بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثامن عشر من برومير – لويس بونابرت

في منتصف شهر تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1849 استأنفت الجمعية الوطنية جلساتها. وفي اليوم الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) فاجأها بونابرت برسالة أعلن فيها إقالة وزارة بارو – فالو وتشكيل وزارة جديدة. ولم يسبق أن طُرد خادم بعد تكلف أكبر مما فعل بونابرت مع وزرائه. أن الرّكلات التي قصد بونابرت بها الجمعية الوطنية قد أصابت هذه المرة بارو وشركاه.

إن وزارة بارو كانت، كما رأينا، مؤلفة من شرعيين وأورليانيين، وزارة حزب النظام. وقد كان بونابرت في حاجة إليها ليحل الجمعية التأسيسية الجمهورية وليدبر الحملة على روما وليكسر شوكة الحزب الديموقراطي. وقد طمس نفسه وقتذاك، كما كان يبدو، وراء هذه الوزارة وتنازل عن السلطة الحكومية ووضعها في أيدي حزب النظام، وارتدى قناع التواضع الذي كان يرتديه في باريس رؤساء تحرير الجرائد في عهد لويس فيليب – قناع homme de paille (المسئول الأسمى. الناشر.). ولكنه عمد الآن إلى طرح قناع لم يعد بعد حجابًا يستطيع أن يخفي سيماءه وراء بل غدا قناعًا حديديًا كان يمنعه من إظهار سيماء خاصة به. لقد دعا وزارة بارو إلى الحكم قصد حل الجمعية الوطنية الجمهورية باسم حزب النظام، وعزل هذه الوزارة لكي يعلن أسمه مستقلاً عن الجمعية الوطنية لحزب النظام هذا.

ولم تكن تنقصه الذرائع المقبولة الظاهر التي يبرر بها هذا العزل. فإن وزارة بارو قد أهملت حتى المجاملات التي ينبغي التقيد بها حيال رئيس الجمهورية بوصفة سلطة قائمة إلى جانب الجمعية الوطنية. ففي أثناء عطلة البرلمان نشر بونابرت رسالة وجهها إلى ادغار نيي كان يبدو فيها إنه لا يوافق على الموقف المتزمت الذي وقفه البابا (بيوس التاسع. الناشر.). تمامًا كما نشر من قبل رسالة امتدح فيها أودينو بسبب الهجوم على الجمهورية الرومانية، مخالفًا في ذلك الجمعية التأسيسية. وعندما صدقت الجمعية الوطنية على الميزانية الخاصة بالحملة الرومانية طرح فكتور هوغو، بدافع من الليبرالية المزعومة، هذه الرسالة للمناقشة. وعمد حزب النظام بصيحات الإنكار المشوب بالازدراء إلى خنق الفكرة القائلة أن تصرفات بونابرت غير الذكية يمكن أن تكوه لها إية أهمية سياسية. ولم يلتقط واحد من الوزراء القُفّاز الذي ألقي في وجه بونابرت. وفي مناسبة أخرى عمد بارو، بما هو معهود فيه من بلاغة جوفاء، إلى إلقاء كلمات غاضبة من على المنبر حول “الدسائس المنكرة” التي كانت تجرى، حسب تأكيده، بين الحاشية المباشرة للرئيس. وأخيرًا رفضت الوزارة بصورة قاطعة تقديم أي اقتراح لزيادة مخصصات رئيس الجمهورية، في الوقت الذي توصلت فيه إلى الحصول من الجمعية الوطنية على مرتب أرملة لدرقة أورليان. ولكن المدعي بالتاج الإمبراطوري قد أندمج أوثق الاندماج في شخص بونابرت المغامر الخائب حتى أن الفكرة العظيمة التي كانت تساوره وهي إنه مدعو لإعادة الإمبراطورية كانت تتممها عنده دائمًا فكرة عظيمة أخرى هي أن الشعب الفرنسي مدعو لسداد ديونه.

