بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

التالي »

1- مقدمة

إذا ما رجعنا إلى الوراء زمنيًا، فإن صيف 1914 يأخذ دلالته التاريخية. وهذه الدلالة بعد أن توضحت وتعمقت تقرض نفسها اليوم فرضًا. أن صيف 1914 لم يكن بداية حرب طويلة اجتاحت أولاً أوروبا ثم العالم أجمع فحسب، بل كان أيضًا نهاية عصر: أن أوروبا معينة ستخفي ولن تعاود الظهور أبدًا. عروش تنهار، إمبراطوريات قديمة تسقط تحت ضربات الوطنيين المتلهفين إلى تحقيق استقلالهم أو استعادته. ولم يكن زعماء الدول الكبرى قد تصوروًا شيئًا من هذا، بل لم يتوقعوا انقلابًا كهذا عندما دعوا شعوبهم إلى السلاح وجندوها بالملايين. وكان شعار جميع المتحاربين واحدًا: الدفاع عن الديمقراطية والحرية والثقافة. وكان كل واحد منهم يخترع أساطير كفيلة بأن تدفع إلى المعركة بمن لن يجنوا منها الخسارة. وكان الجميع مقتنعين بأن المخرج سريع، وبأن النصر سيتحقق في مدى ثلاثة شهور. وكان الصحفيون والكتاب يتنافسون إخلاصًا لخدمة الدعاية، دون أن يكونوا تابعين دومًا بملء إدارتهم للحكومات. وكانوا نادرين أولئك الذي رفضوا من البداية أن يتقاعدوا وكان من بين هؤلاء المسالمون والاشتراكيون الذي كانوا لا يرون في الحرب الراهنة إلا الحرب التي كان يحوم خطرها فوق أوروبا منذ مطلع القرن، والتي لم يكفوا عن التحذير من احتمال نشوبها، ولما كانوا أكثر تبصرًا من الحكام، فقد كانوا يتصورن نهاية المجرزة كما ستحدث تمامًا: تضحيات عظيمة باطلية لن تؤدي إلى زوال النزعة العسكرية والامبريالية اللتين ستخرجان معززتين تحت أشكال جديدة.

من بين هؤلاء الرجال القلائل في تموز 1914 ريمون ليفوبور الذي أدلى بشهادة بأسمهم، بعبارات ممتازة في مقدمة “أسفنجة الخل” الذي طبعة عام 1912 في دار نشر “كلارتيه”. لقد كتب مشيرًا إلى اجتماعات حلقات المقاومين الملتفين حول “الحياة العمالية” تلك الحلقات التي ساهم فيها: “كنا نكتفي بأن نبث الحياة بحزن في بقايا الرماد الباردة المتبقية من الأممية، وبأن نستعرض، بذاكرة مريرة، قائمة من سقطوا على الأرض وبأن نتنبأ بتبصر غير مجد بحرب ضروس طويلة لن تقهر فيها إلا الحضارة”. ولقد عرفنا، ونحن في قلب باريس، كيف نكون في آن واحد بين آخر الأوروبيين التابعين لأوروبا الجميلة الذكية التي خسرها العالم إلى الأبد، وبين الرجال الأوائل الأممية ما تزال في عالم الغيب، وأن كانت بالنسبة إلينا يقينًا. لقد كنا السلسلة التي تربط بين عصرين..” يقينًا، أن أوروبا الجميلة تلك لم تكون خالية من العيوب. فقد كان لها بؤسها، وفضائحها المالية، وتجارتها البيضاء، ومنافساتها الدنيئة، لكن القرن التاسع عشر يظل متميزًا، إذا ما نظرنا إليه من بعد وفي مجموعة، بمطامحة الكريمة، وبنضاله من أجل حربة البشر والشعوب: ففيه حطم الديمقراطيون “التحالف المقدس” الذي كان ينوي أن يخضع الشعوب الحرة لنهير الاستبداد. ومن أطلق عليهم فيما بعد لقب “الطوبائيين” أمثال سان سيمون وفورييه وكابيه وروبرت أوين، المنهمكين في أنجار العمل الذي بدأته الثورة الفرنسية الكبرى في الميدان الاقتصادي، شادوا أنظمة هدفها التحرير الشامل للبشر، وشهد كلا العالمين ولادة مستعمرات أمكن فيها لهذه الأنظمة المختلفة أن تأخذ طريقها إلى التطبيق العملي. لقد كانت هذه الأنظمة المتنوعة مسالمة بطبيعتها، وكان تحقيقها يفترض السلام. وإلى جانبها تأسست وتطورت روابط أممية من أجل السلام والحرية. ولقد طرحت فكرة “الولايات المتحدة الأوروبية” واقترحت في أحيان كثيرة كبند من برنامج واجب تحقيقه. ثم جاء ماركس والماركسية لينشأ الأممية العالمية الأولى. وتلاهما باكونين وفوضويته، والكوميونة واخمادها الوحشي. وسمحت هدنة 1880 بعودة المنفيين والمرحلين، وتشكلت بالتالي أحزاب اشتراكية جديدة. وولدت الأممية الاشتراكية من جديد في باريس عام 1889، واحتل فيها وفورًا الاشتراكيون – الديمقراطيون الألمان مكانة الصدارة.

