بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

« السابق التالي »

16- الكوميونة الديمقراطية والديكتاتورية الثورية

لقد سبق للرفيق لينين أن بين لكاوتسكي إن محاولة تصوير الكوميونة على أنها ديموقراطية شكلية ليست إلا شعوذة نظرية. لقد كانت الكوميونة، سواء أبتقاليد أم بنيات من كانوا يقودونها – البلانكيون – التعبير عن الديكتاتورية الثورية لمدينة على البلاد قاطبة. وهكذا كانت الحال في الثورة الفرنسية الكبرى. وهكذا كانت ستكون الحال في ثورة 1871 لو لم تسقط الكوميونة بسرعة. إن كون السلطة في باريس بالذات قد انتخبت على أساس الاقتراع العام، لا يستبعد الواقعة الأخرى الأكثر أهمية إلا هي العمل العسكري للكوميونة، لمدينة، ضد فرنسا الفلاحية، أي ضد الأمة قاطبة. ولقد كان لا بد، كي يكون الديموقراطي الكبير كاوتسكي راضيًا عن حق، أن يستشير ثوريو الكوميونة مسبقًا، عن طريق الانتخاب العام، كل سكان فرنسا ليعرفوا هل من الواجب أم لا أن يحاربوا عصابات تيير.

وأخيرًا، في باريس بالذات، تمت الانتخابات بعد هرب البورجوازية المؤيدة لتيير، أو على الأقل هرب أكثر عناصرها نشاطًا، وبعد جلاء الجيوش النظامية. البورجوازية التي بقيت في باريس، رغم كل وقاحتها، كانت تخشى المعارك الثورية، وإنما في جو الخوف هذا – خوف ناتج عن الإحساس المسبق بحتمية الإرهاب الأحمر في المستقبل – تمت الانتخابات. أما أن يتعزى الإنسان بأن اللجنة المركزية للحرس القومي التي تمت الانتخابات للكوميونة في ظل دكتاتوريتها – وقد كانت مع الأسف ديكتاتورية رخوة شوهاء – لم تمس مبدأ الانتخاب العام، فهذا لا يعني في الواقع إلا تسديد ضربات السيف إلى الماء.

كوميونة (الدوما البلدية) على أساس الانتخاب “الديموقراطي” نفسه دونما تضييقات بالنسبة إلى البورجوازية. ولقد أعطتنا هذه الإنتخابات، بعد مقاطعة الأحزاب البورجوازية، غالبية ساحقة ( ). ولقد خذعت الدوما، التي انتخبت انتخابًا ديموقراطيًا، لسوفييت بترسبورغ بملء إرادتها، أي وضعت ديكتاتورية البروليتاريا فوق “مبدأ” الانتخاب العام. وقد حلت نفسها فيما بعد من تلقاء ذاتها لصالح أحدى شعب السوفييت البترسبورغي. وبهذا يكون سوفييت بترسبورغ – هذا الأب الحقيقي للسلطة السوفياتية – قد أحاطت به النعمة الألهية، هالة ديموقراطية شكلية تفوق بمرات هالة كوميونة باريس.

لقد انتخبت 90 عضوًا في الكوميونة، في انتخابات 26 آذار. وكان من بينهم 15 عضوًا من الحزب الحكومي (تيير) و6 من الراديكاليين البورجوازيين الذين كانوا خصوم الحكومة في الوقت نفسه الذين كانوا يدينون فيه تمرد العمال البورجوازيين.

يقول لنا كاوتسكي: “ما كانت الجمهورية السوفياتية لتقبل قط بمثل هذه العناصر المناهضة للثورة، ولو كمرشحين وكم بالأحرى كمنتجين. أما الكوميونة فلم تضع أي عقبة في وجه انتخاب خصومها، بدافع من احترامها للديموقراطية” (ص 55 – 56). ولقد رأينا آنفًا أن كاوتسكي يشن هجومه من جميع الجهات. ونحن نقول أولاً أنه في المرحلة المماثلة من تطور الثورة الروسية جرت انتخابات ديموقراطية في كوميونة بترسبورغ، انتخابات تركت فيها السلطة السوفياتية كل الحرية للأحزاب، وإذا كان الكاديت والاشتراكيون – الثوريون والمنشفيك الذين كانت لهم صحافتهم والذين كانوا يدعون السكان علنًا إلى الإطاحة بالسلطة السوفياتية، قد قاطعوا الانتخابات، فهذا فقط لأنهم كانوا يأملون آنذاك أن يتخلصوا منا بسرعة بقوة السلاح ثانيًا، لم تكن هناك في كوميونة باريس ديموقراطية تجمع كل الطبقات. إذ لم يكن فيها من مكان للنواب البورجوازيين – المحافظين والليبيراليين وأنصارغامبيتا.

