بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

« السابق التالي »

24- مسائل تنظيم العمل: سلطة السوفييتات والصناعة

إذا كانت أخطر مآخذ العالم البورجوازي قد وجهت، في المرحلة الأولى من الثورة السوفياتية، إلى قسوتنا وروحنا الدموية، فقد أخذوا مؤخرًا، بعد أن بليت هذه الحجة ووهنت من كثرة الاستعمال، يحملوننا مسؤولية الفوضى الاقتصادية في البلاد. وأن كاوتسكي يعبر بصورة منهجية، تناسبًا مه مهمته الراهنة، وبلغة تدعي الماركسية، يعبر بصورة منهجية، تناسبًا مع مهمته الراهنة، وبلغة تدعي الماركسية، عن جميع اتهامات البورجوازية التي تنسب إلى السلطة السوفياتية مسؤولية خراب الصناعة الروسية. لقد شرع البلاشفة في التشريك بدون خطة مدروسة وشركوا ما لم يكن ناضجًا للتشريك، والطبقة العاملة الروسية غير مستعدة بعد لتسيير الإنتاج، إلخ…

إن كاوتسكي يعاند، وهو يكرر هذه الاتهامات الرئيسية المتنوعة ويؤلف بينها، في المرور مرور الكرام بالأسباب الجوهرية لفوضانا الاقتصادية: المجزرة الإمبريالية والحرب الأهلية والحصار.

لقد وجدت حكومة السوفييتات نفسها، منذ الأشهر الأولى لوجودها، محرومة من الفحم والبترول والمعدن والقطن. ثم فصلت الإمبريالية النمساوية – الألمانية، وإمبريالية “التفاهم” فيما بعد، فصلت روسيا السوفييتات عن حوض دونتز الفحمي والمعدني، وعن مناطق القفقاس البترولية، وعن تركستان التي كانت تزودنا بالقطن، وعن الأورال ومناجمها الغنية، وعن سيبيريا الغنية بالماشية والحبوب. لقد كان حوض الدونتز يزود صناعتنا عادة بـ94% من الفحم الحجري وبـ74% مما تستهلكه من الفلزات. وكانت لأورال تقدم البقية، 20% من الفلزات و4% من الفحم الحجري. وخلال الحرب الأهلية، فقدنا هاتين المنطقتين. وفقدنا في الوقت نفسه الثمانية ملايين طن من الفحم الذي كنا نتلقاه من الخارج. وبقينا في الوقت نفسه بدون بترول، بعد أن وضع العدو يده على جميع الآبار. ولا بد أن يكون عقل الإنسان من قصدير حتى يتكلم، في مثل هذه الشروط، عن الأثر السلبي للتشريكات “السابقة لأوانها”، و”البربرية” إلخ، على صناعة محرومة كليًا من الوقود والمواد الأولية أن المصنع، سواء أكان ملكًا لتروست رأسمالي أم لدولة عمالية، وسواء أكان مؤممًا أم لا، فإن مداخنه لا تستطيع أن تدخن بدون فحم وبدون بترول. ونستطيع أن نأخذ درسًا من النمسا – وحتى من ألمانيا. إن ما من مصنع للنسيج يدار حسب طرائق كاوتسكي الحكيمة – هذا إذا ارتضينا ولو للحظة أنه يمكن أن يدار شيء ما بطرائق كاوتسكي اللهم إلا المحبرة. يمكن أن ينتج نسيجًا قطنيًا إذا لم يزود بالقطن الخام. والحال أننا قد حرمنا في آن واحد من قطن تركستان وقطن أميركا. وعلاوة على ذلك، ولنكرر هذه الحقيقة، فقد كنا نفتقر إلى الوقود.

يقينًا لقد كان الحصار والحرب الأهلية نتيجة الثورة البروليتارية في روسيا، لكن لا ينتج عن ذلك البتة أن ظاهرات الخراب العديدة التي أدى إليها الحصار الأنكلو – فرنسي وحملات النهب التي قام بها دينيكين وكولتشاك، يمكن أن تنسب إلى عدم فعالية الطرائق الاقتصادية السوفياتية.