ويحتل كارل كاوتسكي في “قائمة من سقطوا على الدرب” المرتبة الأولى. ولقد كان جحود الاشتراكين – الديقوقراطيين في الرابع من تموز، كما هو معروف، صعبًا جدًا على لينين ومفاجئًا له، حتى أنه لم يستطع أن يصدقه. وحين اتضح أن كاوتسكي هو بين الجاحدين، شنت عليه من قبل اشتراكيي جميع البلدان الذي ظلوا أوفياء للروح الأممية حملة شعواء حقيقية يبررها على وجه التحديد المركز الرفيع الذي كان يحتله في الحركة الاشتراكية – الديمقراطية وفي الأممية الثانية. فلقد كان في كلتيهما سيدًا، ومدافعًا أول عن الماركسية الأرثوذكسية ضد الهرطقة، كما لا حظ ذلك برنشتاين حين صاغ علنًا مفهوم الاشتراكيين الإصلاحيين الذي ينص، سواء اعترفوا بذلك أم لم يعترفوا، على أن الهدف النهائي ليس شيئًا، وعلى أن الحركة هي كل شيء – وهذا على وجه التحديد ما دل عليه تصويتهم على اعتمادات الحرب، في حين أن مقررات المؤتمرات الأممية القريبة العهد قد تنبأت بقدر كبير من الدقة باندلاع الحرب الراهنة، وأملت بوضوح كبير ما يجب أن يكونه موقف الاشتراكيين. لكن برنشتاين كان صائب النظرة. فالثورة الاجتماعية لم تكون بالنسبة إليهم أكثر من شعار يحتل مكانه في نهاية مقال أو خطاب لا هب في اجتماع عام. لكن موقف كاوتسكي المعروف دلل على أن هذا الموقف يمكن أن يكون أيضًا، وفي أخطر الظروف، موقف الاشتراكيين الذي يعتبرون ثوريين أصيلين. ولقد كان هذا الوضع سائدًا في جميع البلدان. لكن ما أضفى على جحود كاوتسكي صفة استثنائية هو المكانة الاستثنائية التي يحتلها في الحركة الاشراكية.

وإذا ما قرأ الإنسان التقديرات الصارمة الشائعة آنذاك، فإنه قد يميل إلى التساؤل كيف أن اشتراكين واسعي الاطلاع من أمثال لينين وتروتسكي وبوخارين وكثيرين غيرهم قد أمكن لهم أن ينخدعوا إلى هذا الحد وأن يعتبروا كاوتسكي لمدة طويلة من الزمن كأستاذ لهم في الماركسية. أن تفسير ذلك بسيط، عندما نكون قادرين على أن نتصور بدقة ما كان الثوري الروسي وبم يتميز عن ثوري الأمم الديمقراطية الكبيرة. أن الثوري الروسي، الذي صورته دعاية العملاء الرأسماليين في فترة من الفترات على أنه وحش دموي يحمل سكينة بين أسنانه، كان على العكس يملك حس القيم ويعرف كيف يقدرها حتى عندما يعتبرها معادية، ولا أدل على ذلك من ملاحظة لينين عن المعهد البريطاني الشهير، تلك الملاحظة التي استشهد بها الكتاب كثيرًا منذ أن رواها تروتسكي في سيرته الذاتية “حياتي”. فقد جاء تروتسكي إلى لندن، باستدعاء من لينين، بعد أن هرب من سيبيريا. والتقى الرجلان لأول مرة، وكان أكبرهما سنًا، لينين، يتحرق شوقًا لمعرفة ذلك المناضل الشاب، الحازم واللامع في آن واحد، وللحكم عليه. وأثناء نزهة من النزهات، توقف للحظة أمام النصب المهيب وقال :”أنه وستمنستر، نصبهم”، مؤكدًا اللهجة على ضمير الـ “هم” – أي أعدائنا – “لكن وستمنسترشي “عظيم. كذلك هو شأن التايمز، جريدة البورجوازية، لكن يا لها من جريدة! كم أتمنى لو كان بمقدورنا أن نصدر صحيفة مماثلة!”.

