بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثامن عشر من برومير – لويس بونابرت

أن الائتلاف مع “الجبل” والجمهوريين الصرف الذي وجد حزب النظام أنه محكوم به عليه في جهوده غير المجدية للاحتفاظ بالسلطة العسكرية ولاستعادة الأشراف الأعلى على السلطة التنفيذية أثبت بلا جدال أنه قد خسر أكثريته البرلمانية المستقلة. وفي 28 أيار أعطت القوة البسيطة للتقويم الزمني ولعقرب الساعة الإشارة لتفككه تفككًا تامًا. في 28 أيار بدأت السنة الأخيرة من سني حياة الجمعية الوطنية. لقد كان عليها الآن أن تقرر أما أبقاء الدستور دون تغيير أو إعادة النظر فيه. بيد أن أعادة النظر في الدستور لم يكن تعني فحسب الاختياريين حكم البرجوازية أو حكم ديموقراطية البرجوازية الصغيرة، بين الديموقارطية أو الفوضى البروليتاريا، بين الجمهورية البرلمانية أو بونابرت، بل كانت تعني في الوقت نفسه الاختيار بين أورليان أو بوربون! وهكذا سقطت وسط البرلمان نفسه تفاحة الشقاق التي كان لا بد لها أن تؤجج علنًا التضارب في المصالح التي شقت حزب النظام إلى تكتلات متعادية. أن حزب النظام كان خليطًا من عناصر اجتماعية غير متجانسة. وقد ولدت مسألة أعادة النظر في الدستور درجة الحرارة السياسية التي ينحل عندها هذا الخليط إلى عناصره الأصلية.

أما مصلحة البونابرتيين في إعادة النظر في الدستور فبسيطة. فبالنسبة إليهم كانت المسألة قبل كل شيء هي مسألة إلغاء المادة 45 التي كانت تمنع إعادة انتخاب بونابرت وتمديد سلطته. ولم يكن موقف الجمهوريين ليبدو أقل بساطة. فقد كانوا ينبذون دون قيد أو شرط أية أعادة نظر إذ كانوا يرون فيها مؤامرة عامة على الجمهورية. ولما كانوا يحكمون على أكثر من ربع الأصوات في الجمعية الوطنية، وكان يلزم ثلاثة أرباع الأصوات، حسب الدستور، ليكون القرار القاضي بإعادة النظر صحيحًا من الوجهة القانونية وليتم عقد جلسة خاصة لإعادة النظر، فقد كان بحسبهم أن يعدوا أصواتهم ليكونوا واثقين من النصر. وقد كانوا واثقين من النصر.

وخلافًا لهذين الموقفين الواضحين وجد حزب النظام نفسه متورطًا في تناقضات لا قبل بحلها. فإذا ما رفض إعادة النظر، لهدد الوضع القائم لأن ذلك يترك لبونابرت مخرجًا واحدًا فحسب هو اللجوء إلى القوة، ولأن ذلك يعني تسليم فرنسا يوم الأحد الثاني من أيار سنة 1852، وفي لحظة الفصل، إلى تعسف الفوضى الثورية مع رئيس فقد سلطته وبرلمان لم يكن يملكها منذ زمن بعيد وشعب ينوي استردادها ثانية. وإذا ما أقترع إلى جانب إعادة نظر دستورية فقد كان يعرف أنه يقترع عبثًا وكان لا بد له أن يفشل دستوريًا بسبب اعتراض الجمهوريين. وإذا ما أعلن، خلافًا للدستور، أن قرارًا يتخذ بالأكثرية البسيطة سيكون ملزمًا فلن يكون لديه حينئذ أمل في التغلب على الثورة إلا إذا أخضع نفسه بلا قيد أو شرط لسيادة السلطة التنفيذية، وبذلك يضع تحت تصرف بونابرت الدستور وإعادة النظر فيه ومصير الحزب نفسه. أما إعادة النظر الجزئية الرامية إلى إطالة أمد سلطة الرئيس فإنها تمهد السبيل للاغتصاب البونابرتي. وأما إعادة النظر العامة الرامية إلى تقصير أمد بقاء الجمهورية فإنها تؤدي بلا محالة إلى وقوع اشتباك بين ادعاءات الأسر المالكة الأورليانية لم تكن تختلف بعضها عن بعض فحسب بل كانت تنفي بعضها بعضًا بصورة متبادلة.

أن الجمهورية البرلمانية كانت أكثر من تربة محايدة تستطيع كتلتا البرجوازية الفرنسية، الشرعيون والأورليانيون، الملكية العقارية الكبيرة والصناعة – أن تتصرفا عليها جنبًا إلى جنب متمتعتين بالحقوق المتساوية. فقد كانت الشرط الذي لا بد منه لحُكمهما المشترك، شكل الدولة الوحيد الذي سيطرت معه مصلحتها الطبقية العامة على إدعاءات بعض كتل البرجوازية وكذلك على جميع طبقات المجتمع الباقية. وبوصفهم ملكيين، ارتدوا إلى عداوتهم القديمة، إلى الصراع بين الملكية العقارية وبين النقد من أجل السيادة، وأعلى تعبير عن هذه العداوة، وتجسيدها، إنما كان ملوكهم أنفسهم وأسرهم المالكة. وهذا ما يفسر مقاومة حزب النظام لعودة البوربون.

كان الأورلياني والنائب كريتون قد تقدم بصورة دورية في سنوات 1849و 1850 و1851 باقتراع يدعو لإلغاء مرسوم النفي الصادر بحق الأسر المالكة. وظهر البرلمان نفسه، بانتظام مماثل، بمظهر جمعية من الملكيين توصد بعناد الأبواب التي يمكن أن يعود منها ملوكهم المنفيون إلى الوطن. أن ريتشارد الثالث قتل هنري السادس قائلاً أنه أطيب من أن يعيش في هذه الدنيا وأن مكانه الذي يستحقه هو السماء. والملكيون أعلنوا أن فرنسا أسوأ من أن تحصل على ملوكها المنفيين ثانية. فقد أرغمتهم الظروف القاهرة على أن يصبحوا جمهوريين ويصادقوا تكرارًا على القرار الشعبي الذي نفي ملوكهم من فرنسا.

