بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

المخطوطات الاقتصادية والفلسفية

أشرت من قبل في “الحوليات الألمانية الفرنسية” ([1]) إلى نقد علم الحقوق والعلم السياسي في شكل نقد لفلسفة الحقوق عند هيجل، وفي مجرى الأعداد للنشر أتضح أن خلط النقد الموجه ضد الفلسفة النظرية (Speculation)  وحدها مع نقد مختلف المواضيع ذاتها أمر غير مناسب كلية. يعوق تطور الحجج، ويجعل الفهم عسيرًا. وفضلاً عن ذاك فأن ثورة وتنوع المواضيع التي ينبغي معالجتها لم يكن يمكن تركيزها في مؤلف واحد بأسلوب الحكم والمأثورات المقتضبة للغاية، في حين أن عرضنا مقتضبًا من هذا النوع يمكن – من جانبه – أن يترك انطباعًا بالمذهبة (Systematizing) المتعسفة. ولهذا فسأصدر نقد القانون، والأخلاق. والسياسة الخ.. في سلسلة من الكتيبات المنفصلة المستقلة، وأحاول في النهاية أن أعرضها في مؤلف خاص ككل مترابط موضحًا العلاقة المتبادلة بين الأجزاء المنفصلة، وأخيرًا سأقدم نقدًا للعرض النظري لهذه المواد. ولهذا السبب فأنني لن أتعرض للعلاقة بين الاقتصاد السياسي والدولة والقانون والأخلاق والحياة المدنية الخ… في المؤلف الحالي إلا بمقدار ما يتعرض الاقتصاد السياسي ذاته بشكل خاص فهذه المواضيع.

ولا يكاد يكون من الضروري أن أؤكد للقارئ الذي يعرف الاقتصاد السياسي أنني وصلت إلى نتائج عن طريق تحليل تجريبي تمامًا يقوم على دراسة نقدية دؤوبة للاقتصاد السياسي.

((ففي حين أن الكاتب غير المطلع الذي يحاول أن يخفي جهلة الكامل، وفقره الفكري بإلقاء “العبارة الطوبوية” على رأس الناقد الإيجابي، أو عبارات مثل “النقد النقدي الخالص القاطع كلية” ومثل “المجتمع الذي ليس مجرد مجتمع قانون، بل اجتماعي، اجتماعي تمامًا” و”الجمهور الكتلي المتراص” و”الناطقون المتكلمون باسم الجمهور الكتلي ([2]) فأنه لا يزال على هذا الكاتب أن يقدم الدليل الأول على أن لديه إلى جانب شئونه العائلية اللاهوتية شيئًا يسهم به في مناقشة الأمور الدنيوية)) ([3]) .

وغنى عن البيان أنني استخدمت إلى جانب أعمال الاشتراكين الفرنسيين والانجليز الأعمال الاشتراكية الألمانية. غير أن الأعمال الألمانية الأصيلة الوحيدة ذات الأهمية في هذا العلم – إلى جانب كتابات وايتلينج – هي مقالات هيس التي نشرت في “أينوندزوانزنج باجن” ([4]) ومقال أنجلز “Umrisse zu einer kritik der Nationalokonomie” ([5]) في مجلة “الحوليات الألمانية الفرنسية” حيث قمت بالمثل – وبطريقة عامة للغاية – بعرض العناصر الأساسية لمؤلفي هذا.

((والنقد الإيجابي ككل – ومن ثم النقد الألماني الإيجابي للاقتصاد السياسي – فضلاً عن أنه مدين لهؤلاء الكتاب الذي أولوا اهتمامًا نقديًا للاقتصاد السياسي فأنه يدين بأساسه الحق لاكتشافات فيورباخ الذي يبدو أن الحسد الدنيء للبعض والحقد الحقيقي للآخرين قد أثار! مؤامرة من الصمت ضد مؤلفيه “فلسفة المستقبل ([6]) ” و”قضايا عن أصلاح الفلسفة ([7]) ” المنشورين في مجموعة “Anecdotis” ([8])  رغم استخدامهما استخدامًا ضمنيًا)).

إن النقد الإيجابي الإنساني الطبيعي إنما يبدأ مع فيورباخ، وبقدر قلة ما تثيره من ضجة يزيد تأكيد تأثير كتابات فيورباخ وعمقه واستمراره ودوامه، وهي الكتابات الوحيدة منذ “فينومينولوجيا” هيجل و “منطقة” التي تحوي ثورة نظرية حقيقية.

