بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثامن عشر من برومير – لويس بونابرت

في 28 أيار (مايو) سنة 1849 انعقدت الجمعية الوطنية التشريعية وفي 2 كانون الأول (ديسمبر) سنة 1851 حلت. وهذه الفترة تشمل عمر الجمهورية الدستورية أو البرلمانية.

في الثورة الفرنسية الأولى تعاقب الدستوريون فالجيرونديون فاليعاقبة على الحكم. وكان كل حزب من هذه الأحزاب تعتمد على الحزب الأكثر منه تقدمية. وحالما كان كل حزب يوصل الثورة إلى مدى لا يستطيع بعده أن يسايرها، بله أن يتزعمها، كان يُطرح جانبًا من قبل الحليف الأجرأ الذي يقف وراءه ويُرسل إلى المقصلة. وهكذا كانت الثورة تسير في خط صاعد.

عكس ذلك حدث في ثورة سنة 1848. فإن الحزب البروليتاري يبدو فيها كتابع للحزب الديمقراطي البرجوازي الصغير. وقد خانه هذا الحزب الأخير وساعد على إسقاطه في السادس عشر من نيسان (أبريل) وفي الخامس عشر من أيار (مايو) وفي أيام حزيران (يونيو). والحزب الديموقراطي كان يستند بدوره إلى أكتاف الحزب الجمهوري البرجوازي. ولكن ما أن ظن الجمهوريون البرجوازيون أن الأمور قد استقرت لهم حتى نفضوا عنهم رفيقهم المزعج واستندوا على أكتاف حزب النظام. غير أن حزب النظام هز بكتفيه وترك الجمهوريين البرجوازيين يسقطون وسارع إلى إلقاء نفسه على أكتاف القوة المسلحة. وتوهم هذا الحزب إنه كان ما يزال يجلي على أكتافها عندما رأى هذه الأكتاف ذات صباح جميل وقد استحالت إلى حراب. كان كل حزب يركل الحزب الذي يدفعه من الوراء، وكان في الوقت نفسه يدفع ظهر الحزب الذي أمامه والذي يدفع به إلى الوراء. فلا عجب أن يفقد توازنه وهو في هذا الوضع المضحك وأن يهوى بتقطيبات الوجه التي لا بد منها وهو ينط نطات غريبة. وهكذا كانت الثورة تسير في خط نازل. وقد وجدت نفسها في هذه الحال من الحركة التقهقرية قبل أن يزول آخر متراس من متاريس شباط (فبراير) وتتشكل أول سلطة ثورية.

أن الفترة التي نحن بصددها تضم خليطًا من المتناقضات الصارخة مبرقشًا إلى أقصى حد: دستوريون يتآمرون علنًا ضد الدستور؛ ثوريون يعترفون بصراحة بأنهم أنصار الدستور؛ جمعية وطنية تريد أن تكون كلية القدرة، وتظل دائمًا برلمانية؛ حزب “الجبل” الذي يجد دعوته في الصبر والذي يعوض عن هزائمه الحالية بالتنبؤ بانتصارات مقبله؛ ملكيون في دور patres conscripti (الشيوخ. الناشر.). الجمهورية ومرغمون بحكم الظروف على أن يدعموا خارج البلاد البيوت المالكة المتعادية التي يشايعونها وعلى أن يدعموا في فرنسا الجمهورية التي يكرهونها؛ سلطة تنفيذية تجد قوتها في ضعفها ذاته ومكانتها في الاحتقار الذي تثيره في النفوس؛ الجمهورية ليست سوى الجمع بين أقذر جوانب ملكيتين: عهد العودة وملكية تموز (يوليو) وعليه لافتة إمبراطورية؛ أحلاف تقوم على الانفصال؛ كفاحات قانونها الأساسي عدم السير بها إلى النهاية؛ تهييج طائش أجوف باسم السكينة؛ أوكد أنواع التبشير بالسكينة باسم الثورة؛ عاطفة بلا صدق وصدق بلا عاطفة؛ أبطال بلا بطولات وتاريخ بلا أحداث؛ تطور يبدو أن القوة الدافعة الوحيدة له هي التقويم الزمني، تطور مرهق بسبب من دوام تكرار ذات النهضات و السقطات، معاكسات يبدو كأنها لا تتأزم دوريًا حتى تبلغ الأوج إلا لتفقد حدتها بعد ذلك ولتسقط دون أن تستطيع الوصول إلى حل؛ جهود تعرض بمباهاة وإدعاء ورعب تافه من خطر نهاية العالم الزاحفة في وقت ينصرف فيه مخلّصو العالم إلى أحقر المكائد وإلى مهازل البلاط فلا يذكروننا، بسبب من لا مبالاتهم، بيوم الحساب بقدر ما يذكروننا بأيام الفروند ( ) ؛ كل العبقرية الرسمية لفرنسا كلها تغدو صفرًا أمام الحماقة الماكرة لفرد واحد؛ الإدارة الجماعية للأمة، كلما تفصح عن ذاتها عن طريق الاقتراع الشامل، تبحث عن التعبير الملائم عن نفسها في الأعداء الألداء لمصالح الجماهير حتى تجده آخر الأمر في إدارة قرصان واحد. ولو أن حقبة من التاريخ طليت بلون رمادي على رمادي لكانت هي هذه الحقبة بالضبط. أن الناس والأحداث يظهرون كشليملات معكوسة، كظلال فقدت أجسامها ( ) . فالثورة نفسها تشل أولئك الذين يحملون أعباءها وتمنح خصومها وحدهم قوة العنف الفائرة. وعندما يظهر أخيرًا “الشبح الأحمر”، الذي يستحضره دعاة الثورة المعاكسة ويطردونه باستمرار، فهو لا يظهر والقبعة الفريجية الفوضوية ( ) فوق رأسه بل يظهر في بزة النظام، في سراويل حمراء.

