضد السيادة الرومانية بسبب تزايد الأتاوات، واستفحال عمليات التجنيد في الجيش، واستهتار الموظفين الرومانيين جرت في 69-70 ( في 69-71، كما يقول بعض المصادر الأخرى). شملت الانتفاضة قسماً كبيراً من بلاد الغال والمقاطعات الجرمانية الخاضعة لروما، وهددت روما بخطر خسارة هذه الأراضي. بعد النجاحات في البدء، مني المنتفضون ببضع هزائم واضطروا إلى عقد الصلح مع روما.

(146) يوليوس قيصر. “مذكرات عن حرب الغال”. الكتاب الرابع. الفص الأول.

(147) تاقيطس. “جرمانيا”، الفصل السادس والعشرون.

(148) “GodexLaureshamensis” (“سجلات لورش”)، مجموعة من نسخ امتيازات دير لورش ومن شهادات الهبات له. تأسس الدير في النصف الثاني من القرن الثامن في دولة الإفرنج، غير بعيد عن مدينة ورمس وكان عبارة عن ملكية إقطاعية كبيرة في ألمانيا الجنوبية الغربية. تم جمع المجموعة في القرن الثاني عشر، وهي من أهم المصادر في تاريخ ملكية الأرض الفلاحية والإقطاعية في القرنين الثامن والتاسع.

(149) بلينوس. “التاريخ الطبيعي في 37 كتاباً”. الكتاب الثامن عشر، الفصل السابع عشر.

 

 

[1] (اسم الننتسي سابقاً. الناشر.)

[2] “أحزاب”. الناشر.

[3] خلال إقامتي بضعة أيام في إرلنده (132)، أدركت من جديد بقوة ووضوح إلى أي حد لا يزال سكان الريف هناك يعيشون بأفكار زمن العشائر. فإن مالك الأرض الذي يستأجر منه الفلاح قطعة أرض، لا يزال بنظر هذا الأخير ضرباً من زعيم لـ “الكلان” ملزماً بأن يتصرف بالأرض في مصلحة الجميع، ويعتبر الفلاح أنه يدفع لمالك الأرض جزية بصورة بدل إيجار، ولكنه يجب أن يلقى منه العون عند الاقتضاء. كذلك يعتبرون هناك أن كل إنسان أكثر يسراً ملزم بأن يساعد جيرانه الأقل منه يسراً إذا ما شعروا بالعوز. إن هذه المساعدة ليست صدقة، بل هي ما يتلقاه حقاً وشرعاً عضو “الكلان” الأفقر من عضو أغنى أو من زعيم “الكلان”. وإنها لمفهومة شكاوي الاقتصاديين والحقوقيين من استحالة حمل الفلاح الإرلندي على إدراك مفهوم الملكية البرجوازي الحالية. فإن ملكية لها حقوق فقط وليس عليها واجبات، لا تخرط في رأس الإرلندي. ولكنه مفهوم أيضاً كيف أن الإرلنديين الذين ينتقلون فجأة بتصوراتهم الساذجة الملازمة للنظام العشائري إلى المدن الإنجليزية أو الأميركية الكبيرة، ويجدون أنفسهم في بيئة ذات مفاهيم أخلاقية وقانونية مختلفة تماماً،- كيف أن هؤلاء الإرلنديين يضلون كلياً في قضايا الأخلاق والقانون، ويفقدون كل تربة تحت أقدامهم، ويقعون أحياناً بالجملة في مهاوي الفساد.(ملاحظة إنجلس لطبعة 1891).

[4] عشيرة يوليوس. الناشر.

[5] بالألمانية fahren. الناشر.

[6] بالألمانية Sippe. الناشر

[7] بالألمانية König. الناشر.