إن الحرب الإمبريالية التي سبقت الثورة كانت، بمتطلباتها المادية والتكنيكية التي لا تشبع، أثقل بكثير على صناعتنا الفتية منها على صناعة أقوى البلدان الرأسمالية. ولقد تأثرت بذلك، بصورة خاصة، وسائط نقلنا. فلقد ازداد استثمار سكك الحديد بشكل ملحوظ، مما أدى بالطبع إلى اهترائها، دون أن تجدد بالمقابل بنسبة الاهتراء نفسها. ومما عجل بتسوية الحساب المحتمة أزمة الوقود. إن خسارة فحم الدونتز وبترول القفقاس في آن واحد تقريبًا قد أرغمتنا على اللجوء إلى استعمال الحطب من أجل سكك الحديد. ولم يكن احتياطي الحطب قد أعد لهذا الغرض فكان لا بد من استعمال الحطب الحديث القطع، الندي، وهذا ما كان له أثر سيئ على القاطرات المتعبة بالأصل. أننا نرى إذن أن الأسباب الرئيسية لخراب المواصلات الروسية قد أثرت قبل تشرين الثاني 1917. لكن الأسباب المرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بثورة تشرين الأول لا تمس مطلقًا طرائق الاقتصاد السوفياتي، وإن كان ينبغي أن نذكرها بين النتائج السياسية للثورة.

وبديهي أن أثر الهزات السياسية لم يتجل فقط في أزمة المواصلات والوقود. وإذا كانت الصناعة العالمية تميل أكثر فأكثر، في العقود الأخيرة إلى أن تشكل جهازًا عضويًا واحدًا، فإن هذا الميل كان ملحوظًا بصورة خاصة في الصناعة الوطنية. إلا أن الحرب والثورة مزقتا وقطعتا أوصال الصناعة الروسية. إن الدمار الصناعي في بولونيا ومناطق البلطيق وبترسبورغ، قد بدأ في عهد القيصرية، واستمر في عهد كيرنسكي ممتدًا بلا انقطاع إلى أقاليم جديدة.

ولقد عملت عمليات الإجلاء اللا متناهية، بالإضافة إلى دمار الصناعة، على دمار المواصلات أيضًا. فأثناء الحرب الأهلية حيث كانت تتبدل الجبهات، اتخذت عمليات الإجلاء طابعًا محمومًا وأشد تدميرًا. وكان الطرفان، كلما هجرا مؤقتًا أحد المراكز الصناعية، يتخذان كل التدابير المعقولة حتى يستحيل على الخصم استخدام المصانع: فكانت أثمن الآلات وأدق قطع الغيار تنقل ويؤخذ معها خير التكنيكيين وخير العمال. وكان الإجلاء يتبعه إجلاء ثان يجهز في غالب الأحيان على تدمير الكثير من الآلات المنقولة والكثير من سكك الحديد. وهكذا انتقلت عدة أقاليم صناعية هي من خير الأقاليم – وبخاصة في أوكرانيا ومنطقة الأورال – من يد إلى يد مرارًا وتكرارًا.

ولنضف إلى هذا أنه في الوقت الذي كان فيه تدمير الآلات الصناعية يأخذ نسبًا لا مثيل لها، توقف تمامًا استيراد الآلات من البلاد الأجنبية، هذا الاستيراد الذي لعب في الماضي دورًا حاسمًا في صناعتنا.
ولم تكن عناصر الصناعة المادية – المباني والآلات والسكك والوقود – هي وحدها التي عانت من نتائج الحرب والثورة الرهيبة ه

ذه بل عانت من ذلك أيضًا القوة الحية، خلاقة الصناعة، البروليتاريا، بالقدر نفسه إن لم نقل أكثر. لقد صنعت البروليتاريا ثورة تشرين الأول، وبنت وحمت نظام السوفييتات، وخاضت نضالاً متواصلاً ضد البيض. والحال أن العمال المختصين هم بصورة عامة أكثر العمال تقدمًا. لقد انتزعت الحرب الأهلية طوال حقبة طويلة عشرات الآلاف من العمال من العمل الصناعي. وقد فقدنا الآلاف منهم بصورة لا تعوض. إن أثقل أعباء الثورة الاشتراكية تقع على كاهل الطليعة البروليتارية، وبالتالي على الصناعة.

