بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

« السابق التالي »

10- حول الإرهاب

يئن كاوتسكي:

“تؤدي الثورة إلى إرهاب دموي تستخدمه حكومات اشتراكية. ولقد كان البلاشفة في روسيا أول من سار في هذا الطريق. وهذا ما صب عليهم بأقسى صورة استنكار جميع الاشتراكيين الذين لا يقبلون بوجهة النظر البولشفية والذين تقف إلى جانبهم الغالبية الألمانية. لكن هؤلاء الأخيرين ما كادوا يشعرون بأن هيمنتهم مهددة حتى لجؤوا بدورهم بدون تردد إلى طرائق الإرهاب التي أدانوا استعمالها في الشرق”.

ويخيل إلينا أنه كان من الواجب الاستنتاج من هذه المقدمات أن الإرهاب أعمق ارتباطًا بكثير بطبيعة الثورة مما يفكر بعض الحكماء. أما كاوتسكي فإنه يستخلص نتيجة معاكسة كليًا. إن التطور المدهش لإرهاب البيض والحمر في مختلف الثورات الأخيرة – الروسية والفنلندية والألمانية والنمساوية والمجرية – لهو في نظره دليل على أن هذه الثورات انحرفت عن طريقها القويم ولم تتجل كما كان يجب أن تتجلى حسب أحلامه النظرية. وبدون أن نتأخر في نقاش “تلازم” الإرهاب المنظور إليه “في ذاته” مع الثورة المفهومة هي أيضًا “في ذاتها”، فلنقف عند مثال بعض الثورات كما يظهرها لنا تاريخ الإنسانية الحي.

إننا سنذكر أولاً بعهد الإصلاح الذي رسم خط شبه فاصل بين العصر الوسيط والتاريخ الحديث: فكلما كان الإصلاح يعانق المزيد من المصالح العميقة للجماهير الشعبية، كان يزداد اتساعًا وتزداد ضراوة الحرب الأهلية التي كانت تدور تحت الرايات الدينية، وتزداد أيضًا قسوة الإرهاب من كلا الجانبين.

لقد قامت إنكلترا في القرن السابع عشر بثورتين: الأولى التي أشعلت انفجارات اجتماعية عنيفة وحروبًا طويلة وأدت إلى إعدام شارل الأول، والثانية التي انتهت نهاية سعيدة بصعود أسرة مالكة جديدة إلى العرش. إن البورجوازية الإنكليزية ومؤرخيها ينظرون إلى هاتين الثورتين من زاويتين مختلفتين: فالأولى في نظرهم مذبحة مقرفة و”عصيان” عظيم، أما الثانية فقد لقيت باسم “الثورة المجيدة”. ولقد بين المؤرخ الفرنسي أوغستان تييري أسباب هذا الاختلاف في التقدير. ففي الثورة الإنكليزية الأولى، في “العصيان الكبير”، كان الشعب يعمل، أما في الثانية فقد “صمت” تقريبًا. ومن هنا ينتج أنه من الصعب للغاية، في نظام قائم على العبودية الطبقية، أن تتعلم الجماهير المضطهدة الطرائق المهذبة. فهي إذا ما استشاط غضبها قاتلت بالدبابيس والحجارة، بالنار والحبل. فهي إذا ما استشاط غضبها قاتلت بالدبابيس والحجارة، بالنار والحبل. ولقد أحس أحيانًا المؤرخون الذين نذروا أنفسهم لخدمة الملوك والمستغلين بالإهانة بسبب ذلك. لكن لنلاحظ أن “العصيان الكبير” لا “الثورة المجيدة” هو الذي يحتل مكانه في تاريخ إنكلترا الحديثة (البورجوازية) كحدث حاسم.

وأهم حدث في التاريخ الحديث بعد ** الحدث الذي خلف وراءه الحدثين السابقين بعيدًا بسبب أهميته، كان الثورة الفرنسية الكبرى.