كتب لا فروف: “جميع هؤلاء الأشخاص تقريبًا قد خرجوا من مجالس الكوميونة أما حالاً وأما بسرعة كبيرة يقينًا لقد كان بإمكانهم أن يكونوا ممثلي باريس – المدينة الحرة تحت إدارة البورجوازية – لكن مكانهم لم يكن البتة في الكوميونة التي كانت، شاءت أم أبت، عن وعي أو لا وعي، بصورة كاملة أو ناقصة، تجسيدًا لثورة البروليتاريا ومحاولة، وإن ضعيفة، لخلق أشكال مجتمع منسجم مع هذه الثورة” (ص 111 – 112)، ولو لم تقاطع البورجوازية البترسبوغية الانتخابات البلدية، لكان ممثلوها قد دخلوا إلى دوما بترسبورغ، ولكانوا بقوا فيها حتى التمرد الأول للاشتراكيين الثوريين والكاديت، ذلك التمرد الذي كانوا على الأرجح سيعتقلون بعده – رضي كاوتسكي أم سخط – لو لم يتركوا الدوما في الوقت المناسب كما فعل ذلك في حينه الأعضاء البورجوازيين في كوميونة باريس. ولقد كان مجرى الأمور سيظل كما هو باستثناء أن بعض مراحله كانت ستتم بصورة مغايرة.

إن كاوتسكي، الذي يمجد ديموقراطية الكوميونة ويتهمها في الوقت نفسه بأن الشجاعة قد خانتها تجاه أنصار فرساي، لا يفهم أن الانتخابات البلدية التي تمت بمساهمة العمد والنواب “الشرعيين” المزدوجة المعنى، كانت تعكس الأمل بعقد اتفاقية سلمية مع فرساي. وإنما ههنا يكمن لب المسألة لقد كان القادة يريدون تفاهمًا لا صراعًا. ولم تكن الجماهير قد استهلكت بعد أوهامها، ولم تكن السلطات الثورية المزعومة قد أتيح لها وقت الانهيار بشكل يدعو إلى الرثاء. وكان هذا كله يدعى “الديمقراطية”.

لقد تنبأ فيرموريل: “علينا أن نسيطر على أعدائنا بالقوة المعنوي. علينا ألا نمس حرية الفرد وحياته..”. لقد كان فيرموريل، الطامح إلى أتقاء “الحرب الأهلية” يدعو البورجوازية الليبيرالية، التي كان يدينها في الماضي بلا شفقة، إلى تشكيل “سلطة نظامية، معترف بها ومحترمة من قبل جميع السكان الباريسيين”. ولقد كتبت “الجريدة الرسمية” التي كانت تصدر بإدارة الأممي لونغيه: “إن سوء التفاهم المأسوف له الذي أدى في أيام حزيران (1848) إلى تسلح طبقتين أجتماعيتين الواحدة ضد الأخرى، لا يمكن أن يحدث بعد اليوم من جديد. إن تناحر الطبقات قد كف عن الوجود” (30 آذار)، وفيما بعد: “إن كل اختلاف قد اختفى من الآن فصاعدًا، لأنه لم يكن هناك إلى القليل من الحقد والتناحر الاجتماعيين” (3 نيسان) وفي جلسة الكوميونة في 25 نيسان وقف جورن، لسبب معين، ليتباهي بأن “الكوميونة لم تمي الملكية قط”. إنما بهذه الصورة كان يتخيل أنه سيكسب الرأي العام في الأوساط البورجوازية ويتوصل إلى اتفاق.

يقول لا فروف بصواب كبير: “إن هذه التطمينات لم تجرد البتة من السلاح أعداء البروليتاريا الذين كانوا يفهمون تمامًا أي تهديد يكمن لهم في حال انتصارها. وبالمقابل، فإنها قد جردت البروليتاريا من كل طاقة نضالية، جعلتها تعمي، عن قصد تقريبًا، عن وجود الأعداد الذين لا يمكن لشيء أن يفت في عزائمهم” (ص 371). لكن هذه التطمينات الرخوة كانت مرتبطة أوثق الارتباط بوهم الديمقراطية. ولقد كان شكل الشرعية المزعومة يدفع إلى الاعتقاد بأن المسألة يمكن أن تنحل بدون صراع. كتب أحد أعضاء الكوميونة آرثر آرنو: “أما جماهير السكان، فقد كانت تؤمن، ليس بدون سبب، بوجود تفاهم ضمني مع الحكومة”. إن دعاة المصالحة، العاجزين عن كسب البورجوازية، قادوا البروليتاريا، كما هي الحال دومًا، إلى مهاوي الضلال.

