بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثامن عشر من برومير – لويس بونابرت

يقول هيغل في مكان ما أن جميع الأحداث والشخصيات العظيمة في تاريخ العالم تظهر، إذا جاز القول، مرتين. وقد نسى أن يضيف: المرة الأولى كمأساة والمرة الثانية كمسخرة. كوسيديير مكان دانتون، لويس بلان مكان روبسير، “جبل” (“الجبل” – Montagne – مونتان. أسم أطلق على اليعاقبة الذين كانوا يمثلون الجناح البرجوازي الراديكالي اليساري في أثناء الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر. وقد أطلق عليهم أسم “الجبل” لأنهم كانوا يحتلون المقاعد العليا في قاعة جلسات الكونفانسيون “الجمعية الوطنية” وقد أتخذ حزب ليدرو – رولان الجمهوري الديموقراطي البرجوازي الصغير هذا الاسم في سنوات 1848 – 1851 وكان كتلة في الجمعيتين الفرنسيتين التأسيسية والتشريعية. الناشر.)

1848 – 1851 مكان “جبل” 1793 – 1795، أبن الأخ مكان العم. والصورة الكاريكاتورية نفسها تظهر في الظروف التي رافقت الطبعة الثانية للثامن عشر من برومير ( ) !

إن الناس يصنعون تاريخهم بيدهم؛ إنهم لا يصنعونه على هواهم. إنهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها هم بأنفسهم بل في ظروف يواجهون بها وهي معطاة ومنقولة لهم مباشرة من الماضي. إن تقاليد جميع الأجيال الغابرة تجثم كالكابوس على أدمغة الأحياء. وعندما يبدو هؤلاء منشغلين فقط في تحويل أنفسهم والأشياء المحيطة بهم، في خلق شيء لم يكن له وجود من قبل، عند ذلك بالضبط، في فترات الأزمات الثورية كهذه على وجه التحديد، نراهم يلجئون في وجل وسحر إلى استحضار أرواح الماضي لتخدم مقاصدهم، ويستعيرون منها الأسماء والشعارات القتالية والأزياء لكي يُمثلوا مسرحية جديدة على مسرح التاريخ العالمي في هذا الرداء التنكري الذي اكتسى بجلال القدم وفي هذه اللغة المستعارة. هكذا ارتدى لوثر قناع الرسول بولس واكتست ثورة 1789 – 1814 بثوب الجمهورية الرومانية تارة وثوب الإمبراطورية الرومانية تارة آخري، ولم تجد ثورة 1848 شيئًا أفضل من التقليد الساخر لعام 1789 حينًا وللتقاليد الثورية لسنوات 1793 إلى 1795 حينًا آخر. وعلى هذا النحو يعمد دائمًا المبتدئ الذي تعلم لغة جديدة إلى ترجمة هذه اللغة بالفكر إلى لغته الأصلية وهو يستعمل اللغة الجديدة.

إن التأمل في هذه الاستحضارات لما غبر في تاريخ العالم يكشف لنا النقاب على الفور عن فرق بارز فيما بينها. فإن كميل ديمولان ودانتون وروبسبيير وسان – جوست ونابوليون، أبطال الثورة الفرنسية القديمة، وكذلك أحزابها وجماهيرها الشعبية، قد أدوا مهمة زمنهم في أزياء رومانية وبألفاظ رومانية – مهمة فك القيود وإقامة المجتمع البرجوازي الحديث. الأولون نسفوا أسس الإقطاعية تمامًا وحصدوا الرؤوس الإقطاعية التي نمت عليها. والأخير أوجد في داخل فرنسا الظروف التي يتسنى فيها وحدها للمنافسة الحرة أن تتطور وللأرض الموزعة أن تُستغل ولطاقة الأمة الإنتاجية الصناعية التي أُطلقت من القيود أن تُستخدم، وعمد في كل مكان فيما وراء الحدود الفرنسية إلى تهديم الأشكال الإقطاعية إلى المدى الذي كان فيه ذلك ضروريًا لتزويد المجتمع البرجوازي في فرنسا ببيئة ملائمة في القارة الأوروبية وتستجيب لمتطلبات الزمن. وإذ تم تأسيس التشكيلة الاجتماعية الجديدة، اختفى عمالقة ما قبل الطوفان واختفى معهم العهد الروماني القديم الذي بعث إلى الحياة – أي جميع البروتوسات والغراكوسات والبوبليكولات والخطباء وأعضاء السناتو والقيصر نفسه. إن المجتمع البرجوازي، في حقيقته العقلية العملية، قد ولد شراحه والسنة حاله الحقيقيين في أمثال ساي وكوزين وروية – كولار وبنيامين كونستان وغيو ومن شاكلهم. وجلس قادته العسكريون الحقيقيون في المكاتب، وكان لويس الثامن عشر، ذو رأس الخنزير، رئيسة السياسي. وإذ أنغمس هذا المجتمع كليًا في أنتاج الثورة وفي الكفاح السلمي الذي يقوم على المنافسة، نسى إن أشباحًا من عهد روما القديمة كانت تسهر على مهده. ولكن المجتمع البرجوازي، مع ما هو عليه من قلة البطولة، أقتضى إخراجه إلى حيز الوجود بطولة وتضحية وإرهابًا وأقتضى حربًا أهلية ومعارك بين الشعوب. وقد وجد مصارعوه في التقاليد ذات الصرامة الكلاسيكية التي خلفتها الجمهورية الرومانية، المثل العليا والأشكال الفنية والأوهام التي كانوا في حاجة إليها لكي يخفوا عن أنفسهم ما كان عليه محتوى صراعاتهم من قصور برجوازي ولكي يبقوا حماستهم في المستوى العالي للمأساة التاريخية العظيمة. ومن هذا القبيل، وفي مرحلة أخرى من التطور، وقبل ذلك بقرن من الزمان، أستعار كرومويل والشعب الانجليزي الكلام والعواطف والأوهام من “العهد القديم” لثورتهم البرجوازية. وعندما تم الوصول إلى الهدف الحقيقي، عندما تم أنجاز التحويل البرجوازي للمجتمع الانجليزي، حل لوك محل النبي حبقوق.

