بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

« السابق التالي »

13- كوميونة باريس وروسيا السوفييتات – أحزاب الكوميونة الاشتراكية لم تكن مستعدة

لقد كانت كومة باريس عام 1871 أول محاولة تاريخية – وأن ضعيفة – لسيطرة “الطبقة العاملة أننا نبجل ذكلى الكوميونة، رغم تجربتها الضيقة والنقص في أعداد مناضليها وبلبلة برنامجها وغياب الوحدة بين قادتها وعدم تركيز مشاريعها والفوضى الكبيرة في التنفيذ والكارثة المخيفة التي تبعتها بالضرورة. أننا نحيي في الكوميونة – حسب تعبير لا فروف – فجر الجمهورية البروليتارية الأولى رغم شحوبه.

أن كاوتسكي لا يفهم الأمور على هذا النحو. فهو بعد أن خصص الجزء الأعظم من كتابه “الإرهاب والشيوعية” لإقامة توازن مغرض إلى حد مفضوح بين الكوميونة والسلطة السوفياتية، يرى مزايا الكوميونة البارزة حيث نرى نحن شقاءها وعيوبها.

ينكب كاوتسكي بحمية على إثبات أن كوميونة باريس لم تعد لها العدة “بشكل مصطنع” بل بزغت تلقائيًا مفاجئة الثوريين بخلاف ثورة أكتوبر – نوفمبر الروسية التي أعد لها العدة حزبنا بدقة وعناية. أن كاوتسكي، الذي لا يجرؤ على التعبير بوضوح عن أفكاره الرجعية، لا يقول لنا بصراحة هل يستحق الثوريين الباريسيون عام 1871 الثناء لأنهم لم يتوقعوا التمرد البروليتاريا، أم أننا نستحق اللوم لأننا توقعنا ما هو محتم وسبقنا الأحداث بوعي لكن كل تحليل كاوتسكي معروض بطريقة يخلف معها في عقل القارئ هذا الانطباع: لقد ألمت برجال الكومة الكارثة من حيث لا يدرون (ألم يعبر فولمار البافاري المحدود التفكير ذات يوم عن أسفه لأن رجال الكومنة لم يذهبوا إلى النوم بدلاً من استلام السلطة؟) ولهذا فإنهم يستحقون كل حلمنا، في حين أن البلاشفة استبقوا الكارثة بوعي (الاستيلاء على السلطة) ولهذا فلن يغفر لهم لا في هذا العالم ولا في العالم الآخر. إن طرح المسألة على هذا النحو قد يبدو سخيفًا إلى درجة لا تصدق. لكن هذا ينبع بالضرورة من موقف “الكاوتسكيين المستقلين” الذين يدخلون رؤوسهم بين أكتافهم حتى لا يروا شيئًا ولا يتوقعوا شيئًا، والذين لا يستطيعون أن يخطوا خطوة إلى الأمام إذا لم يتلقوا مسبقًا وخزة لا بأس بها في ظهورهم. كتب كاوتسكي: “إذلال باريس، والضن عليها بالاستقلال الذاتي، وتجريدها من لقبها كعاصمة، ونزع السلاح منها حتى يمكن فيما بعد القيام بانقلاب ملكي بسلام: هذا ما كانته المهمة الرئيسية للجمعية الوطنية ولتيير الذي انتخبته رئيسًا للسلطة التنفيذية. ومن هذا الموقف ولد النزاع الذي أدى إلى التمرد الباريسي”. – “أننا نرى إلى أي حد يتميز عن هذا الشكل من الثورة ما قامت به البولشفية التي أنهكت قوتها في طموحها إلى السلام، والتي كانت تقف وراءها طبقة الفلاحين، والتي لم تكن تواجه في الجمعية الوطنية ملكيين بل اشتراكيين ثوريين ومنشفيك”.

“لقد توصل البلاشفة إلى السلطة بثورة أحسن إعدادها فوضعت بين أيديهم، دفعة واحدة، كل الآلة الحكومية التي يستخدمونها في الساعة الراهنة بأقصى ما يمكنهم وبصورة عديمة الشفقة لإخضاع خصومهم ومن بينهم البروليتاريون”.

