بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الحزب غير الشرعي والعمل الشرعي

الحزب غير الشرعي والعمل الشرعي

 

فلاديمير لينين

 

تعد مسألة الحزب الغير الشرعي والعمل الشرعي للاشتراكيين الديمقراطيين لروسيا أحد أهم المسائل التي تطرح على الحزب. لقد شغل ح.ع.ا.د.ر. أثناء كل الفترة التي تبعت الثورة وقد أثار صراعات داخلية شديدة الشراسة.

تعارض التصفويون وخصومهم أساسا بصدد هذه المسألة، وإذا كانت المعركة، عنيفة إلى هذا الحد، في الواقع لأنها تؤول إلى السؤال لمعرفة ما إذا كان سيستمر حزبنا الغير الشرعي القديم في الوجود أم لا. لقد أدانت ندوة ح.ع.ا.د.ر. التي عقدت في دسمبر 1908 بحزم التيار التصفوي وعرضت بشكل واضح أطروحات الحزب في ما يتعلق بالتنظيم في قرار خاص: يتكون الحزب من خلايا اشتراكية ديمقراطية غير شرعية التي يجب أن تخلق “نقاط ارتكاز للعمل بين الجماهير” بتطوير بشكل واسع ومع أكبر التشعبات الممكنة شبكة من مختلف الجمعيات العمالية الشرعية.

لقد أيدت قرارات دورة اللجنة المركزية التي عقدت في يناير 1910 هذه الأطروحات. إذن، إنها لا يمكن إلا أن تكون دقيقة وواضحة وثابتة. ولا يوجد أكثر ما يوضح هذا الثبات وهذا التدقيق أكثر من الدفاتر الأخيرة للرفيق بليخانوف (رقم 16، أبريل 1912). بالفعل، نعرف أن بليخانوف قد اتخذ موقفا محايدا حول مسألة مغزى ندوة يناير. وبالبقاء على هذا الموقف المحايد، قد أكد أطروحات الحزب بشكل كامل. في دفاتره، يعلن بالفعل على أنه من المستحيل اعتبار ما يسمى “مجموعات المبادرة”، الذين انفصلوا عن منظمة الحزب، والذين غادروها أو تشكلوا إلى جانبها، على أنه من المستحيل اعتبار هذه المجموعات كمنظمات للحزب بدون قرار خاص من مؤتمر أو ندوة للخلايا الغير الشرعية. إن السماح لمجموعات المبادرة للتقرير بنفسها بانتمائها للحزب، يكتب بليخانوف، يعد بمثابة فوضوية على مستوى المبادئ ويؤول إلى مساندة وإعطاء الشرعية للتيار التصفوي.

بعد هذا العرض المقدم من طرف محايد كبليخانوف، كان يمكن أن نعتقد على أن هذه المسألة التي حسمت من طرف الحزب لعدة مرات بدون أي لبس قد حلت بشكل نهائي. إن قرار الندوة التصفوية الأخيرة والمحاولات الجديدة التي تمت للتشويش على ما تم حله والتعتيم على ما تم توضيحه يجبرنا للعودة للمسألة مرة أخرى مع ذلك.

حول الحزب الغير الشرعي والعمل الشرعي، أي حول أحد أهم المسائل، بالفعل لقد تبنت هذه الندوة قرارا يقدم الدليل الأكثر وضوحا لطابعها التصفوي التام، وهذا رغم أن نيفسكي كولوس Nevski Goloss أكدت العكس في عددها التاسع (بتوجيهها للشتائم الأكثر عنفا لمناهضي التصفويين).

يجب علينا إذن تحليل هذا القرار بشكل مفصل، ولهذا، سنستشهد به بكامله.