وهكذا كان بعث الموتى في تلك الثورات يؤدي مهمة تمجيد الصراعات الجديدة، لا التقليد الساخر للصراعات القديمة، مهمة تعظيم الواجب المعين في الخيال لا الهروب من إيجاد حل له في الحقيقة، مهمة اكتشاف روح الثورة مرة أخرى، لا جعل شبحها يحوّم ثانية.

منذ سنة 1848 ولغاية سنة 1851 كان يحوّم شبح الثورة القديمة فحسب، ابتداء من ماراست، هذا républicain en gants jaunas (الجمهوري ذو القفاز الأصفر. الناشر.)

الذي تنكر في ثوب بايي القديم، حتى المغامر الذي كان يخبئ ملامحه التافهة المنفرة تحت القناع الحديدي لنابوليون الميت. أن شعبًا بأكمله كان يتصور أنه، عن طريق الثورة، قد سرّع تطوره يجد نفسه فجأة يرجع القهقرى إلى عصر أنقرض. ولكن لا يكون ثمة مجال للشك في شأن هذه الردة، عادت إلى الظهور التواريخ القديمة والتقاويم الزمنية القديمة والأسماء القديمة والمراسيم القديمة التي غدت منذ زمن طويل موضوعًا لهواه الأشياء القديمة المحنكين، وعاد كذلك إلى الظهور رجال الدرك القدامى الذين بدا أنهم اندثروا منذ أمد طويل. وشعرت الأمة بمثل ما يشعر به ذلك الانجليزي المجنون تزيل البدلام ( )، الذي يتوهم أنه يعيش في زمن الفراعنة القدماء فيندب كل يوم العمل الشاق الذي ينبغي أن يؤديه في المناجم الأثيوبية كحفار يستخرج الذهب، حبيس في هذا السجن الواقع تحت الأرض مشدود على رأسه مصباح خافت الإنارة، وخلفه رقيب العبيد وفي يده سوط طويل، وعند المخارج الجنود البرابرة الذين لا يفهمون عمال السخرة في المناجم ولا يفهم واحدهم الآخر لأنهم جميعهم يتكلمون لغات مختلفة. ويتنهد الانجليزي المجنون قائلاً: “ويترتب عليّ أن أتحمل كل هذا. أنا البريطاني الحر الأصل، قصد استخراج الذهب للفراعنة القدماء”. والأمة الفرنسية تتنهد قائلة: “قصد تسديد ديون أسرة بونابرت”. الانجليزي، مادام مالكًا لقواه العقلية، لا يستطيع التخلص من الفكرة الراسخة وهي استخراج الذهب. والفرنسيون، ما داموا منشغلين في ثورة، لا يستطيعون التخلص من ذكرى نابوليون، كما أثبت ذلك انتخاب العاشر من كانون الأول (ديسمبر) ( ) أنهم يحنون للعودة من مخاطر الثورة إلى حلل اللحوم المصرية ( ). واليوم الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 1851 كان هو الجواب. فلم يعد لديهم صورة كاريكاتورية عن نابوليون القديم فسحب، بل صار لديهم أيضًا نابوليون القديم نفسه بصورة كاريكاتورية، كما لا بدله أن يبدو في منتصف القرن التاسع عشر.