إن وزارة بارو – فالو كانت أول وآخر وزارة برلمانية أخرجها بونابرت للوجود. وعلى ذلك كان عزلها يشكل نقطة تحول حاسمة. فقد خسر حزب النظام بها إلى غير رجعة حصنًا ضروريًا للحفاظ على الحكم البرلماني إلا وهو قيادته للسلطة التنفيذية. وواضح إنه في بلد كفرنسا، حيث يأتمر بأمر السلطة التنفيذية جيش من الموظفين يتجاوز عدده نصف مليون أي أن السلطة التنفيذية تحتفظ لذلك بصورة دائمة بكتلة ضخمة من المصالح والأشخاص في حالة اعتماد مطلق عليها، وحيث تلف الدولة المجتمع المدني بشباكها وتراقبه وتوجهه وتهيمن عليه وتقوم على أموره أبتداء من أكثر مظاهر حياته شمولاً إلى أقل حركاته شأنًا، ومن أعم أشكال وجوده إلى حياة الأفراد الخاصة، وحيث تكتسب هذه الهيئة الطفيلية، من جراء المركزية الخارقة العادة، وجودًا كليًا ومعرفة كلية وقدرة على المرونة والحركة المتزايدتين اللتين لا تجدان لهما ندا إلا في عدم الاستقلال العاجز للهيئة الاجتماعية الفعلية وفي ميوعتها وانعدام شكلها – واضح أن الجمعية الوطنية تخسر في بلد كهذا كل نفوذ حقيقي لها عندما تفقد سيطرتها على توزيع المناصب الوزارية ان لم تعمد في الوقت نفسه إلى تبسيط إدارة الدولة وتخفيض جيش الموظفين بقدر الإمكان، وأخيرًا أن لم تدع المجتمع المدني والرأي العام يخلقان أجهزة خاصة بهما مستقلة عن السلطة الحكومية. بيد أن المصالح المادية للبرجوازية الفرنسية متشابكة أوثق التشابك مع الاحتفاظ بجهاز الدولة الواسع هذا بما له من تشعبات متعددة. فهي تجد هنا الوظائف لمن يفيض من بينها وتعوض، على شكل المرتبات الحكومية، عما تعجز عن أخذه لجيبها على شكل الأرباح والفوائد والريع والمكافئات. ومن ناحية أخرى كانت مصالحها السياسية قد أرغمتها على أن تزيد كل يوم إجراءات القمع، أي أن تزيد يوميًا موارد سلطة الدولة وموظفيها، بينما كان عليها أن تخوض في الوقت نفسه حربًا غير منقطعة ضد الرأي العام وأن تعمد بدافع الارتياب إلى شل الأجهزة المستقلة للحركة الاجتماعية وتعطيلها حيثما لم تنجح في بترها تمامًا. وهكذا كانت البرجوازية الفرنسية مرغمة بحكم وضعها الطبقي على أن تبيد شروط وجود كل سلطة برلمانية، وبالتالي سلطتها البرلمانية هي أيضًا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن تجعل السلطة التنفيذية المعادية لها سلطة قاهرة.

لقد دعيت الوزارة الجديدة باسم وزارة دوبول. وليس معنى هذا أن الجنرال دوبول قد تسلم منصب رئيس الوزراء. بل أن بونابرت قد عمد بالأحرى – وفي نفس الوقت الذي أقال فيه بارو – إلى إلغاء هذا المقام الذي كان يحكم على رئيس الجمهورية فعلاً بأن يظل في وضع الصفر القانوني الذي يكون فيه الملك الدستوري، ولكن ملك دستوري بلا عرش ولا تاج، بلا صولجان ولا سيف، بلا امتياز حصانة وبلا حيازة وراثية لأعلى مقام في الدولة، – وأسوأ ما في الأمر – بلا مخصصات. كانت وزارة دوبول تضم شخصًا واحدًا فحسب ذا مكانة برلمانية وهو المرابي فولد، الذي كان من أسوأ رجال أريستقراطية المال ذكرًا. وقد نال منصب وزير المالية. ولو رجع المرء إلى لوائح أسعار بورصة باريس لوجد الأوراق المالية الفرنسية، اعتبارا من أول تشرين الثاني (نوفمبر) 1849 فصاعدًا، كانت ترتفع وتهبط تبعًا لارتفاع مكانة بونابرت وهبوطها. وهكذا ما أن وجد بونابرت حليفًا له في البورصة حتى استولى في الوقت نفسه على الشرطة بتعيين كارلييه مديرًا لشرطة باريس.

