بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

« السابق التالي »

27- تطبيق النظام العسكري على العمل

إن إلزامية العمل ستكون مستحيلة بدون تطبيق مناهج النظام العسكري على العمل في حدود معينة. وأن هذا التعبير يقودنا دفعة واحدة إلى ميدان تتطير منه المعارضة وتقيم حوله الضجة أكثر من أي ميدان آخر.

وكي نفهم ما نعنيه بتطبيق النظام العسكري على العمل في الدولة العمالية، وما هي مناهجه، فلا بد أن نكون فكرة واضحة عن الطريقة التي يتم بها تطبيق النظام العسكري على الجيش نفسه، هذا الجيش الذي كان بعيدًا في البداية، كما يذكر الجميع، عن التمتع بالصفات “العسكرية” المكتسبة. إن عدد الجنود الذين عبأناهم في العامين الماضيين لم يبلغ تمامًا عدد المنتسبين إلى النقابات في روسيا لكن المنتسبين إلى النقابات هم من العمال، وهؤلاء لا يدخلون إلى الجيش الأحمر إلا بنسبة 15%، أما الباقي فمؤلف من جماهير الفلاحين. إلا أننا نعرف عن حق أن المنظم والباني الحقيقي للجيش الأحمر إنما هو العامل المتقدم، المتخرج من المنظمات النقابية أو من الحزب. فحين كان الموقف في الجبهات يصبح صعبًا، وحين لا تبرهن الجماهير الفلاحية المجندة حديثًا على ما فيه الكفاية من الحزم، كنا نتوجه من جهة أولى إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، ومن الجهة الثانية إلى سوفييت النقابات. وإنما من هذين المصدرين كان يخرج العمال المتقدمون ليذهبون لتنظيم الجيش الأحمر على صورتهم، وليقفوا ويدربوا ويجندوا الجماهير الفلاحية.

وإنه لمن الضرورة بمكان أن نذكر بدقة بهذه الواقعة لأنها تسلط الضوء على فكرة التنظيم العسكري بالذات كما هي مفهومة في الدولة العمالية والفلاحية. لقد نودي بمبدأ التنظيم العسكري للعمل كشعار أكثر من مرة، ولقد طبق في فروع اقتصادية متعددة في عدد من البلدان البورجوازية، سواء أفي الغرب أم في روسيا في ظل القيصرية. لكن تنظيمنا العسكري للعمل يتميز عن التنظيم العسكري في تلك البلدان بأهدافه ومناهجه، تمامًا كما تتميز البروليتاريا الواعية والمنظمة، بهدف تحررها، عن البورجوازية الواعية والمنظمة بهدف الاستغلال.

ومن هذا الخلط اللا واعي أو المغرض، بين الأشكال التاريخية للتنظيم العسكري البروليتاري والاشتراكي والتنظيم العسكري البورجوازي، ينبع القسم الأكبر من الآراء المسبقة والأخطاء والاحتجاجات وصرخات الاستنكار التي تثيرها هذه المسألة. وإنما على هذا التفسير للأشياء يقوم موقف المنشفيك، الكاوتسكيين الروس، كما يتضح في قرارهم المبدئي المقدم إلى مؤتمر النقابات الحالي.

إن المنشفيك لا يفعلون شيئًا إلا استنكار تطبيق النظام العسكري على العمل. وهم يستنكرون أيضًا إلزامية العمل. إنهم يرفضون هذه الطرائق باعتبارها “إكراهية”. إنهم يشيعون إن إلزامية العمل ستؤدي إلى انخفاض الإنتاجية. أما عن تطبيق النظام العسكري على العمل فلن يكون له من نتيجة إلا تبذير اليد العاملة هباء.

