بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العلاقات الجنسية والصراع الطبقي

« السابق التالي »

6- معايير مزدوجة

“التفاوت” بين الجنسين – عدم المساواة في حقوقهم، التقييم غير المتكافئ لخبراتهم الجسدية والعاطفية – هي الخاصية الأخرى الخطيرة التي تشوه نفسية الإنسان المعاصر، وهي السبب في تعميق “الأزمة الجنسية”.

ازدواجية الأخلاق الكامنة في كل من المجتمع القبلي والبرجوازي، سممت على مدى قرون نفسية الرجال والنساء. وهذه الممارسات جزءٌ لا يتجزأ منا والتخلص منها أكثر صعوبة من التخلص من الأفكار المتعلقة بتملك الأشخاص التي ورثناها عن الأيديولوجيا البرجوازية فقط.

فكرة عدم تكافؤ الجنسين، حتى في مجال الخبرة الجسدية والعاطفية، يعني أن نفس السلوك سوف يُنظر له بشكل مختلف وفقًا لفاعله، رجلٌ كان أم امرأة. وحتى أكثر البرجوازيين “تقدمًا”، الذي يرفض نظام الأخلاق الحالي برمته، بسهولة سيجد نفسه متلبسًا بإصدار أحكام مختلفة حول سلوك واحد على حسب جنس فاعله.

مثال واحد بسيط يكفي، فلنتخيل رجل متعلم من مثقفي الطبقة الوسطى، ناشط في الحياة السياسية والاجتماعية – باختصار “شخص مميز”، أو ربما يكون “شخصية عامة” – يشرع في مضاجعة طاهيته (وهو ليس بأمرٍ نادر الحدوث)، وربما قد يتزوجها زواجًا شرعيًا. هل يغير المجتمع البرجوازي موقفه ونظرته حيال هذا الرجل؟ هل يلقي الحدث بظلال شك، ولو بقدر ضئيل، على مزاياه الأخلاقية؟ بالطبع لا. الآن نتخيل حالة أخرى، امرأة محترمة من المجتمع البرجوازي –شخصية اجتماعية، باحثة، أو طبيبة، أو ربما كاتبة، كلهن سواء – توددت إلى خادمها، واستكمالا للفضيحة تزوجته. كيف سيتجاوب المجتمع البرجوازي مع سلوك المرأة “المحترمة” حتى الآن؟ سوف يُنظر لها بمنتهى “الازدراء”، بالتأكيد!

ولنتذكر، سيصبح وضعها أسوأ كثيرًا لو أن زوجها، الخادم، وسيم، حسن المظر، أو يمتلك “صفات بدنية” أخرى مميزة. “واضح تمامًا لماذا سقطت” هكذا سيتشدقون، وهكذا ستصبح هدفًا لسخرية البرجوازية المنافقة.

إذا كان اختيار المرأة يتسم بـ “طابع فردي” فلن يغفر لها المجتمع البرجوازي، وهذا الموقف هو نوع من أنواع الردة لتقاليد زمن القبيلة. المجتمع لايزال يريد أن تضع المرأة في اعتبارها عند اتخاذها قرارٍا ما، طبقتها ومكانتها والتوجيهات المجتمعية، وبالطبع مصالح عائلتها. لا يستطيع المجتمع البرجوازي أن يرى المرأة كشخص مستقل بمعزل عن أسرتها، أو خارج الدائرة المغلقة للواجبات المنزلية. والمجتمع المعاصر بقيامه بدور الوصيّ على المرأة يذهب إلى ما هو أبعد من المجتمع القبليّ القديم، فالتعليمات لا تتوقف عند الزواج وحسب، ولكن إلى الحرص ألا تقع في الحب إلا مع هؤلاء الذين “يستحقونها” فقط.

نلتقي باستمرار برجال يتمتعون بصفات روحية وفكرية عظيمة، ومع ذلك نجدهم قد ارتبطوا بامرأة فارغة لا قيمة لها كشريكة لحياتهم، لا تتماشى قيمتها الروحية، بأي حال من الأحوال، مع قيمة زوجها. ونتقبل هذا على أنه أمرًا طبيعيًا ولا نعيد التفكير فيه. أكثر الأصدقاء إثارة للشفقة هو إيفان إيفانوفيتش الذي ورّط نفسه مع مثل هذه الزوجة التي لا تطاق. لكن، لو حدث العكس، سنضرب كفًا على كف ونصيح بقلق: “كيف لامراة مرموقة مثل ماريا بتروفنا أن تقع في حب هذا النكرة التافه؟ لقد بدأت أشك في قيمة ماريا بتروفنا الحقيقية”.

من أين أتينا بهذه المعايير المزدوجة؟ وما هو سببها؟ السبب بلا شك هو فكرة أن “قيمة الجنسين مختلفة” قد أصبحت عبر قرون جزءًا من تكوين البنية النفسية للرجل. لقد تعوّدنا أن نقيّم المرأة لا باعتبارها شخصية ذات صفات خاصة، ونتجاهل تجربتها الجسدية والعاطفية، وننظر لها فقط باعتبارها تابعًا للرجل. وهذا الرجل، زوجًا كان أم حبيبًا، يُلقى عليها بضياء شخصيته، وما نعتبره تعريفًا حقيقيًا لبنيتها العاطفية والمعنوية هو مجرد انعكاسًا له.

في نظر المجتمع يسهل الفصل بين شخصية الرجل وبين تصرفاته الجنسية، لكن الحكم على شخصية المرأة وبشكل حصري تقريبًا مبني فقط على حياتها الجنسية. وهذه السلوكيات تنبع من الدور الذي لعبته المرأة في المجتمع على مدار قرون، والآن يُعاد تقييم هذه السلوكيات لكن ببطء شديد، على الأقل فيما يتعلق بأطرها العريضة. فقط تغيير دور المرأة الاقتصادي، ومشاركتها المستقلة في الإنتاج هي التي ستضعف هذه الأفكار المنافقة الخاطئة.

« السابق التالي »