لقد ولدت الثورة الكلاسيكية الإرهاب الكلاسيكي. وكاوتسكي مستعد ليعذر إرهاب اليعاقبة، معترفًا بأن أي تدبير آخر ما كان ليسمح لهم بإنقاذ الجمهورية. لكن لا يدري أحد ما الفائدة من هذا التبرير المتأخر. لقد كان اليعاقبة يجسدون الشر في نظر كاوتسكيي نهاية القرن الثامن عشر (زعماء حزب الجيرونديين الفرنسي). وإليكم هذه المقارنة المبتذلة التي فيها من الدلالة ما فيها بين الجيرونديين الفرنسيين “كان كلا الطرفين يريد الجمهورية…”. لكن الجيرونديين “كانوا يريدون جمهورية شرعية، حرة، كريمة. أما الجبليون فكانوا يريدون (!) جمهورية استبدادية رهيبة. كان كلا الطرفين يعلن أنه مع سيادة الشعب. لكن الجيرونديين كانوا يعنون حقًا بكلمة الشعب مجموع السكان، في حين أن الشعب بالنسبة إلى الجبليين لم يكن إلا الطبقة الكادحة. ومنذ ذاك أصبحت السلطة بيد الأشخاص الأخيرين”. إن التناقض بين فرسان الجمعية التأسيسية والمنفذين الدمويين للديكتاتورية والبروليتارية تدل عليه ههنا بما فيه الكفاية تعابير العصر السياسية.

إن ديكتاتورية اليعاقبة الحديدية قد أملاها موقف فرنسا الثورية البالغ الحرج وإليكم ما يقوله مؤرخ بورجوازي: “كانت الجيوش الأجنبية قد دخلت الأراضي الفرنسية من أربعة جوانب في آن واحد. في الشمال الإنكليز والنمساويون في الإلزاس، البروسيون. في دوفيني وحتى ليون، البيمونتيون. وفي روسيون، الإسبانيون. وهذا في الوقت الذي كانت فيه الحرب الأهلية تعبث فسادًا في أربع نقاط مختلفة: في نورماندي وفاندي وليون وطولون. وينبغي أن نضيف أيضًا الأعداء الداخليين، المدافعين المتسترين عن النظام القديم، المستعدين لمساعدة العدو بكل الوسائل”.

ونحن سنقول أن تشديد الديكتاتورية البروليتارية في روسيا كان مشروطًا بظروف لا تقل إحراجًا. جبهة متصلة من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب. وعلاوة على جيوش كولتشاك ودينيكين المناوئة للثورة، كانت روسيا السوفياتية تهاجم بالتواقت أو التتابع من قبل الألمان والنمساويين والتشيكوسلوفاكيين والرومانيين والفرنسيين والإنكليز والأميركان واليابانيين والفنلنديين والأستونيين والليتوانيين. أما في داخل البلاد، المحاصرة من جميع الأطراف والمحتضرة جوعًا، فكانت لا تنقطع المؤامرات والتمرد والأعمال الإرهابية وتدمير المستودعات وسكك الحديد والجسور. “كانت الحكومة التي أخذت على عاتقها أن تحارب العدو الذي لا يحصى له عدد في الخارج والداخل، لا تملك لا مالاً ولا جيشًا كافيًا، وبكلمة واحدة لا شيء، باستثناء طاقة لا حد لها، وتأييد حار من قبل العناصر الثورية في البلاد وجرأة اللجوء إلى جميع التدابير من أجل سلامة الوطن مهما كانت قاسية تعسفية غير شرعية”. بهذه العبارات كان بليخانوف يصف في الماضي حكومة اليعاقبة (الاشتراكي – الديموقراطي لمحة سياسية وأدبية عن فترة ثلاثة أشهر. شباط، الجزء الأول. لندن 1890. مقال عن “الذكرى المئوية للثورة الكبرى” ص 6 و7).

