بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

« السابق التالي »

11- حرية الصحافة

إن كاوتسكي، الذي ألف العديد من الكتب والمقالات، يشكو بصورة خاصة من التعرض لحرية الصحف. فهل من المقبول به أن تلغي الصحف؟

أن جميع المؤسسات وأجهزة السلطة والحكومية والرأي العام تصبح بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في زمن الحرب، أجهزة لتسيير الحرب. وهذا ينطبق بالدرجة الأولى على الصحافة. أن ما من حكومة تخوض حربًا جدية، تستطيع أن تسمح بتوزيع منشورات في أراضيها تناصر العدو علنًا أو سرًا. فكم بالأحرى في مرحلة الحرب الأهلية. أن طبيعة الحرب الأخيرة تستلزم أن يكون لدى الطرفين، خلف قواتهما، سكان يتعاطفون مع العدو. وفي الحرب حيث يقرر الموت مصير النجاح أو الفشل، يتوجب تطبيق عقوبة الموت على العملاء الأعداء الذين تغلغلوا إلى خلف الجيوش أنه قانون غير إنساني بلا شك، لكن ما من أحد حتى يومنا هذا أعتبر الحرب مدرسة إنسانية، وكم بالأحرى الحرب الأهلية. فهل يمكن لأحد أن يطالب جديًا أثناء الحرب ضد عصابات دينيكين المناوئة للثورة بالسماح لمنشورات الأحزاب التي تؤيده بالظهور دونما عراقيل في موسكو أو بترسبورغ؟ أن أقتراح ذلك باسم “حرية” الصحافة يعادل المطالبة باسم الإعلان بنشر أسرار عسكرية. كتب رجل الكوميونة آرثر آرنولد: “أن مدينة محاصرة لا تستطيع أن تسمح لا للرغبة في رؤيتها تسقط تعبر عن نفسها بحرية ضمن اسوارها، ولا بتحريض المدافعين عنها على الخيانة، ولا بتبليغ العدو حركات قواتها، وهذا ما كان عليه موقف الجمهورية السوفياتيه منذ تأسيسها. فلنستمع مع ذلك إلى ما يقوله كاوتسكي في هذا الموضوع:

“أن تبرير هذا النظام (يعني إلغاء الصحافة) يتخلص في الاعتقاد الساذج بأن هناك حقيقة مطلقة(!) لا يعرفها غير الشيوعيين وحدهم (!!) وهو يتلخص أيضًا بتابع كاوتسكي في ذلك الرأي القائل أن الكتاب كافة يكذبون بسبب من طبيعتهم (!) وإن الشيوعيين وحدهم المتعصبون للحقيقة (!!)، في حين أن الكذابين والمتعصبين لما يعتبرون أنه الحقيقة يلتقون، في الواقع، في جميع المعسكرات، الخ، الخ، الخ، (ص 119).

وهكذا فإن كاوتسكي يرى أنه حتى في أشد مراحل الثورة حدة، وحين تكون المسألة بالنسبة على الطبقات المتصارعة مسألة حياة أو موت، يظل النقاش الأدبي قائمًا كما في الماضي لتقرير… الحقيقة ما أعمق هذا الرأي!… إن “حقيقتنا” ليس حتمًا مطلقة. لكن بما أننا نسفح الدم الآن باسمها، فليس لنا من داع أو إمكانية للخوض في نقاش أدبي حول نسبية الحقيقة مع الذين “ينتقدوننا” بكل الوسائل بلا تورع للوصول إلى غاياتهم. كما أن مهمتنا ليست معاقبة الكذابين وتشجيع محبي العدالة من الصحفيين من جميع الاتجاهات، بل مهمتنا فقط أن نخنق كذب البورجوازية الطبقي وأن نضمن انتصار حقيقة البروليتاريا الطبقية – بغض النظر عن وجود الكذابين والمتعصبين في كلا المعسكرين.