بيد أن النتائج التي أسفر عنها تغيير الوزارة لم يكن ممكنًا أن تظهر إلا في مجرى التطور. في بداية الأمر لم يسر بونابرت هذه الخطوة إلى الأمام إلا ليُدفع إلى الوراء على نحو أشد جلاء. وقد أردف رسالته الفظة تلك ببيان في منتهي التذلل يعلن فيه ولاءه للجمعية الوطنية. وكلما كان الوزراء يجرؤون على القيام بمحاولة وجلة لإضفاء شكل مشاريع القوانين على أهوائه الشخصية، كان يبدو أنهم يقومون رغمًا عن أرادتهم وبحكم مناصبهم فحسب، بمأموريات مضحكة كانوا مقتنعين سلفًا بعدم جدواها. وكلما كان بونابرت يهذر في الكلام في مقاصده من وراء ظهور وزرائه ويلعب بـ”idées napoléniennes” الخاصة به ( ) كان وزراءه هو يتنصلون منه من على منبر الجمعية الوطنية. وكان يبدو كأنه لا يعرب عن شهواته الاغتصابية إلا لكي لا تسكت الضحكات الشامتة التي يطلقها أعداؤه. كان يتصرف كأنه عبقري غير معترف به وتنظر إليه الدنيا كلها نظرتها إلى أبله. لم يسبق له قط أن تمتع من قبل باحتقار جميع الطبقات إلى مدى أعظم مما حدث في هذه الفترة. ولم يسبق للبرجوازية أن حكمت حكمًا أكثر استبدادا، ولم يسبق لها أن عرضت على الملأ شعائر سلطانها بهذا القدر من المباهاة.

ليس من شأني هنا أن أكتب تاريخ نشاطها التشريعي، وهو النشاط الذي يتلخص في هذه الفترة في قانونين: القانون الذي يعيد فرض ضريبة الخمور وقانون التعليم الذي يلغي الالحاد. وإذا كانت البرجوازية تعرقل استهلاك الفرنسيين للخمر، فإنها عمدت مقابل ذلك إلى منحهم ماء الحياة الطاهرة على نحو أوفر وأغزر. وإذا كانت البرجوازية، بإصدار القانون الخاص بضريبة الخمور، قد أعلنت نظام الضرائب القديم المقيت نظامًا مصونًا، فهي قد سعت بواسطة قانون التعليم، إلى أن تضمن بين الجماهير بقاء الحالة العقلية القديمة التي تتيح لها احتمال نظام الضرائب هذا. وأن المرء ليدهش إذ يرى الاورليانيين، البرجوازيين الليبيراليين، اتباع الفولتيرية والفلسفة الاختيارية القدامى هؤلاء، يعهدون إلى أعدائهم الألداء التقليديين، اليسوعيين، بالإشراف الروحي على الفرنسيين. وإيًا كانت الخلافات بين الاورليانيين والشرعيين فيما يتصل بأمر المدعي بالعرش، فقد كانوا يدركون أن حكمهم الموحد يقتضي توحيد وسائل القمع في العهدين وأن وسائل الاستبعاد التي أتبعت في عهد ملكية تموز (يوليو) كان ينبغي أن تكمل وتعزز بوسائل التي أتبعت في عهد العودة.

أما الفلاحون، الذين خيب جميع آمالهم وسحقهم أكثر من أي وقت مضى هبوط أسعار القمح من جهة والعبء المتزايد للضرائب وديون الرهن من جهة أخرى، فقد بدأوا يتحركون في المقاطعات. وقد أجيبوا على ذلك بحملة ضد أساتذة المدارس الذي أخضعوا لرجال الأكليروس وبحملة ضد رؤساء البلديات الذي أخضعوا لحكام المقطاعات وأخيرًا بنظام التجسس الذي أخضع له الجميع. وفي باريس والمدن الكبرى تكّون للرجعية ذاتها سيماء عصرها وهي تزعج أكثر مما تضغط. وفي الريف تصبح خسيسة، خشنة، تافهة، متعبة ومزعجة، وبكلمة واحدة جندرمة. وفي وسع المرء أن يدرك كيف أن ثلاث سنوات من حكم الجندرمة، يكرسها حكم القسيس، كان لا بد أن تفسد أخلاق الجماهير غير الناضجة.