“إن العمل الإلزامي لم يكن دومًا إلا منخفض الإنتاجية”، هذا هو التعبير الدقيق الوارد في قرار المنشفيك. إن هذا التأكيد يقودنا إلى لب المشكلة بالذات. ذلك أن المسألة، كما نرى، ليست هي أن نعرف ما إذا كان من المعقول أو اللا معقول أن نعلن أن هذا المصنع أو ذاك هو في حالة حرب، وما إذا كان من المصلحة أن نعلن أن هذا المصنع أو ذاك هو في حالة حرب، وما إذا كان من المصلحة أن نعطي المحكمة الثورية العسكرية حتى معاقبة العمال المرتشين الذين يسرقون المواد الأولية والأدوات الثمينة جدًا بالنسبة إلينا، أو الذين يخربون. كلا، إن المنشفيك يطرحون المسألة بصورة أعمق بكثير. إنهم يحاولون، بتأكيدهم إن العمل الإلزامي هو دومًا منخفض الإنتاج، أن يزعزعوا كل بنائنا الاقتصادي في مرحلة الانتقال الراهنة. ذلك أنه لا مجال للانتقال من الفوضى البورجوازية إلى الاقتصاد الاشتراكي دون اللجوء إلى الديكتاتورية الثورية وإلى طرائق التنظيم الاقتصادي القائمة على الإكراه.

إن النقطة الأولى من قرار المنشفيك تقول أننا نعيش في عصر الانتقال من أشكال الإنتاج الرأسمالي إلى أشكال الإنتاج الاشتراكي. فما معنى هذا؟ وقبل كل شيء، من أني أتت هذه الحكم، ومنذ متى اعترف بها كاوتسكيونا؟ لقد اتهمونا (وهذا ما كان أساس مذهبهم) أنه لا مجال في عصرنا للانتقال إلى الاشتراكية، وأن ثورتنا ليست إلا ثورة بورجوازية، وأننا، نحن الشيوعيين، لا نفعل شيئًا سوى تدمير النظام الاقتصادي الرأسمالي، وأننا لا نتقدم بالأمة خطوة إلى الأمام، بل على العكس نسير بها إلى الخلف. إنما حول هذه النقاط كان يكمن الخلاف الأساسي، والاختلاف العميق، والتنافر الذي تنبع منه كل الاختلافات الأخرى. لكن المنشفيك يلفتون انتباهنا الآن بصورة عابرة، في مقدمات قرارهم، وكأن القضية بديهية لا تحتاج إلى دليل، إلى أننا نمر بمرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية. وهذا اعتراف غير متوقع على الإطلاق أشبه ما يكون باستسلام فكري كامل. ثم أنه مصاغ بسهولة وخفة لا تفرضان أي التزام ثوري على المنشفيك، كما يدل على ذلك القرار كله. إنهم سجناء العقيدة البورجوازية بشكل عام. إن المنشفيك، بعد أن اعترفوا بأننا نسير نحو الاشتراكية، يتهجمون بحنق على هذه الطرائق التي يستحيل بدونها، في الشروط الصعبة الخطيرة الراهنة، الانتقال إلى الاشتراكية.

أنهم يقولون لنا: إن العمل الإلزامي منخفض الإنتاجية دومًا! ونحن نسألهم: ماذا تقصدون ههنا بالعمل الإلزامي؟ وبتعبير آخر، أنه نقيض أي عمل؟ نقيض العمل الحر في الظاهر. فماذا ينبغي في هذه الحال أن نفهم من العمل الحر؟ إن واضعي عقيدة البورجوازية التقدميين هم الذين صاغوا هذه الفكرة في نضالهم ضد إكراه العمل، أي ضد عبودية الفلاحين، وضد عمل الصناع المقنن المقعد. وكانوا يفهمون العمل الحر على أنه العمل الذي يمكن شراؤه “بحرية” في سوق العمل. وهكذا فإن الحرية ترتد إلى وهم حقوقي حول أساس الشراء للعاملين بالأجرة. ونحن لا نعرف في التاريخ غير هذا الشكل للعمل الحر. وليشرح لنا بعض ممثلي المنشفيك الحاضرون في هذا المؤتمر ما يقصدونه بالعمل الحر، غير الإكراهي، إن لم يكونوا يقصدون به البيع الحر لليد العاملة؟

