بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

« السابق التالي »

17- العامل الباريسي عام 1871 والبروليتاري البترسبورغي عام 1917

أن واحد من أغلظ التوازنات التي أقامها تورتسكي بين الكوميونة وروسيا السوفياتية، توازيًا لا يبرره شيء وهو بمثابة عار من وجهة النظر السياسية، هو التوازي المتعلق بصفة العامل الباريسي عام 1871 والبروليتاري الروسي بين عامي 1917 – 1919. أن كاوتسكي يصور لنا الأول على أنه ثوري متحمس، قادر على أعظم نكران للذات، في حين أنه يصور لنا الثاني أنانيًا، فوضويًا أهوج.

أن العامل الباريسي يقف وراءه ماض محدد إلى حد لا يحتاج معه إلى التوصيات الثورية أو إلى الدفاع عن نفسه من تقاريظ كاوتسكي الحالي.

إلا أن بروليتاريا بترسبورغ ليست لها دوافع ولا تستطيع أن تستنكف عن مقارنة نفسها بأختها الكبرى. أن السنوات الثلاث من النضال المتواصل الذي خاضه العمال البترسبورغيون من أجل الاستيلاء على السلطة أولاً، ومن أجل الحفاظ عليها وتوطيدها ثانيًا وسط آلام لم يعرفها البشر قط، ورغم الجوع والبرد والأخطار المستمرة، تشكل حدثًا استثنائيًا في سجلات تاريخ بطولة الجماهير ونكرانها للذات. أن كاوتسكي، كما سنبين ذلك فيما بعد، يأخذ أكثر عناصر البروليتاريا الروسية غموضًا ليقارنها بنخبة رجال الكوميونة. أنه لا يتميز بشيء في هذه النقطة عن الوشاة البورجوازيين الذين يشعرون بمودة نحو أموات الكوميونة أكبر بما لا يقاس من مودتهم نحو احيائها. لقد استولت البروليتاريا البترسبورغية على السلطة بعد خمسة وأربعين عامًا من البروليتاريا الباريسية. أن هذه الحقبة الفاصلة قد منحتنا تفوقًا كبيرًا. أن الطابع البورجوازي الصغيرة والحرفي لباريس القديمة، والجديدة جزئيًا، غريب تمامًا عن بترسبورغ التي هي أكثف مركز للصناعة في العالم. أن هذا الظرف الأخير قد سهل علينا كثيرًا مهام التحريض والتنظيم وتوطيد النظام السوفياتي. أن بروليتاريتنا بعيدة عن امتلاك التقاليد الغنية للبروليتاريا الفرنسية. لكن التجربة الكبيرة الناتجة عن فشل 1905، كانت ما تزال حية بالمقابل، في بداية الثورة الراهنة، في ذاكرة الجيل الأكبر سنًا الذي لم ينس واجب الانتقام الذي ترك له. إن العمال الروس لم يمروا، كالعمال الفرنسيين، بمدرسة الديمقراطية والبرلمانية الطويلة الأمد، المدرسة التي كانت في بعض الفترات عاملاً هامًا في ثقافة البروليتاريا السياسية. لكن مرارة الخيبة وسم الريبية للذين يقيدان الإرادة الثورية للبروليتاريا الفرنسية إلى ساعة نرجو أن تكون قريبة، لم يتح لهما الوقت بالمقابل ليخيما على روح الطبقة العاملة الروسية.

لقد تعرضت كوميونة باريس إلى هزيمة عسكرية قبل أن تسيب أمامها المسائل الاقتصادية بكل ارتفاعها. وبالرغم من الصفات الحربية العظيمة للعمال الباريسيين، فقد أصبح موقف الكوميونة العسكري ميئوسًا منه في وقت مبكر، إذ أن تردد الدوائر العليا وروح المصالحة الكامنة فيها سببًا تفسخ الفئات الدنيا.

إن رصيد الحرس القومي كان 162000 جندي عادي و 6500 ضابط، لكن عدد الذين كانوا يذهبون فعلاً إلى القتال، وبخاصة بعد هجوم 3 نيسان غير المثمر، كان يتراوح بني عشرين وثلاثين ألفًا.