لكن لنلتفت إلى الثورة التي حدثت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في الولايات المتحدة، بلد “الديمقراطية”. فبالرغم من أنها لم تكن تهدف إلى إلغاء الملكية الخاصة، بل إلى إلغاء تجارة الزنوج، إلا أن مؤسسات الديمقراطية عجزت مع ذلك عن حل النزاع بالطريق السلمي. كانت ولايات الجنوب، التي هزمت في انتخابات 1860 الرئاسية، قد قررت أن تستعيد، بأن ثمن كان، النفوذ الذي مارسته حتى ذلك الحين بفضل الإبقاء على عبودية الزنوج، وبينما كانت تلقي، كما جرت العادة، خطابات بليغة عن الحرية والاستقلال، سارت في الطريق الذي أدى إلى تمرد ملاك العبيد. وكان لا بد أن تنتج عن ذلك حتمًا جميع نتائج الحرب الأهلية اللاحقة. ومنذ بداية النزاع اعتقلت حكومة بالتيمور العسكرية في حصن ماك – هنري عددًا من أنصار الرق رغم القانون الذي يمنع اعتقال المواطنين بدون قرار من الحكمة. وقد كانت شرعية أو لا شرعية هذه الأعمال مثار نقاش حاد بين أعيان المنطقة. وقد صرح القاضي الأول تيني أن رئيس الجمهورية لا يملك لا حق تعليق القانون السابق الذكر، ولا حق منح المسؤولين العسكريين مثل هذه السلطات. وقد قال أحد أوائل مؤرخي الحرب الأميركية: “كان هذا هو، حسب كل احتمال، الحل الطبيعي للمسألة. لكن الموقف كان بالغ الحرج، وضرورة اتخاذ تدابير جذرية تجاه سكان بالتيمور ملحة للغاية إلى حد أن شعب وحكومة الولايات المتحدة كانا يطالبان بأحزم التدابير”. (“تاريخ الحرب الأميركية”، بقلم فليتشر، ملازم – كولونيل في رماة الحرس الأيرلنديين، مترجم إلى الإنكليزية، سان – بترسبورغ، 1867، ص 95).

والبضائع القليلة التي كان الجنوب الثوري بحاجة إليها كانت تأتيه سرًا عن طريق تجار الشمال. وفي مثل هذه الشروط لم يعد أمام سكان الشمال إلا اللجوء إلى القمع. وفي 6 آب 1861 صدق رئيس البلاد على مشروع قانون مقدم من قبل الكونغرس بمصادرة الملكية الخاصة المستخدمة لأغراض العصيان. وكان الشعب، ممثلاً بالعناصر الأكثر ديموقراطية، يميل إلى التدابير القصوى. وكان للحزب الجمهوري في الشمال غالبية كاسحة وكان كل من يشتبه في أنه انفصالي، أي محبذ لولايات الجنوب المنشقة، يتعرض للعنف. وفي عدد من مدن الشمال وحتى في ولايات إنكلترا الجديدة التي كانت تتباهى باستتباب النظام فيها، قام السكان في عدة مناسبات بنهب مراكز الصحف التي كانت تؤيد أنصار الرق وحطموا مطابعها. ولم يكن من النادر أن يرى الإنسان الناشرين الثوريين مطليين بالقطران، ممرغين في الريش، ومعروضين في الشوارع بهذا الزي إلى أن يقبلوا بحلف الإيمان على الإخلاص للاتحاد. وكانت شخصية المزارع المطلي بالقطر أن تفقد كل صلة بـ”الشيء في ذاته”، وهكذا تعرض الآمر المطلق الذي قال به كانت إلى أكثر من فشل أثناء الحرب الأميركية الأهلية لكن ليس هذا كل شيء. يروي لنا المؤرخ نفسه: “ولجأت الحكومة من جانبها إلى تدابير قمع متنوعة ضد المنشورات التي لا تتبنى وجهة نظرها. ووجدت الصحافة الأميركية التي كانت تتمتع بأكبر حرية ممكنة، وجدت نفسها بسرعة في وضع مؤسف لا يفترق بشيء عن الوضع في أوروبا في عهد الحكم الملكي المطلق. ولقد عانت حرية الكلام من المصير نفسه. وهكذا – يتابع الملازم – الكولونيل فليتشر – وجد الشعب الأميركي نفسه محرومًا في الوقت نفسه من معظم حرياته. ومن المفيد أن نلاحظ – مضيفًا بلهجة الأخلاقي – أن غالبية السكان كانت مأخوذة بالحرب ومستعدة للقبول بجميع التضحيات من أجل الوصول إلى هدفها حتى أنه كان يبدو عليها أنها لم تتبين أنها خسرت حرياتها ولم تأسف عليها قط” (“تاريخ الحرب الأميركية” – ص 162 – 164).

