بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

« السابق التالي »

21- السياسات المتبعة تجاه الفلاحين

يشكونا كاوتسكي قائلاً إن البلاشفة “كانوا يريدون أن يقهروا الفلاحين الميسورين في الأرياف بعدم منحهم الحقوق السياسية إلا لأفقر الفلاحين. ومع ذلك منحوها للأوائل بعد فترة قصيرة”.

ويعدد كاوتسكي “التناقضات” الخارجية في سياستنا تجاه الفلاحين دون أن يطرح مسألة اتجاهها الداخلي ومسألة التناقضات الملازمة لوضع البلد الاقتصادي والسياسي.

كانت الطبقة الفلاحية الروسية، عند دخولها في المجتمع السوفياتي، تضم ثلاث فئات: الفقراء الذين يعيش معظمهم من بيع قدرته على العمل والمضطرين إلى شراء ما يسدون به رمقهم، والمتوسطين الذين يكفون أنفسهم بأنفسهم بفضل نتاج أراضيهم الذي يبيعون منه ما زاد على حاجتهم، والأغنياء، الموسرين (الكولاك بالروسية) الذين يشترون اليد العاملة ويبيعون على أوسع نطاق نتاج استثماراتهم الزراعية. ولا حاجة بنا البتة إلى القول أن هذه الفئات لا تتميز لا بعلامات خاصة ولا بتجانسها في كل أرجاء البلاد. إلا أن الفلاحين الفقراء كانوا بمجموعهم، وبصورة لا تقبل النقاش، الحليف الطبيعي لبروليتاريا المدن، في حين أن الفلاحين الموسرين كانوا أيضًا بصورة لا تقبل النقاش أو التوفيق أعداءها. وكانت أكبر الفئات الفلاحية، الفئات المتوسطة، تتردد.

ولو لم تنهك البلاد كما أنهكت، ولو كانت لدى البروليتاريا إمكانية تقديم السلع ذات الأهمية الأولى إلى الجماهير الفلاحية، وإشباع حاجاتها الفكرية، لكان اندماج الجماهير الفلاحية الكبرى بالنظام الجديد أكثر سهولة. لكن تخريب البلاد اقتصاديًا، هذا التخريب الذي لم يكن نتيجة سياستنا الزراعية والتموينية بل الناشئ عن أسباب سابقة، حرم المدن من كل إمكانية لتموين الريف بمنتجات الصناعة النسيجية أو التعدينية وبغلال المستعمرات، إلخ. ولم تكن الصناعة بالمقابل تستطيع الاستغناء عن أخذ بعض المؤمن من الريف ولو بكمية ضئيلة للغاية. وقد طلبت البروليتاريا من الفلاحين سلفًا غذائية، قروضًا تضمنها الثروات التي في طريقها لأن تخلق. وكانت العملة الورقية، التي انخفضت قيمتها، تمثل هذه الثروات المستقبلة. لكن الجماهير الفلاحية عاجزة تقريبًا عن الارتفاع إلى مستوى وجهة النظر التاريخية. ولم يكن من النادر أن ترفض الجماهير الفلاحية، المرتبطة بسلطة السوفييتات نتيجة تصفية الملاك الكبار، والواجدة فيها ضمانة ضد عودة القيصرية، لم يكن من النادر أن ترفض مد هذه السلطة بالحبوب، طالما أن السوق غير مربحة وطالما أنها لا تتلقى بالمقابل لا أنسجة ولا مسامير ولا بترولاً.