أن الفترة التي دخل فيها معظم الاشتراكيين الروس إلى الحياة السياسية، كانت تشهد انطلاقة ألمانيا الكبرى وانطلاقة الحركة الاشتراكية الديمقراطية في الوقت نفسه، أنهم ما ركسيون، لكنهم يعرفون أنه ما يزال عليهم أن يتعلموا الشيء الكثير. وكانت أقامتهم في السجون القيصرية ونفيهم إلى سيبيربا، قد وفرا لهم أوقات الفراغ، وأتاحا لهم أن يعرفوا مدى جهلهم في الوقت نفسه الذي أتيح لهم فيه أن يقرؤوا بعض مؤلفان ماركس وانجليز. فهل كان بمقدورهم أن يجدوا أستاذًا لهم خيرًا من كاوتسكي؟ ما كان بإمكانهم أن يترددوا: فقد كان كاوتسكي يعتبر خير مطلع على مؤلفات ماركس، وأفضل شراحه، ومدير مجلة الحزب النظرية “الزمن الحديث”، وكانت حظوته كبيرة لدى الاشتراكيين، وكانت له هيبة حتى على الأوساط المثقفة غير الماركسية تفرض عليها أن تعامله باحترام. ومما لا ريب فيه أنهم كانوا أحيانًا يجدونه متعالمًا ومملاً بعض الشيء في سعة اطلاعه، لكن أرثوذكسيته كانت تعجبهم وتطمئنهم.

أفليس بناء على اقتراح من كاوتسكي أدينت المساهمة الوزارية – دخول اشتراكي في وزارة بورجوازية كما هو شأن مييران في فرنسا – عام 1900 في باريس، ثم في أمستردام عام 1904، حتى أن جوريس نفسه والاشتراكيين الفرنسيين اظطروا إلى التخلي عن سياسة تكتل اليساريين كما يدعموا الوزارة الراديكالية؟ وهكذا توطدت سلطة كاوتسكي نهائيًا، وتجاوزت الحركة الاشتراكية – الديمقراطية الألمانية لتشمل “الأمية” كلها، وكان الثوريون الروس يقرؤون ويدرسون مؤلفاته التي سرعان ما تترجم وتنشر في عدد من اللغات، ومن بينها “الثورة الاجتماعية” الذي وصف فيه بدقة ما هيه الثورة الاجتماعية وقارنها بالثورة السياسية. لكنه بعد أن نشر تعاليمه على هذا النحو الواسع، جحدها بعد بضع سنوات، في عام 1917 عندما قامت الثورة بالشكل الذي وصفها به. كان قد كتب: “كل اشتراكي يعمل من أجل الثورة بالمعنى الواسع للكلمة، لكن ثمة اشتراكيين يرفضون فكرة الثورة ويريدون تحقيق التحول الاجتماعي بالإصلاحات وحدها… على العكس” أن هذه التدابير (الإصلاحات) هي نتيجة لثورة حين تكون مطبقة من قبل الطبقات المضطهدة اقتصاديًا وسياسيًا في الماضي والتي تمكنت من الاستيلاء على السلطة السياسية، والتي يتوجب عليها في سبيل مصلحتها أن تحول بسرعة البني الفوقية السياسية، والحقوقية وأن تخلق أشكالاً جديدة للتعاون الاجتماعي… أن الثوري هو ذاك الذي يعمل للاستيلاء على السلطة من أجل طبقة مضطهدة، وهو لا يفقد هذه الصفة إذا ما أعد لهذا الاستيلاء وعجل به عن طريق إصلاحات اجتماعية منتزعة من الطبقات الحاكمة…. أن الثورة السياسية لا يمكن أن تصبح ثورة اجتماعية إلا إذا قامت بها طبقة مضطهدة اجتماعيًا… لقد فقدت اليوم العبارات اللاهوتية قدرتها على التخدير، وبخاصة بين عناصر الشعب الثورية. أما المناداة بالحق التاريخي، فقد فقدت أيضًا الكثير من قوتها الرادعة”.

