بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العلاقات الجنسية والصراع الطبقي

« السابق التالي »

8- الرفاقية هي الحل

نلاحظ الفرق فقط حين نشرع في الحديث عن القوى الفعالة الخلاقة، التي تقاوم وتعارض بدلًا من التكيف مع الواقع القمعي، كذلك يظهر عند الحديث عن المحاولات والمُثل الحديثة للعلاقات العصرية بين الجنسين. وهذه المعارضة الفعالة لا تتشكل إلا في إطار الطبقة العاملة فقط. لكن، هذا لا يعني أن الطبقات والقطاعات الشعبية الأخرى (خاصة مثقفي الطبقة الوسطى الذين، وبسبب ظروفهم الاجتماعية، هم أقرب الشرائح للطبقة العاملة) لا يتكيفون مع الأنماط “الجديدة” التي تستحدثها الطبقة العاملة التقدمية.

حتى البرجوازية، بدافع من رغبة غريزية لبثّ حياة جديدة في أشكال الزواج الواهنة الميتة، تستولي على أفكار الطبقة العاملة “الجديدة”. لكن المُثل العليا والقواعد الأخلاقية التي طورتها الطبقة العاملة لا تلبي الاحتياجات الطبقية للبرجوازية، إنها تعكس احتياجات الطبقة العاملة ولهذا تستخدمها كسلاح جديد في صراعها الاجتماعي، إنها تساعد على تحطيم أسس الهيمنة الاجتماعية للبرجوازية.

دعونا نوضح هذه النقطة بمثال، إن محاولة مثقفي الطبقة الوسطى لإحلال الزواج المدني الأكثر حرية والسهل إنهاءه كبديلٍ عن الزواج الأبدي، الذي لا تنفصم عُراه، تدمر الأساس الجوهري للاستقرار الاجتماعي للبرجوازية. تدمر فكرة الزواج الأحادي، والأسرة الأحادية المالكة. من ناحية أخرى، يتزامن هذا مع سيولة أكبر في العلاقات بين الجنسين، وهي نتيجة غير مباشرة لإحدى مهام الطبقة العاملة. أن رفض مبدأ “الخضوع” في الزواج يؤدي لتدمير الروابط المصطنعة الأخيرة للأسرة البرجوازية.

وفعل “الخضوع” هذا، من جانب مكوّن من مكونيّ الطبقة العاملة نحو الآخر، مثله مثل التملك في العلاقات، له تأثيره الضار على الذات البروليتارية. وليس في مصلحة هذه الطبقة الثورية انتخاب ممثليها من عناصر بعينها، وهم المكلفين بخدمة مصالح الطبقة قبل مصالح الأسرة الصغيرة المعزولة. والتضارب بين مصالح الأسرة ومصالح الطبقة الذي يظهر في أوقات الإضرابات أو النضالات الملتهبة، والمعيار الأخلاقي الذي تتعامل به البروليتاريا مع مثل هذه الأحداث، دليل واضح بما فيه الكفاية على الأساس الأيديولوجي الجديد للبروليتاريا.

لنفترض أن أزمة عائلية قضت بأن يسحب رجل أعمال رأس ماله من شركته في نفس الوقت الذي تعاني فيه الشركة من صعوبات مالية. الأخلاق البرجوازية واضحة في تقديراتها لهذا الفعل: “مصالح الأسرة تأتي أولاً”. وبمقارنة هذا مع موقف العمال من مفسد الإضراب الذي يتحدى رفاقه ويواصل العمل أثناء الإضراب لإنقاذ عائلته من الجوع: “مصالح الطبقة تأتي أولاً”.

مثال آخر، زوج من الطبقة الوسطى وبفضل حبه وإخلاصه لأسرته نجح في صرف زوجته عن اهتماماتها خارج المنزل لتتفرغ في النهاية لحضانة الأطفال وأعمال المطبخ. “زوج مثالي يكوّن أسرة مثالية” هذه هي طريقة البرجوازية فيما يتعلق بهذا الأمر. لكن كيف ينظر العمال لرفيقهم الـ”واعي” الذي يمنع زوجته أو صديقته من المشاركة في النضال الاجتماعي، من أجل السعادة الفردية، ومن أجل الأسرة؟ إن مبادئ الطبقة العاملة تطالب بمشاركة النساء في الحياة خارج عتبات المنازل.