أن ثورة القرن التاسع عشر الاجتماعية لا يسعها أن تستمد أشعارها من الماضي بل من المستقبل فحسب. أنها لا تستطيع أن تبدأ بتنفيذ مهمتها قبل أن تقضي على كل احترام خرافي للماضي. لقد كانت الثورات السابقة في حاجة إلى استعادة ذكريات ما مضى من حوادث تاريخ العالم لكي تخدع نفسها بشأن محتواها هي بالذات. أما ثورة القرن التاسع عشر فكان يترتب عليها لكي تستوضح لنفسها محتواها الخاص أن تدع الموتى يدفنون موتاهم. هناك كانت الجملة تتعدّى المحتوى وهنا كان المحتوى يتعدى الجملة.

أن ثورة شباط (فبراير) كانت هجومًا مفاجئًا، كانت أخذًا مباغتًا للمجتمع القديم. وقد أشاد الشعب بهذه الضربة غير المتوقعة باعتبارها عملاً ذا أهمية تاريخية عالمية يؤدي بحقبة جديدة. وفي اليوم الثاني من كانون الأول (ديسمبر) تختفي ثورة شباط (فبراير) بين يدي نصاب ماكر ويبدو في النتيجة أن ما أطيح به ليس هو الملكية بل التنازلات الليبيرالية التي انتزعتها منها قرون من الكفاح. وبدلاً من أن يظفر المجتمع نفسه لنفسه بمحتوى جديد، بدا أن الدولة قد عادت إلى أقدم أشكالها فحسب – إلى السيطرة البدائية العديمة الحياء – سيطرة السيف والقلنسوه الكهنوتية. والجواب على Coup de main (ضربة جريئة، عمل حاسم. الناشر.) شباط (فبراير) 1848 أعطاه Coup de téte (عمل طائش، عمل وقح. الناشر.) كانون الأول (ديسمبر) 1851، وما تأتي به الزوابع تأخذه الرياح. ولكن هذه الفترة من الزمن لم تضع سدى. فمن سنة 1848 لغاية سنة 1851 هضم المجتمع الفرنسي – وتم هذا بطريقة مختصرة لأنها ثورية – العبر والتجارب التي كان ينبغي لها في تطور يسير بصورة صحيحة، أو، إذا جاز القول، بصورة منهاجيه، أن تسبق ثورة شباط (فبراير) لو كانت هذه الثورة أكثر من مجرد هزة على السطح. أن المجتمع يبدو الآن وكأنه أرتد إلى ما وراء نقطة انطلاقه. أما في الواقع فلا يترتب له سوى أن يوجد لنفسه نقطة الانطلاق لثورته والوضع والعلاقات والظروف التي لا تصبح الثورة الحديثة بدونها ثورة جدية.

أن الثورة البرجوازية، كتلك التي حدثت في القرن الثامن عشر، تندفع كالعاصفة من نجاح إلى نجاح، وآثارها الدرامية تفوق بعضها بعضًا، ويبدو فيها الأشخاص والأشياء في إطار باهر وهاج، ويكون كل يوم مشبعًا بالحماسة والنشوة. بيد أن عمر هذه الثورات قصير، فسرعان ما تدرك هذه الثورات نقطة الأوج وتخيم على المجتمع وخمة السكرة الطويلة الممضة قبل أن يستطع أن يهضم بتعقل واتزان نتائج فترة الضغط والاندفاع العاصف تلك. أما الثورات البروليتارية كتلك التي تحدث في القرن التاسع عشر، فهي، بالعكس، تنتقد ذاتها على الدوام، وتقاطع نفسها بصورة متواصلة أثناء سيرها، وتعود ثانية إلى ما بدا أنها أنجزته لتبدأ فيه من جديد، وتسخر من نواقص محاولاتها الأولى ونقاط ضعفها وتفاهتها باستقصاء لا رحمة فيه، ويبدو أنها تطرح عدوها أرضًا لا لشيء إلا ليتمكن من أن يستمد قوة جديدة من الأرض وينهض ثانية أمامها وهو أشد عتوًا، وتنكص المرة تلو المرة أمام ما تتصف به أهدافها من ضخامة غير واضحة المعالم، وذلك إلى أن ينشأ وضع جديد يجعل أي رجوع إلى الوراء مستحيلاً وتصرخ الحياة نفسها قائلة بصرامة:

Hic Rhodus, hic saltal

هنا الوردة، فلترقص هنا! ( )

وعلى كل حال، كان لابد لكل مراقب بصير وأن قليلاً، حتى ولو لم يتابع مجرى الأحداث في فرنسا خطوة فخطوة، من أن يكون قد ساوره هاجس بأنه كتب لهذه الثورة عار لا سابق له. وكان يكفي المرء أن يسمع نباح النصر الذي كان يردده باغتباط السادة الديموقراطيون وهم يتبادلون التهاني بالعواقب الخيرة التي ينتظرون أن يسفر عنها الأحد الثاني من شهر أيار (مايو) 1852 ( ). لقد أصبح عندهم الأحد الثاني من شهر أيار (مايو) 1852 فكرة راسخة، أصبح عقيدة غبية، شأنها شأن اليوم الذي سيعود فيه المسيح إلى الظهور ويبدأ فيه العصر الألفي السعيد عند الألفيين ( ). وكما هي الحال دائمًا، التجأ العجزُ إلى الاعتقاد بالمعجزات وتصور أن العدو غُلب على أمره إذا تغلب عليه في الخيال عن طريق الابتهال وفقدان كل شعور بالواقع بسبب من التمجيد الباطل بالمستقبل الذي ينتظره وبالمآثر التي ينوي أن يقوم بها ولكنه لا يريد أن يخبر عنها بعد. أولئك التي ينوي أن يقوم بها ولكنه لا يريد أن يخبر عنها بعد. أولئك الأبطال الذين يسعون إلى دحض الرأي القائل بمجزهم الواضح بتهادي عواطفهم المتبادلة وبالتجمهر في جماعة خاصة قد أوثقوا حقائبهم وجمعوا أكاليل الغار مقدمًا، وكانوا في ذلك الوقت بالضبط منهمكين في سوق الأوراق المالية يخصمون جمهورياتهم in partibus (in partibus infidelium – خارج الواقع الفعلي (حرفيًا: “في بلاد الكفار” – إضافة إلى لقب المطارئة الكاثوليكيين المعينين في مناصب المطارنة الاسمية الصرف في البلدان غير المسيحية). الناشر.)، التي كانوا قد فرغوا مسبقًا من تنصيب موظفيها الحكوميين خلسة وبكل القناعة الملازمة لهم. وأنقض عليهم اليوم الثاني من كانون الأول (ديسمبر) انقضاض الصاعقة من سماء صافية الأديم. فالشعوب التي تسمح بطيبة خاطر لأصحاب الأصوات العالية أن يغرقوا مخاوفها الداخلية في الفترات التي تنحط فيها المعنويات، ربما اقتنعت هذه المرة بأن الزمن الذي يستطع فيه قوق الوز إنقاذ الكابيتول ( ) قد ولي وانقضى.
أن الدستور والجمعية الوطنية وأحزاب الأسرة المالكة والجمهوريين الزرق والحمر وأبطال أفريقيا ( ) والإرعاد من فوق منصات الخطابة والإبراق على صفحات الجرائد اليومية، والأدب بأسره والأسماء السياسية والسمعة الفكرية والقانون المدني وقانون الجزاء liberté, égalité, frafernité (الحرية والمساواة والإخاء. الناشر.) والأحد الثاني من أيار (مايو) 1852 – كلها تلاشت كخيال الظل أمام سحر رجل لم يكن أعداؤه أنفسهم ساحرًا من السحرة. وبدا أن حق الاقتراع الشامل لم يمكث لحظة إضافية إلا لكي يتمكن من أن يخط بيده أمام أعين الدنيا قاطبة وصيته الأخيرة ويعلن باسم الشعب نفسه: “أن كل ما ينبعث جدير بالزوال” ( ) .

ولا يكفي القول، كما يفعل الفرنسيون، بأن أمتهم قد أُخذت على حين غرة. فإن الأمة والمرأة لا تغتفر لهما تلك اللحظة التي تفقدان فيها الحذر ويتمكن أول مغامر يمر بهما من أن ينتهكهما. أن جملاً كهذه لا تستطيع حل اللغز بل تصوغها بشكل آخر فقط. بقى أن نفسر كيف يستطيع ثلاثة نصابين أن يأخذوا على حين غرة ويأسروا دون مقاومة أمة يبلغ تعدادها ستة وثلاثين مليون نسمة.

