بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العلاقات الجنسية والصراع الطبقي

« السابق التالي »

3- عواطف فاسدة

نحن نعيش في عالم العلاقات الملكية، عالم الأخلاق الفردية والتناقضات الطبقية الحادة. نحن لانزال نعيش ونفكر تحت وطأة عزلة شعورية ووحدة شخصية لا مفر منها. ويشعر الإنسان بهذه “الوحدة” داخل المدن التي تعج ضوضاءًا وبشر، يشعر بها حتى بين أصدقائه المقربين وبين زملائه في العمل. وهذا الشعور بالعزلة والوحدة هو السبب في ميل الإنسان للتشبث السلبي المرضيّ بوهم العثور على “توأم الروح” من بين أبناء الجنس الآخر. فهم يرون أن المشاعر الخادعة هي الوسيلة الوحيدة للابتعاد، ولو لبعض الوقت، عن كآبة الوحدة التي لا فكاك منها.

ربما لم يشعر البشر في أي عصر من العصور بهذا القدر العميق والمستمر من الوحدة الروحية كما في الوقت الحالي، وعلى الأرجح لم يكونوا على هذه الدرجة من الاكتئاب ولا هذا الاستسلام التام للشعور بالوحدة مثلما هو الوضع الآن. لكن، نأمل أن يكون الأمر بخلاف ذلك، فأشد ساعات الليل سوادًا هي الساعة التي تسبق بزوغ الفجر. أما الفرديين، ذوي الصلات الضعيفة بالجماعات وبالأفراد الآخرين، فلديهم الآن الفرصة لتغيير طبيعة علاقاتهم الجنسية بحيث تقوم على الجوهر الخلاق للصداقة والزمالة بدلًا من الفسيولوجية العمياء، خاصة وأن في وقتنا الحاضر، يظهر بوضوح شديد عجز وظلم أخلاق الملكية الفردية.

في نقد نوعية العلاقات الجنسية يفعل الإنسان المعاصر ما هو أكثر بكثير من مجرد رفض أنماط السلوك التي عفا عليها الزمن من قوانين الأخلاق الحالية. وتسعى روحه الوحيدة لتجديد جوهر تلك العلاقات، إنه يشتكي ويتوق لـ “الحب الكبير”، لحالة الدفء والإبداع التي تملك وحدها القدرة على تبديد الشعور البارد بالوحدة الذي يعاني منه الفرديين حاليًا.

وإذا كانت ثلاثة أرباع الأزمة الجنسية نتيجة للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية الخارجية، فإن الربع الآخر يتوقف على موقعنا من “النفس الفردية المرهفة”، التي ترعاها أيديولوجية البرجوازية الحاكمة. إن “طاقة الحب” عند الناس اليوم، كما تقول الكاتبة الألمانية مايزيل – هيس، في أدنى مستوياتها، حيث يسعى الرجال والنساء لبعضهم البعض أملاً في إيجاد، من خلال الشخصٍ الآخر، وسيلة لحصة أكبر من المتعة الروحية والجسدية لأنفسهم. ولا فرق هنا بين كونهم متزوجين من شركائهم أم لا، فهم بالكاد يفكرون فيما يعتمل داخل الطرف الآخر، وفيما يحدث لعواطفه وتحولاته النفسية.

والنزعة “الفردية الخالصة” التي تميز عصرنا ربما لا تظهر بشكل سافر وصارح مثلما تظهر في تنظيم العلاقات الجنسية. شخصٌ يريد الهروب من وحدته وبسذاجة يتخيل أن كونه “يحب” فإن هذا يعطيه الحق في تملك روح الشخص الآخر – يعطيه الحق في إسعاد نفسه بتلك النعمة النادرة من التفاهم والتقارب العاطفي. نحن الفرديون أفسدنا عواطفنا بالعبادة المستمرة للـ “الأنا”، لأننا نتصور أن بإمكاننا الحصول على السعادة بمجرد أن نكون في حالة من “الحب الشديد” مع المقربين لنا، دون الاضطرار لـ “منحهم” أي شيء. إن مطالبنا التي نلقيها على عاتق “شريكنا” هي دائمًا مطالب مطلقة، لا تتجزأ، ونحن غير قادرين على اتباع أبسط قواعد الحب – أن شخصًا آخر علينا معاملته بكامل الاعتبار والتقدير.

ويجري بالفعل صياغة المفاهيم الجديدة للعلاقات بين الجنسين، تلك المفاهيم الجديدة ستعلمنا كيف نصل لعلاقات قائمة على الحرية الكاملة والمساواة والصداقة الحقيقية. لكن إلى حين أن يحدث هذا ستبقى البشرية قابعة في البرد مع مشاعر الوحدة الروحية، ويمكنها فقط أن تحلم بـ “عصر أفضل” تُدفئ فيه آشعة “إله الشمس” العلاقات الإنسانية، ويختبروا فيه الحس الجماعي، ويتعلموا وفقًا لظروف معيشية جديدة.

« السابق التالي »