لقد تركز كل اهتامام حكومة السوفييتات، طوال عامين ونصف عام، على المقاومة بالسلاح. وكانت خير قواها وأهم مواردها ترسل إلى الجبهة.

إن الصراع الطبقي يسيء بصورة عامة إلى الصناعة. وأن جميع الفلاسفة الذين جعلوا من أنفسهم رسل الانسجام الاجتماعي قد أخذوا عليه هذا المأخذ منذ زمن بعيد. إن العمال، أثناء الإضرابات الاقتصادية العادية، يستهلكون دون أن ينتجوا. وأن الصراع ا لطبقي في أكثر أشكاله حدة – الصراع بالسلاح – يوجه ضربات أرهب. لكن من البديهي أننا لا نستطيع البتة أن نعتبر الحرب الأهلية طريقة اقتصادية اشتراكية.

إن الأسباب التي عددناها هي أكثر من كافية لتفسير الوضع الاقتصادي غير الثابت والمؤقت لروسيا السوفييتات. لا وقود، لا معادن لا قطن، والمواصلات مهدمة، والآلات معطوبة، واليد العاملة مشتتة في البلاد بعد أن فني قسم كبير منها في الجبهات. فهل نبحث بعد هذا في طوبائية البلاشفة الاقتصادية عن سبب إضافي لتدهور صناعتنا؟ على العكس فكل سبب من الأسباب المشار إليها يكفي للإيحاء بطرح السؤال التالي: كيف أمكن، في مثل هذه الشروط، الحفاظ على بعض النشاط في المصانع والمعامل؟

والحال أن مثل هذا النشاط موجود، وبخاصة في الصناعة العسكرية التي تعيش اليوم على حساب كل صناعة أخرى. ولقد كان على سلطة السوفييتات أن تعيد خلقها، كما أعادت خلق جيشها، من الأنقاض التي تركت لها. إن الصناعة العسكرية، التي أعيد بناؤها في مثل هذه الشروط البالغة الصعوبة، قد أدت وما تزال تؤدي مهمتها: فالجيش الأحمر موفور اللباس والأحذية والسلاح. ولديه البنادق، والرصاص، والقنابل، والطائرات، وكل ما هو ضروري له.

وما أن لمحنا بارق السلام، بمثل خاطف البرق، بعد سحق كولتشاك ويودينيتش ودينيكين، حتى طرحنا مسائل تنظيم الصناعة بكل اتساعها. ولقد كفت ثلاثة أو أربعة شهور من النشاط الكثيف في هذا المجال، لتقطع الطريق على كل شك في أن سلطة السوفييتات، بفضل صلتها الوثيقة بالجماهير الشعبية، وبفضل مرونة جهاز دولتها ومبادهتها الثورية، تتمتع من أجل بعث النهضة الاقتصادية بموارد وطرائق لا تملكها ولن تملكها أي دولة أخرى.

صحيح أن مسائل جديدة قد انطرحت أمامنا، وأنه كان علينا أن نواجه صعوبات جديدة. فالنظرية الاشتراكية لا تملك ولا تستطيع أن تملك أجوبة جاهزة على كل هذه الأسئلة. وإنما عن طريق التجربة يجب أن نجد الحلول، وإنما عن طريق التجربة يجب أن نتحقق من صلاحيتها. إن الكاوتسكية متخلفة عصرًا كاملاً عن المشكلات الضخمة التي حلتها سلطة السوفييتات أنها تسير، في أهاب المنشفيكية، في خط متردد، معارضة تدابير بنائنا الاقتصادي بالآراء المسبقة وليدة الريبية البورجوازية الصغيرة، الفكرية، والبيروقراطية.

وكي يطلع القارئ على ماهية هذه المسائل التي لها علاقة بتنظيم العمل، كما تنطرح علينا اليوم، فإن مؤلف هذا الكتاب يعتقد أنه يحسن العمل إذا نسخ ههنا التقرير الذي قدمه إلى المؤتمر الروسي الموحد الثالث للنقابات. ومن أجل المزيد من الوضوح، فإن القارئ سيجد التقرير مكملاً بمقاطع عديدة مأخوذة من التقارير التي قدمها المؤلف إلى المؤتمر الروسي الموحد لسوفييتات الاقتصاد الشعبي وإلى المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي الروسي.

« السابق التالي »