أن إعادة النظر في الدستور – وكانت الظروف تجبر طرح هذه المسألة على بساط البحث – عرضت للخطر، إلى جانب الجمهورية، الحكم المشترك للكتلتين البرجوازيين وأحيت، مع إمكانية قيام الحكم الملكي، تنافس المصالح التي كان يمثلها هذا الحكم بصورة غالبة بالتناوب، كما أحيت الصراع من أجل سيادة أحدى الكتلتين على الأخرى. وأعتقد ديبلوماسيو حزب النظام أنهم يستطيعون إطفاء الصراع يدمج الأسرتين، بما يسمى صهر الحزبين الملكيين وبيتيهما المالكين. أن الصهر الحقيقي لعهد العودة ولملكية تموز (يوليو) كان الجمهورية البرلمانية التي محيت فيها الألوان الأورليانية والشرعية وانحلت فيها الأنواع المختلفة من البرجوازية في البرجوازية بشكل عام، في البرجوازية – النوع. أما الآن فيجب على الأورلياني أن يصبح شرعيًا والشرعي أورليانيا. وكان للملكية التي كانت تجسيدًا لعداواتهم أن تصبح تجسيدًا لوحدتهم. وكان للتعبير عن مصالحهم التكتلية المتنافرة أن يصبح تعبيرًا عن مصلحتهم الطبقية المشتركية، وكان على الملكية أن تفعل ما لم يستطع فعله ولم يفعله غير إلغاء الملكيتين، غير الجمهورية. لقد كان هذا حجر الفلسفة الذي صدّع كيمائيو حزب النظام رؤوسهم في سبيل أنتاجه. فكأنّ الملكية الشرعية يمكن أن تغدو يومًا ملكية البرجوازيين الصناعيين أو كأن الملكية البرجوازية يمكن أن تغدو يومًا ملكية اريستقراطية الأرض الوارثية. وكأن الملكية العقارية والصناعة يمكن أن تتعايشا بسلام تحت تاج واحد، في حين لا يستطيع التاج أن يكلل إلا رأسًا واحدًا، رأس الأخ الأكبر أو الأصغر. وكأن الصناعة على العموم يمكن أن تتفق مع الملكية العقارية ما دامت الملكية العقارية لا تقرر أن تصبح هي نفسها صناعية. فإذا مات هنري الخامس غدًا، فإن كونت باريس لا يغدو لهذا السبب ملك الشرعيين إلا إذا كف عن أن يكون ملك الأورليانيين. بيد أن فلاسفة الصهر الذين كان يزداد زعيقهم بمقدار ما كانت قضية إعادة النظر في الدستور تأتي إلى مركز الصدارة والذين هيأوا لأنفسهم من جريدة “Assemblée nationale” ( ) صحيفة رسمية يومية تنطق باسمهم والذين يعكفون على العمل ثانية حتى في هذه اللحظة بالذات (شباط – فبراير – 1852) رأوا أن الصعوبة كلها ناشئة عن الخصومة والتنافس بين الأسرتين المالكتين. أن محاولات التوفيق بين أسرة أورليان وهنري الخامس، التي بدأت منذ وفاة لويس فيليب ولكن التي كانت لا تقوم، شأنها شأن كل المكائد المتصلة بالأسر المالكة عمومًا، إلا في أثناء عطلة الجمعية الوطنية، فيما بين الفصول ووراء الكواليس، بوصفها مداعبة عاطفية للخرافة القديمة أكثر منها شغلاً بالمعنى الجدي، هذه المحاولات أصبحت الآن تمثيلية مهيبة يقوم بها حزب النظام على المسرح العام بدلاً من مسارح الهواة، كمان كان الأمر حتى الآن. لقد تراكض الرسل بلا انقطاع من باريخ إلى البندقية ( ) ومن البندقية إلى كليرمونت ومن كليرمونت إلى باريس. ويصدر الكونت شامبور بيانًا يعلن فيه، “بمعونة عموم أفراد عائلته” لا إعادته هو بل الإعادة “القومية”. ويلقي الأورلياني سالفاندي بنفسه عند أقدام هنري الخامس. ويسافر الرؤساء الشرعيون: بيرييه وبنوا دازي وسان – بريست، إلى كليرمونت لكي يقنعوا الطقم الأورلياني ولكن على غير طائل. أن أنصار الصهر يدركون بعد فوات الأوان أن مصالح الكتلتين البرجوازيتين لا تصبح أقل تنافرًا ولا تكسب ليونة عندما يجرى التشديد عليها في شكل مصالح عائلية، مصالح بيتين مالكين. فإذا ما أعترف هنري الخامس بكونت باريس خلفًا له – وهو النجاح الوحيد الذي يمكن أن يأمل أنصار الصهر فيه في أحسن الحالات – فأن آل أورليان لن يكسبوا بذلك أي حقوق غير تلك التي أمّنها لهم عقم هنري الخامس بل أنهم سيفقدون جميع الحقوق التي كسبوها بثورة تموز (يوليو). أنهم يكونون قد تخلّوا عن ادعاءاتهم القديمة وجميع الحقوق التي انتزعوها من الفرع الأقدم للبوربون خلال مائة عام من الصراع تقريبًا، أنهم يكونون قد تخلوا عن امتيازاتهم التاريخية، امتيازات الملكية الحديثة، لصالح الامتياز القائم على شجرة النسب. ولهذا لن يكون الصهر إلا تنازلاً طوعيًا من قبل آل أورليان، تنازلاً عن حقوقهم في صالح الشرعية وانسحابا نادمًا من كنيسة الدولة البروتستانتية إلى الكنيسة الكاثوليكية، أنسحابًا لن يأتي بهم، فضلاً عن هذا، حتى إلى العرش الذي فقدوه بل إلى درجة من سلم العرش الذي ولدوا عليه. أن الوزراء الأورليانيين القدماء غيزو ودوشاتل وغيرهما الذي سارعوا بالمثل إلى كليومونت لكي يعدوا الصهر سلفًا لم يكونوا يمثلون في الواقع إلا شعور الضيق والكآبة بعد ثورة تموز، وخيبة آمالهم في ملكية برجوازية وبرجوازية ملكية، والاعتقاد الخرافي بالشرعية باعتبارها التعويذة الأخيرة ضد الفوضى. وهم أذ تصوروا أنفسهم وسطاء بين الأورليان والبوربون، كانوا في الواقع مجرد مرتدين أورليانيين وبهذه الصفة أستقبلهم الأمير جوانفيل. أما الفريق المحب للعراك والقابل للحياة من الأورليانيين، تيير وباز، الخ.، من جهة أخرى، فقد أقنع أسرة لويس فيليب بسهولة أكثر بأنه إذا كانت أية إعادة مباشرة للمكية تفترض مقدمًا صهر الأسرتين ولما كان أي صهر كهذا، على أية حال، يفترض مقدمًا تخلي آل أورليان عن حقوقهم، فمما يتفق تمامًا مع تقاليد أجدادهم هو أن يعترفوا بالجمهورية مؤقتًا وينتظروا حتى تسمح الأحداث بتحويل كرسي الرئاسة إلى عرش. وقد راجت أولاً الشائعات عن ترشيح جوانفيل لرئاسة الجمهورية وبات فضول الجماهير في حالة ترقب وقاق، بعد أشهر قليلة، في شهر أيلول (سبتمبر)، وبعد نبذ إعادة النظر في الدستور، أعلن ترشيحه بصورة علنية.

وهكذا فإن محاولة القيام بصهر ملكي للأورليانيين والشرعيين لم تمن بالفشل فحسب بل إنها دمرت صهرهم البرلماني، شكلهم الجمهوري المشترك، وجزأت حزب النظام ثانية إلى جزئيه الأصليين الذين كان يتألف منهما. بيد أنه كلما ازداد الجفاء بين كليرمونت والبندقية وكلما أخفق التوفيق بينهما وأحرز تهييج جوانفيل نجاحًا، ازدادت المفاوضات بين فوشيه وزير بونابرت والشرعيين حماسة وجدية.

إن انحلال حزب النظام لم ينحصر في تفككه إلى عنصريه الأصليين. فإن كلا من الكتلتين الكبيرتين قد تحللت بدورها من جديد. وبات الأمر كما لو أن جميع الفروق الطفيفة القديمة التي تصارعت وتزاحمت سابقًا في داخل كل من المعسكرين، سواء أكان شرعيًا أم أورليانيًا، قد ساحت ثانية كما تسيح النقاعيات الجافة لدى ملامستها الماء، كما لو أنها اكتسبت مجددًا طاقة حيوية كافية لتشكيل جماعات خاصة ذات مصالح متناقضة مستقلة. وعاد الشرعيون في أحلامهم إلى الماضي، إلى زمن المجادلات فيما بين قصر التويلري وجناح مارسان، بين فيلي وبولينياك ( ). وعاش الأورليانيون من جديد الأيام الذهبية لمواكبة المبارزة بين غيزو وموليه. وبروغلي وتيير وأوديلون بارو.

إن ذلك الجزء من حزب النظام الذي كان حريصًا على إعادة النظر في الدستور، ولكنه كان منقسمًا أيضًا حول حدود إعادة النظر، وهو فريق مؤلف من الشرعيين بقيادة برييه وقالوا من جهة وبقيادة لاروشجاكلين من جهة أخرى، ومن الأورليانيين الذين أتعبهم الصراع بقيادة موليه وبروغلي ومونتالمبير وأوديلون بارو، اتفق مع النواب البونابرتيين على الاقتراح التالي الذي صيغ بعبارة واسعة غير محدودة:

“إن النواب الموقعين أدناه، بقصد أن تعدا إلى الأمة ممارسة سيادتها بصورة تامة، يقترحون إعادة النظر في الدستور”.