أن هذه الوقائع لا تسيء البتة إلى سمعة العمال الباريسيين ولا تعطي لأحد الحق في أن ينفي بسالتهم أو ينعتهم بالهرب من المعركة، رغم أنه حدثت بعض حالات الهرب في صفوفهم. فالطاقة الحربية لجيش من الجيوش تستمد قبل كل شيء من جهاز قيادة نظامي ومركزي. والحال أن رجال الكوميونة ما كانت لهم عن ذلك حتى الفكرة.

لقد كانت وزارة حرب الكوميونة تقيم، حسب تعبير أحد المؤلفين، في غرفة مظلمة يتزاحم فيها جميع الناس بالمناكب. وكان مكتب الوزير يغص بالضابط والحرس القوميين الذين كانوا يطالبون إما بإمدادات عسكرية وإما بمؤن، أو يشكون من عدم استبدالهم. وكانوا يرسلون إلى القيادة المحلية. “كانت بعض الكتائب تبقى في الخنادق من 20 إلى 30 يومًا، بينما كانت الكتائب الأخرى في حالة احتياط دومًا. ولقد قتل عدم الاهتمام كل انضباط بسرعة. وبات الأكثر شجاعة لا يريد أن يتعلق مصيره إلى بنفسه. أما الآخرون فراحوا يهربون. وكان الضباط يتصرفون على النحو نفسه. كان البعض يتخلى عن مواقعه ليسعف جارًا تنهمر عليه نيران العدو، والبعض الآخر يرحل إلى المدينة….” (كوميونة باريس عام 1871″ – ب. لا فروف – 1919 – ص 100).

إن مثل هذا النظام ما كان يستطيع أن يظل بمنجى من العقاب. ولقد أغرقت الكوميونة في الدم. لكننا نجد بهذا الصدد عزاءًا فريدًا من نوعه لدى كاوتسكي، فهو يقول هازًا رأسه: “إن تسيير الحرب ليس بصورة عامة الجانب القوى في البروليتاريا” (ص 76).

إن هذه الحكمة الجديرة ببانغلوس ( ) لهي بسمو حكمة أخرى لكاوتسكي تقول إن الأممية ليست سلاحًا لزمن الحرب، بل هي بطبيعتها “أداة سلام”.

إن كاوتسكي الحالي يتلخص في الحقيقة قاطبة في هاتين الحكمتين. وقيمته لا تكاد تتجاوز الصفر المطلق. “إن تسيير الحرب، كما ترون، ليس الجانب القوي في البروليتاريا. كما أن الأممية لم تخلق لأيام الحرب”. إن مركب كاوتسكي قد بنى للمسافر فوق مياة المستنقعات الهادئة، لا لمواجهة البحر الخضم واحتراق العواصف. وإذا كان قد بدأ الآن يتبلل ويأخذ بالغرق، فاللوم في ذلك حتمًا على العاصفة والعناصر وضخامة الأمواج وسلسلة كاملة من ظروف أخرى غير متوقعة لم يخلق كاوتسكي أداته العظيمة لها.

لقد أخذت البروليتاريا العالمية على عاتقها مهمة الاستيلاء على السلطة. أما أن الحرب الأهلية “بصورة عامة” صفة لازمة للثورة “بصورة عامة” أو هي ليست كذلك، فهذا لا يغير البتة من كون حركة البروليتاريا المتقدمة في روسيا وألمانيا وبعض أجزاء امبراطورية النمسا – المجر القديمة قد اتخذت شكل حرب أهلية ضارية، وليس هذا على الجبهات الداخلية فحسب، بل على الجبهات الخارجية أيضًا. وإذا لم يكن تسيير الحرب الجانب القوى في البروليتاريا، وإذا لم تكن الأممية العمالية صالحة إلا للعصور السلمية، فعلينا أن نرسم إشارة الصليب على الثورة الاشتراكية، باعتبار أن تسيير الحرب هو أحد الجوانب القوية بما فيه الكفاية لدى الحكومة الرأسمالية التي لن تسمح حتمًا للعامل بالوصول إلى السلطة بدون حرب. ولا يبقى علينا إلا أن نعتبر ما يسمى بـ “الديمقراطية الاشتراكية” من طفيليات المجتمع الرأسمالي والبرلمانية البورجوازية، أي أن نوافق علنًا على ما يفعله في السياسة أمثال ليبرت وشايدمان ورونوديل، وعلى ما يبدو أن كاوتسكي ما يزال يعارضه بعد.