ومهما كان مبلغ الانفعال أو الخطب الحماسية التي كان حزب النظام يلجأ إليها ضد الأقلية من على منبر الجمعية الوطنية فإن كلامه ظل ذا مقطع واحد ككلام المسيحيين الذي كان عليهم أن يقولوا: نعم، نعم، لا، لا! كذلك على المنابر كما في الصحافة، غث كلغز حله معروف سلفًا. وسواء كان الأمر يتعلق بحق الالتماس أو ضريبة الخمور، بحرية الصحافة أو التجارة الحرة، بالتوادي أو دستور البلديات، بضمان الحرية الشخصية أو تحديد ميزانية الدولة، فإن كلمة السر الواحدة تتكرر دائمًا والموضوع يبقى واحدًا على الدوام، والحكم جاهز أبدًا، وهو دائمًا بلا تغيير: “الاشتراكية!” حتى الليبيرالية البرجوازية كانوا يعلنونها اشتراكية، والاستنارة البرجوازية والإصلاح المالي البرجوازي اشتراكية. لقد كانت اشتراكية أن تبني سكة حديد حيثما كانت قناة من قبل، وكانت اشتراكية أن يدافع المرء عن نفسه بخيزرانه حين يهاجمه أحد بالشيش.

لم يكن هذا مجرد جملة أو موضة أو أسلوب في النضال الحزبي. فإن البرجوازية أدركت أدركًا صحيحًا أن جميع أنواع الأسلحة التي أعدتها لمحاربة الإقطاع قد أدارت رؤوسها ضدها هي وأن جميع وسائل التعليم التي أوجدتها قد ثارت ضد مدنيتها هي وأن جميع الإلهة التي خلقتها قد تخلت عنها. لقد فهمت أن كل ما يدعي بحريات المواطنين وأجهزة التقدم كانت تتطاول على حكمها الطبقي وتهدده من جانب أساسه الاجتماعي وقمته السياسية في الوقت نفسه، وإنها أصبحت لهذا السبب “اشتراكية”. وفي هذا التهديد وهذا التطاول رأت بحق سر الاشتراكية التي قدرت معناها واتجاهها بأصح مما تقدر نفسها هذه التي تدعى بالاشتراكية والتي لا تستطيع أن تفهم لهذا السبب لماذا يقسو قلب البرجوازية كل هذه القسوة عليها، سواء وهي تندب آلام البشرية على نحو مؤثر، أو تعظ عظة مسيحية حول العصر الألفي السعيد والمحبة الأخوية الشاملة، أو تلغو حول الروح والتعليم والحرية وعلى طريقة أهل البر والإنسانية، أو تعمد كدأب النظريين المتحذلقين إلى اختلاف نظام للتوفيق ونشر الرخاء بين جميع الطبقات. بيد أن البرجوازية لم تدرك شيئًا واحدًا وهو أن نظامها البرلماني نفسه، وأن سيطرتها السياسية بصورة عامة، إذا كنا منسجمين في المحاكمة، لابد لهما الآن أن يتعرضا أيضًا للشجب العام بوصفهما شيئًا اشتراكيًا. وطالما أن سيطرة البرجوازية لم تنظم تنظيمًا تامًا بعد، وطالما إنها لم تكتسب التعبير السياسي الخالص فإن التناحر بين البرجوازية وبين الطبقات الأخرى لم يكن يستطيع كذلك أن يظهر في شكله الخالص ولم يكن، حيثما ظهر، يستطيع أن يتجه الاتجاه الخطير الذي يتحول معه كل صراع ضد سلطة الدولة إلى صراع ضد رأس المال. وإذا كانت البرجوازية ترى في كل مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية تهديدًا “للسكينة” فكيف كانت تريد أن تحتفظ على رأس هذا المجتمع بنظام القلق، بنظامها هي بالذات، النظام البرلماني، هذا النظام الذي يعيش، على حد تعبير أحد الناطقين باسمها، في الصراع وبالصراع؟ وكيف يستطيع النظام البرلماني الذي يعيش بالنقاش، وأن يمنع النقاش؟ أن كل مصلحة وكل إجراء اجتماعي يتحولان هنا إلى فكرة عامة، ويعُتبران فكرة، فكيف يتسنى لأيه مصلحة أو أية إجراءات أن تنُصّب فوق التفكير وتفرض كرمز للإيمان؟ أن كفاح الخطباء على المنابر يستتبع كفاح المثيّحين على صفحات الجرائد، ونادي النقاش في البرلمان تكمله بالضرورة نوادي النقاش في الصالونات والحانات. والنواب الذي يرجعون على الدوام إلى الرأي العام يعطون بالتالي الرأي العام الحق في الإفصاح عن وجهات نظره الحقيقية في العرائض. أن النظام البرلماني يترك كل شيء لقرار الأكثرية، فكيف لا ترغب الاكثريات العظمى خارج البرلمان في اتخاذ القرارات؟ إذا كان رب الحكم ضاربًا بالدف فما عسى أن ننتظر ممن هم دونه غير الرقص؟