هذا ما كأنه كاوتسكي ما قبل 1914. مكانة استثنائية تمامًا كما تدل على ذلك الوقائع المذكورة آنفًَا. سلطة فكرية يستطيع أن يسمح لنفسه باستخدامه عند المناسبة بكل رشاقة. وهذا مثال. كان شارل آندلر، الاشتراكي الفرنسي، الاستاذ في جامعة السوريون ثم في “كوليج دي فرانس” قد أعد ونشر في سلسلة شعبية لكن معتنى بها للغاية، “ترجمة الـ “البيان الشيوعي” مزودة بتعليقات غزيرة وعميقة وكان هذا عملاً فكريًا يعتمد على سعة الإطلاع وعلى الأمانة، لكن مجلة “الزمن الحديث” عاملته بخفة، ملمحة إلى أن المؤلف قد غامر باستخفاف في ميدان لا قبل له به. وقد رأى أندلر أن هذه الطريقة في التصرف غير مقبولة بين اشتراكيين، ورد بلهجة عنيفة على ما أعتبره نقدًا غير مقبول، وألح على نشر جوابه في المجلة، والحال أن طلبة العادي هذا لم يلب، فقد أعيدت إليه رسالته بكل بساطة بحجة أنها لم تستلم نظرًٍا إلى أن طوابعها البريدية ناقصة.

أنها حادثة صغيرة عارضة بلا ريب، لكنها لا تخلو من دلالة لا نرى من ضرورة للإشارة إليها. على أننا نستطيع أن نذكر حوادث أخرى من نفس النوع، وحول مواضيع أكثر أهمية. ففي منعطف القرن، أخذ النمو الاقتصادي في ألمانيا يسير بوتيرة سريعة حتى أن نتائجه لم تتخلف عن ترك آثارها في سياسية الحكومة الدولية، ولوحظ في الوقت نفسه تغير محسوس في تصرف الألمان في مختلف الميادين، وبخاصة في الحركة العمالية حيث كانت هيمنتهم الجديدة تؤدي في غالب الأحيان إلى اصطدامات لا تعدو أن تكون شخصية ولا تهيئ الجو بالطبع لتوطيد علاقات ودية ضرورية لتخفيف حدة الاختلافات المبدئية.

وعند اندلاع الحرب تغير كل شيء، وبالدرجة الأولى منظمات الطبقة العاملة. وحرمتها حالة الحصار والرقابة من كل أمكانية للعمل الحر، بل من كل أمكانية للاستطلاع، ومن كل اتصال غير الاتصال الذي تسمح به السلطة. كانت الحكومة ترى أن كل نشاط يجب أن يركز على الحرب. “لم تعد هناك قوانين اجتماعية”، هذا ما أجاب به وزير فرنسي، مييران، لوفد عمالي جاء يقدم إليه بعض المطالب: “لم يعد هناك من شيء غير الحرب”. إنذار وقح يعبر بدقة عن سياسة الطبقات الحاكمة، سواء أأعلنته أم لم تعلنه. أنه زمن الامتحان للمناضلين العماليين والاشتراكيين الذي حرمهم الحكام من كل حق في الوقت نفسه الذين كانوا يطلبون فيه إليهم أن يؤيدوا بدون تحفظ سياستهم الحربية، وبخاصة ممن لعب دورًا هامًا في الأحزاب والنقابات، وفي “الأممية”. وهذا ما حدث لكاوتسكي. فهو لم يفكر ولم يتكلم قط إلا بتعابير الطبقة والنضال الطبقي، باعتباره مدافعًا لا يساوم عن الماركسية الثورية. وهل كان يستطيع أن يتكلم بلغة أخرى؟ من مختلف أنحاء العالم الاشتراكي كان ينتظر منه التصريح الذي سيسمح للجماهير بان تتبين طريقها في ليل الحرب. انتظار لا جدوى منه. أنه ليس عضوًا في الرايخستاغ، فهو بالتالي ليس ملزمًا بأن يدلى برأيه فورًا بصدد اعتمادات الحرب. وهذا ما سمح له بأن يلتجئ إلى نوع من المذاهب المرجثة. أنه لن يكون لا شايدمان الذي أندفع من اليوم الأول في تأييد سياسة كليزر الحربية بلا تحفظ، ولا ليبكنيشت الذي رضخ في البداية لانضباط الزمرة البرلمانية ليتحرر منه في كانون الأول؛ مستغلاً أول فرصة سنحت له ليعلن معارضته العلنية للحرب وليطالب بالسلام “سلام بلا ضم لا يذل أحدًا” ( ).