I

“أشكال للتنظيم تستعمل من أجل بناء الحزب”: ذلك هو عنوان قرار الندوة التصفوية. في الواقع، منذ النقطة الأولى لهذا القرار، يتبين لنا أنها تتناول ليس “أشكال” البناء ولكن طبيعة الحزب (الحزب القديم أو الجديد؟) الذي يتعلق الأمر “ببنائه”. هذه هي النقطة الأولى:

“بعد مناقشة الأشكال والأساليب التي يجب استعمالها لبناء الحزب، وصلت الندوة إلى الخلاصة التالية:

لا يمكن أن يتحقق تحول الاشتراكية الديمقراطية إلى منظمة مستقلة للبروليتاريا الاشتراكية الديمقراطية إلا بقدر ما تبنى المنظمة الاشتراكية الديمقراطية في سيرورة تنحو إلى إشراك الجماهير العمالية في كل المظاهرات السافرة للحياة الاقتصادية والاجتماعية.”

نرى إذن، أنه منذ الكلمات الأولى، يعلن هذا القرار حول بناء الحزب بشكل قاطع أن تحول الاشتراكية الديمقراطية هو ضرورة. هذا على الأقل غريب. لأن إذا كان صحيحا على كون كل أعضاء الحزب لهم الحق في “تحويله”، ليس أقل صحة أنه منذ أربع سنوات يتناول النقاش مسألة معرفة ما إذا كان يجب أو لا الحفاظ على الحزب القديم. هذا معلوم للكافة ولا قلما نرى كيف يمكن تجاهله.

يدين القرار الذي تبناه الحزب في دسمبر 1908، بوضوح ليس أقل بوضوح، التصفويين الذين يريدون “استبدال” الحزب القديم بحزب جديد. وفي أبريل 1912، طرح بليخانوف بدون أي لبس التساؤل على المدافعين على “مجموعات المبادرة” الذين كانوا ينوون استدعاء (و قد استدعوا) للندوة التصفوية:” هل يوجد حزبنا القديم، نعم أم لا؟ (ص 8 من دفاتر الاشتراكية الديمقراطية، عدد 16، أبريل 1912).

لا يمكن اجتناب هذا التساؤل. لقد طرح من طرف أربع سنوات من الصراع وهو الذي يعطي كل حدته لما يسمى “بأزمة” الحزب.

كذلك، عندما نجيب على هذا التساؤل بأنه “لا يمكن أن يتحقق تحول الاشتراكية الديمقراطية…”، واضح أنه لا يتعلق الأمر قط بإجابة، لكن بخديعة/مهرب/حيلة خالية من معنى.

فقط أعضاء الحزب القديم، يمكنوا أن يتكلموا عن تحول الحزب. باجتناب التساؤل حول معرفة ما إذا كان يوجد الحزب القديم أم لا، وبإصدار فجأة قرار (في ندوة تشارك فيها “مجموعات المبادرة” بدون حزب) أن “التحول ضروري”، لا تفعلون أيها السادة إلا التأكيد بشكل كامل انتمائكم إلى التيار التصفوي! وهذا يصبح أكثر وضوحا عندما يصل القرار إلى خلاصة (بعد عدد من الجمل المفخمة التي الفارغة من أي معنى بشكل مطلق حول “منظمة مستقلة للبروليتاريا الاشتراكية الديمقراطية”) أنه ” لا يمكن أن يتحقق تحول الاشتراكية الديمقراطية إلى منظمة مستقلة للبروليتاريا الاشتراكية الديمقراطية إلا بقدر ما تبنى المنظمة الاشتراكية الديمقراطية في سيرورة تنحو إلى إشراك (ليُسمح لنا بعدم التوقف على هذا التشدق بالكلمات المثير للسخرية، والمغرور والأبله) الجماهير العمالية في كل المظاهرات السافرة للحياة الاقتصادية والاجتماعية”!!