ولقد كان رد فعل دمويي الجنوب أنصار الرق وأتباعهم الرعاع أشد وأعنف بكثير. يروي الكونت دي باري: “في كل مكان كانت تتكون فيه غالبية تؤيد ملاك العبيد، كان الرأي العام يصبح مستبدًا إلى درجة رهيبة إزاء الأقلية. وكان جميع الذين يأسفون على العلم القومي مرغمين على التزام الصمت. لكن تبين أن هذا لا يكفي. وكما يحدث في الثورات كافة، فقد أرغم اللامبالون على إظهار تعلقهم بالقضية الجديدة. ومن كان يرفض منهم كان يصبح عرضة لكراهية الرعاع وعنفهم… وفي كل مراكز الحضارة الوليدة (ولايات الجنوب الغربي) تشكلت لجان رقابة مؤلفة من جميع الذين عرفوا بتطرفهم في المعركة الانتخابية… وكان الملهى المكان الطبيعي للاجتماع وكانت حفلات الدعارة تختلط بخطابات بائسة لتمجيد العدالة. وكان بعض المهووسين يجلسون حول مائدة يسيل منها الوسكي، ويحاكمون مواطنيهم الحاضرين والغائبين. وكان المتهم يشاهد تهيئة الحبل المشؤوم حتى قبل أن توجه إليه الأسئلة. ومن لا يحضر أمام المحكمة كان يعلم بالحكم عليه وهو يسقط صريعًا تحت رصاص الجلاد القابع بين أشجار الغابة…” أن هذه الصورة تذكر بالمشاهد التي تحدث يوميًا في المناطق التي يعمل فيها دينيكين وكولتشاك ويودينيتش وسائر أبطال “الديمقراطية” الفرنسية – الإنكليزية والأميركية.

كيف كانت تطرح مسألة الإرهاب في ظل كوميونة باريس؟ هذا ما سنراه فيما بعد. ومهما يكن من أمر، فإن الجهود التي يبذلها كاوتسكي ليعارضنا بالكوميونة لا تستند إلى أساس من الصحة وترغمه على الوقوع في لفظية حقيرة.

ينبغي على ما يبدو أن نعتبر اعتقال الرهائن، متلازمًا” وإرهاب الحرب الأهلية، لكن كاوتسكي، خصم الإرهاب واعتقال الرهائن، مؤيد لكوميونة باريس مع ذلك (صحيح أنها شهدت النور قبل خمسين عامًا). بيد أن الكوميونة لم تتردد في أخذ الرهائن. ومن هنا كان بعض الحرج لدى مؤلفنا. لكن ما الفائدة من مهارة اللغو والمحاججة أن لم تستخدم في مثل هذه الظروف؟

إن مراسيم الكوميونة عن الرهائن وتنفيذ حكم الإعدام فيها، جوابًا على فظائع إتباع فرساي، قد أملتها – حسب تفسير كاوتسكي العميق. الرغبة في الحفاظ على الحيوات الإنسانية لا الرغبة في القتل. يا له من اكتشاف مدهش! لكن لا يبقى علينا إلا أن نوسعه. إننا نستطيع ويتوجب علينا أن نفهم العالم أننا في أيام الحرب الأهلية كنا نبيد الحرس الأبيض حتى لا يبيد الشغيلة. ومن هنا ليس هدفنا حذف الحيوات الإنسانية بل الحفاظ عليها. وإذا ما توجب علينا، للحفاظ عليها، أن نحارب والسلاح في أيدينا، وإذا ما أدى بنا هذا إلى عمليات إبادة، فإن لفي هذا لغزًا، استطاع العجوز هيغل أن يكتشف سره الديالكتيكي، هذا إذا لم نشأ أن نتحدث عن الحكماء المنتمين إلى مدارس أقدم.