وعلى عكس النقاد اللاهوتيين ([9]) في أيامنا رأيت أن الفصل الختامي للكتاب الحالي – تصفية الحسابات مع الجدل الهيجلي والفلسفة الهيجلية ككل – ضروري ضرورة مطلقة، ومهمة لم تؤد بعد. وهذا الافتقار إلى الكمال ليس صدفة، لأنه حتى اللاهوتي النقدي يظل لاهوتيًا. ومن هنا فهو أما أن يبدأ من بعض الافتراضات المسبقة للفلسفة وكأنها قاطعة جازمة وأما أنه إذا ثارت لديه بعض الشكوك في هذه الافتراضات الفلسفية المسبقة خلال عملية النقد، أو نتيجة لاكتشافات الآخرين، فإنه يتخلى عنها دون تبرير وفي جبن، ويتجرد عنها، كاشفًَا عن تبعيته الذليلة لهذه الافتراضات المسبقة، ونفوره من هذه التبعية، بطريقة سلبية غير واعية سوفسطانية فحسب.

((وفي هذا الصدد فأن اللاهوتي النقدي أما أن يردد على الدوام التأكيدات عن نقاء نقده، أو يحاول أن يصور الأمر وكأن كل ما بقى للنقد لكي يواجهه الآن هو شكل آخر غير ناضج للنقد خارج ذاته – مثل نقد القرن الثامن عشر – وتخلف الجماهير، وذلك لكي يحرف أنتباه المراقب فضلاً عن أنتباهه هو عن المهمة الضرورية، مهمة تسوية الحسابات بين النقد وبين نقطة مولده – الجدل الهيجلي والفلسفة الألمانية ككل – عن هذا الارتفاع الضروري للنقد الحديث فوق حدوده وبجاحته. بيد أنه في النهاية فحيثما تتم اكتشافات (مثل اكتشافات فيورباخ) عن طبيعة افتراضاته الفلسفية المسبقة، فإن اللاهوتي النقدي يصور الأمر جزئيًا وكأنه هو الذي قام بها، وهو يصل إلى هذا المظهر بأن يأخذ نتائج هذه الاكتشافات ثم – ودون أن يكون قادرًا على تطويرها – يلقي بها في شغل شعارات في وجه الكتاب الذين لا يزالون أسرى الفلسفة، بل أنه ينجح جزئيًا في أن يكتسب أحساسًا بتفوقه عن مثل هذه الاكتشافات، بأن يؤكد خفية ضد مثل هذا النقد – بصورة مستترة خبيثة متشككة – عناصر من الجدل الهيجلي لا يزال يجدها مفتقدة في نقد هذا الجدل (الذي لم يقدم له بعد بطريقة نقدية لاستخدامه) – دون أن يكون قد حاول الوصول بمثل هذه العناصر على علاقتها الصحيحة أو يكون قادرًا على أن يفعل ذلك، مؤكدًا – مثلاً – مقولة البرهان الوسيط ضد مقولة الحقيقة الإيجابية المنبعثة من ذاتها الخ… بالطريقة التي تميز جدل هيجل. لأنه بالنسبة وللاهوتي النقدي يبدو من الطبيعي تمامًا أن الفلسفة ينبغي أن تصنع كل شيء حتى يستطيع هو أن يثرثر عن النقاء والحسم والنقد النقدي تمامًا، وهو يتخيل نفسه القاهر الحقيقي للفلسفة أينما شعر بأن “لحظة” ([10]) من هيجل مفتقده عند فيورباخ – لأنه مهما كانت درجة ممارسته للوثنية الروحية “لوعي الذات” و”الروح” فإن اللاهوتي النقدي لا يتجاوز الشعور إلى الوعي)) ([11]) .

وعند النظرة المتفحصة لا يبدو النقد اللاهوتي في التحليل الأخير – وأن كان تقدميًا حقًا عند نشأة الحركة – أكثر من تتويج ونتيجة للترانسندنتالية الفلسفية القديمة والهيجلية خاصة وقد حولت إلى كاريكاتير لاهوتي. وسأوضح في فرصة أخرى ([12]) هذا المثال الشيق للانتقام التاريخي، لعدالة التاريخ الذي يعهد الآن اللاهوت – وكان القرحة الدائمة للفلسفة – بدور جديد هو أن يصور في ذاته التحلل السلبي للفلسفة – أي عملية تفسخها.

((وسيبين عرضي نفسه إلى أي حد – من الناحية الأخرى – لا تزال اكتشافات فيورباخ عن طبيعة الفلسفة تتطلب – لإثباتها على الأقل – تسوية نقدية للحسابات مع الجدل الفلسفي)),

——-

([1] ) “الحوادث الألمانية الفرنسية” صحيفة أصدرها ك. ماركس و”1″ روج بالألمانية، وكان العدد الوحيد الذي صدر منها عدد مزدوج ظهر في باريس فبراير 1844. وقد نشر فيه مقالاً ماركس “عن المسألة اليهودية” و”مساهمة في نقد فلسفة الحقوق عند هيجل – مقدمة” ومقالاً أنجلز “تخطيط لنقد الاقتصاد السياسي” و”مركز انجلترا” ومقال “الماضي والحاضر” بقلم توماس كارليل. وتمثل هذه الأعمال الانتقال النهائي لماركس وانجلز إلى المادية والشيوعية. وكانت الاختلافات المبدئية بين ماركس وروج البورجوازي الراديكالي هي المسئولة أساسًا عن عدم أستمرار الصحيفة – الناشر.