بيد أنهم صرحوا بالإجماع في الوقت نفسه، بلسان رواية إخبارهم توكفيل، بأن الجمعية الوطنية لم يكن يحق لها أن تقترح إلغاء الجمهورية – وأن هذا الحق كان منوطًا بمجلس ينعقد من أجل إعادة النظر في الدستور. وفضلاً عن ذلك صرحوا أنه لا يجوز إعادة النظر في الدستور إلا بصورة “قانونية”، أي إلا إذا كانت ثلاثة أرباع الأصوات التي نص عليها الدستور إلى جانب إعادة النظر. وفي اليوم التاسع عشر من تموز (يوليو)، وبعد ستة أيام من النقاش العاصف، نبذت إعادة النظر، كما كان متوقعًا. فقد اقترع إلى جانبها أربعمائة وستة وأربعون صوتًا بيد أن مائتين وثمانية وسبعين كانت ضدها. وقد صوت الأورليانيون المتطرفون، تيير وشانغارنييه، إلخ، مع الجمهوريين و”الجبل”.

وهكذا أعلنت أكثرية البرلمان وقوفها ضد الدستور، بيد أن هذا الدستور نفسه أعلن أنه يقف مع الأقلية وأن قرارها هو الملزم. ألم يقم حزب النظام بإخضاع الدستور للأكثرية البرلمانية في 31 أيار (مايو) سنة 1850 وفي 13 حزيران (يونيو) 1849؟ ألم تكن سياسته كلها تستند حتى الآن إلى إخضاع مواد الدستور لقرارات الأكثرية البرلمانية؟ ألم يترك للديموقراطيين الاعتقاد الخرافي الذي أكل عليه الدهر وشرب بحرفية القانون ويقاض الديموقراطيين بسببه؟ بيد أن إعادة النظر في الدستور لم تكن تعني في اللحظة الراهنة سوى إطالة مدة سلطة الرئيس، بينما كان تمديد مفعول الدستور لا يعني سوى الإطاحة ببونابرت. أن البرلمان أعلن وقوفه إلى جانب بونابرت ولكن الدستور أعلن وقوفه ضد البرلمان. ولذلك كان بونابرت يعمل بروح البرلمان عندما مزق الدستور وكان يعمل بروح الدستور عندما صرف البرلمان.

إن البرلمان أعلن الدستور وأعلن مع الدستور حكمه هو “خارج الأكثرية”؛ وبالقرار الذي اتخذه هو، ألغي الدستور ومد في أجل سلطان الرئيس كما أعلن في الوقت ذاته أنه لا يمكن للدستور أن يموت ولا لسلطان الرئيس أن يعيش ما دام البرلمان نفسه على قيد الحياة. وأولئك الذين سيدفنونه كانوا يقفون بالباب. وبينما كان البرلمان يناقش إعادة النظر، عمد بونابرت إلى إقصاء الجنرال باراغه ديليه الذي أثبت قلة الحزم، عن قيادة الفرقة الأولى للجيش وعين بدلاً منه الجنرال مانيان، صاحب النصر في ليون وبطل أيام كانون الأول، وهو أحد صنائعه وكان من قبل، زمن لويس فيليب، قد أساء إلى سمعته إلى هذا الحد أو ذاك بوصفه من أنصار بونابرت لمناسبة الحملة على بولون.

لقد أثبت حزب النظام بالقرار الذي اتخذه بشأن إعادة النظر في الدستور أنه ليس قادرًا لا على أن يحكم ولا على أن يخدم، لا على أن يعيش ولا على أن يموت، لا على أن يحتمل الجمهورية ولا على أن يقبلها، لا على أن يدعم الدستور ولا على أن يطرحه، لا على أن يتعاون مع الرئيس ولا على أن ينابذه. فإلى من يتطلع، إذن، لحل جميع التناقضات؟ إلى التقويم الزمني، إلى مجرى الأحداث. لقد كف عن الادعاء بأنه يتحكم بالأحداث، ولذلك استسلم لسلطان الأحداث، أي لسلطان تلك القوة التي تنازل لها عن صلاحية تاو أخرى من صلاحيات السلطة في نضاله ضد الشعب حتى وقف هو نفسه عاجزًا إزاء هذه القوة. ولكي يمكن رئيس السلطة التنفيذية من أن يضع خطة الحملة ضده دونما إزعاج ويعزز وسائل الهجوم ويختار أدواته ويحصن مواقعه، قرر في هذه اللحظة الحرجة بالذات أن يعتزل المسرح وأن يرفض ثلاثة أشهر، من 10 آب لغاية 4 تشرين الثاني.

إن الحزب البرلماني لم ينحل إلى كتلتيه الكبيرتين فحسب ولم تنقسم كل واحدة من هاتين الكتلتين من الداخل فحسب بل أن الخلاف قد دب بين حزب النظام في البرلمان وحزب النظام خارج البرلمان. فإن خطباء البرجوازية وكتابها، منابرها وصحافتها، وبكلمة مختصرة، أيديولوجيي البرجوازية والبرجوازية ذاتها، الممثلين والممثلين، واجهوا بعضهم بعضًا بالجفاء ولم يعد يفهم واحدهم الآخر.

إن الشرعيين في الأقاليم، بما كانوا عليه من أفق محدود وحماسة غير محدودة، اتهموا زعيميهم البرلمانيين، بيرييه وفالو، بالتخلي عنهم والانضمام إلى المعسكر البونابرتي وبالارتداد عن هنري الخامس. أن عقولهم الزنبقية (نسبة إلى زهرة الزنبق: fleur-de-lis، شعار ملكية آل بوربون الشرعي. الناشر) كانت تؤمن بخطيئة آدم لا بالديبلوماسية.

بيد أن ما كان أكثر شؤمًا من هذا بكثير وأكثر حسمًا فهو قطيعة البرجوازية التجارية مع ساستها. لقد وبختهم، لا لنخليهم عن مبادئهم، كما فعل الشرعيون مع ساستهم بل بالعكس لتشبثهم بمبادئ أصبحت عديمة الجدوى.

لقد أشرت من قبل إلى أن ذلك الفريق من البرجوازية التجارية الذي كانت له حصة الأسد من السلطة في زمن لويس فيليب، أي أريستقراطية المال، قد غدا منذ دخول فولد الوزارة بونابرتيًا. أن فولد لم يكن يزود عن مصالح بونابرت في البورصة فحسب بل كان يدافع في الوقت نفسه عن مصالح البورصة أمام بونابرت. ونحن نجد موقف أريستقراطية المال مصورًا بأجلى بيان في فقرة وردت في لسان حالها الأوروبي، صحيفة „Economist“ ( ) اللندنية. ففي عددها الصادر في 1 شباط 1851 كتب مراسلها في باريس يقول:

“تفيد الأنباء الواردة من جميع الجهات أن فرنسا تطالب بالسكينة قبل كل شيء. الرئيس يعلنها في رسالته إلى الجمعية التشريعية، وصداها يتردد من على المنابر الوطنية، وهي تؤكد في الصحف وتذاع من كراسي الوعظ في الكنائس، وتثبتها حساسية السندات الحكومية حيال أقل بادرة من بوادب الاضطراب وثباتها في اللحظة التي يتضح فيها أن السلطة التنفيذية هي المنتصرة”.

وتعلن „Economist“ في عددها الصادر بتاريخ 29 تشرين الثاني 1851 باسمها الخاص:

“إن الرئيس هو حامي النظام. وبهذه الصفة تعترف به الآن جميع بورصات أوروبا”.