لنراجع الآن بإيجاز المراحل التي مرت بها الثورة الفرنسية من 24 شباط (فبراير) سنة 1848 لغاية كانون الأول (ديسمبر) سنة 1851. هنالك فترات رئيسية ثلاث لا ريب فيها: فترة شباط (فبراير)؛ الفترة من 4 أيار (مايو) 1848 إلى 28 أيار (مايو) 1849: وهي فترة الجمهورية الدستورية أو فترة الجمعية الوطنية التشريعية.

الفترة الأولى، من 24 شباط (فبراير)، أي من وقت الإطاحة بلويس فيليب إلى الرابع من أيار (مايو) 1848، أي إلى انعقاد الجمعية التأسيسية – فترة شباط بمعناها الحقيقي – يمكن أن توصف بأنها مقدمة الثورة. وقد تجلي طابعها بصورة رسمية عندما أعلنت الحكومة نفسها التي ارتجلتها هذه الفترة إنها حكومة مؤقتة. وكل ما جرى اتخاذه أو محاولته أو التصريح به في أثناء هذه الفترة كان، شأنه في ذلك شأن الحكومة، يعلن عن نفسه بأنه مؤقت فحسب. لم يكن أي شيء أو أي إنسان يجرؤ على الادعاء بحق البقاء الدائم وبالعمل الحقيقي. وجميع العناصر التي أعدت الثورة أو حدتها – أي المعارضة الأُسرية ( ) والبرجوازية الجمهورية والبرجوازية الصغيرة الديموقراطية الجمهورية والعمال الاشتراكيون – الديموقراطيون -، وجدت مكانها مؤقتًا في حكومة شباط.

وما كان بالإمكان غير ذلك. أن أيام شباط كانت تقصد بالأصل إجراء أصلاح انتخابي يتمخض عن توسيع دائرة المتمتعين بالامتيازات السياسية داخل الطبقة المتملكة ذاتها ويطيح بالسيطرة المطلقة الارستقراطية المال. ولكن حين وصلت الأمور إلى النزاع الفعلي، عندما أعتلى الشعب المتاريس وأتخذ الحرس الوطني موقف الانتظار السلبي وأحجم الجيش عن المقاومة الجدية وهرب الملك، ظهر تأسيس الجمهورية كأنه مسألة طبيعية. وكل حزب فسرها بطريقته الخاصة. أما البروليتاريا التي ظفرت بهذه الجمهورية والسلاح في أيديها، فقد طبعتها بطابعها وأعلنتها جمهورية اجتماعية. وهكذا رُسم المحتوى العام للثورة المعاصرة، وهو محتوى يتناقض تناقضًا عجيبًا إلى أقصى حد مع أي شيء يمكن تحقيقه دفعة واحدة ومباشرة استنادًا إلى ما كان متوفرًا من مواد وما بلغته الجماهير من مستويات التطور، وفي الظروف والعلاقات المعنية. ومن الناحية الأخرى لُبيت مطالب جميع العناصر الباقية التي أسهمت في نجاح ثورة شباط، بحصة الأسد التي نالتها في الحكومة. ولذلك لا نجد في أي فترة أخرى خليطًا أكثر تنوعًا من الكلام المنمق وانعدام الثقة الفعلي والعجز الفعلي ومن السعي الفائق الحماسة إلى الجديد ومن السيطرة الراسخة الجذور للرتابة العتيقة ومن الانسجام الظاهري الغشاش للمجتمع بأسرة والتنافر العميق بين عناصره. وبينما كانت بروليتاريا باريس ما تزال سادرة في الطرب بمنظر الآفاق العراض التي انفتحت أمامها ومنغمسة عن جد في مناقشات حول القضايا الاجتماعية كانت قوى المجتمع القديمة تتكتل وتحشد وتستفيق وتجد تأييدًا لم يكن متوقعًا من جمهرة الأمة، من الفلاحين والبرجوازيين الصغار الذين اقتحموا كلهم المسرح السياسي دفعة واحدة بعد سقوط الحواجز التي أقامتها ملكية تموز (يوليو).

