بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

« السابق التالي »

14- كوميونة باريس والإرهاب

لا يحتاج كاوتسكي إلى توازن واسع النطاق بين الكوميونة والسلطة السوفياتيه إلا ليفتري على هذه الأخيرة ويسئ إلى سمعة ديكتاتورية البروليتاريا الحية المظفرة، لمصلحة ديكتاتورية ترجع إلى ماض أصبح بعيدًا اليوم.

إن كاوتسكي يستشهد بسرور بالغ بتصريح للجنة المركز للحرس القومي بتاريخ 19 آذار بصدد اغتيال الجنود لأثنين من الجنرالات، هما لو كنت وكليمان توما: “إننا نذكر ذلك باستنكار. أنها لطخة دم يراد بها أن يلوث شرفنا. أنه لافتراء حقير. فنحن لم نأمر بالجريمة قط. والحرس القومي لم يساهم البتة في أعداد الجريمة”.

أننا نفهم ألا يكون للجنة المركزية أي سبب لتأخذ على عاتقها مسؤولية أغتيال لم يكن لها من دخل فيه. لكن لهجة التصريح العاطفية الحزينة تدل بوضوح على خجل أولئك الرجال السياسي أمام الرأي العام البورجوازي. ترى أينبغي أن ندهش لذلك؟ لقد كان معظم ممثلي الحرس القومي رجالاً قليلي التمرس بالعمل الثوري. كتب ليساغاراي: “لم يكن أ؛د منهم معروف الاسم. كانوا بورجوازيين صغارًا، بقالين، غريبين عن المنظمات، متحفظين، والقسم الأكبر منهم غريبًا عن السياسة” (ص 7).

ويكتب لا فروف بهذا الصدد: “يتضح من كل بلاغات تلك اللجنة المركزية التي كانت باريس قد سقطت بين أيديها، أنها كانت تشكو من شعور خفي، خائف بعض الشيء، من المسؤولية التاريخية الرهيبة، ومن الرغبة في التحرر منها بأسرع وقت ممكن” (ص 77).

إن كاوتسكي بعد أن يستشهد بذلك التصريح عن ارافة الدماء ليلحق بنا العار، يقوم بدوره، بعد ماركس وأنجلز، بانتقاد تردد الكوميونة: “لو أن الباريسيين (أي رجال الكوميونة) قد اندفعوا بلا كلل في مطاردة تيير، فلربما كانوا نجحوا في الاستيلاء على الحكم. وما كانت القوات المنسجة من باريس لتستطيع أن تعارضهم بأي مقاومة مهما كانت ضئيلة.. لكن تيير استطاع أن يقاتل وهو يتقهقر بدون عقبات لقد سمحوا له بأن ينسحب مع جيشه، وبأن يعيد تنظيمه في فرساي، وبأن يجدد معنوياته ويعززه” (ص 49).

إن كاوتسكي لا يستطيع أن يفهم أنهم الرجال أنفسهم الذين أصدروا تصريح 19 آذار ثم سمحوا لتيير، للأسباب نفسها، بأن ينسحب دونما قتال ويعيد تنظيم جيشه. ولو أمكن لرجال الكوميونة أن ينتصروا بمجرد تأثيرهم المعنوي، لكان لتصريحهم أهمية بالغة. لكن ليس هذا ما حدث. والحق أن عاطفيتهم الإنسانية لم تكن إلا الوجه الثاني لسلبيتهم الثورية. إن رجالاً شاءت إرادة القدر أن تسقط حكومة باريس بين أيديهم، ولا يفهمون ضرورة الاستفادة من ذلك فورًا وبصورة كاملة ليندفعوا في أثر تيير، وليسحقوه نهائيًا دون أن يتيحوا له الفرصة لتمالك نفسه من جديد، وليضعوا يدهم على الجيش، وليقوموا بتطهير لا مفر منه في صفوف القيادة، وليحتلوا الريف والأقاليم، أن رجالاً كهؤلاء غير مؤهلين بالطبع للضرب بيد من حديد على العناصر المناهضة للثورة. ثمة ارتباط وثيق بين الأحداث. فقد كان يستحيل الاندفاع في أثر تيير بدون اعتقال العملاء في باريس، وبدون إعدام المتآمرين والجواسيس. ولقد كان من الصبيانية بمكان أن تريد اللجنة المركزية تنمية روح العزيمة بين القوات التي يتزعمها جنرالات مناوئون للثورة، في الوقت الذي كان تعتبر فيه اغتيال جنرالين مناوئين للثورة جريمة نكراء.

إن العزيمة القوية تعادل، في الثورة، الإنسانية السامية. ولقد أصاب لا فروف حين كتب: “أنهم على وجه التحديد أولئك الرجال الذين يعلقون كبير القيمة على الحياة الإنسانية والدم البشري، أنهم أنفسهم الذين يتوجب عليهم أن يستخدموا كل الوسائل لتحقيق نصر سريع وحاسم، والذين يتوجب عليهم فيما بعد أن يعملوا بأقصى سرعة لإخضاع الأعداء إخضاعًا أبديًا. ذلاك أنه عن هذا الطريق وحده يمكن الحصول على أدنى حد من الخسائر المحتمة وأدنى حد من الدم المسفوح، (ص 225).