ولهذا استنكرت أريستقراطية المال الصراع البرلماني لحزب النظام مع السلطة التنفيذية بوصفه إخلالاً بالنظام ورحبت بكل نصر أحرزه الرئيس على ممثليها هي بالذات، كما يبدو، باعتباره نصرًا للنظام. ولا يجوز أن نفهم هنا من عبارة “أريستقراطية المال” مجرد كبار متعهدي تقديم القروض والمضاربين في السندات الحكومية، الذين تتفق مصالحهم تمام الاتفاق مع مصالح سلطة الدولة لأسباب واضحة تمامًا. إن عالم المال الحديث كله، أشغال البنوك بأسرها، متشابكة أوثق التشابك مع قروض الدولة. أن شطرًا من رساميل البنوك هو بالضرورة مستثمر ومشغل بالربا في سندات حكومية قابلة للتصريف بسرعة كما أن الودائع البنكية ورأس المال الموضوع تحت تصرف البنوك التي توزعها بين التجار ورجال الصناعة مستمدة جزئيًا من أرباح حاملي السندات الحكومية. وإذا كان استقرار سلطة الدولة قد عني في جميع الأزمنة قدس الأقداس بالنسبة إلى السوق المالية بأسرها وبالنسبة إلى كهان هذه السوق المالية فلماذا لا يكون الأمر كذلك من بابا أولى اليوم عندما يهدد كل طوفان بكنس الدول القديمة وكنس ديون الدول القديمة معها؟

كذلك البرجوازية الصناعية في تعصبها الأعمى للنظام أغضبتها مناقرات حزب النظام البرلماني مع السلطة التنفيذية. وقد تلقى تيير وأنجلاس وسان-بيف وغيرهم، بعد تصويتهم في 18 كانون الثاني بمناسبة عزل شانغارنييه، توبيخات علنية من منتخبيهم، من المناطق الصناعية بالذات، عنفوا فيها بشدة لائتلافهم مع “الجبل” بوجه خاص باعتباره خيانة عظمى للنظام. وإذا كانت التقريعات المتبجحة والمكائد التافهة التي انحصر فيها صراع حزب النظام ضد الرئيس لا تستحق، كما رأينا، استقبالاً أفضل مما استقبلت به فإن هذا الجزء من البرجوازية الذي طالب ممثليه بأخذ القوة العسكرية من برلمانه وإعطائها بلا قيد ولا شرط إلى مدع مغامر، كان لا يساوي، من ناحية أخرى، حتى هذه المكائد التي يعزقت من أجل مصالحه. ولقد أثبت أن الصراع من أجل مصالحه العامة ومصالحه الطبقية الخاصة وسلطته السياسية لم يكن من شأنه إلا أن يزعجه ويتعبه لأنه كان عائقًا لأعماله الخصوصية.

إن أعيان البرجوازية في مدن المقاطعات ومستشاري البلديات وأعضاء المحاكم التجارية، إلخ، قد استقبلوا بونابرت في كل مكان تقريبًا أثناء رحلاته بمنتهى الخنوع وحتى في ديجون حيث شن هجومًا غير متحفظ على الجمعية الوطنية وخصوصًا على حزب النظام.

عندما كانت التجارة رائجة، كما كانت ما تزال عليه في أول عام 1851، ثارت البرجوازية التجارية ضد أي صراع برلماني لئلا يعتكر مزاج التجارة. وعندما كانت التجارة بائرة، كما كانت باستمرار منذ نهاية شباط 1851، اتهمت البرجوازية التجارية الصراعات البرلمانية بأنها سبب الركود وطالبت بالكف عن هذا الصراع قصد تشجيع التجارة. وقد جرت مناقشات إعادة النظر في الدستور في هذه الفترة السيئة بالضبط. ولما كانت القضية هنا هي فيما إذا كان الشكل القائم للدولة سيكون أو لن يكون فقد شعرت البرجوازية بأن لها ملء الحق في أن تطالب ممثليها بإنهاء هذه الحالة الانتقالية المعذبة وبالمحافظة في الوقت نفسه على الوضع القائم. ولم يكن في هذا أي تناقض. فقد كانت تفهم بنهاية الحالة الانتقالية إطالتها بالضبط وتأجيل البت في الأمور إلى المستقبل البعيد. ولم يكن في الوسع المحافظة على الوضع القائم إلا بطريقتين: بتمديد سلطة بونابرت أو باعتزاله اعتزالاً دستوريًا وانتخاب كافينياك. وكان قسمن البرجوازية يميل إلى الحل الأخير ولكنه لم يكن يعرف نصيحة يسديها إلى ممثليه أفضل من أن يلتزموا الصمت ويتركوا القضية الملحة دون مساس. وكان يرى أنه إذا لم يتكلم ممثلوه فإن بونابرت لن يعمل. كان يريد برلمانًا نعامة يخفي رأسه حتى لا يراه أحد. وكان قسم آخر من البرجوازية يرغب في أن يدع بونابرت جالسًا على كرسي الرئاسة، ما دام كان يجلس عليه بالفعل، حتى يبقى كل شيء في مجراه القديم. وقد سخط لأن برلمانه لا يريد أن يخرق الدستور صراحة ويتخلى عن سلطته دون شكليات.

إن المجالس العمومية في المقاطعات، تلك الهيئات التمثيلية الإقليمية للبرجوازية الكبيرة، التي انعقدت منذ 25 آب (أغسطس) فصاعدًا خلال عطلة الجمعية الوطنية، أعلنت بالإجماع تقريبًا أنها مع إعادة النظر ووقفت بذلك ضد البرلمان وإلى جانب بونابرت.

وقد أظهرت البرجوازية سخطها على ممثليها الأبيين، على صحافتها هي على نحو أقل ليسا حتى من قطيعتها مع ممثليها البرلمانيين. فإن الأحكام التي أصدرتها المحاكم البرجوازية بالغرامات النقدية الباهظة وبعقوبات السجن العديمة الحياء لكل هجوم يقوم به الصحفيون البرجوازيون على شهوات بونابرت الاغتصابية ولكل محاولة تقوم بها الصحافة للدفاع عن حقوقهم البرجوازية السياسية ضد تطاولاً السلطة التنفيذية لم تدهش فرنسا وحدها بل أدهشت أوروبا بأسرها.

وإذا كان حزب النظام البرلماني، بصراخة من أجل ضرورة السكينة، كما بينت سابقًا، قد حكم على نفسه بالهمود وإذا كان يعلن أن حكم البرجوازية السياسي لا يتفق مع أمن البرجوازية وبقائها، بتدميره بيديه جميع شروط حكمه هو، أي الحكم البرلماني، في الصراع ضد طبقات المجتمع الأخرى، فقد كانت جمهرة البرجوازية خارج البرلمان، من جهة أخرى، يخنوعها تجاه الرئيس ويعيبها في البرلمان وبسوء معاملتها الوحشية لصحافتها ذاتها، تحفز بونابرت لإخماد وإبادة الجزء الناطق والكاتب منها، سياسييها وأدبائها، منبرها وصحافتها حتى يتسنى لها حينئذ متابعة شؤونها الخاصة في ثقة تامة بحماية حكومة قوية غير مقيدة. لقد أعلنت بغير التباس أنها كانت تحن إلى التخلص من حكمها السياسي الخاص لكي تتخلص من هموم الحكم ومخاطره.