وهكذا فإن البرجوازية، إذ تصم الآن “بالاشتراكية” ما كانت تمجده سابقًا باعتباره “ليبيراليا”، تعترف بأن مصالحها الخاصة تملي عليها أن تتخلص من خطر حكمها ذاتها، وبضرورة تسكين برلمانها البرجوازي بادئ ذي بدء من أجل إعادة السكينة على البلاد، وبأن سلطتها السياسية ينبغي أن تكسر حتى يتسنى المحافظة على سلطتها الاجتماعية دون مساس، وبأن البرجوازيين الأفراد يستطيعون أن يواصلوا استغلالهم للطبقات الأخرى وأن يتمتعوا دونما إزعاج بخيرات الملكية والعائلة والدين والنظام ولكن بشرط أن يحكم على البرجوازية بوصفها طبقة، شأنها في ذلك شأن الطبقات الأخرى، بالتفاهة السياسية المتساوية، وبأنه يجب خلع التاج عنها لكي تحافظ على محفظتها، وبأن السيف الذي يحميها ينبغي، في الوقت ذاته، أن يظل مسلطًا فوق رأسها كسيف داموقليس.

أما في مجال المصالح العامة للبرجوازية فقد أثبتت الجمعية الوطنية إنها عديمة الإنتاج تمامًا حتى أن المناقشات بشأن بناء سكة حديد باريس – أفينيون، على سبيل المثال، وهي التي بدأت في شتاء 1850، لم تكن ناضجة بعد للختام في الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 1851. فحيثما لم تكن الجمعية الوطنية تقمع أو تسلك مسلكًا رجعيًا كانت مصابة بعقم لا شفاء منه.

بينما كانت وزارة بونابرت، من جهة، تأخذ زمام المبادرة في صياغة القوانين وفقًا لروح حزب النظام وتشدد من جهة أخرى قساوة تنفيذ هذه القوانين، كان بونابرت يسعى، من جهته إلى كسب الشعبية بما يقدمه من مقترحات صبيانية سخيفة مظهرًا عداوته للجمعية الوطنية وملمحًا إلى دفينة سرية حالت الظروف مؤقتًا فحسب دون أن يفتح كنوزها هذه للشعب الفرنسي. من هذا القبيل كان الاقتراح القاضي بزيادة رواتب ضباط الصف بمقدار 4 سنوات (سو – sou – الجزء العشرون من الفرنك أو خمسة سنتيمات . المترجم.) يوميًا ومن هذا القبيل كان مشروع “مصرف الشرف” لإقراض العمال. المال موهوبًا والمال مدانًا – هذه هي الآفاق التي كان يعلل النفس بأن يغوي بها الجماهير. الهبات والقروض، أن الفن المالي لحثالة البروليتاريا – سواء كانوا من درجة عالية أو واطئة – لم يكن يتعدى هذا. هذه هي اللوالب الوحيدة التي كان بونابرت يعرف كيف يحركها. ولم يسبق من قبل أن ضارب مدع على سفالة الجماهير بمثل هذه السفالة.

أن الجمعية الوطنية قد ثارت مرارًا وتكرارًا على هذه المحاولات التي لا لبس فيها لكسب الشعبية على حسابها في ظروف خطر متزايد كان يتمثل في احتمال مجازفة هذا المغامر الذي كانت تنخسه ديونه والذي لم تكن تردعه سمعة راسخة – بعمل يائس. كانت الخلافات بين حزب النظام والرئيس توشك أن تتخذ طابعًا خطيرًا عندما ألقى به حادث غير منتظر مرة أخرى تائبًا بين ذراعي الحزب. ونعني بذلك الانتخابات الإضافية في العاشر من آذار (مارس) سنة 1850. لقد أجربت هذه الانتخابات بغية ملء مقاعد النواب التي شغرت بعد الثالث عشر من حزيران (يونيو) بسبب السجن أو النفي. أن باريس لم تنتخب إلا المرشحين الاشتراكيين – الديموراطيين بل إنها ركزت معظم الأصوات على أحد المشتركين في انتفاضة حزيران (يونيو) 1848، على ديفلوت. وهكذا ثأرت البرجوازية الصغيرة الباريسية، بالتحالف مع البروليتاريا، للهزيمة التي حاقت بها الثالث عشر من حزيران (يونيو) 1849. وبدا أن البرجوازية الصغيرة ما اختفت من ميدان القتال في لحظة الخطر إلا لتظهر هناك من جديد في ظروف أكثر مؤاتاه، حائزة على قوات قتالية أكبر ورافعة شعارًا قتاليًا أجرأ. وبدا أن ظرفًا واحدًا كان قد زاد من خطر هذا النصر الانتخابي: فإن الجيش أقترع في باريس لمتمرد حزيران (يونيو) ضد لاهيت، أحد وزراء بونابرت، وأقترع في المقاطعات إلى حد بعيد للجبليين الذي أكدوا هنا أيضًا رجحان كفتهم على خصومهم وأن لم يكن بالدرجة الحاسمة التي كان عليها في باريس.

