بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العلاقات الجنسية والصراع الطبقي

« السابق التالي »

2- الأزمة عبر التاريخ

يمنحنا تاريخ المجتمع البشري، تاريخ المعركة المستمرة بين مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية المتعارضة الأهداف والمصالح، فكرة عن كيفية إيجاد طرف “الخيط”، فهذه ليست المرة الأولى التي تمر فيها البشرية بأزمة جنسية. وليست هذه المرة الأولى أيضًا التي يتوارى فيها المعنى الواضح والمحدد للوصايا الأخلاقية للعلاقات الجنسية تحت ضغط اندفاع تيار من القيم والمثل الجديدة. فقد اشتدت حدة “الأزمة الجنسية” في عصر النهضة والإصلاح، عندما دفع التطور الاجتماعي الكبير بالأبوية الإقطاعية التي لطالما أحكمت سيطرتها إلى الخلفية، مفسحًا الطريق لتطوير وتأسيس قوة اجتماعية جديدة – البرجوازية.

انبثقت الأخلاق الجنسية في العالم الإقطاعي من أعماق – طريقة الحياة القبلية – الاقتصاد الجماعي والقيادة الاستبدادية القبلية التي تخنق الإرادة الفردية. اصطدم هذا مع النظام الأخلاقي الجديد والغريب للبرجوازية الصاعدة، حيث تقوم الأخلاق الجنسية البرجوازية على مبادئ تتناقض تناقضًا حادًا مع أساسيات الأخلاق الإقطاعية. حلت “العائلة النووية” بنزعتها الفردية الصارمة واستئثارها وعزلتها محل التركيز على العمل الجماعي الذي كان سمة من سمات الهيكل الاقتصادي المحلي والإقليمي للحياة القبلية.

وفي ظل الرأسمالية نمت أخلاقيات المنافسة، وغلبت مبادئ الفردية والملكية الخاصة الحصرية ودمرت كل ما تبقى من فكرة المجتمع، الذي كان إلى حد ما مشتركًا بين جميع أشكال الحياة القبلية. ولقرن كامل، بينما كان مختبر الحياة المعقد يحول القواعد القديمة إلى صيغ جديدة محقِقًا الانسجام الظاهري للأفكار الأخلاقية، تنقل الإنسان بارتباكٍ بين اثنين من النظم الجنسية شديدة الاختلاف مع محاولاتٍ لتطويع نفسه للنظامين معًا في آنٍ واحد.

لكن حتى أثناء أيام التغيير المشرقة المبهجة تلك، ظلت الأزمة الجنسية مستعصية وعميقة كما هي، لكنها لم تأخذ الشكل التهديدي المُفترض في عصرنا الحالي. والسبب في ذلك أنه في “الأيام العظيمة” لعصر النهضة، في “العصر الجديد”، عندما غمر الضوء المشرق للثقافة الروحية الجديدة بألوانه الناصعة العالم الميت، مغرقًا رتابة وملل حياة العصور الوسطى، لم تؤثر الأزمة الجنسية إلا على جزء صغير نسبيًا من البشرية. بينما تأثر الجزء الأكبر من البشرية، الفلاحون، بشكل غير مباشر، وبطيء، على مدى قرون، في صورة تغيير في القاعدة والعلاقات الاقتصادية الريفية. أما في أعلى السلم الاجتماعي فدارت معركة شرسة بين عالمين اجتماعيين متعارضين، وأنطوى ذلك أيضًا على صراعٍ بين مثلهم وقيمهم ووجهة نظرهم للأمور المختلفتان تمامًا.
وللمفارقة فالذين تعرضوا للمعاناة والتهديد بفعل الأزمة الجنسية المتفاقمة هم من تطوروا. أما الفلاحون، فقد ظلوا حذرين من كل ما هو جديد، مواصلين التمسك بحزم التقاليد القبلية الموروثة عن أجدادهم. وفقط تحت ضغط الضرورة الملحة عدلوا وكيفوا تلك التقاليد مع الظروف المتغيرة للبيئة الاقتصادية.