وهذه البرجوازية خارج البرلمان، التي ثارت من قبل على الصراع البرلماني والأدبي الصرف من أجل حكم طبقتها هي والتي خانت زعماء هذا الصراع، تجرؤ الآن، بعد حدوث ما حدث، على اتهام البروليتاريا بأنها لم تنهض من أجلها إلى كفاح دام، كفاح حياة أو موت! وهذه البرجوازية التي كانت تضحي في كل لحظة بالمصالح العامة لطبقتها، أي بمصالحها السياسية في سبيل أضيق المصالح الخاصة وأخسها وكانت تطالب ممثليها بتضحية مماثلة، تنوح الآن زاعمة أن البروليتاريا قد ضحت بمصالحها السياسية المثالية (أي مصالح البرجوازية) في سبيل مصالحها المادية (أي مصالح البروليتاريا)، أنها تتصرف كأنها كائن جميل أساءت البروليتاريا التي ضللها الاشتراكيون فهمه وخذلته في الساعة الحاسمة. وتجد صرخاتها صدى في العالم البرجوازي كله. وأنا لا أتحدث هنا بطبيعة الحال عن الساسة الألمان التافهين والجهلة. أني أقصد، على سبيل المثال، مجلة „Economist“ نفسها التي أعلنت، في التاسع والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 1851، أي قبل الانقلاب بأربعة أيام، بونابرت “حاميًا للنظام” وتيير وبيرييه وإضرابهما “فوضويين”، والتي تصيح في 27 كانون الأول (ديسمبر) 1851، أي بعد أن أخمد بونابرت هؤلاء “الفوضويين”، بشأن الخيانة التي ارتكبتها “جماهير البروليتاريين الجهلة غير المهذبين البلداء” بحق “مواهب فئات المجتمع الوسطى والعليا وعلمها وانضباطها وتأثيرها العقلي ومواردها الفكرية ووزنها الأدبي”. ولكن الجمهور البليد الجاهل المبتذل لم يكن سوى الجمهور البرجوازي ذاته.

صحيح أن فرنسا مرت في عام 1851 بنوع من أزمة تجارية صغيرة. فقد أشارت نهاية شهر شباط (فبراير) إلى هبوط في الصادرات بالمقارنة مع عام 1850، وفي شهر آذار (مارس) ساءت حال التجارة وأخذت المصانع تغلق أبوابها، وفي شهر نيسان (إبريل) كان وضع المقاطعات الصناعية يبدو في حالة من اليأس تماثل تلك التي سادت بعد أيام شباط، وفي شهر أيار لم تكن الحال قد تحسنت بعد، وقد دلت مقتنيات بنك فرنسا حتى في الثامن والعشرين من حزيران (يونيو)، وذلك استنادًا إلى الزيادة الضخمة في الودائع والنقصان الكبير المماثل في التسليف على الحوالات المالية، على أن الإنتاج كان في حالة ركود؛ ولم يطرأ تحسن تدريجي على الأشغال التجارية إلا في منتصف تشرين الأول (أكتوبر). وقد عزت البرجوازية الفرنسية هذا الركود التجاري إلى أسباب سياسية بحتة، وإلى الصراع بين البرلمان والسلطة التنفيذية، وإلى عدم رسوخ الشكل المؤقت للحكم، وغلى المنظر المفزع ليوم الأحد الثاني من شهر أيار (مايو) 1852. ولست أنكر أن هذه الظروف جميعًا كان لها أثرها في التدهور الذي طرأ على بعض فروع الصناعة في باريس والمقاطعات. بيد أن هذا التأثير للظروف السياسية كان على أية حال تأثيرًا محليًا وزهيدًا فحسب. وهذا ما تبرهنه بأفضل نحو الحقيقة التي تشير إلى أن تحسن التجارة قد بدأ في أواسط تشرين الأول بالضبط في اللحظة عينها التي ساءت فيها الحالة السياسية واكفهر الأفق السياسي وكان نزول صاعقة من قصر الإيلزيه متوقعًا في أية لحظة. ثم أن البرجوازي الفرنسي الذي لم تكن “مواهبه وعلمه وبصيرته الروحية وموارده العقلية” تصل إلى أبعد من أنفه، كان في وسعه طيلة فترة انعقاد المعرض الصناعي في لندن ( ) أن يجد سبب بؤسه التجاري تحت أنفه تمامًا. فبينما كانت المصانع في فرنسا تقفل أبوابها، كانت الإفلاسات التجارية تتفشى في إنجلترا، وبينما بلغ الذعر الصناعي أوجه في فرنسا في نيسان وأيار، بلغ الذعر التجاري في نيسان وأيار أوجه في إنجلترا. وكما قاست صناعة الصوف الفرنسية، كذلك قاست صناعة الصوف الإنجليزية، وكما قاست صناعة الحرير الفرنسية كذلك قاست صناعة الحرير الإنجليزية. صحيح أن معامل القطن الإنجليزية واصلت أعمالها ولكنها لم تعد تجني نفس الأرباح التي جنتها في سنتي 1849 و1850. الفرق الوحيد هو أن الأزمة في فرنسا كانت صناعية وفي إنجلترا تجارية. وأنه بينما تعطلت المعامل في فرنسا، وسعت أعمالها في إنجلترا ولكن في ظروف أقل مؤاتاة من ظروف السنوات السابقة؛ أن الصادرات هي التي تلقت الضربة الرئيسية في فرنسا وفي إنجلترا الواردات. أما السبب المشترك، الذي لا يجوز أن تبحث عنه بطبيعة الحال ضمن حدود الأفق السياسي الفرنسي، فقد كان واضحًا. أن سنتي 1849 و1850 كانتا سنتين من أعظم سنوات الرخاء المادي وفيض الإنتاج الذي لم تظهر نتائجه إلا في 1851. ففي بداية هذه السنة، اشتد فيض الإنتاج بوجه خاص بسبب من انعقاد المعرض الصناعي في المستقبل. وهنالك فضلاً عن ذلك الظروف الخاصة التالية: أولاً قلة محصول القطن في 1850 و1851، وبعدئذ الثقة والأمل في محصول قطن أكبر مما كان متوقعًا، أولاً ارتفاع أسعار القطن ثم هبوطها المفاجئ، وبالاختصار التقلبات في أسعار القطن. إن محصول الحرير الخام، في فرنسا على الأقل، كان حتى أقل من المعدل. وأخيرًا اتسعت صناعة الصوف لدرجة كبيرة منذ عام 1848 حتى لم يعد في وسع إنتاج الصوف أن يجاريها فارتفعت أسعار الصوف الخام بحيث انعدم كل تناسب بينها وبين أسعار المصنوعات الصوفية. هنا إذن، في حالة المادة الخام لثلاثة فروع صناعية عالمية، توفرت لدينا قاعدة مثلثة للركود التجاري. وفضلاً عن هذه الظروف الخاصة لم تكن الأزمة الظاهرية لعام 1851 إلا الوقفة التي تحدث على الدوام في حالة فيض الإنتاج والمبالغة في المضاربة في سياق الدورة الصناعية قبل أن يستجمعا كل قوتهما لكي يقطعا بشكل محموم المرحلة الأخيرة لهذه الدورة ويصلا مرة أخرى إلى نقطة بدئهما، الأزمة التجارية العامة. وفي مثل هذه الفترات في تاريخ التجارة، تتفشى الإفلاسات التجارية في بريطانيا في حين تتعطل الصناعة نفسها في فرنسا، إذ تكون بتوع ما مرغمة على التقهقر أمام مزاحمة الإنجليز في جميع الأسواق. تلك المزاحمة التي لا تستطيع أن تصد لها في هذه الحال، وتكون بنوع آخر شديدة الحساسية بكل ركود في الأعمال بوصفها صناعة كماليات. وهكذا تجتاز فرنسا، فضلاً عن الأزمات العامة، أزمات تجارية وطنية خاصة بها يحددها ويشترطها برغم ذلك الوضع العام للسوق العالمية أكثر بكثير من المؤثرات المحلية الفرنسية. ولا يخلو الأمر من متعة إذا قارنا بين رأي البرجوازي الإنجليزي وبين وهم البرجوازي الفرنسي. كتب واحد من أكبر البيوتات التجارية في ليفربول في تقريره التجاري السنوي لعام 1851 يقول:

“سنوات نادرة كذبت التوقعات التي تكونت عند بدايتها على نحو أتم مما فعلت السنة التي انقضت الآن. فبدلاً من الازدهار العظيم الذي كان يتطلع إليه الجميع أثبتت أنها واحدة من أكثر السنين التي رأيناها في ربع القرن الأخير تثبيطًا للعزائم – وهذا يتعلق، بطبيعة الحال، بالطبقات التجارية لا الصناعية. ومع ذلك كانت هنالك بالتأكيد دواع كافية لتوقع العكس في بداية السنة – مخزون البضائع كان قليلاً والرساميل كانت وفيرة والطعام كان رخيصًا وكان يبدو أن المحصول الغني مضمون؛ سلام غير منقطع على القارة ولا صعوبات سياسية أو مالية في الوطن، وبالفعل، كان في وسع التجارة، على ما يبدو، أن تطلق أجنحتها أوسع مما في أي يوم مضى… فلأي شيء إذن يمكن أن تعزي هذه النتيجة المشؤومة؟ نحن نعتقد – إلى تضخم التجارة بصورة فائقة العادة سواء في الواردات أو في الصادرات. وإذا لم يضع تجارنا بأنفسهم حدودًا أضيق لنشاطهم، فلن يحفظ توازننا غير فزع يتجدد كل ثلاث سنوات”.

والآن لنتصور البرجوازي الفرنسي كيف يتعذب ذهنه المخبول بالتجارة في غمرة هذا الذعر التجاري ويدور في دوامة وينذهل من شائعات الانقلاب وإعادة حق الاقتراع الشامل، من الصراع بين البرلمان والسلطة التنفيذية، من مخاصمات الفروند فيما بين الأورليانيين والشرعيين، من المؤامرات الشيوعية في جنون فرنسا، من انتفاضات الفلاحين المزعومة في مقاطعتي نيفر وشير، من إعلانات مختلف المرشحين للرئاسة، من الشعارات الكثيرة الوعود في الصحف، من تهديدات الجمهوريين بالدفاع عن الدستور وحق الاقتراع الشامل بقوة السلاح، من الرسائل الانجيلية من المهاجرين الأبطال in partibusالتي تبشر بإنتهاء العالم يوم الأحد الثاني من أيار (مايو) 1852 – لنتأمل كل ذلك، نفهم لماذا كانت البرجوازية، في هذه الفوضى التي لا توصف والتي تصم الأذان بما فيها من صهر وإعادة نظر وتمديد دستور وتآمر وأئتلاف وهجرة وأغتصاب وثورة، ترغى وتزبد مبهورة الأنفاس، وتزعق في جمهوريتها البرلمانية: “النهاية برعب ولا رعب بلا نهاية!”.

وقد فهم بونابرت هذه الصرخة. أن قدرته على الإدراك قد أرهفتها الجلبة المتزايدة للدائنين الذي كانوا يعتقدون أنه مع كل مغيب للشمس يقرّب آخر يوم الرئاسة، الأحد الثاني من أيار 1852، تعلن حركة النجوم رفض دفع كمبيالاتهم الأرضية. لقد أصبحوا منجمين حقيقيين. أن الجمعية الوطنية بددت آمال بونابرت في تمديد سلطته تمديدًا دستوريًا، ولم يعد ترشيح الأمير جوانفيل يسمح بأي تأرجح.

لو أن حادثًا ألقى يوم بظلاله أمامه قبل مجيئه بمدة طويلة لكان هذا انقلاب بونابرت. ففي اليوم التاسع والعشرين من كانون الثاني (يناير) 1849، ولما يكد ينقضي على انتخابه شهر، قدم اقتراحًا بهذا المعنى إلى شانغارنييه. وفي صيف عام 1849 تحدث رئيس وزرائه ذاته، أوديلون، سراعن سياسية الانقلاب، وفي شتاء عام 1850 فعل تيير ذلك علنًا. وفي أيار 1851 سعي برسنييه مرة أخرى لكسب شانغارنييه إلى جانب الانقلاب وقد نشرت “Messager de l’Assemblée” ( ) وصفًا لهذه المفاوضات. وفي أثناء كل عاصفة برلمانية كانت الصحف البونابرتيه تهدد الانقلاب وكلما كانت الأزمة تقترب كانت نبرتها ترتفع. وفي مجالس القصف والسكر التي كان بونابرت يعقدها ليليا مع رجال ونساء من طغام الناس وحالما كانت ساعة منتصف الليل تقترب والجرعات الكبار تطلق الألسنة وتلهب الخيال كان الصباح التالي يحدّد موعدًا للانقلاب. كانت السيوف تسل والكؤوس تقرع والنواب يلقى بهم من النافذة والعباءة الإمبراطورية تسقط على كتفي بونابرت إلى أن يلاشي الصباح التالي الأشباح مرة أخرى ويعلم باريس المندهشة من كاهنات فستا (فستا: إلهة المواقد ونيران الذبائح عند الرومان القدماء. كاهنات فستا كناية عن النساء العفيفات. في حالة خرق بكارتهن يدفنونهن حيات في الأرض. الناشر.) القليلات الكتمان ومن الفرسان الطائشين بالخطر الذي نجب منه مرة أخرى. في خلال شهري أيلول (سبتمبر) وتشرين الأول (أكتوبر) كانت شائعات Coup d’etat تتوالى بسرعة الواحدة في أثر الأخرى. وكان الظل يكتسب لونًا مثل الداجوروتيب (صورة فوتوغرافية مطبوعة على لوحدة معدنية معالجة على نحو خاص. الناشر.) المرقش. حسبنا أن نتصفح أعداد شهري أيلول وتشرين الأول من الجرائد الأوروبية لنجد فيها كلمة فكلمة أخبارًا كما يلي: “شائعات انقلاب تملأ باريس. يقولون أن العاصمة ستحتل بالجنود أثناء الليل، وسيجلب الصباح التالي مراسيم بحل الجمعية الوطنية وبإعلان حالة الحصار في مقاطعة السين وإعادة حق الاقتراع الشامل والرجوع إلى الشعب. يقال أن بونابرت يبحث عن وزراء لتنفيذ هذه المراسيم غير القانونية”. وكانت الرسائل التي تأتي بهذه الأنباء تنتهي دائمًا بكلمة المشؤومة: “يؤجل”. أن الانقلاب كان دائمًا الفكرة الراسخة لدى بونابرت. بهذه الفكرة وطئت قدماه ثانية الأرض الفرنسية. وقد كانت تلح عليه وتلاحقه بحيث كان يفشيها بصورة متواصلة ويفتفت بها. وكان من الضعف بحيث كان يقلع عنها بنفس الصورة المتواصلة. أن ظل الانقلاب قد أصبح مألوفًا للباريسيين كشبح حتى أنهم لم يكونوا على أستعداد للتصديق به عندما مثل أمامهم أخيرًا باللحم والدم. وعلى هذا فلا الكتمان المتحفظ لرئيس جمعية العاشر من كانون الأول (ديسمبر) ولا أخذ الجمعية الوطنية على حين غفلة هما السبب الذي أتاح للانقلاب أن ينجح. ولئن نجح فهو قد نجح بالرغم من هذر بونابرت ومع علم الجمعية الوطنية التام السابق بالانقلاب، وكان نتيجة ضرورية وحتمية للتطورات السابقة.