“وبالمقابل فإن ما من أحد فوجئ بتمرد الكوميونة كما فوجئ الثوريون أنفسهم، ولقد كان هذا النزاع بالنسبة إلى الكثيرين منهم أمرًا غير مرغوب فيه بعد كل شيء” (ص 44).

وحتى نكون فكرة واضحة دقيقة عن المعنى الحقيقي لما يقوله كاوتسكي هنا بصدد رجال الكومة، فإننا سنسجل الشهادة المفيدة التالية: كتب لا فروف في كتابة الغنى بالمعلومات عن الكوميونة:

“في الأول من آذار 1871 – أي بعد ستة أشهر من سقوط الإمبراطورية وقبل أيام من انفجار الكوميونة – كانت الشخصيات القيادية في الأممية في باريس ما تزال بدون برنامج سياسي محدد ( )”.

ويكتب هذا المؤلف نفسه:

“بعد 18 آذار، كانت باريس في أيدي البروليتاريا، لكن زعماءها، الذين احتاروا أمام قوتهم غير المنتظرة، لم يتخذوا حتى تدابير الأمن الدولية ( ) “.

لقد صرح أحد أعضاء اللجنة المركزية للحرس القومي: “إن دوركم ليس على قدكم، وهمكم الوحيد أن تتخلصوا من المسؤوليات،،. وقد كتب ليساغاراي الذي ساهم في الكوميونة وأرخ لها: “في هذا الكلام شيء كثير من الحقيقة، لكن في لحظة العمل بالذات ينبع نقص التنظيم والأعداد المسبق في غالب الأحيان من أن الأدوار تقع على عاتق رجال ليسوا بمستوى أدائها ( ) “.

وينتج مما سبق (وهذا ما سيتضح أكثر فيما بعد) أن عدم وجود برنامج للنضال المباشر من أجل السلطة السياسية لدى الاشتراكيين الباريسيين يتفسر بعدم نضجهم النظري وبلبلتهم السياسية، لكنه لا يتفسر البتة باعتبارات تكتيكية أرفع مستوى.

ومما لا شك فيه أن أخلاص كاوتسكي نفسه لتقاليد الكوميونة سيعبر عن نفسه بصورة خاصة في الاندهاش العميق الذي سيستقبل به الثورة البروليتارية في ألمانيا التي لم ير فيها إلى نزاعًا “غير مرغوب فيه بعد كل شيء” غير أننا نشك في أن الأجيال القادمة ستقدر موقفه هذا. بل علينا أن نقول أن ما هيه مقارنته التاريخية بالذات ليست إلا خليطًا من البلبلة والتحفظ.

إن النيات التي كان تيير يضمرها لباريس، كان ميليو كوف مدعومًا من قبل تشيرنوف وتسيريتيلي، يضمرها لبترسبورغ. كانوا يرددون يوميًا جميعًا – من كورنيلوف إلى بوتريسوف – أن بترسبورغ قد أنعزلت بنفسها عن البلاد، وأنه لم تعد لها من علاقة مشتركة بها، وأنها تريد، بعد أن أنحطت على الدرك الأسفل، أن تفرض إرادتها على الأمة. إذلال بترسبورغو إفقادها حظوتها: هذا ما كانته المهمة الأولى ليليو كوف وطغمته. لقد كان هذا يحدث في الوقت الذي كانت فيه بترسبورغ الموطن الحقيقي للثورة التي لم تكن بعد قد نجحت في توطيد نفسها في سائر أجزاء البلاد. ولقد كان رودزيانكو، الرئيس السابق للدوما، يتحدث علنًا عن تسليم بترسبورغ للألمان كما سبق وسلمت ريجا، وذلك لتلقينها درسًا. وما كان رودزيانكو إلا ليحدد بكلامه هذا ماهية مهمة ميليو كوف الذي كان كيرنسكي يدعمه بكل سياسته.