لقد رأينا أن الوزارة التي نصّبها بونابرت في العشرين من كانون الأول (ديسمبر) 1848، يوم اعتلائه سدة الرئاسة، كانت وزارة من بارو – فالو هذه بعد زوال الجمعية التأسيسية الجمهورية التي قصرت الوزارة أجلها بالعنف قل أو كثر، ووجدت نفسها ما تزال تقبض على زمام السلطة. وقد ظل شانغازنييه، جنرال الملكيين المؤتلفين، يجمع في شخصه القيادة العليا لفرقة الجيش الأول وللحراس الوطني في باريس. وأخيرًا أمنت الانتخابات العامة لحزب النظام أغلبية ضخمة في الجمعية التشريعية. وقد واجه نواب لويس فيليب ونبلاؤه هنا جيشًا مقدسًا من الشرعيين تحولت بطاقات الاقتراع العام الكثيرة بالنسبة لهم إلى بطاقات لدخول المسرح السياسي. أما النواب البونابرتيون فقد كانوا من ضآلة العدد بحيث تعذر عليهم أن يشكلوا حزبًا برلمانيًا مستقلاً فظهروا بمظهر mouvaise queue (الذي الحقير. الناشر.). لحزب النظام. وهكذا استولى حزب النظام على السلطة الحكومية وعلى الجيش والهيئة التشريعية، وبكلمة، على سلطة الدولة بكاملها التي تعززت معنويا بالانتخابات العامة التي جعلت سيطرة حزب النظام تظهر كأنها تعبير عن إرادة الشعب وبالانتصار الذي أحرزته الثورة المعاكسة في الوقت ذاته في القارة الأوروبية بأكملها.

لم يسبق أن أفتتح حزب من الأحزاب حملته وهو يتمتع بموارد أضخم أو يحظي بطالع أيمن.

أما الجمهوريون الصرف الذي تحطمت بهم السفينة فلم يبقوا في الجمعية الوطنية التشريعية إلا زمرة مؤلفة من حوالي خمسين رجلاً وعلى رأسها الجنرالات الأفريقيون كافينياك ولاموريسيير وبيدو. بيد أن حزب المعارضة الكبير كان يتألف من “الجبل”، وهذا أسم برلماني أطلقه الحزب الاشتراكي – الديموقراطي على نفسه. وقد كان له في الجمعية الوطنية ما ينيّف على مائتي صوت من 750 صوتًا ولهذا فقد كان له من القوة ما يعدل على الأقل قوة أية كتلة من الكتل الثلاث التي تؤلف الحزب النظام لو أخذت على انفراد. أما أقليته العددية النسبية بالمقارنة مع الائتلاف الملكي بأكمله فقد كان يبدو أن ظروفًا خاصة عوضت عنها. فالانتخابات التي جرت في المقاطعات لم تبين أنه كسب إتباعًا كثيرين بين سكان الأرياف فحسب بل كان يعد في صفوفه جميع نواب باريس تقريبًا. وقد كشف الجيش عقائده الديموقراطية بانتخابه ثلاثة من ضباط الصف، كما أن زعيم “الجبل”، ليدرو –رولان، على نقيض ممثلي حزب النظام جميعًا، رفعته إلى شرف عضوية البرلمان خمس مقاطعات أجمعت على تقديم أصواتها له. ونظرًا للاصطدامات التي كان لا مناص من وقوعها فيما بين الملكيين أنفسهم، وبين حزب النظام بكامله وبين بونابرت، فقد كان يبدو أن كل عناصر النجاح كانت بذلك متوفرة.

لحزب “الجبل” في الثامن والعشرين من أيار (مايو) سنة 1849. ولكنه بعد أسبوعين كان قد فقد كل شيء، بما في ذلك الشرف.

وقبل أن نواصل تتبعنا للتاريخ البرلماني لا بد أن نبدي بعض الملاحظات لتفادي الأخطاء الشائعة لدى تقدير الطابع العام لهذه الحقبة التي أمامنا. إذ1 نظرنا إلى فترة الجمعية الوطنية التشريعية بعيون الديموقراطيين فسنجد أن ما عنيت به هذه الفترة هو نفس ما عنيت به فترة الجمعية التأسيسية: الصراع البسيط بين الجمهوريين والملكيين. أما الحركة نفسها فهم يلخصونها في كلمة واحدة هي “الرجعية”، أي الليل إذ تبدو القطط كلها فيه رمادية، ويسمح للديموقراطيين بأن يكرروا على الأسماع بلا عائق العبارات السطحية المعهودة التي يرددها الحارس الليلي. والحق أن حزب النظام يبدو لنا، لأول وهلة، عبارة عن متاهة محيرة من التكتلات الملكية المختلفة التي لا تتآمر أحداها ضد الأخرى فحسب – لكي تجلس على العرش من تؤيده من المدعين به وتقصى عنه المدعي الذي تؤيده الكتلة المعارضة – بل هي كلها قد جمعتها أيضًا الكراهية المشتركة “للجمهورية” والنضال المشترك ضدها. وعلى النقيض من هؤلاء المتآمرين الملكيين يظهر “الجبل” من جهته كمدافع عن “الجمهورية”. أن حزب النظام يبدو منهمكًا على الدوام في حملة “رجعية” موجهة ضد الصحافة والجمعيات وما شاكل ذلك بصورة لا تزيد ولا تقل عما هو حاصل في بروسيا، ويتم تنفيذها، كما هو في بروسيا أيضًا، في شكل تدخل بوليسي وحشي من جانب البيروقراطية والدرك والمحاكم. و”الجبل” من جهته منهمك أيضًا، كانهماك حزب النظام تمامًا، بصورة متواصلة في صد هذه الهجمات والدفاع عن “حقوق الإنسان السرمدية” كما فعل، إلى هذا الحد أو ذاك، خلال فترة القرن ونصف القرن الأخيرة، كل حزب من هذه الأحزاب التي تسمى أحزاب الشعب. ولكن إذا حلل المرء الوضع والأحزاب بمزيد من الإمعان، لأختفي هذا المظهر السطحي الذي يحجب الصراع الطبقي والسيماء المميزة لهذه الفترة.