أما بالنسبة على كاوتسكي، فقد كان يعتقد أن الاشتراكي لا عمل له في زمن الحرب، وتخلي هو نفسه عن كل نشاط تقريبًا، رغم حبه الشديد للكلام. أنه يقترب من برنشتاين الذي أساء معاملته هو بنفسه منذ مدة قريبة، وفضح هرطقته، وتبني كلاهما نزعة وسطية لا تذهب إلى أكثر من الالتقاء في سويسرا بـ “أعداء”، باشتراكيين ونقابيين فرنسيين، لا بهدف الحفاظ على روح الأممية البروليتارية رغم كل شيء، كما فعل ذلك زمر وولد، بل فقط للتباكي بتشاؤم غير مبالغ فيه على تعاسة الزمن.

وعندما كان يتكلم كان كأنه شخص آخر تمامًا غير الشخص الذي عرفته المؤتمرات محييًا “التكتيك الماضي المتمرس المظفر” للحركة الاشتراكية – الديمقراطية الألمانية، كما كان يفعل في مدينة دويسد عام 1903، أو قائلاً في المؤتمر نفسه: “لقد سعينا حتى الآن إلى تعميق الهوة التي تفصلنا عن الطبقات الحاكمة، وإلى أثارتها ضدنا، وإلى إرهابها كيما نصل إلى أحداث حاجة، إلى صراع علينا أن ننتصر فيه. أما التكتيك الجديد فيسعي إلى تجنب المعارك، وإلى تلافيها. أن التكتيك القديم يقوم على نظرية ماركس. والجديد لا يكون مبررًا إلا إذا كانت نظرية ماركس خاطئة”. وجاء الحدث الحاد في اهاب الحرب، لكن الذعر تملك كاوتسكي.
إنه شخص آخر، أسلوب آخر، عندما يكتب. واختفت اللهجة الواثقة، القاطعة، الحاسمة، لهجة مدير “الزمن الحديث” أو مؤلف “طريق السلطة”، لتحل محلها لهجة خائرة وعبارات كهذه: “ليست الأممية سلاحًا من أسلحة زمن الحرب، باعتبار أنها بطبيعتها أداة سلام”. أو قوله عن حرية الصحافة في النظام الثوري: “الكذابون والمتعصبون موجودون في كل المعسكرات”.

* * *

إذا كان كاوتسكي قد التزم جانب الصمت نسبيًا أيام الحرب، فلقد عاد إلى الكلام بكل طاقته بدءًا من ثورة أكتوبر، لا ليدافع عنها – كما كان مفروضًا فيه نظرًا إلى ماضيه كله – بل ليحاربها بلا كلل، وبتهالك وسوء نية لا يمكن لأي مرتزق في الصحافة الرأسمالية أن يتباهى بأنه يستطيع أن يتجاوزهما. بل إنه سرعان ما خصها بكتاب كامل تحت عنوان “الإرهاب والشيوعية”. وتحمل المقدمة تاريخ حزيران 1919 لكن المؤلف يحدد بأنه بدأ الكتابة قبل عام من ذلك التاريخ، وتوقف على أثر قيام الثورة الألمانية في 9 تشرين الثاني، واستأنفها بعد بضعة أشهر وأكمل فصول الكتاب أثناء أوقات فراغه. وسرعان ما ترجم إلى الفرنسية ونشر في باريس في أواخر العام.