لقد كان ميليو كوف يريد، على مثال تيير، أن يجرد البروليتاريا من سلاحها. لكن الأسوأ من ذلك أيضًا أن بترسبورغ كانت قد جردت تقريبًا من سلاحها في تموز 1917 بفضل كيرنسكي وتشيرنوف وتسيريتيلي وقد استعادت هذا السلاح يوم هجوم كورنيلوف على بترسبورغ في آب. ولقد كان تسليح البروليتاريا الجديد هذا عنصرًا جديًا بالنسبة إلى إعداد تمرك أكتوبر – نوفمبر، بحيث أن تلك النقاط التي يستند عليها كاوتسكي ليعارض تمرد العمال الباريسيين في آذار بثورتنا في تشرين الأول والثاني، تتطابق إلى حد ما.

لكن ما وجه الاختلاف بينها؟ أنه يكمن، قبل كل شيء، في أن مشاريع تيير المشؤومة قد تحققت، وفي أن باريس قد خنقت وعشرات الآلاف من العمال قد ذبحوا، في حين أن ميليو كوف قد انهار انهيارًا بائسًا، وبترسبورغ ظلت حصن البروليتاريا المنيع، وزعماء البرجوازية الروسية قد ذهبوا إلى أوكرانيا ليحرضوا على احتلال روسيا من قبل جيوش الإمبراطور. وهذه بالطبع غلطتنا إلى حد كبير، ونحن مستعدون لتحمل مسؤوليتها. والفرق الأساسي يكمن أيضًا – وهذا ما اتضح أكثر من مرة من خلال التطور اللاحق للأحداث – في أن رجال الكوميونة كانوا يفضلون أن ينطلقوا من اعتبارات وطنية، في حين أننا نتبنى باستمرار وجهة نظر الثورة الأممية. لقد أدت هزيمة الكوميونة إلى الانهيار الفعلي للأممية الأولى في حين أن انتصار السلطة السوفياتية، قد أدى إلى تأسيس الأممية الثالثة.

لكن ماركس كان ينصح رجال الكوميونة – عشية الثورة – بالتنظيم لا بالتمرد! ونستطيع أن نفهم، عند الحاجة، أن يستشهد كاوتسكي بذلك ليثبت كم كان ماركس يسيء تقدير تفاقم الموقف في باريس. لكن كاوتسكي يريد بأي ثمن أن يستغل نصيحة ماركس ليدلل على الأذى الذي يصيب الحركة من جراء التمرد بشكل عام. إن كاوتسكي، الشبيه بكل مثقفي الاشتراكية – الديمقراطية، يرى في التنظيم وسيلة لإخراج العمل الثوري قبل كل شيء.

ومن المناسب ألا ننسى، حتى لو اقتصرنا على مسألة التنظيم وحدها، إن ثورة تشرين الثاني قد سبقتها تسعة شهور من وجود حكومة كيرنسكي، تسعة شهور اهتم فيها حزبنا بنجاح بالتنظيم والتحريض. لقد تمت ثورة تشرين الثاني بعد أن حققنا الغالبية الساحقة في سوفييتات العمال والجنود في بترسبورغ وموسكو وفي جميع المراكز الصناعية في مختلف أرجاء البلاد بشكل عام، وبعد أن حولنا السوفييتات إلى منظمات قوية يوجهها حزبنا. ولم يحدث شيء من هذا لدى رجال الكوميونة. وأخيرًا كان وراءنا مثال كوميونة باريس البطولية وانهيارها الذي استخلصنا منه الاستنتاج القائل أن على الثوريين أن يتوقعوا الأحداث وأن يستعدوا لها. ومرة أخرى نقول: هذه هي عيوبنا.

—-
(4) فترة قصيرة دامت الثورة الأولى التي قامت بها البروليتايا من أجل البروليتاريا وانتهت بانتصار اعدائها. دامت هذه الفترة (من 18 آذار إلى 28 ايار) 72 يومًا”
(“كوميونة باريس، 18 آذار 1871”. ب. ل. لافروف. بتروغراد. طبعة مكتبة “غولوس”. 1919. ص 160).
(5) : “كوميونة باريس في 18 آذار 1871” – ب. ل لافروف – طبعة مكتبة غولوس – بتروغراد – 1919 – ص 64 – 65.
(6) : المصدر نفسه – ص 71.
(7) “تاريخ كوميونة 1871 – بقلم ليساغاراي – بروكسل – 1876 – ص 106.

« السابق التالي »