أن الشرعيين والأورليانيين كانوا يشكلون، كما قلنا، الكتلتين الكبيرتين اللتين تألف منهما حزب النظام. ترى، ألم يكن ما شد كلا من هاتين الكتلتين إلى المدعى بالعرش الذي تريده وما فصل هاتين الكتلتين الواحدة عن الأخرى سوى الزنبقة، والعلم المثلث الألوان، سوى آل بوربون وآل أورليان أو الأنواع المختلفة من النزعة الملكية؟ هل كانت المسألة كالها مسألة اعتقاد بالملكية؟ أن الملكية العقارية الكبيرة هي التي كانت تحكم في عهد أسرة بوربون، مع كهانها وخدمها، بينما كان سلطان رأس المال – أي الصناعة الكبيرة، والتجارة الكبيرة وأرستقراطية المال – وحاشيته المؤلفة من المحامين والأساتذة والخطباء المداهنين هو الذي يحكم في عهد آل أورليان. أن الملكة الشرعية (jégitime – المترجم) لم تكن ألا التعبير السياسي عن الحكم الوراثي لمالكي الأرض، كما أن ملكية تموز _(يوليو) لم تكن إلا التعبير السياسي عن الحكم الذي أغتصبه حديثو النعمة البرجوازيون. أن ما فصل هاتين الكتلتين الواحدة عن الأخرى لم يكن لهذا السبب ما يسمى بالمبادئ بل كان شروط البقاء المادية لكل منهما، كان نوعين مختلفين من الملكية، كان التناقض القديم بين المدينة والريف، المنافسة بين رأس المال والملكية العقارية. أما أن الذكريات القديمة والخصومات الشخصية، والمخاوف والآمال، والخرافات والأوهام، ومشاعر العطف والكراهية، والمعتقدات ورموز الإيمان، والمبادئ قد ربطتهم في الوقت نفسه أيضًا إلى هذا البيت المالك أو ذاك فمن ذات الذي ينكر هذا؟ ففوق الأشكال المختلفة للملكية، فوق شروط البقاء الاجتماعية، ينهض بناء فوق كامل من المشاعر والأوهام وأنماط التفكير ووجهات النظر إلى العالم، المتميزة بعضها عن بعض والمشكلة تشكيلاً خاصًا. أن الطبقة بأسرها تخلقها وتكونها على أساس شروطها المادية وعلى أساس العلاقات الاجتماعية التي تقابلها. وقد يتصور الشخص الفرد الذي يستمدها تقليديًا من العرف والتربية أنها هي التي تشكل البواعث الحقيقية ونقطة البدء في تصرفه. فبينما كان الأورليانيون والشرعيون، بينما كانت كل كتلة تسعى لتجعل نفسها وتجعل الكتلة الأخرى تعتقد أن ما كان يفصلهما إنما هو الولاء لبيتيهما المالكين، أثبتت الحقائق فيما بعد أن تضاد مصالحهما هو الذي كان يحول بالأحرى دون توحيد البيتين المالكين. وكما أن المرء يفرق في الحياة العادية بين ما يحمله الإنسان من رأى وما يقوله عن نفسه وبين ما هو عليه في الواقع وما يفعله، هكذا أيضًا في الصراعات التاريخية لا بد للمرء بالأحرى أن يميز بين أقوال الأحزاب وتخيلاتها وبين طبيعتها الحقيقية ومصالحها الحقيقية، بين فكرتها عن نفسها وبين حقيقتها. لقد وجد الأورليانيون والشرعيون أنفسهم جنبًا على جنب في الجمهورية ولهم إدعاءات متساوية. وإذا كان كل جانب يسعى إلى عادة بيته المالك ضد الجانب الآخر فهذا لا يعني سوى أن كلا من الكتلتين الكبيرتين التي انقسمت إليهما البرجوازية – الملكية العقارية والرأسمال المالي – كانت تسعى على إعادة سيادتها وإخضاع الأخرى لها. ونحن نتحدث عن كتلتين اثنتين للبرجوازية لأن الملكية العقارية الكبيرة، على الرغم من دلّها الإقطاعي ومن فخرها بحسبها ونسبها، قدغدت برجوازية تمامًا بفعل تطور المجتمع الحديث. وهكذا تصور التوريون (التوريون – حزب Tory – حزب المحافظين في انجلترا – المترجم.) في انجلترا مدة طويلة أنهم كانوا متحمسين للسلطة الملكية والكنيسة ومواطن الجمال في الدستور الانجليزي القديم حتى جاء يوم الخطر فانتزع منهم الاعتراف بأنهم متحمسون للريع العقاري وحده.

أن الملكيين المؤتلفين كانوا يكيدون بعضهم لبعض في الصحف، وفي أيمز وفي كليرمونت ( ) ، خارج البرلمان. ووراء الكواليس كانوا يرتدون من جديد حللهم الأورليانية والشرعية القديمة وينهمكون من جديد في مبارزتهم القديمة. أما على المسرح العام فقد كانوا، في تمثيلياتهم وبصفتهم حزبًا برلمانيًا كبيرًا، يكتفون بانحناءات الاحترام أمام البيتين المالكين ويؤجلون إعادة الملكية In infinitum (إلى ما لا نهاية له. الناشر.). وكانوا يؤدون شغلهم الحقيقي بوصفهم حزب النظام، أي في صفة اجتماعية لا صفة سياسية، بوصفهم الطبقة البرجوازية ضد سائر الطبقات، لا ملكيين ضد جمهوريين. وبوصفهم حزب النظام كانوا يمارسون سلطانًا أقل تقييدًا وأشد وطأة على الطبقات الأخرى في المجتمع من أي سلطان مارسوه في وقت من الأوقات في عهد العودة أو عهد ملكية تموز (يوليو)، سلطانًا لم يكن ممكنًا بصورة عامة إلا في ظل شكل الجمهورية البرلمانية لأنه لا يمكن، إلا ظل هذا الشكل للكتلتين الكبيرتين من البرجوازية الفرنسية أن تتحدا وأن تدرجًا بذلك في جدول الأعمال حكم طبقتهما لا حكم كتلة ذات امتياز منها. وإذا كانوا، برغم ذلك، بوصفهم حزب النظام، قد أهانوا الجمهورية أيضًا وأعربوا عن نفورهم فإن هذا لم يكن يحدث بسبب الذكريات الملكية فحسب. فإن الغريزة علمتهم أن الجمهورية هي ذروة حكمهم السياسي، بيد أنها تقوض في الوقت نفسه أساسه الاجتماعي لإنه كان عليهم أن يواجهوا الآن الطبقات المقهورة ويتنازعوا معها مباشرة، بدون التغطية التي هي التاج، بدون صرف اهتمام الأمة بالصراعات الثانوية التي تدور بينهم ومع الحكم الملكي. أن الشعور بالضعف هو الذي دعاهم إلى النكوص عن الشروط الخالصة لحكم طبقتهم ذاتها وإلى الحنين إلى الأشكال السابقة لهذا الحكم، الأشكال الأقل كمالاً، والأقل تطورًا، ولهذا السبب بالذات الأقل خطرًا. بالعكس، كلما كان الملكيون المؤتلفون يصطدمون المدعي بالعرش المعادي لهم، أي ببونابرت، وكلما كانوا يعتقدون بأن سلطانهم البرلماني الكلي في خطر من السلطة التنفيذية، وكلما كان يترتب عليهم بالتالي وبالدرجة الأولى أن يثبتوا صفتهم السياسية التي تعطيهم الحق في حكمهم، كانوا يطلعون على الناس كجمهوريين لا ملكيين، ابتداء من تيير الأورلياني الذي أكد للجمعية الوطنية أن مسألة الجمهورية تفرقهم إلى أقلى مدى ممكن، وانتهاء ببرييه الشرعي الذي وقف، في الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 1851، وبصفته محاميًا عن الأمة مقمطًا بوشاح مثلث الألوان يجلجل باسم الجمهورية في الناس المحتشدين أمام دار بلدية الدائرة العاشرة. صحيح أن صدى ساخرًا كان يجاوبه قائلاً: Henri V! Henri V! (هنري الخامس! هنري الخامس! الناشر.).