الفترة الثانية، من الرابع من أيار (مايو) 1848 حتى نهاية أيار (مايو) 1849، هي فترة تشكيل، تأسيس الجمهورية البرجوازية. بعد أيام شباط (فبراير) مباشرة لم تفاجأ المعارضة الأسرية بالجمهوريين ولم يفاجأ الجمهوريون بالاشتراكيين فحسب بل فوجئت فرنسا كلها بباريس. أن الجمعية الوطنية التي انعقدت في الرابع من أيار (مايو) 1848 والتي انتخبتها الأمة كانت تمثل الأمة. كانت هذه الجمعية احتجاجا حيا على ادعاءات أيام شباط وكان من شأنها أن تهبط بنتائج الثورة إلى مستوى المقاييس البرجوازية. وعبثًا حاولت بروليتاريا باريس، التي أدركت على الفور طابع هذه الجمعية الوطنية، في اليوم الخامس عشر من أيار (مايو)، أي بعد بضعة أيام من انعقادها، أن تنفي وجودها بالقوة وأن تحلها وأن تفتت ثانية هذا الشكل العضوي الذي هددت فيه البروليتاريا روح الأمة التي ارتدت ضدها، إلى الأجزاء التي يتألف منها. ومعلومة أن اليوم الخامس عشر من أيار (مايو) لم يكن له من نتيجة سوى إقصاء بلانكي ورفاقه في الفكر، أي القادة الحقيقيين للحزب البروليتاري، عن المسرح الاجتماعي طيلة كل الفترة التي نحن بصددها.

أن الملكية البرجوازية لعهد حكم لويس فيليب لا يمكن أن تليها الا جمهورية برجوازية، وبعبارة أخرى بينما كانت فئة محدودة من البرجوازية تحكم متسترة باسم الشعب. أن مطالب بروليتاريا باريس هي هراء خيالي ينبغي أن يوضع له حد. على هذا التصريح الصادر عن الجمعية الوطنية التأسيسية أجابت بروليتاريا باريس بتمرد حزيران (يونيو)، وهو أضخم حادث في تاريخ الحروب الأهلية في أوروبا. وانتصرت الجمهورية البرجوازية. فإلى جانبها كانت تقف ارستقراطية المال والبرجوازية الصناعية والفئات الوسطى والبرجوازية الصغيرة والجيش وحثالة البروليتاريا ((Iumpen- proletariat المنظمون في حرس متنقل والمثقفون ورجال الأكليروس وسكان الأرياف. وإلى جانب بروليتاريا باريس لم يكن يقف أحد سواها. وبعد النصر على هذه البروليتاريا ذبح ما ينوف على ثلاثة آلاف متمرد ونفي خمسة عشر ألفًا دون محاكمة. وبهذه الهزيمة تمضي البروليتاريا إلى مؤخرة المسرح الثوري. إنها تحاول من جديد أن تتقدم إلى الأمام كلما لاح فيها أن الحركة تنهض من جديد، ولكن هذه المحاولات تضعف أكثر فأكثر وتسفر عن نتائج تتضاءل أكثر فأكثر. وحالما كان يعتري أحدى الفئات الاجتماعية الكائنة فوقها جيشان ثوري، كانت البروليتارايا تدخل في حلف معها وهكذا كان لها نصيب في جميع الهزائم المتوالية التي منيت بها الأحزاب المختلفة. بيد أن هذه الضربات التي تلت كانت تضعف بقدر ما كان سطح المجتمع الذي تتوزع فوقه يتسع. إن ابرز قادة البروليتاريا في الجمعية وفي الصحافة تساقطوا على التعاقب ضحايا للمحاكم. ويحل محلهم أشخاص يزداد أمرهم اشتباها. أن قسما من البروليتاريا ينصرف إلى تجارب نظرية غير عملية وإلى تأسيس المصارف التعاضدية وجمعيات العمال أي، بكلمة أخرى، إلى حركة تتخلي فيها البروليتاريا عن فكرة أحداث انقلاب في العالم القديم بمجموع الوسائل الجبارة المتوفرة في هذا العالم القديم بالذات، بل تحاول تحقيق خلاصها من وراء ظهر المجتمع، بسبيل خاص وضمن شروط وجودها المحدودة، أي بسبيل يقود حتما إلى الإفلاس. ويبدو أن البروليتاريا لم تعد قادرة لا على استعادة عظمتها الثورية السابقة في ذاتها ولا على اكتساب طاقة جديدة من الارتباطات التي دخلت فيها حديثًا، طالما لم تسقط جميع الطبقات التي ناضلت ضدها في حزيران (يونيو) طريحة إلى جوارها. بيد أن البروليتاريا سقطت على الأقل بشرف جدير بالكفاح التاريخي العالمي العظيم. فليست فرنسا وحدها بل أوروبا جميعها ارتجفت من زلزال حزيران، بينما كانت الهزائم اللاحقة التي منيت بها الطبقان العليا تفدى بثمن بخس لدرجة أنها كانت تقتضي مبالغات عديمة الحياء من جانب الحزب المنتصر لكي يكون في الإمكان إعطاءها طابع الأحداث على العموم، مع العلم أن هذه الهزائم كانت تزداد خزيًا كلما أبتعد الحزب المهزوم عن الحزب البروليتاري.