إن الكوميونة ما كانت لتستطيع أن تقف على قدميها وتوطد نفسها إذا لم تشن حربًا لا هوادة فيها ضد إتباع فرساي. ولقد كان لهؤلاء عدد لا بأس به من العملاء في باريس. وما كان بمقدور الكوميونة، وهي تحارب عصابات تيير، إلا أن تبيد أتباع فرساي سواء أفي الجبهة أم في المؤخرة. ولو تخطت سلطتها حدود باريس، لاصطدمت – مع تطور الحرب الأهلية مع جيش الجمعية التأسيسية – بأعداء أشد خطرًا في صفوف السكان بالذات. لم يكن إذن باستطاعة الكوميونة وهي تقف في وجه الملكيين أن تمنح حرية الكلام لعملائهم في المؤخرة.

إن كاوتسكي، رغم الأحداث الكبيرة الراهنة، لا يكون لنفسه أي فكرة عن الحرب بشكل عام وعن الحرب الأهلية بشكل خاص. أنه لا يتوصل إلى أن يفهم أن كل نصير لتيير في باريس لم يكن مجرد “خصم” عقائدي لرجال الكوميونة، بل عميلاً وجاسوسًا لتيير، عدوًا مميتًا، يترقب اللحظة التي يستطيع فيها أن يطلق النار على ظهورهم. والحال أن العدو يجب أن يكون في وضع يستحيل معه أن يؤذي، وهذا ما لا يتوفر في زمن الحرب إلا بحذفه.

وفي الثورة كما في الحرب ينبغي تحطيم إرادة العدو وإرغامه على الاستسلام راضيًا بشروط المنتصر.

إن الإرادة لهي بالتأكيد ذات صفة بسيكولوجية، لكن الثورة بخلاف الحفلة الخطابية أو الاجتماع العام أو المؤتمر، تسعى وراء أهدافها باللجوء إلى وسائل مادية وإن بأقل من حدود الحرب.

لقد استولت البورجوازية على السلطة بالتمرد، ووطدتها عن طريق الحرب الأهلية. وهي تحافظ على السلطة في أيام السلم بمعونة جهاز للقمع شديد التعقيد. وما دام هناك مجتمع طبقي قائم على أعمق التناحرات، فإن استعمال القمع أمر لا مفر منه لإخضاع الطرف الخصم.

وحتى لو ولدت ديكتاتورية البروليتاريا في بعض البلدان في حضن الديمقراطية، فإن الحرب الأهلية لن تصبح بحكم المستبعدة لهذا السبب. إن مسألة معرفة لمن ستعود السلطة في البلاد، أي معرفة هل ستبقى البورجوازية على قيد الحياة أم ستفنى، لن تنحل بالعودة إلى مواد الدستور، بل باللجوء إلى مختلف أشكال العنف. ومهما يفعل كاوتسكي لتحليل غذاء جلاد البشرية (أنظر الصفحات 85 والصفحات التالية من كتابه) وسائر الظروف القريبة أو البعيدة التي ستسمح بتحديد أسباب القسوة الإنسانية، فإنه لن يجد في التاريخ وسائل أخرى لتحطيم إرادة العدو غير اللجوء الحازم إلى القوة.

إن درجة ضراوة المعركة تتعلق بسلسلة كاملة من الشروط الداخلية والدولية. وكلما بدت مقاومة العدو الطبقي المغلوب ضارية وخطرة. تحول بالضرورة نظام القمع إلى نظام إرهاب.