في اليوم العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) أعلن بونابرت لوزرائه قراره بإعادة حق الاقتراع الشامل، وفي اليوم السادس عشر قدموا استقالاتهم، وفي اليوم السادس والعشرين علمت باريس بتشكيل وزارة تورينيي. وفي الوقت ذاته نحّي مدير الشرطة كارلييه وأستبدل به موبا، بينما قام رئيس الفرقة العسكرية الأولى مانيان بتركيز أكثر الفصائل أهلاً للثقة في العاصمة. وفي الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) استأنفت الجمعية الوطنية جلساتها. ولم يكن لديها ما تفعله أفضل من أن تجمل في صيغة وجيزة مقتضبة الطريق الذي سلكته وأن تثبت إنها لم تدفن إلا بعد أن ماتت.

وكان أول مركز خسرته في الصراع مع السلطة التنفيذية هو الوزارة. وكان عليها أن تأخذ بوقار علمًا وخبرًا بهذه الخسارة وذلك باعترافها التام بوزارة تورينيي الزائفة تمامًا. واستقبلت اللجنة الدائمة المسيو جيرو بالضحك عندما قدم نفسه باسم الوزارة الجديدة. مثل هذه الوزارة الضعيفة لمثل هذه الإجراء القوى كإعادة حق الاقتراع الشامل! ومع ذلك كان الهدف بالضبط عدم أجازة شيء بواسطة البرلمان بل أجازة كل شيء ضد البرلمان.

وفي اليوم الأول بالذات لإعادة افتتاح الجمعية الوطنية تلقت الجمعية من بونابرت الرسالة التي طلب فيها إعادة حق الاقتراع الشامل وإلغاء قانون 31 أيار 1850. وفي اليوم نفسه قدم وزراؤه مرسومًا بهذا الشأن. وقد رفضت الجمعية الوطنية على الفرم اقتراح استعجال المرسوم الذي قدمه الوزراء ورفضت القانون نفسه في 13 تشرين الثاني بثلاثمائة وخمسة وخمسين صوتًا مقابل ثلاثمائة وثمانية وأربعين. وهكذا مزقت تفويضها مرة أخرى وأثبتت مرة أخرى أنها قد حولت نفسها من ممثلة للشعب منتخبة انتخابًا حرًا إلى البرلمان غاصب لطبقة واحدة، لقد اعترفت مرة أخرى بأنها قطعت بنفسها العضلات التي تصل الرأس البرلماني بجسم الأمة.

وإذا كانت السلطة التنفيذية باقتراحها إعادة حق الاقتراع الشامل قد استأنفت الأمر من الجمعية الوطنية إلى الشعب، فأن السلطة التشريعية بمشروع قانون الكويستور قد استأنفت الأمر من الشعب إلى الجيش. وقد قصدت الجمعية الوطنية من مشروع القانون هذا أن تثبت حقها في استدعاء الجنود مباشرة وتشكيل جيش برلماني. وإذا عينت الجمعية الوطنية الجيش على هذا الوجه حكمًا بينها وبين الشعب، وبينها وبين بونابرت، وإذا اعترفت بالجيش بوصفة القوة الحاسمة في الدولة فقد كان عليها أن تؤكد. من الجهة الأخرى، أنها قد تخلت منذ زمن طويل عن إدعائها بالسيطرة على هذه القوة. وإذا هي ناقشت حقها في استدعاء الجنود بدلاً من أن تستدعيهم على الفور، فضحت الشكو التي كانت تساورها بشأن قوتها بالذات. وإذا هي رفضت مشروع قانون الكويستور، اعترفت على الملأ بعجزها. أن مشروع القانون هذا قد هزم لأنه نال أقلية من مائة وثمانية أصوات. وهكذا فصل “الجبل” في الأمر. لقد وجد “الجبل” نفسه في موقف حمار بوريدان، ولكنه لم يكن بين حزمتين من القش كان عليه أن يقرر الأظرف منهما بل كان بين زختين من الضربات وعليه أن يقرر الأقسى منهما. كان هنالك من جهة الخوف من شانغارنييه ومن جهة أخرى الخوف من بونابرت. وعلى المرء أن يعترف بأن الموقف لم يكن بالموقف البطولي.

في اليوم الثامن عشر من تشرين الثاني ورد تعديل على قانون الانتخابات البلدية الذي قدمه حزب النظام بالذات، ويقضى التعديل باعتبار الإقامة لمدة سنة واحدة، بدلاً من ثلاث سنوات، كافية بالنسبة للناخبين البلديين. وقد خذل التعديل بأغلبية صوت واحد فقط، بيد أنه تبين على الفور أن هذا الصوت الوحيد كان مسجلاً من قبيل الخطأ. أن حزب النظام، وقد أنقسم إلى أتكتلات متعادية، قد خسر منذ زمن بعيد أكثريته البرلمانية المستقلة. وقد تبين الآن أنه لم تعد هناك في البرلمان أغلبية على الإطلاق. أن الجمعية الوطنية غدت عاجزة عن اتخاذ القرارات. لم تعد هنالك قوة تماسك من أي نوع تشد جزئياتها بعضها لبعض. لقد لفظت نفسها الأخير. لقد ماتت وأخيرًا وقبل الكارثة بأيام قلائل، كان على جمهرة البرجوازية خارج البرلمان أن تؤكد مرة أخرى على نحو مهيب انقطاع العلائق بينا وبين البرجوازية في البرلمان. أن تيير، وهو كبطل برلماني مصاب أكثر بكثير من الباقين بداء البلاهة البرلمانية العضال، قد عمد، بعد موت البرلمان، بالاشتراك مع مجلس الدولة، إلى تدبير مكيدة برلمانية جديدة – قانون مسؤولية من شأنه أن يفيد الرئيس تقييدًا صارمًا بحدود الدستور. وكما أن بونابرت، لدى وضعه حجر الأساس لقاعات السوق الجديدة المسقوفة في باريس في 15 أيلول (سبتمبر)، قد سحر، كأنه مازنيللو ثان، سيدات السوق، بائعات السمك – صحيح أن الواحدة منهم كانت ترجح في قوتها الحقيقية سبعة عشر برجرافا – وكما أنه، بعد تقديم مشروع قانون الكويستور، فئن الملازمين الذين أقام لهم الولائم في قصر الأيليزيه، كذلك الآن في 25 تشرين الثاني ساق وراءه البرجوازية الصناعية التي اجتمعت في السيرك لتستلم من يديه الأوسمة عن معرض لندن الصناعي. وسأورد الجزء ذا المغزى من خطابه كما ورد في “Journal des Débats”:

“مع مثل هذه النجاحات التي لم يكن يأملها أحد، لدى ملء الحق في أن أكرر: كم ستكون الجمهورية الفرنسية عظيمة لو أتيح لها أن تلاحق مصالحها الحقيقية وتصلح مؤسساتها بدلاً من أن تمنى بالخسارة على الدوام بسبب من إزعاج الديماغوجيين من جهة واضغاث الملكية من جهة أخرى. (تصفيق مدو، عاصف، متواصل مع جميع أرجاء المدرج.) أن الاضغاث الملكية تعرقل كل تقدم وكل فروع الصناعة الهامة. بدلاً من التقدم لا شيء سوى الصراع. ونحن نرى قومًا كانوا قبلاً أشد المؤيدين الغير السلطة الملكية والامتيازات الملكية ويعملون الآن بروح الكونفانسيون لا لشيء إلا ليضعفوا السلطة التي انبثقت عن حق الاقتراع الشامل. (تصفيق مدو متواصل.) ونحن نرى قومًا عانوا أشد المعاناة من الثورة وتذمروا منها أشد التذمر يستثيرون ثورة جديدة وما ذلك إلا ليقيدوا إرادة الأمة.. أنني أعدكم بالسكينة بالنسبة للمستقبل”، الخ.، الخ.. (هتافات عاصفة: “موحي”، “مرحي”)”.