وفي مواجهة الائتلاف البرجوازي، قام ائتلاف بين البرجوازيين الصغار والعمال، وهو ما يدعى بالحزب الاشتراكي – الديموقراطي. فالبرجوازيون الصغار رأوا أنهم كوفئوا مكافأة سيئة بعد أيام حزيران (يونيو) 1848 وأن مصالحهم المادية قد منيت بالخسائر وأن الضمانات الديموقراطية التي كان عليها أن تؤمن لهم أمكانية الدفاع عن هذه المصالح قد وضعتها الثورة المعاكسة موضع تساؤل. وبناء على ذلك، تقربوا من العمال. ومن جهة أخرى، عاد ممثلهم البرلماني، “الجبل” الذي طرح جانبًا أثناء ديكتاتورية الجمهوريين البرجوازيين، وظفر من جديد، في النصف الأخير من حياة الجمعية التأسيسية، بشعبيته السابقة وذلك بفضل الصراع ضد بونابرت والوزراء الملكيين. وقد عقد “الجبل” حلفًا مع الزعماء الاشتراكيين. وفي شهر شباط (فبراير) 1849 أقيمت الولائم احتفالاً بالمصالحة. ووضع المتحالفون برنامجًا مشتركًا وشكلوا لجانًا انتخابية مشتركة وقدموا مرشحين مشتركين. وقد جُرّدت المطالب الاجتماعية للبروليتاريا من الحدة الثورية وصُبغت بصبغة ديموقراطية، بينا جُرّدت المطالب الديموقراطية للبرجوازية الصغيرة من الشكل السياسي البحث السابق وصُبغت بصبغة اشتراكية. وهكذا نشأ الحزب الاشتراكي – الديموقراطي. أما “الجبل” الجديد، وهو نتيجة هذه المساومة، فقد كان يضم، بصرف النظر عن بعض الأفراد التافهين من الطبقة العاملة وبعض من المنعزلين الاشتراكيين، نفس العناصر التي كان يضمها حزب “الجبل” القديم، والفرق الوحيد أن عدد هذه العناصر كان أكثر. بيد أنه قد تغير في مجرى التطور، مع تغير الطبقة التي كان يمثلها. أن الطابع المميز للحزب الاشتراكي – الديموقراطي يتجلى في كونه يطالب بالمؤسسات الجمهورية الديموقراطية كوسيلة لا لإزالة نقيضين هما: رأس المال والعمل المأجور بل لأضعاف تناحرهما وتحويله إلى انسجام. ومهما اختلفت الوسائل المقترحة لبلوغ هذه الغاية ومهما كانت التصورات التي تزدان بها ثورية إلى هذا الحد أو ذاك، فإن المغزى يبقى واحدًا، غلا وهو تحويل المجتمع بطريقة ديموقراطية ولكنه تحويل ضمن حدود البرجوازية الصغيرة. غير إنه لا يجوز للمرء أن يكوّن فكرة ضيقة الأفق تزعم أنّ البرجوازية الصغيرة ترغب، من حيث المبدأ، في تحقيق مصلحتها الطبقية الأنانية. إنها تعتقد بالعكس أن الشروط الخاصة لانعتاقها هي في الوقت ذاته الشروط العامة التي لا يمكن إنقاذ المجتمع العصري وتفادي النضال الطبقي فيه إلا ضمن نطاقها. كذلك لا يجوز للمرء إن يتصور إن ممثلي الديموقراطية هم جميعًا بالفعل من أصحاب الحوانيت أو مدافعون متحمسون عن أصحاب الحوانيت. فإنهم بحب تعليمهم ووضعهم الفردي قد يكونون بعيدين عن ذلك بعد السماء عن الأرض. إن ما يجعلهم ممثلين للبرجوازية الصغيرة هو إنهم عاجزين عن أن يتعدوا في تفكيرهم النطاق الذي لا تتعداه حياة البرجوازيين الصغار، وإنهم يتوصلون بالتالين نظريًا، إلى القضايا والحلول ذاتها التي تساق البرجوازية الصغيرة إليها عمليًا بدافع مصلحتها المادية ووضعها الاجتماعي. هذه، بصورة عامة، هي العلاقة بين الممثلين السياسيين والفكريين لطبقة من الطبقات وبين الطبقة التي يمثلونها.

بعد التحليل الذي قدمناه يكون من الواضح أن “الجبل”، إذ يناضل بصورة متواصلة ضد حزب النظام من أجل الجمهورية وما يسمى بحقوق الإنسان فلا تكون الجمهورية ولا حقوق الإنسان هدفه النهائي شأنه في ذلك شأن جيش يريدون أن يجردوه من سلاحه فيقاوم ويخوض المعركة لا من أجل الاحتفاظ بسلاحه وحسب.

على أثر انعقاد الجمعية الوطنية مباشرة عمد حزب النظام إلى استفزاز “الجبل”. لقد شعرت البرجوازية الآن بضرورة القضاء على البرجوازية الصغيرة الديموقراطية تمامًا مثلما أدركت قبل عام ضرورة القضاء على البروليتاريا الثورية. ولكن وضعية الخصم كانت تختلف هذه المرة. فقوة الحزب البروليتاري كانت في الشوارع بينما كانت قوة البرجوازيين الصغار في الجمعية الوطنية نفسها. فالقضية إذًا كانت قضية استدراجهم من الجمعية الوطنية إلى الشوارع وجعلهم يحطمون بأنفسهم قوتهم البرلمانية، قبل أن يتسنى توطيدها بفعل الزمن والظروف. وأندفع “الجبل” إلى الشرك على غير هدى.

