بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

« السابق التالي »

12- تأثير الحرب

يرى كاوتسكي في الحرب، من خلال تأثيرها المخيف على الأخلاق، أحد أسباب الطباع الدامي للنضال الثوري. وهذا أمر لا جدال فيه.

لكن كان بالإمكان توقع هذا التأثير مسبقًا، مع كل النتائج التي تنتج عنه في الزمن الذي لم يكن كاوتسكي يعرف فيه أن كان من الواجب أن يصوت مع الاعتمادات العسكرية أو ضدها.

لقد كتبنا منذ خمسة أعوام في كتاب باللغة الألمانية عن “الحرب والأممية”:

“لقد انتزعت الإمبريالية بعنف المجتمع من توازنه اللا مستقر. ودمرت السدود التي كانت الاشتراكية – الديمقراطية تكبح بها سيل طاقة البروليتاريا الثورية، ودفعت به في سريرها. أن هذه التجربة التاريخية المدهشة التي حطمت بضربة واحدة صلب الأممية الاشتراكية، تحمل في حضنها في الوقت نفسه خطرًا قاتلاً بالنسبة إلى المجتمع البورجوازي. لقد سحبت المطرقة من يدي العمال واستعيض عنها بالسيف. ولقد أنسلخ العامل، المرتبط كليًا بدولاب الاقتصاد الرأسمالي، أنسلخ فجأة عن وسطه وتعلم أن يضع أهداف المجتمع فوق الرفاهية الوادعة والحياة.

“أن العامل يجد نفسه، وهو يمسك بيديه الأسلحة التي صنعها بنفسه في وضع يضبح معه مصير الدولة السياسي معلقًا به مباشرة. ومن كانوا عادة يضطهدونه ويحتقرونه باتوا يتملقونه ويطلبون رضاه وهو يتدرب في الوقت نفسه على أن يعرف معرفة وثيقة المدافع التي تشكل حسب رأي لإرسال جزءًا هامًا لا يتجزأ من الدستور. أنه يتخطى حدود الدولة ويساهم في المصادرات العنيفة، ويشاهد المدن تنتقل من يد إلى يد تحت ضرباته. وبذلك تحدث تغيرات لم يشهدها الجيل قط.

“وإذا كان العمال المتقدمون يعرفون نظريًا أن القوة هي أم الحق، إلا أن طريقتهم السياسية في التفكير كانت تتركهم تحت تأثير روح التردد والتلاؤم مع الشرعية البورجوازية. وقد بدأت الآن الطبقة العاملة تتعلم كيف تحتقر فعليًا وتهدم بالعنف هذه الشرعية. أن المراحل السكونية من بسيكولوجيتها تفسح المكان للمراحل الديناميكية. أن المدافع الثقيلة تقدم للطبقة العاملة فكرة أنه عندما يستحيل اللف حول العقبة فإن الوسيلة الباقية هي تحطيمها. أن جميع البشر الراشدين تقريبًا يمرون بمدرسة الواقعية الاجتماعية الرهيبة التي هي الحرب، الخالقة لنموذج إنساني جديد.

“إن قبضة الضرورة الحديدية تخيم اليوم فوق معايير المجتمع البورجوازية كافة بما فيها الحق والاخلاق والدين. وقد صرح المستشار الألماني: “ليس للضرورة شريعة” (4 آب 1914). والملاك يأتون إلى الساحات العامة ليلقوا خطبًا غوغائية ويتبادلوا تهمة الطمع. والحكومات تدوس بأقدامها الالتزامات التي أخذتها على عاتقها بأبهة. والكنيسة القومية تجر، وكأنها محكوم بالأشغال الشاقة، سيدها – الإله إلى المدفع القومي.

“أليس واضحًا أن هذه الظروف ستؤدي إلى أعمق التغييرات في الحياة النفسية للطبقة العاملة بعد أن شفتها بصورة نهائية من تخدير الشرعية التي هي نتيجة عصر سياسي آمن؟ أن الطبقات المالكة ستقتنع بذلك سريعًا وبذعر كبير. وستشعر البروليتاريا التي مرت بمدرسة الحرب عند أول عقبة جدية ستعترضها داخل وطنها بالحاجة الملحة إلى استعمال لغة القوة. “ليس للضرورة شريعة!”: هذا ما ستقذف به في وجه الذين سيحاولون أن يوقفوها باسم قوانين الشرعية البورجوازية والحاجة المرعبة التي سادت أثناء هذه الحرب، وبخاصة في نهايتها، ستدفع بالجماهير إلى أن تدوس تحت أقدامها الكثير، الكثير من القوانين” (ص 56 – 57).