ورأي بونابرت نفسه فجأة مرة أخرى إزاء ثورة. وكما كان الأمر في 29 كانون الثاني (يناير) 1849 وكما كان في 13 حزيران (يونيو) 1849، كذلك في العاشر من آذار (مارس) 1850 اختفى بونابرت وراء حزب النظام. أنحنى امتثالاً واستماح العذر جبنًا وصغارًا وأعرب عن استعداده لأن يشكل، بناء على أمر الأكثرية البرلمانية، أية وزارة ترضى عنها بل إنه توسل إلى زعماء الأورليانيين والشرعيين، إلى أمثال تيير وبيرييه وبروغلي ومولييه، وبالاختصار إلى من يدعون بالبرجراف ( ) ، أن يأخذوا زمام الدولة بأيديهم. وأثبت حزب النظام عجزه عن اغتنام هذه الفرصة التي لن تعود. فهو بدلاً من أن يستولى بجرأة على السلطة التي عرضت عليه، لم يرغم بونابرت حتى على إعادة الوزارة التي أقالها في اليوم الأول من تشرين الثاني (نوفمبر). وأكتفي بإذلاله بالصفح عنه وبضم المسيو باروش إلى وزارة دوبول. وكان باروش هذا، بصفته مدعيًا عامًا، قد أرغى وأزبد أمام المحكمة العليا في بورجيه، المرة الأولى ضد ثوريي الخامس عشر من أيار (مايو) والمرة الثانية ضد ديموقراطيي الثالث عشر من حزيران (يونيو)، وكلتا المرتين أتهمهم بالاعتداء على الجمعية الوطنية. ولم يساهم أحد من الوزراء بونابرت فيما بعد أكثر من في الغض من شأن الجمعية الوطنية، وبعد اليوم الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 1851 نصادفه مرة أخرى في ذلك المنصب المريح العالي الأجر، منصب نائب رئيس مجلس الشيوخ. لقد بصق في حساء الثوريين حتى يتمكن بونابرت من التهامه.

أما الحزب الاشتراكي – الديموقراطي فقد بدأ من جهته، وكأن لا هم له إلا إيجاد الذرائع لوضع انتصاره مرة أخرى موضع الشك، ولتثليم حده. أن فيدال وهو أحد النواب الذين انتخبوا حديثًا عن باريس، كان قد أنتخب في الوقت نفسه عن ستراسبورغ وقد حمل على أن يرفض النيابة عن باريس وأن يقبلها عن ستراسبورغ. وهكذا، بدلاً من أن يجعل الحزب الديموقراطي نصره في الانتخابات نصرًا فاصلاً ويرغم بذلك حزب النظام فورًا على أن ينازعه أياه في البرلمان، بدلاً من أن يرغم خصمه على القتال، على هذا الوجه، في لحظة الحماسة الشعبية والجو المؤاتي في الجيش، عمد هذا الحزب إلى أتعاب باريس خلال شهري آذار (مارس) ونيسان (أبريل) بدعاية انتخابية جديدة، وترك العواطف الشعبية الفائرة تستنفد قوتها في هذه اللعبة الانتخابية الجديدة المؤقتة، وأطفأ الطاقة الثورية بالنجاحات الدستورية وبعزق هذه الطاقة في المكائد الصغيرة والخطب الطنانة الجوفاء والتظاهر بالحركة، وترك البرجوازية تتمالك نفسها وتأخذ أهبتها، وهو قد أضعف أخيرًا مغزى انتخابات آذار (مارس) بتعليق عاطفي عليها، بانتخابات نيسان (أبريل) الفرعية، بانتخاب أوجين سو. وبكلمة واحدة جعل من العاشر من آذار (مارس) كذابة أو نيسان (أبريل).