إن قصف روما بالمدفعية من قبل القوات الفرنسية كان الطعم الذي أُلقى به إليه. لقد كان هذا يشكل خرقًا للمادة V (الخامسة) من الدستور ( ) التي تحظر على الجمهورية الفرنسية استخدام قواتها العسكرية ضد حرية شعب آخر. وفضلاً عن ذلك تحظر المادة الرابعة والخمسون على السلطة التنفيذية إعلان الحرب دون موافقة الجمعية الوطنية، كما أن الجمعية التأسيسية كانت قد شجبت الحملة الرومانية، في قرارها الذي اتخذته في الثامن من أيار (مايو). وبناء على هذا، قدم ليدرو – رولان للجمعية لائحة اتهام ضد بونابرت ووزرائه في اليوم الحادي عشر من حزيران (يونيو) 1849. وإذ أحفظت ليدرو – رولان قوارص الكلام التي كان يطلقها تيير، فقد سمح لنفسه أن ينجرف إلى درجة التهديد بأنه سوف يدافع عن الدستور بكل الوسائل وحتى بقوة السلاح. وقام أعضاء “الجبل” قومة رجل واحد وكرروا هذه الدعوة إلى السلاح. وفي اليوم الثاني عشر من حزيران (يونيو) رفضت الجمعية الوطنية لائحة الاتهام وترك “الجبل” البرلمان. أما حوادث الثالث عشر من حزيران (يونيو) فمعروفة: البيان الذي أصدره فريق من “الجبل” والذي أعلن فيه بونابرت ووزراء “خارجين على الدستور”؛ الموكب الذي نظمه في الشوارع أفراد الحرس الوطني الديموقراطي الذي تشتتوا، وهم غير المسلحين، عند التقائهم بقوان شانغارنييه، ألخ..، الخ.. وقد فر قسم من “الجبل” إلى الخارج، وقُدّم قسم آخر على المحاكمة أمام المحكمة العليا في بورجيه، بينما أخضع الباقون، كالتلامذة، وفقًَا للنظام البرلماني، لرقابة حقيرة يمارسها رئيس الجمعية الوطنية. وأعلنت حالة الحصار في باريس مرة أخرى وحل الجزء الديموقراطي من الحرس الوطني الباريسي. وهكذا صُفّى نفوذ “الجبل” في البرلمان وقوة البرجوازييين الصغار في باريس.

أن مدينة ليون، حيث أصبحت حوادث اليوم الثالث عشر من حزيران (يونيو) إشارة لانتفاضة دموية قام بها العمال، قد أعلنت فيها كذلك هي وخمس مقاطعات مجاورة لها حالة الحصار التي ما تزال سارية المفعول هناك حتى اللحظة الراهنة.

أن الشطر الأعظم من أعضاء “الجبل” قد خانوا طليعتهم إذ رفضوا توقيع البيان الذي أصدرته. كذلك فرت الصحافة من الميدان، ولم يجرؤ غير صحيفتين على نشر هذا البيان. وخان البرجوازيون الصغار ممثليهم وذلك أما بعدم حضور أفراد الحرس الوطني أو بعرقلتهم بناء المتاريس حيثما ظهروا. وخدع الممثلون البرجوازيين الصغار إذ لم يظهر أي أثر لحلفائهم المزعومين في الجيش. ثم أن الحزب الديموقراطي أخيرًا، بدلاً من أن يكتسب المزيد من القوة من البروليتاريا، أصابها هو بعدوى ضعفه وكما هو شأن جلائل الأعمال التي يقوم بها الديموقراطيون عادة، شعر الزعماء بالرضي إذ استطاعوا أن يتهموا “شعبهم” بالخيانة وشعر الشعب بالرضي إذ أستطاع أن يتهم الزعماء بالتدجيل عليه.

قلّما أُعلن عن إجراء من الإجراءات بضجيج يفوق ذاك الذي أعلن به عن الحملة التي كان “الجبل” يوشك على القيام بها، وقلما دوت الأبواق بحدث من الأحداث في ثقة أعظم وقبل وقوعه بمدة أطول، كما جرى ذلك هذه المرة حول الإعلان عن حتمية انتصار الديموقراطية. أن الديموقراطيين يؤمنون بلا شك بقوة الأبواق التي انهارت أمام نفخاتها أسوار أريحا ( ) وهم يسعون، كلما وقفوا أمام أسوار الاستبداد، إلى تقليد هذه المعجزة. فلو أن “الجبل” أراد أن ينتصر في البرلمان، لما كان له أن يدعو على اللجوء إلى السلاح، ولو دعا إلى اللجوء إلى السلاح في البرلمان لما كان يجوز أن يتصرف تصرفًا برلمانيًا في الشوارع. ولو كان ينوي جديًا القيام بمظاهرة سلمية، لكان من الحماقة الظن أنها لن تستقبل استقبالاً حربيًا. ولو كان يقصد الكفاح الحقيقي، لكان من غريب التفكير أن يلقي السلاح الذي به يخاض الكفاح. ولكن التهديدات الثورية التي يطلقها البرجوازيون الصغار وممثلوهم الديموقراطيون هي مجرد محاولات لإرهاب الخصم. فعندما يقع هؤلاء في مأزق، عندما يكونون قد أوقعوا أنفسهم في الشبهات لدرجة يتحتم عليهم معها أن يضعوا تهديداتهم موضع التنفيذ، حينذاك يفعلون هذا بطريقة غامضة ولا يتفادون شيئًا أكثر من الوسائل اللازمة لبلوغ الغاية ويسعون وراء الذرائع للانهزام. فالافتتاحية المدوية التي تعلن بدء الكفاح تغدو همهمة وجلة ما أن يبلغ الأمر حد الكفاح بالذات؛ إذ ذاك يتوقف الممثلون عن أخذ الأمور مأخذ الجد وتتوقف التمثيلية، وتتلاشى كالفقاعة التي وخزتها إبرة.