 

([2] ) يشير ماركس هنا إلى برونو باور الذي نشر في مجلة

“Allgemeine Literatur – Zeitung”

مقالين طويلين تعرض فيهما للكتب والمقالات والكتيبات عن المسألة اليهودية. وأغلب العبارات المقتبسة مأخوذة عن هذين المقالين في “الجيميني ليتيراتور – زايتونج” العدد الأول ديسمبر 1843والعدد الرابع مارس 1844. ونجد تعبيري “العبادة الطوبوية” و”الجمهور الكتلي المتراص” في مقال برونو باور:

“Was ist jetzt der Gegenstrand der kritik?

العدد الثامن يوليو 1844.

وكانت مجلة Allgemeine Literatur –Zeitiung  (المجلة الأدبية العامة) مجلة ألمانية شهرية أصدرها الهيجل الشاب برونو باور في شارلوتنبرج من ديسمبر عام 1843 إلى أكتوبر عام 1844.

وقد قدم ماركس وأنجلز تقويمًا نقديًا تفصيليا لهذه المجلة الشهرية في كتابهما “العائلة المقدسة أو نقد النقد النقدي” – الناشر.

([3] ) العبارات الواردة بين مثل هذين القوسين ((        )) شطبها ماركس في مخطوط – الناشر.

([4] ) الاسم الكامل لهذه المجموعة من المقالات هو

“Einundzwanzig Bogen aus der Schweiz”

واحد وعشرون بحثًا من سويسرا – زيوريخ وفينتر ثور – 1843 – الناشر.

([5] ) انجلز “تخطيط لنقد الاقتصاد السياسي” أنظر ملحق الكتاب الحالي – المترجم.

لودفيج فيورباخ “Grundsatz der Philosophie der zukunft”

([6] ) لودفيج فيورباخ                 “Grundsatz der Philosophie der zukunft”

(مبادئ فلسفة المستقبل) – زيوريخ وفينترثور 1843 – الناشر.

([7] ) لودفيج فيورباخ “Vorlaufige Thesen zur Reformation der Philosophie”

(قضايا أولية عن أصلاح الفلسفة) المنشور في (الانيكدوتا) الجزء الثاني – الناشر.

([8] ) هكذا يختصر ماركس

“Anecdota zur menesten deutschen philosophie und Publicistik”

(مواد غير منشورة عن الفلسفة والكتابات الألمانية الحديثة)، وهي مجموعة من مجلدين نشرها 1. روج في سويسرا وتضم مقالي ماركس “ملحوظات عن التعليمات البروسية الأخيرة للرقباء” و”لوثر – الحكم بين شتراوس وفيورباخ” ومقالات لبرونو باور ولودفيج فيورباخ وفريدريش كوبين وأرنولد روج وغيرهم – الناشر.

([9] ) في ذهن ماركس هنا برونو باور وأتباعه الذين كانوا يرتبطون بمجلة “Allgemeine Literatur – Zeitung”

([10] ) “اللحظة” تعبير فني من تعبيرات الفلسفة الهيجلية يعني عنصرًا حيويًا من عناصر الفكر، وتستخدم الكلمة لتاكيد أن الفكر عملية وبالتالي أن العناصر في مذهب فكري هي أيضًا مراحل في حركة – الناشر.

([11] ) يشير “الشعور (Emphindung)  لدى هيجل إلى شكل منخفض من الحياة الذهنية لا يزال فيها الذات والموضوع مختلطين معًا. أما “الوعي” (Bewusstsein) – وهو الاسم الذي أطلقه هيجل على القسم الرئيسي الأول من “فينومينولوجيا الروح” فيشير إلى تلك الأشكال من النشاط الذهني حيث تسعى الذات للمرة الأولى لفهم موضوع ما. ويشير “وعي الذات” و”الروح” إلى مراحل تالية أعلى في تطور “المعرفة المطلقة” أو “المطلق” – الناشر.

([12] ) خلال فترة قصيرة نفذ ماركس هذا الوعد في كتابه “العائلة المقدسة أو نقد النقد النقدي” الذي كتبه بالاشتراك مع أنجلز. أنظر ماركس وأنجلز “العائلة المقدسة أو نقد النقد النقدي” – موسكو 1956 – الناشر.

« السابق التالي »