بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الماركسية والإصلاحية

الماركسية والإصلاحية

 

فلاديمير لينين 1913

 

خلافًا للفوضويين، يعترف الماركسيون بالنضال من أجل الإصلاحات، اي من اجل تحسينات في اوضاع الكادحين تترك السلطة، كما من قبل، في يد الطبقة السائدة. ولكن الماركسيين يخوضون في الوقت نفسه نضالاً في منتهى الحزم ضد الإصلاحيين الذين يحدون، بواسطة الإصلاحات، مباشرة او بصورة غير مباشرة، من تطلعات الطبقة العاملة ونشاطها. فان الإصلاحية انما هي خداع برجوازي للعمال الذين يبقون دائمًا عبيدًا مأجورين، رغم بعض التحسينات، ما دامت سيادة الرأسمالية قائمة.

ان البرجوازية الليبرالية تمنح الإصلاحات بيد وتسترجعها بيد اخرى، وتقضي عليها كليًا، وتستغلها لاجل استعباد العمال، لاجل تقسيمهم الى فرق مختلفة، لاجل تخليد عبودية الكادحين المأجورة. ولهذا تتحول الإصلاحية بالفعل، حتى عندما تكون مخلصة كليًا، الى اداة لاضعاف العمال ولنشر الفساد البرجوازي في صفوفهم. وتبيّن خبرة جميع البلدان ان العمال كانوا ينخدعون كلما وثقوا بالإصلاحيين.

اما إذا استوعب العمال مذهب ماركس، اي إذا ادركوا حتمية العبودية المأجورة ما دامت سيادة الراسمال قائمة فانهم، على العكس، لن يدعوا الإصلاحات البرجوازية، ايا كانت، تخدعهم. ان العمال يناضلون من اجل التحسينات مدركين ان الإصلاحات لا يمكن ان تكون لا ثابتة ولا جدية ما دامت الرأسمالية قائمة، ويستغلون التحسينات لاجل مواصلة النضال بمزيد من العناد ضد العبودية الماجورة. ان الإصلاحيين يحاولون ان يقسموا العمال ويخدعوهم بالصدقات ويصرفوهم عن النضال الطبقي. اما العمال الذين يدركون كذب الإصلاحية، فانهم يستغلون الإصلاحات لاجل تطوير وتوسيع نضالهم الطبقي.

وبقدر ما يشتد تأثير الإصلاحيين في العمال، بقدر ما يضعف العمال، وتزداد تبعيتهم حيال البرجوازية، ويسهل على البرجوازية ابطال مفعول الإصلاحات كليًا بشتى الحيل. وبقدر ما تتعاظم الحركة العمالية استقلالاً وعمقًا، وسعة من حيث الاهداف، وبقدر ما تتحرر من ضيق الإصلاحية، يفلح العمال اكثر فاكثر في تثبيت بعض التحسينات والاستفادة منها.

والإصلاحيون موجودون في جميع البلدان لان البرجوازية تحاول في كل مكان ان تفسد العمال بنحو او بآخر، وان تجعل منهم عبيدًا راضين بعبوديتهم ويرفضون فكرة القضاء عليها. والإصلاحيون في روسيا انما هم التصفويون(1) الذين يتخلون عن ماضينا(يقصد ماضي حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي-البلشفي) لكي يخدروا العمال باحلام عن حزب جديد، علني، شرعي. ومؤخرًا طفق التصفويون من بطرسبرغ، وقد احرجتهم «سيفيرنايا برافدا»(2)، يدافعون عن انفسهم لرد التهمة الإصلاحية. وتنبغي دراسة محاكماتهم بانتباه لاجل تفهّم هذه المسألة الخارقة الاهمية بكل وضوح.

كتب التصفويون من بطرسبرغ يقولون: نحن لسنا إصلاحيين، لاننا لم نقل ان الإصلاحات هي كل شيء وان الهدف النهائي لا شيء؛ لقد قلنا: التحرك نحو الهدف النهائي؛ لقد قلنا: عبر النضال من اجل الإصلاحات نحو كمال المهمات المطروحة.

لنرَ ما إذا كان هذا الدفاع يطابق الحقيقة.

الواقع الاول. كتب التصفوي سيدوف، ملخصًا بيانات جميع التصفويين، ان اثنين من “الحيتان الثلاثة”(3) التي قدمها الماركسيون لا يصلحان الآن لاجل التحريض. وابقى يوم العمل من ثماني ساعات، القابل نظريًا للتحقيق عن طريق الإصلاح. وازال او نحّى على وجه الضبط ما يتخطى نطاق الإصلاح. فسقط بالتالي في اجلى ضروب الانتهازية، منتهجًا على وجه الدقة تلك السياسة التي تعبر عنها الصيغة القائلة ان الهدف النهائي لا شيء. وهذه هي الإصلاحية عندما ينحون بعيدًا “الهدف النهائي” (وان على الاقل بالنسبة للديمقراطية) عن التحريض.

الواقع الثاني. ان المجلس العام السيء الشهرة الذي عقده التصفويون(4) في آب من العام الماضي، ينحّي بعيدًا هو ايضًا-لحالة خاصة- المطالب غير الإصلاحية عوضًا عن تقريبها تمامًا الى قلب التحريض بالذات.

الواقع الثالث. ان التصفويين، إذا ينكرون “القديم” ويحطّون من شأنه، ويتهربون منه، انما يقتصرون بالتالي على الإصلاحية. ان الصلة بين الإصلاحية والتنكر “للقديم” جلية للعيان في الوضع الراهن.

الواقع الرابع. ان حركة العمال الاقتصادية تستثير غضب التصفويين وتهجماتهم (“التهيج”، “التلويح بالايدي” وهلم جرا وهكذا دواليك) ما ان ترتبط بشعارات تتخطى نطاق الإصلاحية.