صحيح أن هزيمة متمردي حزيران (يونيو) قد هيأت ومهدت الأرض التي يمكن عليها بناء صرح الجمهورية البرجوازية، بيد أنها أوضحت في الوقت نفسه أن المسألة في أوروبا لا تتعلق بالخلاف حول موضوع: “الجمهورية أو الملكية” بل بشيء آخر. فقد بينت هذه الهزيمة أن الجمهورية البرجوازية تعني هنا الاستبداد غير المحدود الذي تمارسه طبقة ضد الطبقات الأخرى، وأثبتت أن الجمهورية، في الأقطار ذات الحضارة القديمة والتقسيم الطبقي المتطور وحيث ظروف الإنتاج عصرية وحيث الوعي الفكري ذابت فيه بفعل القرون جميع الأفكار التقليدية، لا تعني بصورة عامة إلا الشكل السياسي لتحويل المجتمع البرجوازي تحويلاً ثوريًا وليس شكل الحياة الذي يصون وجوده، كما هي الحال مثلاً في الولايات المتحدة بأميركا الشمالية حيث توجد الطبقات ولكنها لم تتحدد حتى الآن بل أنها تتغير على الدوام وتتبادل عناصرها في حركة دائمة وحيث نجد وسائل الإنتاج الحديثة غير متفقة مع وجود فيض مزمن من السكان وليس هذا وحسب بل تعوض بالعكس عن النقص النسبي في الرؤوس والأيدي، وأخيرًا حيث لم تترك حركة الإنتاج المادي النشيطة، الزاخرة بالحماسة والقوة، التي عليها أن تملك عالمًا جديدًا، لا وقتًا ولا فرصة للقضاء على عالم الأشباح القديم.

خلال أيام حزيران (يونيو)، أتحدت كل الطبقات والأحزاب في حزب النظام ضد الطبقة البروليتاريا بوصفها حزب الفوضى والأشتراكية والشيوعية. و”أنقذت” المجتمع من “أعداء المجتمع”. وأختارت كلمة السر لجيشها شعار المجتمع القديم القائل “الملكية، العائلة، الدين، النظام” وشجعت صليبيي الثورة المضادة قائلة: “بهذة العلامة سوف تغلبون!” ومنذ تلك اللحظة كان كل حزب من الأحزاب العديدة التي ألتفت حول هذه العلامة ضد متمردي حزيران، حالما يريدان يثبت أقدامه في ميدان القتال الثوري لمصلحته الطبقية الخاصة، يهزمونه تحت شعار: “الملكية، العائلة، الدين، النظام!”. كان أنقاذ المجتمع يتم كلما كانت دائرة حاكميه تتقلص وكلما كانت مصلحة أضيق تتغلب على مصلحة أوسع. وكل مطلب كان ينطوي على أبسط صلاح مالي برجوازي أو على أية ليبيرالية مهما كانت عادية أو على أية اتجاهات جمهورية مهما كانت شكلية أو على أشد أنواع الديموقراطية ضحالة، كان يعاقب عليه في نفس الوقت بوصفه محاولة “اعتداء على المجتمع” ويوصم بـ”الاشتراكية”. وأخيرًا طُرد كبار كهان “الدين والنظام” أنفسهم ركلاً من هياكلهم البيثية ( ) وانتزعوا من أسرتهم في غيهب الليل ووضعوا في عربات السجن وزجوا في السجون أو نفوا من البلاد، ونسف معبدهم من الأساس حتى سوّى بالتراب وختم على أفواههم وكسرت أقلامهم ومزقت شريعتهم شر ممزق – باسم الدين والملكية والعائلة والنظام. والمتعصبون للنظام من البرجوازيين قتلوا بالرصاص وهم على شرفاتهم بأيدي جماعات غوغائية من الجنود السكاري وأنتهكت حرمات معابدهم البيتية وقصفت منازلهم بالمدافع لمجرد اللهو – باسم الملكية والعائلة والدين والنظام المقدسة ودخل البطل كرابولنسكي ( ) إلى قصر التويلري بوصفة “منقذ المجتمع”.