يشكو كاوتسكي فيما بعد:

“لقد دمرت السلطة السوفياتية القوة الوحيدة التي تستطيع أن تساعد على استئصال الفساد: حرية الصحافة. أن الرقابة بواسطة حرية الصحافة غير المقيدة على الإطلاق كانت ستكون الوسيلة الوحيدة لقمع اللصوص والغامرين الذي سيريدون حتمًا الاستفادة من كل سلطة غير محدودة، غير مراقبة…” (ص 140). وهكذا ودواليك. الصحافة سلاح موثوق ضد الفساد! إن لهذه الوصفة الليبرالية وقعًا حزينًا حين نفكر بالبلدين اللذين يتمتعان بأكبر “حرية” للصحافة: أعني بهما أميركا الشمالية وفرنسا اللتين هما في الوقت نفسه الدولتان اللتان بلغ فيهما الفساد الرأسمالي ذروته.

إن كاوتسكي، المكتظ بالثرثرات البالية التي أخذها عن الدكاكين السياسية الخلفية للثورة الروسية، يتصور أن الجهاز السوفياتي، وقد حرم من صحافة الكاديت والمنشفيك، سيهدم على أيدي “اللصوص والمغامرين” هذا ما كان ما يطبل له المنشفيك قبل عام ونصف… أما اليوم فإنهم لن يجرؤوا حتى على ترديده. لقد استطاعت السلطة السوفياتيه، بمساعدة الرقابة السوفياتيه والإنتخاب الذي يقوم به الحزب بلا انقطاع في جو من الصراع المحموم، بصورة أفضل بكثير مما كانت تستطيع أن تفعله أي سلطة أخرى في أي لحظة كانت.

إننا نحارب… أننا نقاتل قتالاً مريرًا حتى الموت. والصحافة ليست سلاح مجتمع مجرد، بل سلاح معسكرين لا يمكن التوفيق بينهما، يتحاربان بالسلاح أننا نلغي صحافة الثورة المضادة كما نهدم مراكزها المحصنة ومستودعاتها ومواصلاتها وشبكات جاسوسيتها. أننا نحرم أنفسنا من الهام ووحي الكاديت والمنشفيك عن فساد الطبقة العاملة وبالمقابل فإننا ندمر والظفر معقود لنا أسس الفساد الرأسمالي.

لكن كاوتسكي يذهب إلى أبعد من ذلك في تطوير أطروحته: أنه يشكو من أننا نغلق صحف الاشتراكيين – الثوريين والمنشفيك، بل من أننا – وهذا يحدث – نعتقل زعماءهم. أفليس هؤلاء “جزءًا” من البروليتاريا أو من الحركة الاشتراكية؟ أن مربينا لا يرى الوقائع وراء هذه الكلمات المعتادة فالمنشفيك والاشتراكيون – الثوريون إلى منظمات وثيقة التحالف مع الثورة المضادة تشن علينا حربًا صريحة. لقد تشكل جيش كولتشاك من الاشتراكيين – الثوريين (لكم يرن هذا الاسم اليوم رنينًا زائفًا أجوف!) ودعمه المنشفيك وفي الجبهة الشمالية، يحارب كلا الطرفين ضدنا منذ عام ونصف. أن القادة المنشفيك في القوفاز، الحلفاء السابقين لهو هتزولرن، والحلفاء الحاليين للويد جورج، يعتقلون ويعدمون البلاشفة بالاتفاق التام مع الضباط الانكليز والألمان. ولقد خلق المنشفيك والاشتراكيون – الثوريون في راد كوبان جيش دينيكين. وقد ساهم المنشفيك الاستونيون، الأعضاء في الحكومة، مباشرة في هجوم يودينيتش الأخير ضد بترسبورغ.

أنهم يمثلون أذن “اتجاهات” اشتراكية… أن كاوتسكي يعتقد أنه من الممكن أن نكون في حالة حرب علنية مع المنشفيك والاشتراكيين الثوريين الذي يناضلون بمساعدة جيوش يودينيتش وكولتشاك ودينيكين المشكلة بفضل مساهمتهم، وباسم “اختلافهم” الاشتراكي الجزئي عنا، وأن نمنح في الوقت نفسه لهذه “الاختلافات” البريئة، في مؤخرة جبهتنا، حرية الصحافة. ولو أمكن للنزاع بين الاشتراكيين الثوريين والبلاشفة أن ينحل بالإقناع والتصويت، أي لو لم يكن خلفهم الامبرياليون الروس والأجانب، لما كانت هناك حرب أهلية.