حتى في ذروة الصراع بين البرجوازية والعالم الإقطاعي تجاوزت الأزمة الجنسية “طبقة دافعي الضرائب”؛ أي الطبقات الدنيا في المجتمعات. وفي حين تماشت الطبقات العليا من المجتمع مع تفكيك القيم القديمة، بدا الفلاحون أكثر عزمًا على التشبث بتقالديهم. وعلى الرغم من الزوابع المستمرة التي ضربت رؤوسهم وهزت الأرض من تحت أقدامهم، إلا أن الفلاحين، خاصة الروس منهم، تمكنوا من الحفاظ على أسس نظامهم الجنسي دون تغيير أو تزعزع لقرون عديدة.

أما اليوم، فالأمر مختلفٌ للغاية، فالأزمة الجنسية لا تتجاوز أحد، حتى الفلاحين. مثلها مثل الأمراض المعدية “لا تفرّق بين ساكني القصور والوضعاء”، وتنتشر في القصور وفي أحياء الطبقة العاملة المزدحمة، كما تظهر في الأحياء السكنية الهادئة للبرجوازية الصغيرة، وتشق طريقها نحو أعماق الريف، وتهاجم ضحاياها داخل فيلات البرجوازية الأوروبية وداخل أقبية العمال العفنة، وأكواخ الفلاحين. لا توجد “حماية أو تأمين” ضد الصراع الجنسي، والقول بأن وحدهم سليلي القطاعات الرغدة من المجتمع هم المتخبطون الغارقون في خضم هذه المشكلات خطأٌ فادح.

ضربت أمواج الأزمة الجنسية عتبات منازل العمال، لتخلق حالة من الصراع الداخلي الحاد مساوٍ تمامًا للمعاناة النفسية لـ “العالم البرجوازي المرهف”، فلم تعد الأزمة الجنسية محل اهتمام “ذوي الأملاك” وحسب، حيث أقلقت المشاكل الجنسية أكبر قطاع في المجتمع – أصبحت من مشاكل الحياة اليومية للعمال. ولذلك من الصعب أن نفهم لماذا نتعامل مع هذه القضية الحيوية العاجلة بهذا القدر من اللامبالاة التي لا تغتفر، وذلك لأن مهمة خلق علاقات مبهجة وأكثر صحة بين الجنسين هي واحدة من المهام التي على الطبقة العاملة إنجازها أثناء هجومها على “قلعة المستقبل المحاصرة”.

ما هي جذور عدم الاكتراث غير المغتفر هذا فيما يتعلق بواحدة من المهام الأساسية للطبقة العاملة؟ كيف نفسر لأنفسنا الطريقة المنافقة الذي نحول بها “المشاكل الجنسية” إلى كونها “مسائل خاصة” لا تستحق عناء الجهد أو الاهتمام الجماعي؟ لماذا تجاهلنا حقيقة أنه وعلى مر التاريخ كانت قضية تغيير شكل العلاقات بين الجنسين واحدة من السمات المشتركة والممتدة للنضال الاجتماعي، وأن نسق القواعد الأخلاقية هو الذي يحدد طبيعة العلاقات، وأن طريقة تنظيم العلاقات الشخصية داخل المجموعات الاجتماعية كانت ذات تأثير محوري على نتيجة الصراع بين الطبقات الاجتماعية المتعادية؟

مأساة مجتمعنا ليست مجرد تهاوي أشكال السلوك المعتادة والمبادئ المنظمة لها، لكنها تكمن في أننا لم نلاحظ حتى الآن أية دلالات على إمكانية ظهور موجة تغيير عفوية من داخل النسيج الاجتماعي، تلك المحاولات التي من شأنها منح الإنسان الأمل.

« السابق التالي »