ماذا يعني ذلك؟ هل هي الإضرابات والمظاهرات التي ينعتها أصحاب القرار المدهش “بمشاركة الجماهير في الحياة السياسية والاجتماعية السافرة”، الخ؟ المنطق يقول أن الأمر يتعلق بذلك. لكن إذا كان الأمر هكذا، فالقرار ليس إلا حماقة فظة، لأن الكل يعلم جيدا أن “المنظمة تبنى” حتى عندما لا يكون هناك لا إضرابات ولا مظاهرات. أيها السادة الحكماء، توجد المنظمة بشكل ثابت، بينما، بين الوقت والآخر تتدخل الجماهير في واضح النهار.

لكن، ما يقصده هؤلاء السادة التصفويين “بالحياة السياسية والاجتماعية السافرة” (لاحظوا من فضلكم الأسلوب الليبرالي-البيروقراطي لهؤلاء الناس، يظهر أنها الروسكيي فييديوموستو Rousskié Viédomosti ثلاثين سنة مضت!)، ليس قط بالإضرابات والمظاهرات، ولكن يقصدون الأشكال الشرعية للحركة العمالية. حسن جدا. لكن هذا لا يمنع كون القرار غباوة، لأنه ،عندنا، ليس “فقط” في السيرورة التي تنحو إلى إشراك الجماهير في الحركة الشرعية “يبنى” والذي قد بني فيه الحزب. أبعد من ذلك. يعلم الكل بالفعل أن هذه المنظمة توجد في العديد من الأماكن حيث لا يسمح بأي شكل لعمل شرعي.

نرى أن النقطة الأساسية في القرار (لا تبنى المنظمة “إلا بقدر ما”…) ليست إلا تشوش فظ لا يساوي شيئا.

لكن في هذا التشوش، يظهر لنا جليا المضمون التصفوي. التحول غير ممكن إلا في سيرورة تنحو إلى إشراك الجماهير في الحركة الشرعية: في الواقع، ذلك ما تتلخص فيه اللغة الغير المفهومة للنقطة الأولى. وهذا، هي الأطروحات التصفوية بلا قيد ولا شرط.

منذ أربع سنوات والحزب يقول أن منظمتنا مكونة من خلايا غير شرعية محاطة بشبكة من الجمعيات الشرعية التي تحتوي على أكثر التشعبات الممكنة.

منذ أربع سنوات والتصفويون ينكرون أنهم تصفويون ويؤكدون على أن التحول غير ممكن إلى في سيرورة تنحو إلى إشراك الجماهير في الحركة الجماهيرية. بينما مسألة معرفة من ماذا يتكون حزبنا، وما هي طبيعة حزبنا القديم، يجتنبها التصفويون، ويجتنبونها بالضبط كما يجب أن يفعل ذلك الشرعيون. إنهم يغنون نفس الأغنية القديمة. في أبريل 1912، يطلب بليخانوف إذا ما كان حزبنا القديم يوجد أو لا، وترد الندوة التصفوية بأن “التحول غير ممكن إلا بقدر ما تشارك الجماهير في الحركة الشرعية”!

إنها إجابة الشرعيين الذين انفصلوا عن الحزب. بالأمس، كان الشرعيون أقوياء ويتحرشون بالحزب. واليوم، إنه هزيمتهم كاملة. لقد أصبحوا محتشمين وعادوا إلى اللجوء إلى البلاغة للدفاع عن أنفسهم.

I I

تقول الفقرة الثانية من القرار:

2)باعتبار التغيرات التي دخلت على الشروط الاقتصادية والاجتماعية بالنسبة للفترة ما قبل الثورة، يجب على منظمات الحزب الغير شرعية التي توجد قبلا والتي في طور التكوين أن تتكيف مع الأشكال والأساليب الجديدة للحركة العمالية في واضح النهار.”

هنا كذلك، نحن أمام منطق عجيب. في النهاية لأن الشيء الوحيد الذي نجم عن واقع أن الشروط الاجتماعية قد تغيرت، هو أنه يجب تغيير أشكال التنظيم، ولكن لا شيء في القرار يحدد اتجاه هذا التغير.