[8] * إن اليونانيين لا يعرفون إلا بالميثولوجيا من الأزمنة البطولية طبيعة الصلة الوثيقة بخاصة التي تجمع بين الخال وابن الأخت والتي تعود في أصلها إلى عهد الحق الأمي والتي توجد عند كثير من الشعوب. يقول ديودوروس (الفصل 4، المقطع 34) إن ميلياغر يقتل أولاد تستيوس، أخوة أمه الثيه Althée وترى الثيه في هذا العمل جريمة لا تقبل أي تكفير إلى حد أنها تعلن القاتل، ابنها بالذات، وتتمنى له الموت. “و قد حقق الآلهة أمنيتها، كما يروون، ووضعوا خاتمة لحياة ميلياغر”. كذلك يقول ديودوروس ذاته (الفصل 4، المقطعان 43 و44) أن الأرغونوط نزلوا في تراقيا بقيادة هرقل واكتشفوا هناك أن فينيه، بتحريض من زوجته الجديدة، عامل ولديه اللذين رزقهما من زوجته المطلقة، بوريادا كليوباطره، معاملة قاسية فظيعة. ولكنه تبين أن هناك بين الأرغونوط أفراداً آخرين من آل بورياد، هو أخوة كليوباطره، أي أخوة والدة الضحيتين. فينبرون على الفور لحماية ولدي أختهم، ويحررونهما ويقتلون حراسهما (141).

و هناك مقطع من “Völuspâ” (142)- وهو نشيد سكاندينافي قديم عن غسق الآلهة وهلاك العالم،- يتسم بدور أهم لأنه دليل يعود إلى مرحلة متأخرة بنحو 800 سنة. وفي “رؤيا النبيه” هذه، التي تتشابك فيها عناصر مسيحية أيضاً، كما أثبت الآن بانغ وبوغه (143) جاء في وصف عهد الانحطاط والفساد العام، الذي سبق الكارثة الكبرى:

“Broedhr munu berjask ok at bönum verdask, munu systrungarsifium spilla”

“سيعادي الأخوة بعضهم بعضاً ويقتلون بعضهم بعضاً، ويحطم أولاد الأخوات عرى القرابة”.

إن systrungar تعني ابن الخالة، ويبدو للشاعر أن هؤلاء، أولاد الأخوات، يقترفون جريمة أفدح من جريمة التقاتل بين الأخوة إذا ما أنكروا قرابتهم المتبادلة بالدم. إن تشديد فداحة الجريمة ينعكس في كلمة systrungar التي تشير إلى القرابة من جهة الأم. ولو ورد عوضاً عن هذه الكلمة تعبير syskina-börn- أولاد الأخوة والأخوات- أو syskina-synir- أبناء الأخوة والأخوات-لجاء السطر الثاني، لا تشديداً للأول بل تخفيفاً له. وعليه، حتى في زمن الفيكينغ، عندما ظهرت “رؤيا النبيه”، لم تكن قد زالت بعد في سكاندينافيا ذكرى الحق الأمي.

و من جهة أخرى، كان الحق الأمي عند الجرمان، في زمن تاقيطس، وعلى الأقل عند من كان يعرفهم منهم أكثر، قد أخلى المكان للحق الأبوي، كان الأولاد يرثون الوالد، وفي حال انعدام الأولاد، كان الإرث يعود إلى الأخوة وإلى الأعمام والأخوال. إن إشراك الخال في الإرث يرتبط بالحفاظ على العادة المشار إليها للتو، ويثبت أيضاً إلى أي حد كان الحق الأبوي لا يزال حديث العهد عند الجرمان. كذلك بقيت آثار الحق الأمي زمناً طويلاً في القرون الوسطى. ويبدو أنهم في تلك الحقبة من الزمن لم يكونوا يولون مسألة الأبوة بالغ الأهمية، ولا سيما عند الأقنان. ولهذا، عندما كان السيد الإقطاعي يطالب مدينة ما بأن تعيد إليه فلاحاً فاراً، كان ينبغي، كما في أوغسبورغ وبال وكيزرسلاوترن، مثلاً، أن يؤكد باليمين ستة من أقرب أقرباء الفلاح المتهم، جميعهم بوجه الحصر أقرباء من ناحية الأم، صفته كقن (مورير، “نظام المدينة”، المجلد الأول)(144).

« السابق التالي »