لقد عرف التاريخ العبودية والرق وعمل الحرف المقنن في القرون الوسطى. أما اليوم فيسود العالم كله العمل المأجور الذي يعارض به الكويتيون الصفر في جميع البلدان، على اعتبار أنه حرية أسمى، “العبودية” السوفياتية. أما نحن فنعارض، على العكس، العبودية الرأسمالية بالعمل الاجتماعي النظامي المستند إلى خطة اقتصادية، والإلزامي للجميع، والإلزامي بالتالي لكل عامل في البلاد. وبدونه يستحيل حتى التفكير بالانتقال إلى الاشتراكية. إن عنصر الإكراه المادي، الفيزيائي، يمكن أن يكون كبيرًا أو صغيرًا: فهذا أمر يتعلق بالكثير من الشروط وبدرجة غنى البلاد أو فقرها، وبإرث الماضي، وبمستوى الثقافة، وبحالة المواصلات ونظام الإدارة، إلخ، إلخ، لكن الإلزام وبالتالي الإكراه هو الشرط الضروري لضبط الفوضى البورجوازية، ولتشريك وسائل الإنتاج والعمل، ولإعادة بناء النظام الاقتصادي حسب خطة موحدة.

إن الحرية تعني في النهاية، في نظر الليبرالي، البيع الحر لليد العاملة. هل يستطيع رأسمالي من الرأسماليين أن يشتري بسعر مقبول القوة العاملة أم لا؟ هذه هي الوسيلة الوحيدة في نظر الليبرالي لقياس حرية العمل. وهذا المقياس خاطئ لا بالنسبة إلى المستقبل فحسب، بل بالنسبة إلى الماضي أيضًا.

إنه لمن غير المعقول أن نتصور أن العمل في أيام الرق كان يتم كله تحت تهديد الإكراه المادي، وأن المراقب يقف خلف الفلاح المسكين والسوط في يده. إن الأشكال الاقتصادية في القرون الوسطى كانت تنبع من بعض الشروط الاقتصادية، وتحيي تقاليد كان الفلاح يتلاءم معها، ويراها في بعض العهود عادلة أو يعترف على الأقل بطابعها الدائم. وحين اتخذ تجاهها، تحت تأثير تغير الشروط المادية، موقفًا معاديًا، حطمته الحكومة بالقوة المادية، مثبتة بذلك الطابع الإكراهي لتنظيم العمل.

إن استبدال الاقتصاد الرأسمالي بالاقتصاد الاشتراكي لن يكون إلا كلمة جوفاء بدون أشكال الإكراه الحكومي التي هي أساس تنظيم العمل على أساس عسكري. فلم نتكلم عن التنظيم العسكري للعمل؟ بديهي أن هذا من قبيل التشابه، لكنه تشابه عميق الدلالة. إن ما من تنظيم اجتماعي آخر، باستثناء الجيش، قد تصور أن له الحق في أن يلحق به المواطنين إلحاقًا تامًا، وفي أن يسيطر عليهم سيطرة كاملة بإرادته، كما تفعل ذلك حكومة الديكتاتورية البروليتارية. إن الجيش وحده (على وجه التحديد لأنه حسم بطريقته الخاصة مسائل حياة وموت الأمم والدول والطبقات الحاكمة) قد اكتسب الحق بأن يتطلب من كل فرد خضوعًا تامًا للمهام والأهداف والتعليمات والأوامر. ولقد توصل إلى ذلك لأن مهام التنظيم العسكري، بوجه خاص، كانت تتفق أكثر من غيرها مع ضرورات التطور الاجتماعي.

إن مسألة حياة أو موت روسيا السوفياتية مطروحة، في الساعة الراهنة، على صعيد العمل. إن منظماتنا الاقتصادية مع منظماتنا المهنية والصناعية لها الحق في أن تتطلب من أعضائها كل نكران الذات وكل الانضباط وكل الدقة في مواعيد العمل، أي كل ما كان الجيش وحده يتطلبه حتى اليوم.

وموقف الرأسمالي من العامل، من الجهة الأخرى، لا يقوم على عقد “حر” فحسب، بل يشتمل أيضًا على عناصر قوية من التنظيم الحكومي والإكراه المادي.