لكن لماذا يرجع أصحاب القرار إلى “التغيرات السياسية والاجتماعية”؟ واضح،حتى يستطيعوا تقديم دليل، برهان يستندون عليه في خلاصتهم العملية: يعني، يجب على المنظمة أن تتكيف مع الحركة الشرعية. المؤسف هو أن مثل هذه الخلاصة لا تنجم أبدا عن المقدمة المنطقية/المنطلق وأنه يمكن كذلك القول “باعتبار التغيرات…”، يجب على الحركة الشرعية أن تتكيف مع الحركة الغير شرعية!

إذن، من أين تأتي هذه الضبابية؟

ترجع إلى أن التصفويين يخافون قول الحقيقة بصراحة وأنهم يجهدون نفسهم على الجلوس بين كرسيين.

الحقيقة بالفعل، هي أن تقديرهم “للوقت الحاضر” (لأنه من أجل شرح كيف تغيرت الشروط الاقتصادية والاجتماعية، يجب تقدير هذه اللحظة) هو تقدير تصفوي (تقدير ليفيتسكي Lévitski ولارين Larine وايجوف Ejov الخ).

لكنهم يخافون أن يعرضوا هذا التقدير بشكل واضح. خائفون إلى حد أن الندوة لم تقرر طرح المسألة، وبكلمات مغلفة، في سرية، خلستا، طورت فكرة أنه نتجت بعض التغيرات التي تقرض تكيف المنظمة الغير الشرعية مع العمل الشرعي.

هكذا فقد بينت صحافة الحزب الاشتراكي الديمقراطي لعدة مرات، أن هذه الأطروحة لا تختلف في شيء عن أطروحة حزب الكاديت. يقر الكاديت بأن “حزبهم مجبر في مجمله على البقاء غير شرعي” (انظر الفقرة الثالثة من قرار التصفويين)، وأنه بسبب أن الشروط تغيرت، يجب أن يتكيف مع الحركة الشرعية. بالنسبة لهم، هذا يكفي. يعتبرون فعلا أن منع حزبهم، الذي أصبح بسبب ذلك غير شرعي، هي ظاهرة عرضية، “غير طبيعية”، أنه من بقايا الماضي وأن الجوهري، الأساسي، هو عملهم الشرعي. يجب القول أن هذه الأطروحة تنجم بشكل منطقي عن تقدير “اللحظة الراهنة” التي أولها السيد كريديسكول Grédeskoul والتي تقول، لا تحتاج روسيا إلى ثورة، لكن، تحتاج وحسب “لعمل دستوري”.

لا شرعية حزب الكاديت هو ظاهرة عرضية، استثناء في النظام العام “للعمل الدستوري”، وينجم عن ذلك بشكل منطقي أن المنظمة الغير الشرعية يجب أن “تتكيف مع الحركة الشرعية”. هكذا يرى الكاديت الأشياء.

أما الحزب الاشتراكي الديمقراطي، فله رأي مختلف تماما. الخلاصة الأساسية من تقديره للحظة الراهنة، هي أن الثورة ضرورية وأنها تقترب. تغيرت أشكال التطور التي تقود إلى الثورة، لكن تبقى أهداف الثورة غير متغيرة. من هذا الواقع، نخرج بخلاصة أنه يجب أن تتغير أشكال التنظيم، أنه يجب على شكل “الخلايا” أن تكون أقل جمودا/صلابة، أن تطور هذه الخلايا سيتم غالبا بشكل غير مباشر، لكن عن طريق وساطة المنظمات “المحيطة” الشرعية، الخ. كل هذا تم ترديده لعدة مرات في قرارات الحزب.