——
(3) Brumaire، الشهر الثاني من سنة التقويم الجمهوري (22 تشرين الأول – 20 تشرين الثاني) الذي كان معمولاً به في فرنسا من 1793 حتى 1 كانون الثاني (يناير) سنة 1806.
الثامن عشر من برومير السنة السابعة كان اليوم التاسع من نوفمبر 1799. في هذا اليوم قام نابوليون بونابرت بانقلاب أطاح به بمجلس المديرين وأعلن نفسه قنصلاً أولاً لفرنسا. وهكذا وصلت مرحلة الثورة البرجوازية المعاكسة إلى نهايتها وأقيمت الديكتاتورية العسكرية. ويعني ماركس على نحو سخري بالطبعة الثانية من “الثامن عشر من برومير” انقلاب الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 1851 الذي قام به لويس بونابرت ابن أخ نابوليون الأول – ص 11.
(4) “بدلام”، مستشفى للمجانين في لندن – ص 14.
(5) في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1848، انتخب لويس بونابرت رئيسًا للجمهورية الفرنسية بنتيجة اقتراع عام، ص – 15.
(6) أثناء فرار اليهود من الأسر في مصر، كما تروي التوراة، شرع الجبناء بينهم، من جراء مصاعب الطريق وبسبب من الجوع، يتأسفون للأيام التي قضوها في الأسر، إذ كانوا آنذاك، على كل حال، شبعانين. ومن هنا جاء القول المأثور: “تأسف على حلل اللحوم المصرية” – ص 15.
(7) Hic Rhodus, hic saltat (هنا رودوس، فلتقفز هنا! – وتعني: هنا الأمر الرئيسي، وهنا قدم البرهان!) – قيل هذا (في قصة “الفشار” لا يزوب) لفشار زعم أنه وثب وثبة هائلة في جزيرة رودوس.
“هنا الوردة، فلترقص هنا!” – تعديل القول السابق (Poooç – رودوس – باليونانية اسم الجزيرة المعروفة، وتعني كذلك “الوردة”) أوردة هيغل في مقدمة كتابه “فلسفة الحق” – ص 17.
(8) في أيار (مايو) 1852، انتهت مدة رئاسة لويس بونابرت. وبموجب الدستور الفرنسي لعام 1848، كان ينبغي انتخاب الرئيس الجديد مرة كل أربع سنوات في الأحد الثاني من شهر أيار (مايو) – ص 17.
(9) الألفية Chilliasm (من الكلمة اليونانية “خيلياس” ومعناها ألف). مذهب ديني صوفي يقول بمجيء المسيح ثانية وقيام “العهد الألفي” الذي تسوده العدالة والمساواة التامة والبركة والخير. انبثقت عقائد هذا المذهب في مرحلة تفسخ نظام الرق من جراء ما كان يعانيه الكادحون من مظالم وآلام لا تطاق، ففتشوا عن مخرج في أحلام خيالية غريبة. وقد انتشرت هذه العقائد واسع الانتشار في زمن المسيحية الباكرة، ثم انبعثت على الدوام في تعاليم مختلف الشيع والملل في القرون الوسطى – ص 17.
(10) تقول الأساطير أن قبائل الغاليين قد استولت على روما وحاصرت قلعتها الكابيتول. وذات ليلة، أخذوا يتسلقون جدران القلعة دون أن يحدثوا أي صوت، ولكن طيور الوز المقدسة طفقت توقوق وأيقظت الرومانيين – ص 18.
(11) المقصود هنا الجنرالات الذين اشتركوا في الاستيلاء على الجزائر في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن التاسع عشر. – ص 18.
(12) غوته “فاوست”. الفصل الأول. المشهد الثالث (“مكتب فاوست”). – ص 19.
(13) “المعارضة الأسرية” – كتلة برئاسة أوديلون بارو في مجلس النواب الفرنسي في عهد ملكية تموز (يوليو). كان ممثلو هذه الكتلة التي تفصح عن مزاج الأوساط الليبرالية من البرجوازية الصناعية والتجارية، يطالبون بإجراء إصلاح انتخابي معتدل بوصفه وسيلة لتحاشي الثورة وللحفاظ على سلالة أورليان – ص 20.
(14) بيثيا، كاهنة هيكل الإله أبولون في مدينة دلفيس في زمن الإغريق. وكانت تجلس في جوار الهيكل على كرسي ثلاثية الأرجل منصوبة فوق فج ضيق تتصاعد منه أبخرة مخدرة. وبتأثير هذه الأبخرة، كانت بيثيا تنطق بكلمات غير موصولة بعضها ببعض، ويفسرها الكهان على أنها نبوءات – ص 25.
(15) كرابولنسكي، بطل قصيدة هينه “الفارسان”، نبيل بولوني مبذر. واسم عائلة كرابولنسكي مركب من الكلمة الفرنسية crapule – وتعني الانهماك في الخلاعة والأكل والسكر كما تعني أيضًا السفلاق.

« السابق التالي »