أن الأكثرية البرلمانية قد فهمت ضعف عدوها. وبما أن بونابرت قد ترك لحزب النظام أدارة الهجوم ومسئوليته فقد أعد البرجرافيون السبعة عشر قانونًا انتخابيا جديدًا عهد أمر تقديمه إلى المسيو فوشيه الذي توسل لينال هذا الشرف. وفي اليوم الثامن من أيار (مايو) قدم فوشيه القانون الذي كان سيلغي الاقتراع الشامل ويفرض على الناخبين شرط الإقامة لمدة ثلاث سنوات في الدائرة الانتخابية هذا مع العلم أن أثبات مدة هذه الإقامة كان متوقفًا في حالة العمال على شهادة من أرباب أعمالهم.

وإذ الديمراقراطيون الذي هاجوا كثيرًا على نحو ثوري أثناء الكفاح الانتخابي الدستوري، يأخذون الآن، وقد أقتضب الأمور أن يثبتوا جدية ذلك النصر الانتخابي والسلاح في أيديهم، يبشرون على نحو دستوري بالنظام والهدوء المهيب (Calme majestueux) والأعمال المطابقة للقانون أي الإذعان الأعمى لإدارة الثورة المعاكسة التي أدعت بإنها هي القانون. وفي أثناء المناقشات خجّل “الجبل” حزب النظام معارضًا انفعاله الثوري بموقف التافه الشريف غير المتأثر بالعواطف الذي يراعي حدود القانون، وبطرحه ذلك الحزب أرضًا بتوجيه التأنيب الذي يراعي حدود القانون، وبطرحه ذلك الحزب أرضًا بتوجيه التأنيب المخيف له بأنّه يتصرف بطريقة ثورية. وحتى النواب المنتخبين حديثًا بذلوا قصاراهم ليثبتوا بسلوكهم المحتشم الرزين مبلغ الخطل في التنديد بهم على اعتبار إنهم فوضويون وتفسير انتخابهم بأنه نصر للثورة. وفي اليوم الحادي والثلاثين من أيار (مايو) أقر قانون الانتخابات الجديد، وأكتفي “الجبل” بتهريب احتجاج إلى جيب الرئيس. أعقب قانون الانتخابات قانون جديد للصحافة أخمدت بموجبه الصحافة الثورية تمامًا ( ) . وقد استحقت هذه الأخيرة مصيرها. وبعد هذه الهزيمة الشنعاء لم يبقى غير صحيفتي “National” و”Presse” ( ) البرجوازيين باعتبارهما أكثر المراكز الأمامية للثورة تقدمًا.

لقد رأينا كيف أن الزعماء الديموقراطيين فعلوا كل شيء خلال شهري آذار (مارس) ونيسان (أبريل) ليورطوا سكان باريس في قتال صوري وكيف إنهم فعلوا كل شيء بعد الثامن من أيار (مايو) ليصدرهم عن القتال الحقيقي. وفضلاً عن هذا لا يجوز أن ننسى أن سنة 1850 كانت من أروع سنوات الازدهار الصناعي والتجاري وأن العمل كان لذلك متوفرًا تمامًا لبروليتاريا باريس. غير أن قانون الانتخاب الصادر في الحادي والثلاثين من أيار (مايو) 1850 حرمها من أية مساهمة في السلطة السياسية وعزلها حتى عن حلبة الصراع ذاتها. وقد رد هذا القانون العمال إلى مركز المنبوذين الذي كانوا يحتلونه قبل ثورة شباط (فبراير). وإذ سمح العمال بأن يقودهم الديموقراطيون في وجه حدث كهذا الحدث ونسوا المصالح الثورية لطبقتهم من أجل الرخاء الوقتي فقد تخلوا عن شرف كونهم قوة ظافرة واستسلموا لمصيرهم وأثبتوا أن هزيمة حزيران (يونيو) 1848 قد جعلتهم عاجزين عن القتال لسنوات طويلة وأن العملية التاريخية كان لابد لها في الوقت القريب أن تمضى مرة أخرى من فوق رؤوسهم. أما الديموقراطية البرجوازية الصغيرة التي صرخت في الثالث عشر من حزيران (يونيو): “ليتجاسروا على مس حق الاقتراع الشامل، ليتجاسروا وأن مرة!” فإنها قد عزت نفسها الآن بالادعاء القائل أن الضربة التي هوت عليها بها الثورة المعاكسة لم تكن ضربة وأن قانون الحادي والثلاثين من أيار (مايو) لم يكن قانونًا. ففي يوم الأحد الثاني من شهر أيار 1852 سيظهر كل فرنسي في مركز الاقتراع وقد حمل بطاقة الاقتراع بيد وحمل السيف باليد الأخرى. كانت تعزي نفسها بهذه النبوءة. وأخيرًا كان الجيش قد ضبطه رؤساؤه لانتخابات آذار ونيسان 1850 تمامًا كما ضبطوه لانتخابات 28 أيار 1849. بيد أنه في هذه المرة قال لنفسه حازمًا: “لن تخدعنا الثورة مرة ثالثة”.