وكانت سلطة السوفييتات تميل بالطبع إلى فرض كل ثقل ضريبة التموين على أغنياء الأرياف. لكن الفلاحين الموسرين وذوي النفوذ، المعتادين على قيادة الفلاحين المتوسطية كان بمقدورهم بسهولة، من خلال العلاقات الاجتماعية غير المحددة الأشكال في الريف، أن يتحايلوا ليلقوا بأعباء الضريبة على كاهل الجماهير الفلاحية الواسعة دافعين بها بالتالي إلى معاداة سلطة السوفييتات. وكان لا بد من تنبيه الجماهير الفلاحية وإيقاظ عدائها للموسرين. وقد قامت لجان الفقر الفلاحي بهذا الدور. وانتشرت في أوساط الذين سحقوا في الماضي، وأهملوا، ودفع بهم إلى المؤخرة، وحرموا من كل حق. ولقد كانت بينهم بلا شك عناصر نصف طفيلية، وهذا ما أتاح فرصة ممتازة للدعاية الديماغوجية “للاشتراكيين – نارودنيكي ( )” الذين كانت خطاباتهم تجد صدى كله عرفان بالجميل في قلوب الموسرين. وإن مجرد إعادة السلطة في الأرياف إلى طبقة الفلاحين الفقراء كان ذا دلالة ثورية عميقة. وكيما يوجه الحزب أنصاف البروليتاريين في الريف، أرسل إليهم عمالاً متقدمين أنجزوا عملاً لا يقدر بثمن. وأصبحت لجان الفقر الفلاحية كتائب هجوم حقيقية ضد الفلاحين الموسرين. وقد أرغمت هذه اللجان، المدعومة بالسلطة الحكومية، أرغمت الفئات المتوسطة من الطبقة الفلاحية على الاختيار لا بين سلطة السوفييتات وسلطة الملاك فحسب، بل أيضًا ديكتاتورية البروليتاريا والعناصر نصف البروليتارية في الريف وبين استبداد الأغنياء. وعن طريق سلسلة من الدروس كان بعضها شديد القسوة، اقتنع الفلاحون المتوسطون بأن نظام السوفييتات الذي طرد الملاك والشرطة، يفرض على الفلاحين بدورهم التزامات جديدة ويتطلب حصتهم من التضحيات. إن هذه التجربة التربوية السياسية التي شملت عشرات الملايين من الفلاحين المتوسطين، لم تكن لا محببة ولا مريحة، ولم تعط نتائج فورية قاطعة. فقد حدثت تمردات من جانب الفلاحين الميسورين (المتوسطين) المتحالفين مع الأغنياء، كانت تسقط دومًا تحت قيادة الملاك البيض الكبار. ولقد ارتكب مفوضو السلطة المحلية وبخاصة لجان الفقر الفلاحي، ارتكبوا شيئًا من سوء استعمال السلطة. لكن الهدف السياسي الأساسي تم الوصول إليه. وإذا لم يكن الفلاحون الموسرون قد أبيدوا، إلا أن نفوذهم قد زعزع بقوة وفقدوا ثقتهم بأنفسهم. واعتادت فئة الفلاحين المتوسطين، رغم أنها ظلت عديمة الشكل سياسيًا كما هو شأنها اقتصاديًا، اعتادت على اعتبار ممثلها عامل المدن المتقدم لا موسر القرية الكثير الصياح. وحين تحققت هذه النتيجة الرئيسية، توجب على لجان الفقر، بصفتها مؤسسة مؤقتة، أن تخلي المكان للسوفييتات التي فيها تمثيل للفلاحين المتوسطين والفقراء في آن واحد. وهكذا تكون هذه الجان قد لعبت دور أزميل حاد في قلب الكتلة الفلاحية.

لقد عاشت لجان الفقر الفلاحي قرابة ستة أشهر، من حزيران إلى كانون الأول 1918. ولا يرى كاوتسكي سواء أفي إنشائها أم في إلغائها إلا “ترددات” من جانب سياسة السوفييتات. لكنه يعزف عن أي إشارة لأي وسيلة عملية. وعلى كل، من أين سيأتي بها؟ إن التجربة التي نقوم بها في هذا المجال لا سابق لها، والمشكلات التي تحلها عمليًا سلطة السوفييتات ليس لها من حل في الكتب. وحينما يعتقد كاوتسكي أنه يفضح تناقضات سياسية، لا تكون المسألة في الواقع إلا مسألة مناورات نشيطة تقوم بها البروليتاريا في صفوف الجماهير الفلاحية غير المتبلورة والتي ما تزال قابلة للتأثر. فقائد المركب الشراعي مضطر إلى مناورة الريح ولا يفكر أحد في أن يرى تناقضات في المناورات التي تقوده إلى الهدف.