ما من حزب يبالغ في تقدير الوسائل المتوفرة لديه أكثر من الحزب الديموقراطي وما من حزب يخدع نفسه عن حقيقة الوضع باستخفاف أكثر منه. فبما أن قسمًا من الجيش أقترع لحزب “الجبل” فقد أصبح هذا الحزب الآن على يقين من أن الجيش سوف يثور من أجله. وفي إيه مناسبة؟ في مناسبة لم يكن لها في نظر الجنود من معنى سوى أن الثوريين انحازوا إلى جانب الجنود الرومانيين ضد الجنود الفرنسيين . ومن ناحية أخرى كانت ذكريات أيام حزيران (يونيو) 1848 أنضر من أن تسمح بأي شيء سوى المقت الشديد من جانب البروليتاريا تجاه الحرس الوطني والارتياب التام بالقادة الديموقراطيين من جانب قادة الجمعيات السرية. ولكي تتسنى تسوية هذه الخلافات، كان لا بد من أن تكون هنالك مصالح جدية مشتركة معرضة للخطر. وخرق فقرة مجردة من فقرات الدستور لا يمكن أن يبعث مثل هذا الاهتمام. ألم يخرق الدستور مرارًا عديدة، بحسب تأكيدات الديموقراطيين أنفسهم؟ ألم تصمه أكثر الجرائد شعبية بأنه شيء من صنع أعداء الثورة؟ بيد أن الديموقراطي، لأنه يمثل البرجوازية الصغيرة، أي طبقة انتقالية تتثلم فيها مصالح طبقتين بصورة متبادلة، يتصور لهذا السبب إنه فوق التناحر الطبقي بصورة عامة. والديموقراطيون يسلمون بأنهم يواجهون طبقة ذات امتيازات ولكنهم هم، مع سائر فئات الأمة، يشكلون الشعب. أن ما يدافعون عنه، هو، كما يقولون، حقوق الشعب وما يعبرون عنه، هو، كما يقولون، مصالح الشعب. ولذلك ليست بهم من حاجة، عندما يوشك صراع على النشوب، لأن يتفحصوا مصالح الطبقات المختلفة ومواقفها. وليست بهم من حاجة لأن يزنوا وسائلهم نفسها بميزان النقد الدقيق. كل ما عليهم هو أن يعطوا الاشارة وعندها ينقض الشعب على الظالمين، بكل ما لديه من وسائل لا تنفذ. أما إذا تبين أن مصالحهم لا تهم الآخرين وأن قوتهم هي عجز فإما أ، يكون الذنب حينئذ هو ذنب أولئك السفسطائيين المؤذين الذين يشقون صفوف الشعب غير المنفصم إلى معسكرات متعادية مختلفة وإما أن الجيش قد توحش أو أنعمى لدرجة تعذر عليه معها أن يدرك أن الأهداف الخالصة للديموقراطية هي أحسن الأشياء بالنسبة له هو نفسه، وأما أن تكون القضية كلها قد فشلت من جراء خطأ في التفاصيل أرتكب أثناء التنفيذ، وأما، أخيرًا، أن تكون صدفة غير متوقعة قد آلت بالقضية إلى الفشل في هذه المرة. وعلى أيه حال يخرج الديموقراطي من أشد الهزائم خزيًا وهو طاهر الذيل بقدر ما كان بريئًا عندما دخل فيها، بعد أن يكون قد تعزز اقتناعه بأنه لا بد أن ينتصر، وإنه لا ينبغي عليه هو وحزبه أن يتخليا عن موقفهما القديم بل بالعكس، فإن الظروف هي التي يجب عليها أن تنضج حتى تغدو ملائمة له.

وعلى هذا، لا ينبغي أن نتصور أن حزب “الجبل” قد غدا بائسًا غاية البؤس، على الرغم مما أصابه من تنكيل وتحطيم ورغم أن عدد أعضائه قد قل كثيرًا، ورغم الإذلال الذي لحق به من جراء النظام البرلماني الجديد. فإذا كان اليوم الثالث عشر من حزيران (يونيو) قد أقصى رؤساءه فهو قد أفسح المجال، من جهة أخرى، لـ”عباقرة” من الدرجة الثانية كان يتملقهم هذا الوضع الجديد. وإذا كان عجزهم في البرلمان لم يعد موضع شك فقد صار من حقهم الآن أن يقصروا عملهم على فورات الغضب انتصارًا للفضيلة وعلى الخطابة الطنانة الصاخبة. وإذا كان حزب النظام قد شاء أن يرى كل فظائع الفوضى متجسمة فيهم، بوصفهم آخر ممثلين وسميين للثورة، لان في وسعهم أن يكونوا بالأولى أكثر تفاهة واعتدالا في واقع الأمر. إنهم عزوا أنفسهم على هزيمة الثالث عشر من حزيران (يونيو) بالقول البليغ: “ليتجاسروا على مس حق الأقتراع الشامل ليتجاسروا وأن مرة! حينئذ سوف نريهم أي رجال نحن!” “Nous Verrons!” (لسوف نرى! الناشر.).

إما فيما يتعلق “بالجليين” الذي فروا إلى الخارج فيكفينا أن نشير هنا إلى أن ليدرو –رولان قد وجد نفسه مدعوا الآن إلى تشكيل حكومة فرنسية in partibus (على الورق. الناشر.) وذلك بعد أن نجح في فترة لا تتجاوز الأسبوعين في تدمير الحزب القوي الذي كان يرأسه حتى انعدمت كل إمكانية لإنقاذه؛ وإن شخصه بدأ الآن عن بعد، وهو مقصى عن مسرح العمل، وكأن قامته قد إزادادت ارتفاعا بقدر ما هبط مستوى الثورة وتضاءلت أشخاص أصحاب الأمر والنهي الرسميين في فرنسا الرسمية؛ وإنه أستطاع أن يظهر بوصفه المدعي الجمهوري لانتخابات سنة 1852؛ وإنه أصدر تعميمات دورية إلى الولاشيين وغيرهم من الشعوب توعد فيها طغاة القارة بإفاعليه هو وحلفائه. وهل كان برودون مخطئًا كل الخطأ عندما صاح في وجوه هؤلاء السادة: “Vous n’etes que des blagueurs”؟ (“لستم سوى فواشيش!”. الناشر.).