إن منافسة الرأسمالي للرأسمالي قد أضفت على وهم حرية العمل ظاهرًا من الواقعية. لكننا هدمنا نهائيًا، بإلغائنا الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، هذه المنافسة التي قلصتها النقابات والتروستات إلى أقصى الحدود. وأن الانتقال إلى الاشتراكية، المعترف به لفظيًا من المنشفيك، يعني الانتقال من التوزيع الفوضوي لليد العاملة، ومن قانون الشراء والبيع، ومن تحولات أسعار السوق والأجور، إلى توزيع عقلاني للشغيلة بواسطة أجهزة المحافظة والإقليم والبلاد كلها.

إن هذا النوع من التوزيع يفترض تبعية العمال الموزعين لحظة الحكومة الاقتصادية. وهذا هو كل أساس إلزامية العمل التي تدخل بصورة محتمة، وباعتبارها عنصرًا جوهريًا، في برنامج التنظيم الاشتراكي للعمل.

وإذا كان يستحيل تنظيم الاقتصاد العام تنظيمًا منهجيًا بدون إلزامية العمل، فإن هذه الإلزامية بالمقابل مستحيلة دون إلغاء وهم حرية العمل، وبدون استبدال هذا الوهم بمبدأ الإلزام الذي يكمله واقع الإكراه.

أما أن العمل الحر أكثر إنتاجية من العمل الإلزامي، فهذه حقيقة لا يماري فيها بصدد الانتقال من المجتمع الإقطاعي إلى المجتمع البورجوازي. لكن لا بد أن يكون الإنسان ليبراليًا، أو كاوتسكيًا في عصرنا، حتى يخلد هذه الحقيقة ويفرضها على عصرنا الانتقالي من النظام البورجوازي إلى النظام الاشتراكي. وإذا كان صحيحًا، كما يقول قرار المنشفيك، إن العمل الإلزامي هو دومًا وفي كل الظروف أقل إنتاجية، فإن بناءنا الاقتصادي يكون بالتالي مقدرًا عليه الانهيار. ذلك أنه لا يمكن أن توجد لدينا وسيلة أخرى للانتقال إلى الاشتراكية غير القيادة الحازمة للقوى والموارد الاقتصادية في البلاد، وغير التوزيع المركزي للقوة العاملة حسب الخطة الحكومية العامة. إن الدولة العمالية تعتبر أن لها الحق في أن ترسل كل شغيل إلى المكان الذي بحاجة إلى عمله. وأن من اشتراكي جاد سيفكر بأن ينكر على الحكومة لاعمالية حقها في وضع يدها على الشغيل الذي قد يرفض تنفيذ المهمة التي أوكلت إليه. لكن الطريق المنشفيكي للانتقال إلى “الاشتراكية”، وهذا هو لب المسألة، هو أشبه بطريق المجرة، بدون احتكار للقمح، وبدون إلغاء للأسواق، وبدون ديكتاتورية ثورية، وبدون تنظيم عسكري للعمل.

فالنقابات، بدون إلزامية العمل وبدون الحق في إصدار الأوامر، وطلب تنفيذها، تفقد مقوماتها، ذلك أنها ضرورية للدولة الاشتراكية التي في طريق البناء، لا لتناضل من أجل شروط أفضل للعمل – فهذه مهمة مجموع التنظيم الاجتماعي الحكومي – بل من أجل تنظيم الطبقة العاملة بهدف الإنتاج، ومن أجل ضبطها وتوزيعها وتثقيفها وتعيين بعض الفئات وبعض العمال في مراكزهم لمدة معينة من الزمن، وبكلمة واحدة من أجل تنظيم الشغيلة بحزم، وباتفاق تام مع السلطة، في إطارات الخطة الاقتصادية الموحدة. إن الدفاع عن “حرية” العمل، في مثل هذه الشروط، يعني الدفاع عن البحث اللا مجدي، اللا مفيد، غير المؤكد، عن الشروط الأفضل، وعن الانتقال الفوضوي غير المنظم من مصنع إلى آخر، في بلد جائع، وسط الفوضى المخيفة في المواصلات والتموين. وماذا يمكن أن تكون نتيجة هذه المحاولة اللا معقولة للجمع بين حرية العمل البورجوازية وبين التشريك البروليتاري لوسائل الإنتاج، غير تفكك الطبقة العاملة والفوضى الاقتصادية الكاملة؟