أن كاوتسكي مستعد بالطبع لأن “يدين” (نقطة حبر أخرى) الحصار والمساعدة الممنوحة لدينيكين من قبل “التفاهم”، والإرهاب الأبيض. لكنه لا يستطيع من أعلى تجرده ألا يجد لهذا الأخير ظروفًا مخففة. فالإرهاب الأبيض، على سبيل المثال، لا ينتهك مبادئه، في حين أن البلاشفة، بتطبيقهم الإرهاب الأحمر، ينتهكون احترام “الصفة المقدسة” للحياة الإنسانية، هذا الاحترام الذي طالبوا به هم أنفسهم.. (ص 139). ماذا يعني عمليًا احترام الصفة المقدسة للحياة الإنسانية وبم يتميز عن وصية: “لا تقتل”؟ أن كاوتسكي يستنكف عن التفسير. عندما يرفع لص سكينة على طفل، فهل يمكن قتل الأول لإنقاذ الثاني؟ أليس هذا العمل انتهاكًا “للصفة المقدسة” للحياة الإنسانية؟ هل يمكن للإنسان أن يقتل لصًا لينقذ نفسه؟ هل من الممكن القبول بتمرد العبيد ضد سادتهم؟ هل من الممكن القبول بأن يدفع إنسان ثمن حريته موت جلادية؟ إذا كانت الحياة الإنسانية مقدسة ولا يجوز انتهاكها بصورة عامة، ينبغي إذن أن نمتنع عن اللجوء لا إلى الإرهاب والحرب فحسب، بل إلى الثورة أيضًا. إن كاوتسكي لا يدرك المعنى المضاد للثورة لـ “المبدأ” الذي يحاول فرضه علينا. وسوف نرى في مكان آخر أنه يلومنا على عقد صلح بريست – ليتفوسك وقد كان علينا، كما يرى، أن نتابع الحرب لكن آلام تنتهي إذن “الصفة المقدسة” للحياة الإنسانية؟ هل ستكف الحياة عن أن تكون مقدسة بالنسبة إلى أفراد يتكلمون لغة أخرى؟ أم أن كاوتسكي يعتبران الاغتيالات الجماعية، المنظمة حسب قواعد الإستراتيجية والتكتيك المعاصرين، ليست باغتيالات؟ في الحقيقة من الصعب، في عصرنا هذا، تأكيد مبدأ مراء وغبي معًا كهذا المبدأ. وما دامت إليه العاملة الإنسانية وبالتالي الحياة سلعة للتجارة والاستغلال والتبذير، فإن مبدأ ” الصفة المقدسة للحياة الإنسانية” لا يعدو أن يكون كذبة دنيئة هدفها الإبقاء على العبيد تحت نير العبودية.

لقد ناضلنا ضد عقوبة الموت التي سنها كيرنسكي، لأنها كانت تصدر عن محاكم الجيش القديم العرفية ضد الجنود الذين يرفضون متابعة الحرب الإمبريالية. وقد انتزعنا هذا السلاح من مجالس الحرب القديمة. وهدمنا تلك المؤسسات وسرحنا الجيش القديم الذي خلقها. ونحن بتطهيرنا الجيش الأحمر وبصورة عامة سائر البلاد من المتآمرين المناوئين للثورة الذين كانوا يعملون على إعادة النظام القديم عن طريق العصيان والاغتيال وإشاعة الفوضى، إنما نتصرف بصورة متلائمة مع قوانين الحرب الحديدية التي نريد عن طريقها أن نكفل لأنفسنا النصر.

وإذا كان المرء يريد أن يبحث عن تناقضات شكلية، فبديهي أن عليه أن يبحث عنها قبل كل شيء في جانب الإرهاب الأبيض الذي هو سلاح الطبقات التي تعتبر نفسها مسيحية وتحمي الفلسفة المثالية، والمقتنعة كل الاقتناع بأن الشخصية (شخصيتها) هي الشخصية الإنسانية، “الغاية في ذاتها”. أما فيما يتعلق بنا، فنحن لم نهتم قط بثرثرات الرعاة الكاوتسكين والكويكر النباتيين عن “الصفة المقدسة” للحياة الإنسانية. لقد كنا دومًا ثوريين، وما زلنا كذلك في السلطة. فكيما تعود إلى الشخصية قدسيتها، فلا بد من هدم النظام الاجتماعي الذي يسحقها. وهذه المهمة لا يمكن أن تتحقق إلا بالحديد والدم.