لكن كاوتسكي يتخذ ههنا على حين غرة موقفًا جديدًا في محاربة الإرهاب السوفياتي. فهو يتظاهر بكل بساطة بتجاهل مقاومة البورجوازية الروسية الحانقة المناوئة للثورة. يقول: “لم يلحظ أحد ضراوة مشابهة لما جرى في بترسبورغ وموسكو في تشرين الثاني 1917 ثم في بردابست مؤخرًا بشكل خاص” (ص 102).

ونتيجة لهذه الطريقة الموفقة في طرح المسألة، يصبح العنف مجرد نتاج لفكر البلاشفة الدموي ويقطع في الوقت نفسه صلته بتقاليد الإنسان الأول آكل العشب وبدروس أخلاق “الكاوتسكية”.

إن استيلاء السوفييتات على السلطة في مطلع تشرين الثاني 1917 (أسلوب جديد) قد تم بخسارة لا تكاد تذكر. لقد كانت البورجوازية الروسية تشعر أنها بعيدة كل البعد عن الجماهير الشعبية وعاجزة كل العجز في الداخل، ومتورطة إلى أبعد الحدود بمجرى الحرب ونهايتها، وفاقدة لكل حظوة لها بسبب نظام كيرنسكي، إلى حد أنها لم تجازف، إن صح التعبير، بالمقاومة. ولقد تمت الإطاحة بسلطة كيرنسكي في بترسبورغ بدون قتال تقريبًا. أما في موسكو فقد استمرت المقاومة بسبب الطابع المتردد لأعمالنا بشكل خاص. وفي معظم مدن الأقاليم، انتقلت السلطة إلى السوفييتات بمجرد برقية من بترسبورغ أو موسكو. ولو بقيت الأمور عند هذا الحد، لما طرحت البتة مسألة الإرهاب الأحمر. لكن منذ تشرين الثاني 1917، كنت شاهدًا على بداية المقاومة من جانب من يملكون. ولا شك في أن تدخل حكومات الغرب الإمبريالية هو الذي منح الثورة المضادة تلك الثقة بالنفس وأعطى مقاومتها قوة متعاظمة باستمرار: وهذا ما نستطيع إثباته بالوقائع اليومية الهامة أو الثانوية التي حدثت طوال الثورة السوفياتية.

إن “الأركان العامة” لكيرنسكي لم تكن تشعر بأي دعم من جماهير الجنود. ولقد كانت على استعداد للاعتراف بدون مقاومة بالسلطة السوفياتية التي كانت قد بدأت المفاوضات مع الألمان بهدف عقد الهدنة. لكن سرعان ما جاء احتجاج من بعثات “التفاهم” العسكرية مترافق بتهديدات مباشرة. وتملك الذعر قيادة الأركان العامة. وتحت ضغط الضباط “الموالين”، دخلت في طريق المقاومة، مثيرة بالتالي نزاعًا مسلحًا ومؤدية إلى اغتيال قائد الأركان العامة، الجنرال دوخونين، على أيدي جماعة من البحارة الثوريين.