بيد أن تصريح 19 آذار يمكن أن يقدر تقديرًا أصح إذا فهم لا على أنه إعلان عن قانون مطلق، بل على أنه تعبير عن حالة معنوية عابرة غداة نصر غير منتظر تحقق بدون أي اراقة للدماء. إن كاوتسكي الغريب كليًا عن تفهم ديناميكية الثورة والحالة المعنوية التي تتبدل بسرعة نتيجة لشروط داخلية، إن كاوتسكي هذا يفكر بواسطة صيغ ميتة ويشوه مدلول الأحداث عن طريق إقامة تشابهات تعسفية. إنه لا يفهم إن ذلك التردد الكريم هو بصورة عامة طبيعي بالنسبة إلى الجماهير في مرحلة الثورة الأولى أن العمال لا ينتقلون إلى الهجوم إلا تحت ضغط ضرورة حديدية، كما أنهم لم ينتقلوا إلى الإرهاب الأحمر إلا تحت تهديد المجازر المناهضة للثورة. إن ما يصوره كاوتسكي على أنه نتيجة الأخلاق السامية للبروليتاريا الباريسية، عام 1871، لا يميز في الواقع إلى المرحلة الأولى من الحرب الأهلية. ولقد لوحظت وقائع مماثلة عندنا أيضًا.

لقد استولينا على السلطة في بترسبورع في تشرين الأول والثاني من عام 1917 دون اراقة دماء تقريبًا بل بدون اعتقالات. ولقد أطلع سراح وزراء كيرنسكي بعد الثورة مباشرة. بل أكثر من ذلك، فبعد أن انتقلت السلطة إلى السوفييت، أطلق سراح الجنرال القوقازي كراسنوف الذي هاجم بترسبورغ بالاتفاق مع كيرنسكي وأعتقال في غاتشينا، بناء على كلمة شرف منه، غداة اعتقاله بالذات. أنها “شهامة” تميزت بها أيام الكوميونة الأولى، لكن هذا لم يمنع أنها كانت خطأ فالجنرال كراسنوف بعد أن قاتل ضدنا في الجنوب طوال أكثر من عام، وبعد أن ذبح عدة آلاف من الشيوعيين، قد هاجم مؤخرًا بترسبورغ مرة أخرى، لكن في صفوف جيش يودينيتش هذه المرة. أن الثورة البروليتارية لم تزدد عنفًا إلا بعد تمرد الجنكر في بترسبورغ وبخاصة بعد تمرد التشيكو سلوفًا كيين في منطقة الفولغا – بتخريض من الكاديت والاشتراكيين – الثوريين والمنشفيك – مما أدى إلى ذبح آلاف الشيوعيين، وبعد محاولة اغتيال لينين، وأغتيال أوريتسكي، الخ، الخ.

إن هذه الاتجاهات نفسها نلاحظها أيضًا في تاريخ الكوميونة، لكن في مراحلها الأولى فقط.

لقد سارت الكوميونة في البداية، مدفوعة بمنطقة النضال، في طريق التهديدات. وأن خلق “لجنة السلامة العامة” قد أملته على الكثير من أنصارها فكرة الإرهاب الأحمر. فقد كان الهدف من خلق هذه اللجنة “قطع رؤوس الخونة” (الجريدة الرسمية رقم 123) و”وأد الخيانة” (الجريدة نفسها رقم 124). ومن بين مراسيم “التهديد” يجب أن نشير إلى الأمر الصادر في الثالث من نيسان بحجز أموال تيير ووزرائه، وهدم منزله، والإطاحة بعمود فاندوم، وبخاصة مرسوم الرهائن. فمقابل كل أسير أو نصير للكوميونة تعدمه قوات فرساي، ينبغي إعدام ثلاثة رهائن. ولقد كانت التدابير التي اتخذتها مديرية الشرطة التي كان على رأسها راؤول ريغو، ذات طابع إرهابي خالص، رغم أنها لم تكن دومًا منسجمة مع الهدف المنشود. ولقد أصاب الشلل واقع هذه التدابير نتيجة روح المصالحة الشوهاء لدى عناصر الكوميونة القيادية، ورغبتها في مصالحة البورجوازية بالعبارات الفارغة مع الأمر الواقع، وتذبذبها بين وهم الديمقراطية وواقع الديكتاتورية. ولقد عبر لا فروف عن الفكرة الأخيرة هذه أجمل التعبير في كتابة عن الكوميونة:

“لقد كانت باريس الأغنياء والبروليتاريين البائسين، باريس المفارقات الاجتماعية، تتطلب باعتبارها كوميونة سياسية، باسم المبادئ الليبيرالية، حرية تامة في الكلام والاجتماع ونقد الحكومة الخ. ولقد كانت باريس التي أنجزت الثورة لصالح البروليتاريا والتي اتخذت هدفًا لها تحقيق هذه الثورة في المؤسسات، تتطلب باعتبارها كوميونة للبروليتاريا العاملة المتحررة تدابير ثورية أي ديكتاتورية تجاه أعداء النظام الجديد” (ص 143 – 144).

ولو لم تسقط كوميونة باريس، ولو استطاعت أن تستمر من خلال نضال متواصل، لما كان هناك شك في أنها ستلجأ إلى تدابير متزايدة الحزم لسحق الثورة المضادة. وصحيح أن كاوتسكي ما كان ليستطيع عندئذ أن يعارض رجال الكوميونة الإنسانيين بالشيوعيين اللا إنسانيين. لكن تيير بالمقابل ما كان ليستطيع أن يقوم بمذبحته الرهيبة لبروليتاريا باريس. وسيكون للتاريخ قد صفي حسابه بعد كل شيء وهو رابح.

« السابق التالي »