لكن، أولئك الذين يتكلمون عن “تكييف” المنظمة الغير الشرعية مع الحركة الشرعية، يعطون فكرة خاطئة تماما عن هذا التغير لأشكال المنظمة الغير الشرعية. ليس ذلك إطلاقا. إن المنظمات الشرعية هي نقاط ارتكاز تسمح بإدخال/نشر/تغلغل أفكار الخلايا الغير الشرعية بين الجماهير. يعني هذا أننا نغير شكل تأثيرنا حتى يعطي لهذا التأثير اتجاها غير شرعي.

نرى إذن أن ما “يتكيف” مع الحركة الشرعية هو شكل التنظيم، لكن بالنسبة لمضمون عمل الحزب، إنه النشاط الشرعي هو الذي “يتكيف” مع الأفكار الغير الشرعية (و من هذا، لنقله بين قوسين، يأتي كل النضال الذي قادته “المنشفية الثورية” ضد التصفويين).

يمكن الآن أن نحكم على عمق فكر التصفويين: يقبلون المقدمة المنطقية الأولى (التي تتعلق بشكل العمل)، لكن ينسون الثانية (التي تتعلق بالمضمون)!! ويرافقون سفسطة الكاديت بمحاكمتهم/منطقهم التالية حول أشكال المنظمة لاستعمالها من أجل بناء الحزب.

“يعلنون أنه يجب بناء الحزب بالشكل الذي يحوله، باجتذاب الجماهير في الحركة الشرعية وتكييف منظمتنا الغير الشرعية مع هذه الحركة.”

يطرح التساؤل: هل لهذا أقل علاقة مع إجابة الحزب (بناء الحزب، هو مضاعفة الخلايا الغير الشرعية بإحاطتها بنقاط ارتكاز شرعية)؟

أليست هذه بالأحرى محاولة تهدف إلى إعطاء الشرعية لطريق الخروج للتصفويين بما أنهم لا يفعلون إلا تكرار أطروحات الكاديت والاشتراكيين-الشعبويين؟ عندما كان يريد تأسيس حزبه الشرعي في غشت 1906، لقد دافع الاشتراكي-الشعبوي بيشيخنوف Péchékhonof عن هذه الأفكار بالضبط (انظر حول هذا الموضوع روسكويي بوغاتسفو Rousskoïé Bogatstvo، 1906 عدد 8، ومقال “المناشفة الاشتراكيين-الثوريين” في العدد 4 من البروليتاري).

III

لننتقل إلى الفقرة الثالثة:

“3)يجب أن يسعى الحزب الاشتراكي-الديمقراطي، منذ اليوم، إلى أن ينفذ علانية بضعة أجزاء من نشاطه، وأن يخلق لهذا المؤسسات مناسبة، نظرا لأنه في مجموع تنظيمه مرغم على أن يبقى غير شرعي”

لقد أشرنا مسبقا أنه من السطر الأول حتى السطر الأخير، يرسم هذا المقطع لوحده لوحة مطلقة الصحة لحزب الكاديت. فعبارة اشتراكي-ديمقراطي لا مكان لها هنا.

فحزب الكاديت، فعلا، “مرغم” أن يبقى غير شرعي “في مجموع تنظيمه”، وأعضائه يسعون إلى أن ينفذوا “منذ الآن” علانية (بينما بفضل الله، لدبنا دستور…) بضعة أجزاء من نشاطه.

فالمقدمة المنطقية التي تبرز ضمنيا في كل سطر من القرار التصفوي هي أن “العمل الدستوري”، إن لم يكن العمل الوحيد الممكن، فعلى الأقل هو الأهم، الأكثر ثباتا والأساسي.

هذه هي أطروحة السياسة العمالية الليبرالية ز هي خاطئة تماما.

فما غير شرعي، بالفعل، ليس فقط الحزب الاشتراكي-الديمقراطي “في مجموع تنظيمه”، بل كل من خلاياه –و هي النقطة الأساسية– كل عمله الذي ينادي بالثورة ويحضرها. لهذا لا يمكن اعتبار العمل الأكثر سفورا لخلية اشتراكية-ديمقراطية، مهما كانت أكثر “سفورا”، “تنفيذا سافرا لنشاط الحزب”.