وفي بترسبورغ، قام العملاء الرسميون لـ”التفاهم” وبصورة خاصة البعثة العسكرية الفرنسية بالتعاون مع الاشتراكيين – الثوريين والمنشفيك، بتنظيم مقاومة مكشوفة منذ اليوم الثاني للثورة. وهكذا جندوا وسلحوا ووجهوا ضدنا الضباط التلاميذ (الجنكر) ( ) والشبيبة البورجوازية. ولقد كلف تمرد الجنكر في 10 تشرين الثاني من الخسائر أكثر بمئة مرة مما كلفته ثورة 7 تشرين الثاني. ولقد أدت مغامرة كيرنسكي – كراسنوف ضد بترسبورغ، التي كان “التفاهم” وراءها، إلى إدخال أول عناصر الضراوة في النزاع. ومع ذلك فقد أطلق سراح الجنرال كراسنوف بناء على كلمة شرف منه. أما تمرد باروسلاف (أثناء صيف 1918) الذي كلف الكثير من الضحايا، فقد نظمه سافنكوف بأمر من سفارة فرنسا وعلى نفقتها. ولقد تم احتلال أرخانجيل حسب خطة العملاء العسكريين والبحريين الإنكليز، وبمساعدة المراكب الحربية والطائرات الإنكليزية. ولقد جاء صعود كولتشاك، رجل الرأسمال الأميركي، بفضل الكتائب الأجنبية التشيكوسلوفاكية على حساب الحكومة الفرنسية. ولم يستطع كاليدين وكراسنوف، أول زعيمين لثورة الدون المضادة، واللذان أطلقنا سراحهما، أن يحصلا على بعض النجاح الجزئي إلا بفضل المعونة المالية والعسكرية من ألمانيا. وفي أوكرانيا، قلبت السلطة السوفياتية في مطلع 1918 على يد العسكريين الألمان. وإنما بفضل المعونات المالية والغنية من فرنسا وبريطانيا العظمى تم إنشاء جيش دينيكين المناوئ للثورة. ولم ينظم جيش بودينيتش إلا بأمل تدخل إنكلترا ونتيجة لمساعدتها المادية. إن السياسيين والدبلوماسيين والصحافيين في بلدان “التفاهم” يتناقشون بكل صراحة منذ سنتين في مسألة معرفة ما إذا كانت الحرب الأأهلية في روسيا مربحة إلى حد يدعو إلى تمويلها.

وفي مثل هذه الشروط، لا بد أن تكون جمجمة المرء قاسية كالصخر حتى يبحث عن أسباب الطابع الدموي للحرب الأهلية في روسيا في سوء نية البلاشفة لا في الموقف الدولي.

لقد كانت البروليتاريا الروسية أول من سار في طريق الثورة الاجتماعية، ولقد تجرأت البورجوازية الروسية، العاجزة سياسيًا، على ألا تقبل بتجريدها من امتيازاتها سياسيًا واقتصاديًا، لا لشيء إلا لأنها كانت ترى في كل مكان أخواتها الأكبر سنًا منها قابضات على زمام السلطة ومتمتعات بكل القوة الاقتصادية والسياسية، والعسكرية إلى حد ما.

ولو أن ثورتنا في تشرين الثاني حدثت بعد بضعة شهور أو حتى بضعة أسابيع من استيلاء البروليتاريا على السلطة في ألمانيا وفرنسا وإنكلترا، لما كان هناك شك في أن ثورتنا كانت ستكون أكثر الثورات سلمية وأقلها دموية في حدود ما هو ممكن على هذه الأرض. لكننا لم نخرج على هذا الترتيب التاريخي – الطبيعي للغاية للوهلة الأولى والعظيم الفوائد بالنسبة إلى الطبقة الثورية الروسية – بغلطتنا بل بغلطة الأحداث فبدلاً من أن تكون البروليتاريا الروسية الأخيرة، كانت الأولى. وهذا الظرف على وجه التحديد هو الذي أعطى، بعد مرحلة الالتباس الأولى، طابعًا شديد الضراوة لمقاومة الطبقات السائدة سابقًا في روسيا، وهو الذي أرغم البروليتاريا الروسية، لحظة الأخطار الكبيرة والاعتداءات من الخارج والمؤامرات والتمرد من الداخل، على اللجوء إلى تدابير الإرهاب الحكومي القاسية.

أما أن هذه التدابير كانت غير مجدية، فهذا ما لا يستطيع أن يقوله أحد اليوم. لكن ربما كان البعض يريد أن يعتبرها “غير مقبولة”.