اللهجة فيه لهجة كاوتسكي الجديد. على سبيل المثال: “المرء يرتكب الحماقات دومًا، وفي زمن الثورة يرتكب منها أكثر من أي زمن آخر”. لكن لهجة التعالم لم تفارقه: “الذين فهموا نظرية ماركس على حقيقتها قليلون”، فهذه النظرية تتطلب عملاً فكريًا كبيرًا للغاية”. وأيضًا: “ليست قيادة الحرب، بشكل عام، الجانب القوي في البروليتاريا” ولقد كتب هذا مع أن ذاكرته ما تزال محتفظة بالصورة الغضة لأربع سنوات من الحرب إذا كان كبار القادة العسكريين قد أثبتوا فيها شيئًا، فهو أن الحرب ليست جانبهم القوي، في حين أن العمال والفلاحين الروس قد لقنوهم، في ظل ديكتاتورية البروليتاريا، دروسًا عدة وسيلقنوهم المزيد منها ما داموا يحلمون بالتدخل وبدعم قوى الثورة المضادة.

وأود أن أشير أولاً إلى عبارتين استشهد بهما كاوتسكي، دلالتهما بليغة نظرًا إلى أنهما تبينان إلى أي حد يمكن أن يندفع كاوتسكي في عدائه لثورة أكتوبر. ففي الفصل الذي خصصه لمقارنة الكوميونة بالثورة الروسية، يستشهد بكتاب “الثورة الاشتراكية” (المنشور بإشراف جان جوريس)، وهو كتاب تافه، خال تمامًا من الأصالة والابتكار، مع أن هناك عدة مؤلفات عن الكوميونة كان بمقدوره الرجوع إليها. ذلك لأن كاتبه كما يقول هو “الثوري الطيب” دوبري”. والحال أن هذا “الثوري الطيب” هو واحد من أولئك الاشتراكيين الذين يريدون أن تستر الحرب “حتى النهاية”، ولكن الذين يظلون هم أنفسهم بعيدين عن الخنادق. بل أنه ليس وسطيًا شأن كاوتسكي، إنما هو أقرب إلى شايدمان وكاشان وموسليني وشركائهم.

والاستشهاد الثاني مأخوذ عن فوضوي سويسري، وهذا شيء يبعث على الدهشة في حد ذاته نظرًا إلى أن الماركسية الأرثوذكسية تعتبر الفوضوي عدوًا. وكان هذا الفوضوي يريد، رغم أنه سويسري، أن يستمر الفرنسيون والألمان والبريطانيون والنمساويين في الاقتتال في حرب لا هدف لها ولا مخرج. وفي حين أن ثورة أكتوبر قد سمحت للكثيرين من العمال والمثقفين التائهين بأن يتمالكوا أنفسهم، يقف ذلك الفوضوي، مثل كاوتسكي، في صف حلفاء الثورة المضادة. غير أنه ينبغي أن نشير إلى أن القضية أهم من سابقتها، نظرًا إلى أنها تقوم على كذبة هي من أصفق الأكاذيب في زمن أصبح فيه الكذب، بفضل دعابة المتحاربين، بضاعة رائجة. فمن بين القذارات المنسوبة إلى السوفييت، كان هناك تلميح إلى “تشريك مزعوم للنساء”. بل إن كاوتسكي يمضي في الكذبة إلى حدودها القصوى، ويدعي أن لديه وثيقة حاسمة وجدها في كتاب الفوضوي الآنف الذكر: وهي أمر صادر عن مجلس سوفييت عمالي. ولقد كانت الوثيقة، شأنها شأ، غيرها، مزيفة لا تستحق غير الازدراء. لكن كاوتسكي لم يتردد في التمسك بها وفي استخدامها ليدعم رأيه، الشيء الذي قاده إلى أن يقوم بتحقيق مفصل حول كل بند من بنود “الوثيقة”: ولقد كانت هذه فرصة جميلة لكشف الزيف والمزيفين ولكشف المساهمين في هذه الدعاية الدنيئة المنطلقين من المبدأ القائل أن كل وسيلة صالحة عندما تكون موجهة ضد مجالس السوفييت. وتفاصيل هذه القصة مروية في كتاب تروتسكي.