لنأخذ الفترة الممتدة من 1907 إلى 1912، طيلة هذه الفترة، كانت الخلية الاشتراكية-الديمقراطية الأكثر “سفورا” هي مجموعته البرلمانية. فهذا الفريق البرلماني، كان يستطيع التكلم بشكل أكثر “علانية” من كل المنظمات الأخرى. فهي فقط التي كانت شرعية، وكانت لها الإمكانية للتدخل بشكل شرعي حول عدد كبير من الإشكالات.

لكن ليس حول كل الإشكالات! إذ لم تكن قادرة بشكل خاص على التدخل حول عدة جوانب من العمل المنجز من طرف حزبها وتجبر على لزوم الصمت حول النقط الأساسية. نجد إذن أنه حتى فيما يتعلق بالمجموعة الاشتراكية-الديمقراطية في الدوما، تعتبر الفقرة الثالثة من القرار التصفوي غير مقبولة، وفيما يتعلق “بالأجزاء الأخرى” من نشاطنا، من الغير المجدي الحديث عنها.

التصفويون هم أنصار حزب شرعي “علني”، لكنهم اليوم، خائفون من قول ذلك بصراحة (فالعمال يرغمونهم على الخوف وتروتسكي ينصحهم بالخوف). فقرروا إذن عرض نفض الأطروحة مع تقنيعها نوعا ما. إذ لا يقولون شيئا حول شرعنة الحزب. يكتفون بالدعوة إلى شرعنة تجزيئية.

في أبريل 1912، أعلن بليخانوف (الذي نعرف موقفه المحايد) للتصفويين أن “مجموعات المبادرين” المشكلين من شرعيين منفصلين، هي مجموعة معادية للحزب. ز يجيب بعض التصفويون أن هذه المجموعات تسمح بتنفيذ بعض أجزاء عمل الحزب بشكل علني، وتتشكل هذه “الحركة الشرعية” التي ينبغي للحزب الغير الشرعي أن “يتكيف” معها، وهي هذه “الحياة السافرة” التي ينبغي أن تشرك فيها الجماهير، هذه المشاركة بما هي المعيار والضمان للتحويل الضروري الحزب.

إذا ما يحكيه التصفويون صحيحا، إذا كان مثل هذه الأطروحات قد تمت الموافقة عليها من طرف “معارضي التصفويين” بقيادة تروتسكي، نتساءل أين بحثوا على مثل هؤلاء الحمقى.

IV

لننظر أخيرا إلى الفقرة الأخيرة:

“4) بما أن ليست لها الإمكانية، وفقا لوضعيتها الغير الشرعية، اجتذاب إلى صفوفها أوسع القطاعات العمالية التي تؤثر فيها، ينبغي للمنظمة الاشتراكية-الديمقراطية أن ترتبط بالفئات النشيطة سياسيا من البروليتاريا، وبواسطتها بالجماهير، ولهذا يجب أن تخلق منظمات سياسية مختلفة شرعية وغير شرعية بأشكال أكثر وأقل جمودا وحواجز شرعية مختلفة (لجان انتخابية، جماعات بلدية، وجمعيات للنضال ضد غلاء المعيشة…) ينبغي لها أيضا أن تنسق نشاطها مع نشاط المنظمات العمالية الغير السياسية”

هذه المرة أيضا، نعتبر الأطروحات التي تختفي ورائها هذه المحاكمات الكاملة حول “الحواجز” الشرعية، ليس فقط قابلة للاعتراض، بل بصراحة تصفوية.

تشكيل المنظمات السياسية الشرعية، بالفعل، هذا تحديدا ما كان يطرحه ليفيتسكي Lévitsky ون.ر-كوف N. R-kov، إنه تحديدا الشرعية التجزيئية للحزب.