أما أن البرلمانية لا تعبر، في شروط الحرب الأهلية المحتمة التي كانت قد بدأت فعلاً، إلا عن العجز التوفيقي للفئات القيادية، فهذا ما تدل عليه أوضح الدلالة الطريقة غير المعقولة التي تمت بها انتخابات الكوميونة التكميلية (16نيسان). كتب آرثر آرنو: “لم نكحن ندري ماذا نفعل بالانتخاب” آنذاك. كان الموقف قد أصبح مأساويًا حتى أنه لم تعد هناك لا الفرصة ولا برودة الدم الضروريتان لتأتي الانتخابات العامة بثمارها.

“كان جميع الرجال المخلصين لكوميونة موجودين في التحصينات والقلاع والمراكز المتقدمة ولم يكن الشعب يعلق أي أهمية على هذه الانتخابات التكميلية. ولم تكن المسألة في الواقع إلا مسألة برلمانية. ولم تكن الساعة ساعة حساب الانتخابات، بل ساعة تجميع الجنود. لم تكن ساعة معرفة هل ارتفعت أسهمنا أو انخفضت لدى الرأي العام في باريس، بل ساعة الدفاع عن هذه الأخيرة ضد قوات فرساي”. لقد كان من الممكن لهذه الكلمات أن تفهم كاوتسكي ما وجه الصعوبة في التوفيق بين واقع الحرب الطبقية وبين ديموقراطية تجمع الطبقات كافة.

كتب ميليير، أحد كبار أدمغة الكوميونة: “ليست الكوميونة جمعية تأسيسية، بل هي مجلس حربي. وينبغي ألا يكون لها إلا هدف واحد: النصر. وإلا سلاح واحد: القوة. وإلا قانون واحد: قانون السلامة العامة”.

يهتف ليساغاراي متهمًا القادة: “لم يستطعوا قط أن يفهموا أن الكوميونة متراس وليست بإدارة”. ولم يبدؤوا بفهم ذلك إلا حين فات الأوان. وكاوتسكي لم يفهم ذلك بعد. ولا شيء يدل على أنه سيفهم ذلك في يوم من الأيام.

لقد كانت الكوميونة النفي الحي للديموقراطية الشكلية، ذلك أنها رسخت، أثناء تطورها، ديكتاتورية باريس العمالية على الأمة الفلاحية. أن هذه الواقعة تسيطر على الوقائع الأخرى كافة. ومهما كانت جهود السياسيين الروتينيين في حضن الكوميونة بالذات للتشبث بظاهر الشرعية الديمقراطية، فإن كل عمل من أعمال الكوميونة، غير الكافي من أجل النصر، كان كافيًا لتثبيت طبيعتها غير الشرعية.

لقد عدلت الكوميونة، أي البلدية الباريسية، قانون الخدمة العسكرية. وسمت جريدتها الرسمية: “الجريدة الرسمية للجمهورية الفرنسية”. كما أنها مست مصرف فرنسا ولو مسًا خجلاً. وأعلنت انفصال الكنيسة والدولة وألغت ميزانية العبادات. ودخلت في اتصالات مع السفارات الأجنبية، الخ، الخ. ولقد فعلت هذا كله باسم الديكتاتورية الثورية. لكن الديمقراطية كليمانصو، الذي كان ما يزال بعد يافعًا آنذاك لم يشأ أن يعترف لها بهذا الحق.

فقد صرح كليمانصو في الجمعية مع اللجنة المركزية: “أن التمرد دافعًا غير شرعي. وعما قريب ستصبح اللجنة مدعاة للهزء ومراسيمها مدعاة للاحتقار. ثم أن باريس ليس لها الحق في التمرد على فرنسا وعليها أن تقبل شكليًا بسلطة الجمعية”.

لقد كانت مهمة الكوميونة حل الجمعية الوطنية. وإن كاوتسكي يبحث الآن لهذه المآرب المجرمة عن ظروف مخففة.