إن حزب النظام لم يحطم قوة “الجبل” فحسب في اليوم الثالث عشر من حزيران (يونيو)، بل إنه توصل أيضا إلى إخضاع الدستور لقرارات الأكثرية في الجمعية الوطنية. وقد فهم الجمهورية كما يلي: في الجمهورية، تسود البرجوازية بأشكال برلمانية دون أن تواجه إيه حدود من مثل حق السلطة التنفيذية في النقض أو حق هذه السلطة في حل البرلمان كما هي الحال في الحكم الملكي. وتلك هي الجمهورية البرلمانية، بحسب تحديد تيير. ولكن البرجوازية إذ أمنت لنفسها، في اليوم الثالث عشر من حزيران (يونيو)، السلطان التام في داخل البرلمان، ألم تنزل بالبرلمان نفسه ضربة قاضية بطرد أكثر نوابه شعبية، في مواجهة السلطة التنفيذية والشعب وبذلك أضعفته؟ إن البرجوازية بتسليمها نوابًا عديدين دون تكلف إلى المحاكم قد ألغت حصانتها البرلمانية ذاتها. كما أن النظام المهين الذي فرضته على نواب “الجبل” قد رفع من شأن رئيس الجمهورية بذات القدر الذي غض فيه من شان كل ممثل من ممثلي الشعب على إنفراد. وإذ هي وصفت انتفاضة استهدفت حماية الدستور بأنها عمل فوضوي يهدف إلى هدم المجتمع، حرمت نفسها من إمكانية الدعوى إلى الانتفاضة إذا ما عمدت السلطة التنفيذية إلى خرق الدستور من أجل محاربتها. ومن سخرية التاريخ أن أدينوا، ذلك القائد الذي قصف روما بالمدفعية بناء على تعليمات بونابرت، فهيأ بذلك المناسبة المباشرة للعصيان الدستوري في الثالث عشر من حزيران (يونيو)، قيّض له أن يكون الرجل الذي قدمه حزب النظام إلى الشعب في ضراعة وعلى غير طائل بوصفه القائد المنافح عن الدستور ضد بونابرت في الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 1851. وبطل آخر من أبطال الثالث عشر من حزيران (يونيو): فيرا الذي أطري من على منبر الجمعية الوطنية بسبب الأعمال الوحشية التي أرتكبها في مكاتب الصحف الديموقراطية على رأس عصابة من أفراد الحرس الوطني تنتمي إلى دوائر أرستقراطية المال – فيرا هذا نفسه كان مطّلعًا على مؤامرة بونابرت وساهم مساهمة كبيرة في حرمان الجمعية الوطنية ساعة موتها من أية حماية من جانب الحرس الوطني.

وقد كان للثالث عشر من حزيران (يونيو) معنى آخر أيضًا. أن “الجبل” كان يبذل جهده لمحاكمة بونابرت ولذلك كانت هزيمته نصرًا مباشرًا لبونابرت وظفرًا شخصيًا له على أعدائه الديموقراطيين. إن حزب النظام هو الذي أحرز هذا النصر، وكل ما كان على بونابرت هو أن يسجل هذا النصر في سجله. وقد فعل ذلك. ففي اليوم الرابع عشر من حزيران (يونيو) كان المرء يقرأ على جدران باريس منشورًا يطل فيه الرئيس من صومعته، وهو متردد، كأنما لا شأن له بكل هذا، كأنه أرغم أرغامًا وأكرهه على ذلك مجرد ضغط الأحداث، ويشكو، كأنما هو الفضيلة التي أسيء فهمها، من الافتراءات التي يوجهها إليه خصومه، في الوقت الذي يبدو فيه وكأنه يجعل قضية شخصه هي قضية النظام كان يجعل في الواقع من قضية النظام قضية شخصه. أضف إلى هذا أن الجمعية الوطنية، وإن وافقت فيما بعد على الحملة على روما، بيد أن بونابرت هو الذي تولى المبادرة في الموضوع. وهو بعد أن أعاد تنصيب رئيس الكهنة صموئيل في الفاتيكان أصبح لديه أمل في دخول التويلري باعتباره الملك داود ( ) . لقد كسب الكهنة إلى صفه.

أن تمرد الثالث عشر من حزيران (يونيو) قد أقتصر، كما رأينا، على موكب سلمي في الشوارع. وبالتالي لم يكن ممكنًا لهذا السبب أن تكون الغلبة فيه سبيلاً إلى الظفر بغار الحروب. وعلى الرغم من هذا فإن حزب النظام، في وقت كهذا الوقت فقير بالأبطال والأحداث، حوّل هذه المعركة التي لم تسل فيها دماء إلى أوسترلتز ثانية. المنابر والصحف أثنت على الجيش بوصفه قوة النظام، على نقيض الجماهير الشعبية التي تمثل عجز الفوضى، ومجدت شانغلرنييه باعتباره “حصن المجتمع” – خداع أنطلى عليه هو نفسه آخر الأمر. وفي هذه الأثناء كانت القطعات العسكرية التي كان مشكوكًا في ولائها قد نقلت من باريس خلسة وكذلك نفيت الفصائل التي أظهرت في الانتخابات مشاعر ديموقراطية أكثر من سواها من فرنسا إلى الجزائر، وأحيل المشاغبون من الجنود إلى مفارز العقاب وأخيرًا نفذت عملية عزل الصحافة عن الثكنات والثكنات عن المجتمع المدني بصورة منتظمة.

وهنا نكون قد وصلنا إلى نقطة الانعطاف الحاسمة في تاريخ الحرس الوطني الفرنسي. كان الحرس الوطني في سنة 1830 العامل الحاسم في تقرير مصير عهد العودة. وفي عهد لويس فيليب كان كل تمرد يقف فيه الحرس الوطني إلى جانب الجنود يمنى بالفشل. وعندما أظهر الحرس الوطني في أيام شباط (فبراير) 1848 موقفًا سلبيًا تجاه الانتفاضة وموقفًا مبهمًا تجاه لويس فيليب، سلم هذا بهزيمته وهزم فعلاً. وهكذا رسخ الاعتقاد بأنه لا يمكن للثورة أن تنتصر بدون الحرس الوطني ولا للجيش أن ينتصر والحرس الوطني ضده. كانت هذه الخرافة في أيام حزيران (يونيو) 1848 عندما قام الحرس الوطني بأسره، بالاشتراك مع قوات الميدان، بإخماد الانتفاضة. وبعد أن تسنّم بونابرت منصب رئيس الجمهورية طرأ على مركز الحرس الوطني بعض الضعف بعد أن جُمعت قيادة قوات الحرس الوطني مع قيادة فرق4ة الجيش الأولى في شخص شانغارنييه، بصورة غير دستورية.