مرت سنة ونحن نتكلم مع التصفويين باللغة التالية: كفى من الكلام، شكلوا إذن “جمعياتكم السياسية الشرعية” و”جمعياتكم للدفاع عن مصالح الطبقة العاملة”،…الخ، كفى من الكلام، باشروا بالعمل!

لكنهم، لا يستطيعون مباشرة العمل، لأن في روسيا الحالية، من غير الممكن تحقيق طوباويات اللبراليين، كل ما يستطيعون القيام به هو الدفاع بشكل ملتوي عن “مجموعاتهم للمبادرين” التي يكمن نشاطها المثمر في أن يذاع بثرثرة، وأن يوجه تشجيعات متبادلة، وصياغة مقترحات حول “المنظمات السياسية الشرعية”.

عندما يعلن القرار رسمي أن المنظمات الغير الشرعية ينبغي أن “ترتبط مع الفئات النشيطة سياسيا من البروليتاريا وبواسطتها مع الجماهير”، يتعلق الأمر بدفاع عن “مجموعات المبادرين”!! هذا يعني تحديدا أن “الفئات النشيطة سياسيا” توجد خارج الخلايا! هل هناك أدنى اختلاف اتخاذ هذا الموقف وبين الجمل المعروفة التي تقول بأن كل ما هو نشيط يجب أن يغادر “الحزب المتحجر” ليلتحق “بمجموعات المبادرين”؟

فما كانت تقوله كل من ناشا زاريا Nacha Zaria ودييلو جيزني Dièlo Jizni بشتم الحزب الغير الشرعي علانية، يستعيده كل من تروتسكي والتصفويون المطرودون من الحزب لحسابهم، لكن “بحظر” أكثر: بالتحديد خارج الحزب الغير الشرعي الضيق تتواجد العناصر “الأكثر نشاطا”، هكذا يعلنون، ومع هذه العناصر يجب “الارتباط”. فنحن التصفويون المنفصلون هم الذين يشكلون هذه العناصر النشيطة. وبواسطتها يجب على الحزب أن يرتبط بالجماهير.

يعتبر موقف الحزب حول المسألة جد واضح: لقيادة النضال الاقتصادي ينبغي للخلايا الاشتراكية-الديمقراطية أن تنسق مع النقابات، مع الخلايا الاشتراكية-الديمقراطية المتواجدة داخل هذه النقابات، ومع بعض المناضلين في الحركة النقابية. والأمر نفسه في الحملة الانتخابية، ينبغي أن تسير النقابات مع الحزب، هذا واضح، جلي ومفهوم. وعوض هذا ينادي التصفويون “لتنسيق” مبهم لنشاط الحزب بشكل عام مع اتحادات “غير سياسية”، يعني لا حزبية.

زود أكسلرود تروتسكي بأفكار التصفوية. وبعد خيبات الأمل المرة التي كبدها أكسلرود لناشا زاريا، أوصاه تروتسكي بإخفاء أفكاره خلف حاجز من الجمل الجميلة.

لن تخدع هذه الفرقة أحدا. سيعلم الاجتماع التصفوي العمال أن يكونوا أكثر انتباها لمعنى الجمل التسويقية. لكن باستثناء هذا “العلم” المرير، الغير المرغوب فيه، لكن النافع شيئا ما في المجتمع البرجوازي، لن يقدم لهم شيئا.

لقد درسنا بشكل كافي أفكار السياسة الليبرالية العمالية عندما يقدمها ليفيتسكي في ثيابها المعتادة ليسهل التعرف عليها عندما يقدمها تروتسكي في ثوب استعراض مزركش.

أما بخصوص أفكار الحزب حول التنظيم الغير الشرعي والعمل الشرعي فهي تفرض نفسها في مواجهة هذه الأقنعة المنافقة بقوة متزايدة باستمرار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

“الاشتراكية-الديمقراطية” عدد 28-29

5 (18) نوفمبر 1912

ترجمة عسو الخطابي