إن “استعباد” المرأة في المنزل، وتقديم مصالح الأسرة قبل كل شيء، وممارسة أقصى حقوق الملكية المطلقة للزوج على زوجته – كل هذه الأمور تتحطم الآن بفعل المبدأ الأساسي لأيديولوجية الطبقة العاملة “التكافل الرفاقي”. فكرة عدم تكافؤ مكونيّ الطبقة الواحدة وتبعية أحدهم للآخر تتناقض مع المبدأ البروليتاري الأصيل: الرفاقية، ومبدأ الرفاقية مبدأ أساسي في أيديولوجية الطبقة العاملة. حيث أنه يصبغ ويحدد كامل الأخلاق البروليتارية، الأخلاق التي ستساعد على إعادة تثقيف شخصية الرجل، مما يجعله مؤهل للإحساس، مؤهل للشعور بالحرية بدلًا من التقيد بشعور الملكية، مؤهل للرفاقية بدلاً من اللامساواة والتبعية.

إنها حقيقة قديمة أن كل طبقة جديدة، تتطور كنتيجة لتقدم في النمو الاقتصادي والثقافي، تمنح البشرية فرصة لصياغة أيديولوجية جديدة متوائمة مع الوضع الجديد، وبالطبع، قواعد السلوك الجنسي جزءٌ منها. لكن، يجدر بنا هنا التحدث عن “الأخلاق البروليتارية” أو “الآداب الجنسية البروليتارية” بهدف انتقاد الفكرة البالية القائلة بأن الأخلاق الجنسية البروليتارية ليست أكثر من مجرد “بنى فوقية” وأنه لا مجال لأي تغيير إلا بتغيير القاعدة الاقتصادية للمجتمع (البنى التحتية للمجتمع). كما لو أن أيديولوجية طبقة معينة لا تتشكل إلا فقط عندما تنهار العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بشكل كامل يضمن هيمنة هذه الطبقة! كل دروس التاريخ تعلمنا أن المجموعات الاجتماعية تطور أيديولوجيتها الخاصة، وبالتالي أخلاقها الجنسية، أثناء نضالها ضد القوى الاجتماعية المعادية.

فقط بمساعدة قيم روحية جديدة، تتشكل لتلبي احتياجات الطبقة، ستتمكن تلك الطبقة من تعزيز وضعها الاجتماعي، وستنجح في انتزاع السلطة من براثن المجموعات المعادية لها في المجتمع فقط بالتمسك بهذه المعايير والمُثل العليا الجديدة. وعملية البحث عن المعايير الأساسية للأخلاق المعبرة عن مصالح الطبقة العاملة، وضمان أن القواعد الجنسية المطورة متوافقة معها – تلك هي المهمة الملقاة على عاتق منظري الطبقة العاملة.

علينا أن نفهم أنه فقط بإدراك العملية الإبداعية الجارية داخل المجتمع، وبتشكل المطالب والمعايير والمُثل الأخلاقية الجديدة، وفقط بفهمنا أسس الأخلاق الجنسية للطبقة التقدمية، ربما نتمكن من الاستفادة من فوضى وتناقضات العلاقات الجنسية، واكتشاف طرف الخيط الذي سيمكنا من فك تشابك عقدة المشاكل الجنسية.

علينا تذكّر أن فقط قواعد الأخلاق الجنسية المنسجمة مع مشاكل الطبقة العاملة يمكن أن تكون سلاحًا فعالًا لتعزيز وضعها النضالي. إن تجارب التاريخ تعلمنا الكثير، فما الذي يمنعنا من استخدام هذا السلاح لمصلحة الطبقة العاملة، نحن الذين نناضل من أجل نظام شيوعي، من أجل علاقات جديدة أعمق وأكثر بهجة بين الجنسين؟

« السابق التالي »