وكما أن قيادة الحرس الوطني ظهرت هنا كصفة من صفات القيادة العسكرية العليا، كذلك ظهر الحرس الوطني نفسه كمجرد ذيل القيادة العسكرية العليا، وكذلك ظهر الحرس الوطني نفسه كمجرد ذيل لقوات الميدان. وأخيرًا، في الثالث عشر من حزيران (يونيو) كسرت شوكته نهائيًا، ولم يكن ذلك بتسريحه تدريجيًا جزءًا بعد آخر فحسب أبتداء من هذا اليوم في جميع أنحاء فرنسا، حتى لم يتبقّ منه سوى شراذم ضئيلة. فإن مظاهرة الثالث عشر من حزيران (يونيو) كانت قبل كل شيء مظاهرة قام بها القسم الديموقراطي من الحرس الوطني. صحيح أن الحرس الوطني لم يقاوم الجيش بكامل سلاحه بل ببزته العسكرية فقط ولكن في هذه البزة بالذات كان يكمن الطلسم. لقد أقتنع الجيش بأن هذه البزة كانت قطعة من الصوف شأنها شأن غيرها وزال السحر. أن البرجوازية والبرجوازية الصغيرة في شخص الحرس الوطني قد اتحدتا في أيم حزيران (يونيو) 1848 مع الجيش وضد البروليتاريا. وفي الثالث عشر من حزيران (يونيو) 1849 شتت البرجوازية الحرس الوطني البرجوازي الصغير بمساعد الجيش. وفي اليوم الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 1851 لم يكن الحرس الوطني البرجوازي موجودًا، وكل ما فعه بونابرت، عندما وقع فيما بعد على مرسوم تسريحه، هو أنه دوّن هذه الحقيقة الواقعة. وهكذا حطّمت البرجوازية بنفسها آخر سلاح لها ضد الجيش، ولكن كان عليها أن تفعل ذلك في اللحظة التي لم تعد فيها البرجوازية الصغيرة تقف وراءها تابعة لها بل كانت تقف أمامها ثائرة عليها. ثم أن البرجوازية كانت ملزمة، بصورة عامة، بأن تدمر بأيديها كل وسائل دفاعها ضد الاستبداد حالما أصبحت هي نفسها مستبدة.

وفي هذه الأثناء أحتفل حزب النظام بظفره مجددًا بسلطة كأنّها ما ضاعت في سنة 1848 إلا ليجدها ثانية في سنة 1849 وقد تحررت من قيودها كلها، أحتفل بهجمات عنيفة شنها ضد الجمهورية وضد الدستور، وبلعنات صبها على جميع الثورات المقبلة والحاضرة والماضية، بما فيها تلك التي قام بها قادمة أنفسهم وأخيرًا بإصدار قوانين كممت الصحافة وقضت على حرية تأليف الجمعيات، وصدّقت على حالة الحصار بوصفها نظامًا طبيعيًا. ثم أرجأت الجمعية الوطنية جلساتها من منتصف آب (أغسطس) حتى منتصف تشرين الأول (أكتوبر)، بعد أن عينت لجنة دائمة خلال فترة غيابها. وفي خلال هذه الفترة حاك الشرعيون الدسائس مع أيمز، والأورليانيون مع كليومونت، وحاك بونابرت دسائسه بواسطة الجولات المدبرة تدبيرًا فخمًا كما حاكت مجالس المقاطعات – بالمداولات حول إعادة النظر في الدستور؛ وهي الوقائع التي كانت تتكرر بصفة منتظمة أثناء العطل الدورية للجمعية الوطنية، والتي ليس في نيتي أن أبحثها بالتفصيل إلا عندما تصبح أحداثًا. وحسبنا هنا أن نشير، فضلاً عن هذا، إلى إنه كان من قصر النظر بالنسبة للجمعية الوطنية أن تختفي عن المسرح فترات طويلة نسبيًا وترك شخصًا واحدًا فقط، ولو إنه مخلوق بائس، على رأس الجمهورية، هو ليس بونابرت، بينما كان حزب النظام يتفتت إلى الأجزاء الملكية التي كان يتألف منها والتي رغباتها المتعارضة بشأن عهد العودة، مما عرضه للفضائح أمام الناس. وكلما كانت ضجة البرلمان المصمة تخفت خلال هذه العطل وتذوب هيئته فلي الأمة، كان يتضح على نحو لا لبس فيه إن شيئًا واحدًا فقط كان ما يزال ناقصًا حتى يتم الشكل الصحيح لهذه الجمهورية: إن تصبح العطلة البرلمانية دائمة، وأن يستعاض عن شعارها القائل: Liberté, égalité fraternite (الحرية والمساواة والإخاء. الناشر.) بكلمات صريحة واضحة لا تفسح المجال لتفسيرها تفسيرًا مزدوجًا وهي: Infanterie Cavalerie, Artilleriel (المشاة والخيالة والمدفعية. الناشر.).

——-
(31) الفروند، حركة النبلاء والبرجوازيين ضد الحكم المطلق في فرنسا في أعوام 1648 – 1653. أعتمد زعماء الحركة النبلاء على حاشياتهم وعلى الجنود الأجانب، واستغلوا في مصلحتهم انتفاضات الفلاحين والحركة الديموقراطية في المدن التي جرت في ذلك الوقت. – ص 45.
(32) بيتر شليمل، بطل قصة شاميسو “قصة بيتر شليمل المدهشة” الذي باع ظله مقابل صرة من النقود. –
ص 46.
(33) القبعة الفريجية (القبعة الحمراء) عمرة الرأس عند الفريجيين القدامى. فيما بعد، صارت نموذجًا لقبعات اليعاقبة أبان الثورة البرجوازية الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر، وأصبحت مذ ذلك رمز الحرية.-ص46.
(34) أيمز، منتجع في ألمانيا. في آب (أغسطس) 1849، عقد الشرعيون في أيمز مؤاتمرًا اشترك فيه الكونت شامبور، الطامح إلى العرش الفرنسي تحت أسم هنري الخامس.
كليرمونت، قصر في جوار لندن كان مقر الملك لويس فيليب بعد هربه من فرنسا. ص 51.
(35) المادة v (الخامسة) هي بند من مقدمة الدستور الفرنسي لعام 1848. أما مواد النص الأساسي من الدستور، فمرقمة بالأرقام الهندية – ص 55.
(36) أريحا، تروي التوراة أن مدينة أريحا كانت أول مدينة استولى عليها اليهود بعد دخولهم إلى فلسطين. وقد سقطت أسوار أريحا على نفخات أبواق المحاصرين. – ص 57.
(37) تلميح إلى خطط لويس بونابرت الذي كان يأمل باستلام التاج الفرنسي من يدي بابا روما بيوس التاسع. وتوري التوراة أن البني صموئيل مسح الملك داود بالميرون عند تنصيبه ملكًا. – ص 62.

« السابق التالي »