بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العلاقات الجنسية والصراع الطبقي

« السابق التالي »

7- بداية جديدة.. أخلاق جديدة

علينا أن نواجه العوامل الثلاثة التي تشوّه نفسية الإنسان المعاصر – الأنانية المفرطة، فكرة تملك أحد الشريكين للآخر، والقبول بفكرة تفوق جنس عن الآخر من حيث الخبرة الجسدية والعاطفية – إذا أردنا حلاً للأزمة الجنسية. سيعثر الناس على “المفتاح السحري” الذي يطلق سراحهم ويغير وضعهم الحالي، حين تمتلك نفوسهم المخزون الكافي من “مشاعر الاعتبار والاحترام”، حين تزداد قدرتهم على الحب، حين تصبح فكرة الحرية في العلاقات الشخصية حقيقة، حين ينتصر مبدأ “الرفاقية” على فكرة التبعية وعدم المساواة، لا يمكن أن تحل المشاكل الجنسية دون إعادة تثقيف ذواتنا جذريًا.

لكن، ألا يتطلب هذا الكثير؟ ألا يعد هذا اقتراح طوباوي دون أساس واقعي، مجرد فكرة ساذجة لمثالي يحلم؟ كيف، بصدق، سنزيد من “طاقة الحب” البشرية؟ ألم ينشغل الحكماء، من جميع الأمم، بهذه الفكرة، ومنذ زمن سحيق بدءًا من بوذا وكونفوشيوس وصولًا إلى المسيح؟ ومن الذي سيحدد ازدياد “طاقة الحب” تلك؟ ألا تعد تلك الرغبة بمثابة أحلام يقظة حول إيجاد حل للأزمة الجنسية، وببساطة هي مجرد اعتراف بالضعف ورفض المضي قدمًا للبحث عن “المفتاح السحري”؟

هل هذا هو وضعنا؟ هل عملية إعادة تثقيف ذواتنا ونهجنا في العلاقات الجنسية بشكل جذري أمرٌ مستبعدٌ، ومنفصلٌ جدًا عن الواقع؟ ألا يمكننا القول، على العكس من ذلك، أن أثناء التحولات الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة، تُخلق الشروط التي تؤدي لنشأة أساس جديد للتجربة النفسية التي ستتماشى مع ما نتحدث عنه؟ ستنشأ طبقة جديدة، مجموعة اجتماعية جديدة، لتحل محل البرجوازية، بأيديولوجيتها وأخلاقها الجنسية ذات الطابع الفردي. وتلك الطبقة التقدمية، كلما ازدادت قوة، لن تعجز عن الكشف عن أفكار جديدة حول العلاقات بين الجنسين ترتبط ارتباطًا وثيقًا مع مشاكلها الاجتماعية.

لكن، التطورالمعقد للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية الذي يحدث أمام أعيننا، ويغير كل أفكارنا حول دور المرأة الاجتماعي ويقوّض الأخلاق الجنسية للبرجوازية، له نتيجتان متناقضتان. فمن ناحية نرى جهود البشرية الدؤوبة للتكيف مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية المتغيرة الجديدة، وهذا يتضح في محاولة الحفاظ على “الأنماط القديمة” مع تزويدها بمحتوى جديد (التقيد بالشكل الخارجي للزواج الأبدي والزواج بواحدة فقط، مع القبول بمبدأ حرية الشركاء في الممارسة العملية)، أو في القبول بالأنماط الجديدة التي تتضمن كافة مبادئ القوانين الأخلاقية للزواج البرجوازي (الارتباط “الحر” حيث التملك القهري للشريكين أقوى من الزواج الشرعي).

ومن ناحية أخرى نشهد، ببطء ولكن بثبات، ظهور أشكال جديدة من العلاقات بين الجنسين تختلف عن القواعد القديمة شكلًا وموضوعًا. وفي تلمسها لطريقها نحو هذه الأفكار الجديدة تفتقد البشرية للثقة، لكننا بحاجة إلى الاهتمام بتلك المحاولات مهما بدت غامضة الآن، لأنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا مع مهام البروليتاريا كطبقة، مهامها التي تهدف للاستيلاء على قلعة المستقبل المحاصرة.

ولكن، إذا أردت أن تجد، داخل متاهة القواعد الجنسية المتناقضة والمتشابكة، بدايات لعلاقات أكثر صحة بين الجنسين – علاقات تعد بالسير بالإنسانية نحو الخروج من الأزمة الجنسية – عليك ترك “أرباع المثقفين” من البرجوازيين مع ذواتهم الفردية المرهفة، وأن تلقي نظرة على التجمعات السكنية للطبقة العاملة. هناك، بين هول وقذارة الرأسمالية، ووسط الدموع والشقاء، تتفجر ينابيع الحياة.

هناك ستختبر على أرض الواقع العملية المزدوجة السابق ذكرها تتحقق في حياة البروليتاريا، المضطرين للعيش تحت ضغط ظروف اقتصادية صعبة، حيث تستغلهم الرأسمالية بقسوة. يمكنك رصد عملية “التكيف السلبي” ومحاولات مقاومة الواقع القائم. فالتأثير الهدّام للرأسمالية يدمر أساس أسرة العامل ويجبره دون وعي منه على “التأقلم” مع الظروف القائمة. هذا بدوره يؤدي إلى سلسلة طويلة من نماذج للعلاقات بين الجنسين مماثلة لتلك الموجودة في الطبقات الاجتماعية الأخرى.

فتحت ضغط الأجور المنخفضة يميل العامل حتمًا للزواج في سن متأخرة. ولو أن منذ عشرين عامًا كان العامل يتزوج بين سن العشرين والخمسة وعشرين، فاليوم لا يؤسس أسرة قبل بلوغ الثلاثين. وإذا كان ذو مطالب ثقافية عليا – أي كلما كان حريص على الفرص التي تجعله على اتصال مع الحياة الثقافية، من زيارة للمتاحف والمشاركة في الندوات الثقافية، أومطالعة الصحف والمجلات، وتكريس وقت فراغه للنضال والسياسة، أو لمتابعة بعض الأنشطة المحببة كالفن أو القراءة، إلخ – كلما رغب في تأجيل الزواج.

لكن لن تنظر الاحتياجات الجسدية للوضع المالي بعين الاعتبار؛ إنها تلح باستمرار وتعلن عن نفسها. والعامل العازب، تمامًا مثل عازب الطبقة الوسطى، يلجأ لممارسة الجنس التجاري (الدعارة) بحثًا عن مخرج، وهذا مثال على التكيف السلبي مع الظروف الصعبة المحيطة بالطبقة العاملة. نأخذ مثالًا آخر – عندما يتزوج العامل، يجبر ضعف الأجور أسرته على “تنظيم” الإنجاب تمامًا كما تفعل الأسرة البرجوازية، وكذلك ظاهرة وأد الأطفال المتكررة، وانتشار البغاء – كلها تعبيرات مختلفة لنفس العملية، وجميعها أمثلة على التكيف السلبي للطبقة العاملة مع الواقع المحيط بها. لكنها ليست سمة قاصرة على البروليتاريا وحدها، فكل الطبقات والقطاعات الأخرى المنسحقة في ظل عملية التطور الرأسمالي تتفاعل بنفس الطريقة.

« السابق التالي »