ونستطيع أن نسجل، في مسألة الكومونات الزراعية والمزارع السوفياتية، عددًا لا بأس به من “التناقضات” التي تدل على أخطاء معزولة وعلى مراحل الثورة في آن واحد. فما هي مساحة الأراضي التي ستحتفظ بها الدولة السوفياتية في أوكرانيا وما هي المساحات التي ستسلمها إلى الفلاحين؟ وما التوجيه الذي ستعطيه للكومونات الزراعية؟ وإلى أي مدى ستدعمها حتى لا تشجع الطفيلية؟ وكيف ستؤمن الرقابة عليها؟ هذه هي بعض الأسئلة الجديدة التي طرحها البناء الاقتصادي الاشتراكي، والتي ليس لها من حل مسبق لا في النظرية ولا في التطبيق، والتي يتوجب على خط السير النظري، المرسوم من قبل المنهاج، أن يجد في حلها تطبيقه العملي وتحقيقه التجريبي على حساب انحرافات محتمة ومؤقتة إما إلى اليمين وإما إلى اليسار.

أما كون البروليتاريا الروسية قد وجدت تأييدًا من الطبقة الفلاحية، فهذا مأخذ يأخذه كاوتسكي علينا لأنه “يدخل على النظام السوفياتي عنصرًا رجعيًا نجت منه (!) كوميونة باريس باعتبار أن دكتاتوريتها لم تكن تقوم على السوفييتات الفلاحية”.

فلكأن بمقدورنا أن نربح إرث النظام الإقطاعي البورجوازي باستبعادنا بإرادتنا “العنصر الاقتصادي الرجعي”! والحال أن هذا ليس كل شيء. فالطبقة الفلاحية، بعد أن سممت سلطة السوفييتات بعنصر رجعي، حرمتنا من تأييدها. إنها “تتقزز” اليوم من البلاشفة. وكاوتسكي يعلم ذلك من مصدر موثوق، من إذاعات كليمانصو وثرثرات المنشفيك.

والواقع أن الجماهير الفلاحية الواسعة تشكو من نقص المنتجات المصنوعة ذات الأهمية الحيوية. لكن من المؤكد أيضًا أن سائر الأنظمة الأخرى بلا استثناء – ولقد شهدت روسيا أو بعض أجزائها عددًا كبيرًا منها خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة. أثقلت كاهل الفلاحين أكثر من نظامنا بما لا يقاس. فلا الحكومة الملكية ولا الحكومة الديمقراطية استطاعتا أن تزيدا من مخزون البضائع. وكانت كلتاهما بحاجة إلى القمح والخيول التي يملكها الفلاحون. وكانت الحكومات البورجوازية، بما فيها حكومات الكاوتسكيين – المنشفيك، تستخدم جهازًا بيروقراطيًا خالصًا أقل انسجامًا من النظام السوفياتي – المؤلف من العمال والفلاحين – بما لا يقاس مع حاجات الاقتصاد الريفي. وبالنتيجة تبين للفلاح المتوسط، رغم تردده واستيائه وحتى تمرده، أنه مهما تكن الصعوبات في ظل النظام البولشفي، فإن الحياة ستكون أقسى بكثير في ظل أي نظام آخر. وصحيح أن كوميونة باريس “تجنبت” معونة الأرياف. لكن جيش تيير الفلاحي لم يوفر بالمقابل الكوميونة! في حين أن جيشنا، المكون في أربعة أخماسه من الفلاحين، يقاتل بحماسة – ويحقق الانتصارات من أجل جمهورية السوفييتات. وهذه الواقعة التي تكذب وحدها كاوتسكي وملهميه، تعطي أفضل تقييم للسياسة التي تتبعها سلطة السوفييتات تجاه الفلاحين.
——-
(14) : نارودونيكي: معناها الحرفي الشعبيون، والشائع الاشتراكيون الثوريون.

« السابق التالي »