وهكذا تهلل البرجوازية الصناعية بصيحات الاستحسان الذليلة لانقلاب الثاني من كانون الأول ولإبادة البرلمان ولسقوط حكمها هي – ولديكتاتورية بونابرت. أن هدير التهليل في 25 تشرين الثاني قد وجد جوابه في هدير المدافع في 4 كانون الأول، وقد كان بيت المسيو سالاندروز، الذي فاق الجميع بالتصفيق، أكثر البيوت تعرضًا للقصف.

عندما حل كرومويل البرلمان الطويل، ذهب بمفرده إلى قاعة الجلسات وأخرج ساعته حتى لا يبقى البرلمان دقيقة واحدة بعد الوقت الذي ضربه، وصرف كل عضو من أعضاء البرلمان مشيعًا بالتوبيخات الفكهة المرحة. ونابوليون، وهو أصغر من قدوته، أخذ نفسه على الأقل في الثامن عشر من برومير إلى الجمعية التشريعية وتلا عليها، ولو بصوت متقطع، الحكم باعدامها. أما بونابرت الثاني الذي وجد في حيازته، فضلاً عن هذا، سلطة تنفيذية تختلف كل الاختلاف عن سلطة كرومويل أو نابوليون فقد بحث عن نموذجه لا في صحائف تاريخ العالم بل في تاريخ جمعية العاشر من كانون الأول، في تاريخ المحاكم الجنائية. فقد سلب بنك فرنسا خمسة وعشرين مليونًا من الفرنكات فاشترى الجنرال مانيان بمليون والجنود بخمسة عشر فرنكا للنفر الواحد وبالخمر وأجتمع بشركائه في الجريمة سرًا كاللص في الليل واوعز باقتحام منازل أشد الزعماء البرلمانيين خطرًا وبجبّر كافينياك ولاموريسيير وليفلو وشانغارنييه وشاراس وتيير وباز، الخ.، من الفراش وبسوقهم إلى السجن وباحتلال الجنود للمراكز الرئيسية في باريس ولمبنى البرلمان وبتعليق الإعلانات في الصباح الباكر على جميع الجدران تعلن حل الجمعية الوطنية ومجلس الدولة وإعادة حق الاقتراع الشامل وفرض حالة الحصار في مقاطعة السين. وبعد مدة جيزة نشر في “Moniteur” وثيقة مزورة تزعم أن ذوي النفوذ من البرلمانيين قد اجتمعوا حوله وشكّلوا مجلس دولة استثنائية.

واجتمعت بقايا البرلمان في مبنى بلدية الدائرة العاشرة وكانت تتألف بصورة رئيسية من الشرعيين والأورليانيين، وقرروا خلع بونابرت وسط الصيحات المتكررة: “عاشت الجمهورية!”، وجلجلوا عبثًا في الجماهير الفضولية أمام المبنى، ثم سيقوا أخيرًا في حراسة الرماة الأفريقيين أولاً إلى ثكنات اورسى وكسوا بعد ذلك في عربات السجن ونقلوا إلى سجون مازاس وهام وفنسين. وهكذا انتهى حزب النظام والجمعية التشريعية وثورة شباط.

وقبل أن نبادر إلى الختام لنلخص بإيجار تاريخ الأخيرة:
1- الفترة الأولى: من شباط (فبراير) لغاية 4 أيار (مايو) 1848. فترة شباط. تمهيد مهزلة التأخي الشامل.
2- الفترة الثانية: فترة تأسيس الجمهورية والجمعية الوطنية التأسيسية.
1) من 4 أيار (مايو) لغاية 25 حزيران (يونيو) 1848. نضال جميع الطبقات ضد البروليتاريا. هزيمة البروليتاريا في أيام حزيران.
2) من 25 حزيران (يونيو) لغاية 10 كانون الأول (ديسمبر) 1848. ديكتاتورية الجمهوريين البرجوازيين الصرف. صياغة الدستور. إعلان حالة الحصار في باريس. تنحية الديكتاتورية البرجوازية في 10 كانون الأول بانتخاب بونابرت رئيسًا للجمهورية.
3) من 20 كانون الأول (ديسمبر) 1848 لغاية 28 أيار (مايو) 1849. صراع الجمعية التأسيسية ضد بونابرت وضد حزب النظام المتحالف معه. هلاك الجمعية التأسيسية. هزيمة البرجوازية الجمهورية.
3- الفترة الثالثة: فترة الجمهورية الدستورية والجمعية الوطنية التشريعية.
1) من 28 أيار 1849 لغاية 13 حزيران 1849. صراع البرجوازية الصغيرة ضد البرجوازية وضد بونابرت. هزيمة الديموقراطية البرجوازية الصغيرة.
2) من 13 حزيران 1849 لغاية 31 أيار 1850. الديكتاتورية البرلمانية لحزب النظام. الحزب يكمل حكمة بإلغاء حق الاقتراع الشامل ولكنه يخسر الوزارة البرلمانية.
‌أ- من 31 أيار 1850 لغاية 12 كانون الثاني 1851. البرلمان يخسر القيادة العليا للجيش.
‌ب- من 12 كانون الثاني (يناير) لغاية 11 نيسان (أبريل) 1851. البرلمان يخذل في محاولاته لإخضاع السلطة الإدارية لنفسه ثانية. حزب النظام يخسر النظام يخسر أكثريته البرلمانية المستقلة. ائتلافه مع الجمهوريين و”الجبل”.
‌ج- من 11 نيسان 1851 لغاية 9 تشرين الأول (أكتوبر) 1851. محاولات لإعادة النظر في الصلاحيات وصهرها وتمديدها. حزب النظام ينحل إلى عناصره الأصلية. القطيعة النهائية بين البرلمان البرجوازي والصحافة البرجوازية وجمهرة البرجوازية.
‌د- من 9 تشرين الأول لغاية 2 كانون الأول 1851. القطيعة المكشوفة بين البرلمان والسلطة التنفيذية. البرلمان يلفظ نفسه الأخير، فقد سقط وتركته طبقته ذاتها والجيش وجميع الطبقات الباقية. هلاك النظام البرلماني وحكم البرجوازية. انتصار بونابرت. مهزلة إعادة الإمبراطورية.

——-
(52) “L’Assemblée nationale” (“الجمعية الوطنية”) – جريدة يومية فرنسية ذات اتجاه ملكي شرعي، صدرت في باريس من عام 1848 على عام 1857. – ص 111.
(53) كانت البندقة في الخمسينيات من القرن التاسع عشر محل أقامة الطامح الشرعي بالعرش الفرنسي الكونت شامبور. – ص 111.
(54) المقصود هنا الخلافات التاكتيكية في معسكر الشرعيين في عهد العودة. فإن لويس الثامن عشر وفيليل كانا يقولان بتطبيق التدابير الرجعية بمزيد من الحذر، بينا كان الكونت دارتوا (الملك شارل العاشر ابتداء من عام 1824) وبولينياك يتجاهلان تمامًا الوضع في فرنسا ويقولان ببعث أنظمة ما قبل الثورة كليًا.
قصر التويلري في باريس، مقر لويس الثامن عشر. جناح مارسان، أحد أجنحة القصر وكان مقر الكونت دارتوا في عهد العودة. – ص 113.
(55) “The Economist”، (“الاقتصاد”) مجلة أسبوعية انجليزية في قضايا الاقتصاد والسياسة؛ تصدر في لندن ابتداء من عام 1843. لسان حال البرجوازية الصناعية الكبيرة. – ص 117.
(56) المعرض الصناعي بلندن – أول معرض صناعي تجاري عالمي. أقيم في أيار – تشرين الأول (مايو – أكتوبر) 1851. – 123.
(57) “Le Messager de l’Assimblée” – له ميساجه دي لاسامبله – (“بشير الجمعية”) جريدة يومية فرنسية ذات اتجاه معاد لبونابرت. صدرت في باريس من 16 شباط (فبراير) إلى 2 كانون الأول (ديسمبر) 1851. – ص127.

« السابق التالي »