وعلامَ نحصل في النتيجة؟ التصفوين يرفضون الإصلاحية المبدئية قولا، ويطبقونها على طول الخط فعلاً. من جهة، يؤكدون لنا ان الإصلاحات لا تعني البتة بالنسبة لهم كل شيء، ومن جهة اخرى، يستتبع كل تجاوز في الواقع من قبل الماركسيين لنطاق الإصلاحية اما التهجمات واما الاهمال من جانب التصفويين.

وفضلاً عن ذلك، تبيّن لنا الاحداث في جميع ميادين الحركة العمالية ان الماركسيين لا يتأخرون، بل بالعكس يمضون قدمًا بكل وضوح في مجال الاستفادة عمليًا من الإصلاحات وفي مجال النضال من اجل الإصلاحات. خذوا الانتخابات الى الدوما في فئة العمال-مداخلات النواب في الدوما وخارج الدوما واصدار الجرائد العمالية، والاستفادة من إصلاح الضمان، واتحاد المعدنين بوصفه نقابة كبيرة جدًا، والخ- تروا في كل مكان تفوق الماركسيين العمال على التصفويين في العمل المباشر، الاقرب، “اليومي”، في حقل التحريض والتنظيم والنضال من اجل الإصلاحات والاستفادة منها.

ان الماركسيين يعملون بلا كلل ولا يفوتون اي “فرصة” للإصلاحات وللاستفادة منها، ولا يشجبون بل يدعمون، ويطورون بعناية كل تجاوز لنطاق الإصلاحية، وذلك في الدعاية وفي التحريض وفي العمل الجماهيري الاقتصادي، والخ… اما التصفويون الذين ابتعدوا عن الماركسية، فانهم بتهجماتهم على وجود الكل الماركسي بالذات، بقضائهم على الطاعة الماركسية، بترويجهم للإصلاحية وللسياسة العمالية الليبرالية، لا يفعلون غير ان يشوشوا الحركة العمالية.

وفضلاً عن ذلك، لا يجوز ان يغيب عن البال ان الإصلاحية في روسيا تتجلى ايضًا في شكل خاص، وذلك على وجه الدقة في صورة تشبيه الظروف الجذرية للوضع السياسي في روسيا المعاصرة بما هي عليه في اوروبا المعاصرة. وهذا التشبيه مشروع من وجهة نظر الليبرالي، لان الليبرالي يؤمن ويدين بان “عندنا، والحمدلله دستور”. ان اللبرالي يعرب عن مصالح البرجوازية حين يدافع عن النظرة القائلة ان كل تجاوز من قبل الديمقراطية لنطاق الإصلاحية بعد 17 تشرين الاول (اوكتوبر)(5) هو جنون وجريمة وخطيئة، وما الى ذلك.

ولكن هذه النظرات البرجوازية بالذات هي التي يطبقها في الواقع اصحابنا التصفوين الذين “ينقلون” دائمًا وبدأب وانتظام الى روسيا (على الورق) “الحزب العلني”، و”النضال في سبيل الشرعية”، وخلافهما. اي انهم، بتعبير آخر، يروجون، مثل الليبراليين، لنقل الدستور الاوروبي الى روسيا بدون ذلك السبيل الاصيل الذي ادى في الغرب الى وضع الدساتير والى ترسيخها في سياق اجيال من الناس، وحتى احيانًا في سياق قرون. ان التصفويين والليبراليين يريدون، كما يقال، ان يغسلوا الجلد دون ان يغطسوه في الماء.

في اوروبا، تعني الإصلاحية بالفعل التخلي عن الماركسية والاستعاضة عنها “بالسياسة الاجتماعية” البرجوازية. اما عندنا (يقصد روسيا) فان إصلاحية التصفويين لا تعني هذا وحسب، بل تعني كذلك القضاء على التنظيم الماركسي والتخلي عن المهمات الديمقراطية للطبقة العاملة، والاستعاضة عنها بسياسة عمالية ليبرالية.

نّـشر لاول مرة في «برافدا ترودا» (حقيقة العمل)

العدد 2، 12 ايلول (سبتمبر) عام 1913.

المصدر:مختارات لينين-دار التقدم موسكو-1976-ترجمة الياس شاهين.

ملاحظات:

(1)-التصفويون:تيار سياسي ساد بين المناشفة الروس عقب هزيمة ثورة 1905، طالب بتصفية الحزب الثوري السري للطبقة العاملة والاستعاضة عنه بحزب انتهازي شرعي في اطار النظام القيصري.

(2)-سيفيرنايا برافدا (حقيقة الشمال): احد اسماء جريدة البرافدا البلشفية في فترة العمل السري.

(3)-الحيتان الثلاثة: وهو تعبير اصطلاحي عن شعارات البلشفية: الجمهورية الديمقراطية-يوم العمل من ثماني ساعات-مصادرة جميع اراضي الملاكين العقاريين.

(4)-اي مجلس عام التصفويين في فيينا في آب (اغسطس)1912، حيث اقر برنامج انتهازي وسطي معادٍ للتيار الشيوعي الثوري السري.

(5)-في 17 اوكتوبر (تشرين الاول) 1905، اي في فترة النهوض السياسي الشعبي، نشر بيان للقيصر يعد فيه بالحريات السياسية والدوما التشريعي(مجلس النواب الروسي). وكان البيان تنازلاً انتزعته الثورة من القيصر. فضح البلاشفة هذه المناورة السياسية القيصرية التي ارادت شق القوى الثورية واحباط الاضراب الشعبي العام.

ــــــــــــــــــ