لقد كانت مهمة وواجب الطبقة العاملة، التي استولت على السلطة بالقتال، أن توطد هذه السلطة بصورة لا تتزعزع معها، وأن ترسخ دعائم سيطرتها نهائيًا، وأن تقضي على كل رغبة في الانقلاب لدى أعدائها، وأن تعطي لنفسها، من هنا بالذات، إمكانية تحقيق الإصلاحات الاشتراكية الكبرى. وإلا كان عليها ألا تستولى على السلطة. أن الثورة لا تستلزم “منطقيًا” الإرهاب، كما أنها لا تستلزم العصيان المسلح. يا لها من فكرة بليغة مبتذلة! لكن الثورة بالمقابل تتطلب من الطبقة الثورية أن تلجأ إلى كل الوسائل لتحقيق غايته. إلى العصيان المسلح إذا اقتضى الأمر، وإلى الإرهاب أن كل ذلك ضروريًا. أن على الطبقة العاملة، التي استولت على السلطة والسلاح في أيديها، أن تحطم بالعنف جميع المحاولات التي قد تقوم لانتزاع السلطة منها. وأينما وجدت نفسها تجاه مؤامرة مسلحة أو تمرد أو محاولة مشبوهة، فإن قمعها سيكون عديم الشفقة. لعل كاوتسكي قد أخترع وسائل أخرى؟ أو لعل كل المسألة في نظره هي مسألة درجة القمع، ولعله يقترح في مثل هذه الحال اللجوء إلى الاعتقال بدل عقوبة الموت؟

إن مسألة أشكال القمع ودرجته ليست بالتأكيد مسألة “مبدأ”. أنها مسالة الوسائل بهدف بلوغ الهدف. ففي عصر ثوري، لن يسمح الحزب الذي طرد من السلطة والذي لا يريد استقرار الحزب الحاكم والذي يثبت ذلك بالنضال الشرس الذي يخوضه ضده، أقول لن يسمح لنفسه بأن يخيفه التهديد بالسجن الذي لا يؤمن أصلاً بدوامه. وإنما هذه الواقعة الحاسمة هي وحدها التي تفسر تطبيق عقوبة الموت في الحرب الأهلية في معظم الحالات.

لكن لعل كاوتسكي يريد أن يقول أن عقوبة الموت ليست منسجمة بصورة عامة مع الهدف المرام بلوغه وأنه من المستحيل إخافة “الطبقات”؟

هذا غير صحيح. أن الإرهاب عاجز – وهو ليس كذلك إلا في نهاية الأمر – إذا ما مارسته الرجعية ضد الطبقة التي تثور بمقتضى قوانين تطورها التاريخي. إن على الإرهاب بالمقابل أن يكون فعالاً ضد الطبقة الرجعية التي لا تريد أن تغادر الحلبة. أن التخويف هو أقوى وسيلة في العمل السياسي سواء أعلى الصعيد الدولي أم في الداخل. أن الحرب، شأنها شأن الثورة، تستند إلى التخويف. أن الحرب المنتصرة لا تبيد عامة إلا جزءًا صغيرًا من الجيش المقهور، لكنها تقضى على معنويات الآخرين وتحطم إرادتهم. وتسلك الثورة السلوك ذاته: أنها تقتل بضعة أشخاص وتخيف ألفًا. وبهذا المعنى لا يتميز الإرهاب الأحمر مبدئيًا عن العصيان المسلح الذي ليس هو إلا استمرار له. ولا يستطيع أن يدين “أخلاقيًا” الإرهاب الحكومي للطبقة الثورية إلا من يستنكر مبدئيًا (ولفظيًا) كل عنف بصورة عامة. لكن في مثل هذه الحال لا يعدو المرء أن يكون واحدًا من أولئك “الكويكر” المسالمين المرائين.

كيف تميزون إذن تكتيككم عن حكم الأقلية الغنية المطلق؟ – هذا ما يسألنا عنه كهنة الليبرالية “الكاوتسكية”؟

ألا تفهمون ذلك، أيها الأتقياء الكذبة؟ سنشرح لكم الأمر. لقد كان إرهاب القيصرية موجهًا ضد البروليتاريا. ولقد كان الدرك القيصري يخنق الشغيلة الذين يناضلون من أجل النظام الاشتراكي أما “لجاننا الاستثنائية” فهي تعدم الملاك للكبار والرأسماليين والجنرالات الذين يحاولون إعادة توطيد النظام الرأسمالي. أتدركون هذا… الفرق؟ نعم؟ أنه بالنسبة إلينا؟ نحن الشيوعيين، كاف تمامًا.

« السابق التالي »