أنه يحتج بأن رجال الكوميونة كانوا يواجهون في الجمعية الوطنية خصومًا ملكيين في حين أننا كنا نواجه في الجمعية التأسيسية… اشتراكيين – ثوريين ومنشفيك. هذا ما يمكننا أن نسميه أقولاً فكريًا كاملاً! إن كاوتسكي يتكلم عن المنشفيك والاشتراكيين – الثوريين، لكنه ينسى العدو الوحيد الجدي: الكاديت. فقد كانوا يشكلون على وجه التحديد الحزب “الفرساوي” الروسي، أي كتلة الملاك باسم الملكية، وكان الاستاذ ميليو يبذل جهده ليظهر بمظهر الشخصية العظيمة. لقد سعى ميليو كوف مبكرًا – قبل ثورة أكتوبر بمدة طويلة – وراء شخصية غاليفه ( )، معتقدًا أنه وجدها بالتناوب في شخص الجنرالات كورنيلوف والكسييف وكاليدين وكراسنوف. وبعد أن أرغم كولتشاك الأحزاب السياسية على التراجع وحل الجمعية التأسيسية، لم يكتف حزب الكاديت، الحزب البورجوازي الوحيد الجدي ذو النزعة الملكية، بأن أيده، بل أحاطه أيضًا بمودة متعاظمة باستمرار.

إن المنشفيك والاشتراكيين – الثوريين لم يلعبوا عندنا أي دور مستقل، كما هو شأن حزب كاوتسكي في أحداث ألمانيا الثورية. لقد بنوا سياستهم كلها على التحالف مع الكاديت، فضمنوا لهم بذلك هيمنة لا تتناسب وعلاقات القوى السياسية. إن حزبي الاشتراكيين – الثوريين والمنشفيك لم يكونا إلا أداة اتصال الغرض منها كسب الثقة السياسية للجماهير الثورية المستيقظة، عن طريق المهرجانات الخطابية والانتخابية، ليستفيد منها حزب الكاديت الامبريالي المناهض للثورة – وبغض النظر أصلاً عن نتيجة الانتخابات. إن تبعية الغالبية المنشفيكية والاشتراكية – الثورية للأقلية الكاديت لم تكن غير هزء شبه علني بالمديموقراطية. لكن ليس هذا كل شيء. ففي كل جزء من البلاد يدوم فيه النظام “الديموقراطي” طويلاً، ينتهي الأمر حتمًا بانقلاب مناهض للثورة. وهذا ما حدث في اوكرانيا التي وجدت فيها الرادا الديمقراطية التي باعت السلطة السوفياتية للإمبريالية الألمانية، وجدت نفسها ملقيًا بها في أحضان ملكية سكوروبادسكي. وهذا ما حدث أيضًا في كوبان حيث اختفت الرادا الديمقراطية تحت أقدام دينيكين. وهذا ما حدث أيضًا – وهذه أهم تجربة لـ “ديموقراطيتنا” – في سيبيريا حيث أدت الجمعية التأسيسية الحكومة رسميًا من الاشتراكيين – الثوريين والمنشفيك. نظرًا لغياب البلاشفة – والحكومة واقعيًا من الكاديت، إلى ديكتاتورية الأميرال القيصري كولتشاك وهذا ما حدث أيضًا في الشمال حيث لم يكن أعضاء الجمعية التأسيسية المتجسدون في حكومة الاشتراكي – الثوري تشايكوفسكي إلا دمى يعمل من ورائها الجنرالات الروسيون والانكليز المنارئون للثورة، وفي جميع الحكومات الصغيرة المتاخمة للحدود حدثت الأمور أو تحدث هكذا: في فنلندا، وأستوينا، ولتوانيا، وليتونيا، وبولونيا، وجيورجيا، وأرمينيا، حيث توطد نظام الملاك والرأسماليين والعسكرية الأجنبية تحت راية الديمقراطية الشكلية.

—-
(8) : إن من المفيد أن نلاحظ أن 230000 ناخب في باريس اشتراكوا في الانتخابات البلدية عام 1871. أما في الانتخابات البلدية في تشرين الثاني 1917 في بترسبورغ، فقد اشترك فيها 400000 ناخب، رغم مقاطعة الانتخابات من قبل جميع الأحزاب باستثناء حزبنا وحزب الاشتراكيين الثوريين الذين لم يكن لهم أي نفوذ تقريبًا في العاصمة. ولقد كانت باريس في عام 1871 تعد 2000000 ساكن. وكانت بترسبورغ تعد في عام 1917 2000000 ساكن أيضًا. ولا بد أن نأخذ بعين الاعتبار أن نظامنا الانتخابي كان أكثر ديموقراطية بما لا يقاس، باعتبار أن اللجنة المركزية للحرس القومي قد أجرت الانتخابات على أساس القانون الانتخابي الإمبراطوري.
(9) : الجنرال غاليفه: جنرال فرنسي ولد في باريس (1830 – 909). وقد اشتهر في معركة سيدان. وأصبح وزيرًا للحربية عام 1988. “المترجم”.

« السابق التالي »