أن قانون 31 أيار سنة 1850 كان Coup détat قامت به البرجوازية. أن جميع انتصاراتها السابقة على الثورة كان لها طابع مؤقت فسحب. وكانت تتعرض للخطر حالما كانت الجمعية الوطنية القائمة تنسحب من المسر؛. وكانت تعتمد على المصادفات التي يحملها أي انتخاب عام جديد معه. وتاريخ الانتخابات منذ عام 1848 أثبت بصورة لا تدحض أن سلطان البرجوازية الأدبي على الجماهير الشعبية كان يضعف بنفس المقدار الذي كانت تزداد به سيطرتها الفعلية. في العاشر من آذار (مارس) ظهر أن حق الاقتراع الشامل يعارض سيطرة البرجوازية معارضة مباشرة. فأجابت البرجوازية على ذلك بإلغاء حق الأقتراع الشامل. ولذا كان قانون 31 أيار مظهرًا من المظاهر الملازمة للصراع الطبقي. ومن ناحية أخرى كان الدستور يستلزم حدًا أدنى مليوني صوت لجعل انتخاب رئيس الجمهورية صحيحًا. فإذا لم ينل أحد المرشحين للرئاسة هذا الحد الأدنى كان على الجمعية الوطنية أن تختار الرئيس من المرشحين الخمسة الذين يفوزون بأكبر عدد من الأصوات. وعندما أعدت الجمعية التأسيسية هذا القانون كان عدد الناخبين المسجلين في جداول الاقتراع عشرة ملايين. وعلى هذا كان خمس الناس الذي يحق لهم الاقتراع يكفي، بموجب هذا القانون لجعل انتخاب الرئيس صحيحًا. أن قانون 31 أيار (مايو) شطب ثلاثة ملايين صوت على الأقل من الجداول الانتخابية وخفض عدد الذين يتمتعون بحق الاقتراع إلى سبعة ملايين وأبقى مع ذلك الحد الأدنى القانون – وهو مليونان – اللازم لانتخاب الرئيس. ولذلك أرتفع الحد الأدنى القانون من خمس الأصوات الانتخابية جميعًا إلى حوالي الثلث أي بكلمة أخرى، فعل هذا القانون كل شيء لتهريب انتخاب الرئيس من أيدي الشعب إلى أيدي الجمعية الوطنية. وهكذا يبدو أن حزب النظام قد حصن حكمه بقانون 31 أيار (مايو) الانتخابي مرتين، وذلك بتسليم انتخاب نواب الجمعية الوطنية وانتخاب رئيس الجمهورية إلى القسم المحافظ في المجتمع.

——
(38) تلميح إلى كتاب لويس بونابرت “ألأفكار النابوليونية” الذي صدر في باريس عام 1839. “Napoléon – Louis Bonaparte. “Des idées napoléoniennes” Paris. 1839” – ص 70.
(39) البرجراف، أطلق هذا اللقب على زعماء الأورليانيين والشرعيين السبعة عشر الذين اشتركوا في لجنة الجمعية التشريعية لوضع مشروع قانون انتخابي جديد، وذلك نظرًا لادعاءاتهم التي لا مبرر لها بالسلطة ولميولهم الرجعية. واللقب مأخوذ من رواية تاريخية بالاسم نفسه لفيكتور هوغو عن الحياة في ألمانيا القرون الوسطى. وكانوا في ألمانيا يطلقون لقب برجراف على حكام المدن والدوائر الذين يعينهم الإمبراطور. – ص 76.
(40) بموجب قانون الصحافة الذي أقرته الجمعية التشريعية في تموز (يوليو) 1850، زيدت الضمانة النقدية التي كان أصحاب الصحف ملزمين بدفعها زيادة كبيرة، وفرضت ضريبة جديدة – ضريبة طابع أميري شملت كذلك الكراريس.
(41) كان هذا القانون الجديد مواصلة للتدابير الرجعية التي آلت إلى تصفية حرية الصحافة عمليًا في فرنسا. – ص 79.

« السابق التالي »