هذا كله أمر لا يقبل نقاشًا لكن ينبغي أيضًا أن نضيف إلى ما قيل أن الحرب مارست تأثيرًا مماثلاً على بسيكولوجية الطبقات المالكة: فبقدر ما أصبحت الجماهير كثيرة المطالب، أصبحت البورجوازية رافضة لكل تعامل.

ففي أيام السلم، يضمن الرأسماليون مصالحهم بالسرقة “السلمية” من الأجراء. وفي زمن الحرب كفلوا هذه المصالح نفسها بإبادتهم عددًا لا يحصى من الحيوات الإنسانية. وهذا ما أضاف إلى روحهم المحبة للسيطرة سمة “نابليونية” جديدة.

لقد أعتاد الرأسماليون، أثناء الحرب، على إرسال الملايين من الأرقاء الوطنين والمستعمرين إلى الموت باسم الأرباح التي يجنونها من المناجم وسكك الحديد الخ.

لقد خرج أثناء الحرب من قلب البورجوازية الكبيرة والمتوسطة والصغيرة مئات الآلاف من الضباط والمحاربين الممتهنين – وهم رجال غلظت طباعهم في الحرب وتحرروا من كل الروادع الخارجية. والمرتزقة الاختصاصيين، المستعدين والقادرين على الدفاع بضرارة تقارب البطولة عن الوضع الممتاز للبورجوزاية التي ربتهم.

لقد كانت الثورة ستكون على الأرجح أكثر إنسانية، لو كانت لدى البروليتاريا إمكانية شراء “كل هذه العصابة”، كما كان يعبر ماركس عن ذلك في الماضي. لكن الرأسمالية قد حملت الشغيلة، أثناء هذه الحرب، حملاً ساحقًا من الديون: فقد دمرت الإنتاج تدميرًا شديدًا يستحيل معه الكلام جديًا عن هذا الشراء الذي لم تم لقبلت البورجوازية بالثورة دونما شغب كثير. لقد فقدت الجماهير الكثير من الدماء، وقاست عذابًا مريرًا واكتسبت صلابة لا تسمح لها باتخاذ مثل هذا القرار الذي يعجز بالأصل عن تحقيقه اقتصاديًا.

وهناك ظروف أخرى أثرت في الاتجاه نفسه. أن بورجوازيات البلدان المقهورة، التي أثارت الهزيمة حفيظتها، مستعدة لإلغاء مسؤولية هذه الهزيمة على عامة الشعب، على العمال والفلاحين الذين ما كانوا قادرين على خوض “الحرب الوطنية الكبرى” حتى النهاية. ومن وجهة النظر هذه، فإن التفسيرات الوقحة وقاحة لا مثيل لها والتي قدمها لودندورف إلى لجنة الجمعية الوطنية بالغة الدلالة. إن عصابات لودندورف تتأرم شوقًا إلى غسل عار إذلالها الخارجي في دم بروليتاريا وطنها. أما بورجوازية البلدان المنتصرة التي كلها كبرياء، فهي مستعدة أكثر من أي وقت مضى للدفاع عن وضعها الاجتماعي بالاعتماد على الوسائل الدنيئة التي كفلت لها النصر. لقد رأينا أن البورجوازية الدولية قد أنكشف عجزها عن تنظيم قسمة الغنيمة بدون حروب ولا دمار. فهل تستطيع، بصورة عامة، أن تتخلى بدون معركة عن الغنيمة؟ أن تجربة الأعوام الخمسة الأخيرة لا تترك أي مجال للشك في هذا الموضوع. وإذا أمكن للناس في الماضي، رغم تفاؤلهم الخالص، أن يتوقعوا أن تجريد الطبقات المالكة من أملاكها – عن طريق “الديمقراطية” – لن يتم بهدوء، بدون تمرد وبدون تحالفات مسلحة وبدون محاولات مناهضة للثورة وبدون قمع عديم الشفقة، فإننا مرغمون اليوم على الاعتراف بأن الموقف المغاير الذي خلقته لنا الحرب الإمبريالية يضاعف مرتين وثلاثًا من الطابع العديم الشفقة للحرب الأهلية وديكتاتورية البروليتاريا.

« السابق التالي »