أن تسيير الحرب لم يكن الجانب القوى في الكوميونة. ولهذا السبب سحقت. وبأي قسوة سحقت!

كتب في حينه فيو المؤرخ الليبيرال، الليبيرالي المعتدل بالأحرى: “يجب أن نرجع إلى مجازر سيلا وأنطوان وأوكتاف، لنجد مثل هذه الاغتيالات في تاريخ الأمم المتمدنة. إن الحروب الدينية في ظل أواخر الفاليين وليلة سان برتلمي وعصر الارهاب، ليست بالمقارنة إلا لعب أطفال. ففي الأسبوع الأخير وحده من أيار، رفعت من باريس 17000 جثة من جثث الاتحاديين المتمردين… ولقد استمر التقتيل حتى 15 حزيران”.

“… تسيير الحرب بصورة عامة ليس الجانب القوى في البروليتاريا…”.

لكن هذا غير صحيح! فقد أثبت العمال الروس أنهم قادرون على أن يصبحوا أيضًا سادة “آلة الحرب”. وأننا لنرى ههنا تقدمًا ضخمًا احرزناه على الكوميونة. وليس هذا إنكارًا للكوميونة، بل متابعة لعملها، ذلك أن تقاليد الكوميونة ليست في عجزها. لقد كانت الكوميونة ضعيفة وكي ننجز عملها، أصبحنا أقوياء. لقد سحقت الكوميونة. ونحن نوجه الضربة تلو الضربة إلى جلاديها. أننا ننتقم للكوميونة ونثأر لها.

من بين 167000 حرس قومي كانوا يتقاضون الرواتب، كان 20000 إلى 30000 يذهبون إلى القتال. وهذه الأرقام ذات فائدة للاستنتاجات التي يمكن استخلاصها عن دور الديمقراطية الشكلية في المرحلة الثورية. أن مصير كوميونة باريس لم يتقرر في الانتخابات، بل في المعارك ضد جيش تيير.

لكن في الحقيقة، أنما قرر مصائر الكوميونة في القتال 20000 أو 30000 رجل هم الأقلية الأكثر أخلاصًا وشجاعة. إن هذه الأقلية لم تكن معزولة، ولم تكن إلا لتعبر بمزيد من الشجاعة ونكران الذات عن إرادة الغالبية. ولم يكن الآخرون، الذين اختفوا في اللحظة الحرجة، معادين للكوميونة. بل على العكس كانوا يدعمونها إيجابيًا أو سلبيًا، لكنهم كانوا أقل وعيًا وتصميمًا. ولقد أتاح تخلف حسهم الاجتماعي، في حلبة الديمقراطية السيايسة، المجال الخداع المغامرين وفرسان الصناعة والبرلمانيين البورجوازيين الصغار والثقلاء الشرفاء الذين كانوا يخدعون أنفسهم بأنفسهم. لكن عندما أصبحت المسألة مسألة حرب طبقية صريحة، تبعوا الأقلية المخلصة إن قليلاً وإن كثيرًا. ولقد وجد هذا الموقف تعبيره في تنظيم الحرس القومي. ولو طال وجود الكوميونة، لتدعمت أكثر فأكثر هذه العلاقات المتبادلة بين الطليعة وجماهير البروليتاريا. ولكان التنظيم الذي تأسس وترسخ في إطار حرب صريحة كتنظيم للجماهير الكادحة، قد أصبح تنظيم دكتاتوريتها، سوفييت نواب البروليتاريا المسلحة.

—–
(10): الدكتور بانغلوس: أحدى شخصيات “كانديد” رواية فولتير. كان مربي كانديد، وكان متفائل الفلسفة، ويرى أن كل شيء على ما يرام حتى في أسوأ الكوارث “المترجم”.

« السابق التالي »