ثمة عادة دارجة تريد أن تصور الثوريين – البورجوازيين أو الاشتراكيين – بأنهم أفراد متعطشون إلى الدم والنهب والقتل. مع أنه من السهل على العكس ومن الضروري أن يكتب فصل تمهيدي يوضع في مقدمة تاريخ كل ثورة للتأكيد على كرم الثوريين وتسامحهم. إن رجال الطبقة المضطهدة التي تستسلم الحكم لا تسيطر عليهم فكرة لانتقام. أنهم لا يطمحون، وقد غمرهم فرح النصر والتحرر من ذل طويل، إلى أكثر من تحقيق المثل الأعلى الذي حاربوه من أجله، وبناء المجتمع الجديد الذي اهتدوا بفكرته أثناء نضالهم. وهذا شعور عبر عنه بدقة ل. بورين في “رسالة من باريس” عن أيام 1830 الثورية. فلقد كتب متحدثًا عن الرجال الذين قادوا تلك الأيام: “لقد انتصروا بسرعة وغفروا بسرعة أكبر أيضًا”.

في عام 1848 كانت الثورة عيدًا يغمره فرح عام، وتفاؤلاً يتجلى في غرس أشجار الحرية في كل الساحات. وليس أسهل من إدانة الكوميونة بحجة ذبح الرهائن، لكن إذا ما فعلنا ذلك نكون قد نسينا أن أخذ الرهائن لم يكن بالنسبة لرجال الكوميونة إلا وسيلة لحماية أنفسهم من جريمة تيير الذي رفض أن يعتبر “الاتحاديين” محاربين وأمر بالتالي بإعدام من يعتقل منهم. ففي بداية ثورة أكتوبر سقط الجنرال كراسنوف، أثناء إحدى المعارك، في أيدي البولشفيين. فهل أعدموه فورًا؟ أبدًا. بل أعيدت إليه حريته مقابل وعده والتزامه بعدم معاودة محاربة روسيا السوفياتية. ولقد أقسم على ذلك بـ”شرفه العسكري”، ثم أسرع يلتحق في خدمة جيش دينيكين.

وثمة واقعة أخرى أقل أهمية، وذات طابع شخصي تثبت إلى أي حد تظل روح الانتقام غريبة على الثوريين. فحين نفي تروتسكي من فرنسا عام 1916، كان الشرطي المكلف بالعملية يدعى فوبا – بيريه. ولقد أدى هذه المهمة بإخلاص لا مثيل له بحيث أن تروتسكي اعتقل لحظة وصوله إلى أسبانيا، وذلك عندما سلم الشرطي المذكور لزملائه الإسبانيين رسالة تصف تروتسكي بأنه “فوضوي خطر”. وبعد عامين – عامين حدثت فيهما أمور كثيرة – اقتيد فوبا – بيريه المذكور إلى تروتسكي في مكتبه بموسكو. وقال الشرطي مرتبكًا وقلقًا بلا ريب من المصير الذي ينتظره: “أجل، هو أنا”. وأضاف: “أنه مجرى الأحداث” محاولاً بذلك أن يثبت أنه ليس شرطيًا عاديًا وأنه يملك بعضًا من عناصر الفلسفة السياسية. وعلى كل الأحوال، لم يكن يفتقر إلى الصفافة باعتبار أنه قبل بالمجيء إلى روسيا ليراقب الرجال الذين عرفهم أثناء تعذيبه لهم في فرنسا. وتلهى تروتسكي قليلاً بـ”مجرى أحداث” الشرطي الفيلسوف الذي استطاع أن يعود إلى فرنسا، مندهشًا بلا ريب من أنه نجا بجلده بمثل هذه السهولة.

بديهي أننا لا نقول هذا كله لننفي واقع الإرهاب، بل لنثبت أنه غير متلازم والثورة. فللوصول إلى “لجنة السلامة العامة” وإلى “ديكتاتورية” روبسبيير، وغلى قانون بليربال، لا بد من هرب الملك وخيانة الجنرالات وتآمر المهاجرين المستمر، وتدخل الدول الأجنبية عسكريًا. فعلى الثورة أن تدافع عن نفسها عندما توضع العراقيل في وجه إرادتها السلمية في إعادة البناء. والطبقة المالكة، حين تطرد من السلطة، ترفض الاعتراف بهزيمتها. إنها تشعر، لحظة طردها، أنها بلا قوة، وأنها عاجزة عن المقاومة. لكنها سرعان ما تشرع في محاولة استعادة امتيازاتها التي انتزعت منها، وتلجأ آنذاك إلى كل الوسائل وكلما ازدادت نزعتها العدوانية، احتدت المعركة، واشتد القمع، وكثرت تدابير البوليس، وفت في عضد الثورة المضادة، لكنها تكون قد نجحت في تسميم النظام الجديد بإرغامه على انتهاج سياسة لم يردها، وعلى تبذير جزء من القوى، خير القوى في غالب الأحيان، كان كل قصده أن يستفيد منها على وجه أحسن.