ثمة فرق آخر بين الإرهاب الأبيض والإرهاب الأحمر. أن كاوتسكي الراهن يجهله، لكنه ذو أهمية بالغة في نظر الماركسي. أن الإرهاب الأبيض سلاح طبقة رجعية تاريخيًا. أننا لم ننكر قط، ونحن نؤكد أهمية قمع الدولة البورجوازية للبروليتاريا، أن الطبقات الحاكمة تستطيع، عن طريق الاعتقالات والانتقام، وفي بعض الشروط، أن تؤخر مؤقتًا تطور الثورة الاجتماعية. لكنا كنا مقتنعين بأنها لن تنجح في إيقافه. ويقيننا نابع من أن البروليتاريا طبقة صاعدة تاريخيًا، وأن المجتمع البورجوازي لا يستطيع أن يتطور دون أن يزيد من قوى البروليتاريا. أن البورجوازية، في العصر الراهن، طبقة سائرة إلى الانحطاط. فهي عدا أنها لا تلعب الدور الأساسي في الإنتاج، تهدم الاقتصاد العالمي والثقافة الإنسانية بوسائلها الإمبريالية في التملك. غير أن الحيوية التاريخية للبورجوازية عنيدة. فهي تتشبث بالسلطة ولا تريد أن ترخي قبضتها عنها ومن هنا بالذات تهدد بأن تجر المجتمع كله في سقوطها. ونحن مرغمون على انتزاعه منها، وعلى قطع يديها بالتالي… أن الإرهاب الأحمر هو السلاح المستخدم ضد طبقة محكوم عليها بالفناء ولا تستسلم. وإذا كان الإرهاب الأبيض لا يستطيع إلا أن يؤخر صعود البروليتاريا التاريخي، فإن الإرهاب الأحمر يعجل بسقوط البورجوازية. والعجلة – التي فيها ربح للوقت – لها أهميتها الحاسمة في بعض العصور. ولولا الإرهاب الأحمر لكانت البورجوازية الروسية، بالتعاون مع البورجوازية العالمية، قد خنقتنا قبل قيام الثورة في أوروبا بمدة طويلة. ولا بد أن يكون الإنسان أعمى حتى لا يرى ذلك، أو مزيفًا حتى ينفيه. أن من يعترف بأهمية ثورية تاريخية لوجود السلطة السوفياتية بالذات، عليه أيضًا أن يوافق على الإرهاب الأحمر. وكاوتسكي بعد أن سود، خلال العامين المنصرمين، جبالاً من الورق ضد الشيوعية والإرهاب، مرغم على الاعتراف، في نهاية كتيبه، بأن السلطة السوفياتيه الروسية تمثل في الوقت الراهن العامل الرئيسي في الثورة العالمية. لقد كتب “مهما كان الموقف الذي يتخذه المرء تجاة الطرائق البلشفية، فإن وصول حكومة بروليتارية إلى السلطة في بلد كبير وحفاظها عليها منذ سنتين رغم المصاعب التي لا مثيل لها، يقويان بشكل ملموس، لدى بروليتاريي جميع البلدان، الإحساس بقوتهم ومن هنا بالذات أدى البلاشفة خدمة لا تقدر بثمن للثورة الواقعية” (ص 153) أن هذا التصريح يفاجئنا مفاجأة عميقة، كما يفاجأ الإنسان بالاعتراف بحقيقة تاريخية في وقت كف فيه عن انتظاره. أن البلاشفة، بوقوفهم في وجه العالم الرأسمالي المتحالف، قد حققوا مأثرة تاريخية جديرة بالاعتبار لأنهم لم يحافظوا على السلطة بالفكرة وحدها، بل بالسلاح أيضًا. أن اعتراف كاوتسكي هو موافقة غير إرادية على طرائق الإرهاب الأحمر، وإدانة صارمة في الوقت نفسه لكتاباته النقدية.

« السابق التالي »