إن التدخل الأجنبي يزعم الثورة على خلق جيش يفترس الرجال والموارد، في بلد هدمته حرب طويلة أو نظام حكومي عاجز وفاسد. وحين نتذكر أن قوات الجيش الأحمر بلغت، أثناء الحرب الأهلية، والدفاع ضد التدخلات الأجنبية، خمسة ملايين رجل (هذا ما كانه أيضًا عدد قوات الجيش الفرنسي أثناء الحرب العالمية الأولى)، نستطيع أن نتصور كم كلفت الثورة المضادة روسيا السوفياتية وكم حرمتها من جهود قوى حية لا تحصى.

والحال أن كاوتسكي، في نقده وتهجمه المكرر والمعاد على النظام الاقتصادي الذي حاولت مجالس السوفييت أن توطده، يتجاهل كل هذه الأمور الجوهرية التي لا بد من معرفتها للتمكن من إصدار تقييم صحيح للموقف. أنه يقف معجبًا، وقد انقلب من ماركسي إلى ديموقراطي، أمام الدول الديمقراطية الكبرى، إنكلترا وفرنسا، التي لم تحقق المعجزة مع ذلك أيام الحرب، وبخاصة عند توقيعها لمعاهدات السلام التي قطعت أوصال أوروبا تقطيعًا سخيفًا للغاية إلى حد أن نظرة خاطفة نلقيها على الخارطة تكشف لنا عن جرثومة حرب جديدة.

إن كتاب تروتسكي يحمل نفس عنوان كتاب كاوتسكي ولقد تأخر في كتابته هو الآخر شهورًا عديدة، لكن لأسباب مختلفة ينوه بها المؤلف في مقدمته: “إن مؤلفنا هذا الذي بدأناه أثناء المعارك الطاحنة ضد دينيكين وبودينيتش، قد توقف عدة مرات بسبب أحداث الجبهة… لقد كنا مرغمين على فضح افتراءات كاوتسكي في المسائل الاقتصادية مبينين تشابهها مع افتراءاته في المجال السياسي”. وسيقول أيضًا: “أن الكتاب مكرس لتوضيح مناهج سياسة البروليتاريا الثورية في عصرنا الراهن. والكتاب معروض في إطار سجال كالسياسة الثورية نفسها. إن السجال الموجه ضد الطبقة السائدة، والمفهوم من الطبقة المسودة، يتحول في لحظة معينة إلى ثورة”.

وإذا كان القسم السياسي من الكتاب هامًا باعتباره نقدًا لاذعًا لجحود كاوتسكي – وسيساهم لينين في هذا النقد بكتابه المنشور بعد مدة وجيزة تحت عنوان “الثورة البروليتارية وكاوتسكي الجاحد” والذي يجمع بين النقاش والخطابية – فإن القسم الاقتصادي منه لذو أهمية استثنائية. ففي الفصل الثامن، المكرس لمسائل تنظيم العمل، نجد من ضمن ما نجده: التقرير الذي قدمه تروتسكي للمؤتمر الثالث الروسي الموحد للنقابات وهذا التقرير يعالج بصراحة تامة كل المسائل المتعلقة بالسلطة السوفياتية والصناعية: لوحة صادقة عن وضع صعب، لكنها تذكير عاقل بالأهداف العظيمة الجليلة “التي يمكن أن تعتبر قد تحققت بعد أن انتهت الحرب الأهلية الآن”. إن هذا التقرير الجوهري في حد ذاته نظرًا إلى أهمية موضوعه، يشتمل أيضًا على أهمية أخرى: فهو يبين كيف كان القائد السوفياتي يخاطب العمال آنذاك.

الفريد روسمر
آيار 1963

التالي »