ليس التنظيم العسكري للعمل إذن، أيها الرفاق، بالمعنى الأساسي الذي ذكرته، ليس هو من اختراع بعض الأشخاص السياسيين أو وزارة حربيتنا، بل أنه يبدو كطريقة حتمية في تنظيم اليد العاملة وضبطها في عصر الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وإذا كان صحيحًا، كما جاء في قرار المنشفيك، إن كل هذه الأشكال (التوزيع الإلزامي لليد العاملة، وإلحاقها المؤقت أو الدائم ببعض الفروع أو المشاريع، وتنظيمها المتجاوب مع الخطة الاقتصادية الحكومية) تؤدي إلى انخفاض الإنتاجية، فلنرسم إذن إشارة الصليب على الاشتراكية. ذلك لأنه يستحيل بناء الاشتراكية على انخفاض الإنتاج. إن كل تنظيم اجتماعي يستند إلى تنظيم العمل. وإذا كان تنظيمنا الجديد للعمل يفضي إلى نقص الإنتاج، فإن المجتمع الاشتراكي الذي في طريق البناء سيسير حتمًا إلى الدمار، مهما كانت مهارتنا ومهما كانت تدابير النجارة التي نتصورها.

إنما لهذه الأسباب قلت، من البداية، إن الحجج المنشفيكية ضد التنظيم العسكري تقودنا إلى لب مشكلة تنظيم العمل وتأثيره على الإنتاج فهل صحيح حقًا أن العمل الإلزامي كان دومًا غير منتج؟ إننا مرغمون على الرد على هذه الحجة بأنها واحد من أفقر الأحكام المسبقة وأكثرها ليبرالية. إن المسألة كلها تكمن في أن نعرف من يمارس الإكراه، وضد من ولماذا؟ أي دولة، أي طبقة، في أي الظروف، بأي الطرائق؟ لقد كان تنظيم الرق، في بعض الشروط، تقدمًا وأدى إلى زيادة الإنتاج. ولقد نما الإنتاج نموًا كبيرًا في ظل النظام الرأسمالي، وبالتالي في عصر الشراء والبيع الحر لليد العاملة في سوق العمل. لكن العمل الحر والرأسمالية بكاملها قد قضت عليهما الحرب نهائيًا عندما دخلا في المرحلة الإمبريالية. إن الاقتصاد العالمي كله دخل في مرحلة من الفوضى الدموية، والهزات الرهيبة، والتعري، والاضمحلال، ودمار الجماهير الشعبية. فهل يمكننا في مثل هذه الشروط، أن نتكلم عن إنتاجية العمل الحر، بينما تختفي ثمار هذا العمل أكثر مما تبرز بعشرة أضعاف؟ لقد أثبتت الحرب الإمبريالية والنتائج التي نجمت عنها استحالة وجود مجتمع قائم على العمل الحر بعد اليوم. أم لعل أ؛دهم يملك السر الذي سيسمح بتحرير العمل الحر من نوبة جنون الإمبريالية، أو بتعبير آخر، الذي سيسمح بإرجاع التطور الاجتماعي خمسين أو مئة عام إلى الوراء؟ وإذا كان صحيحًا أن تنظيمنا للعمل، الذي يجب أن يحل محل الرأسمالية، والمرسوم حسب خطة معينة، والإلزامي بالتالي، يؤدي إلى ضعف الاقتصاد، فهذا سيعني نهاية كل ثقافتنا وتراجع الإنسانية نحو البربرية والهمجية.

لكن من حسن حظ الإنسانية قاطبة لا روسيا السوفياتية وحدها. إن فلسفة الإنتاجية الضعيفة للعمل الإلزامي “دومًا وفي جميع الشروط” لا تعدو أن تردد لازمة ليبرالية قديمة. إن إنتاجية العمل كمية تعسفية تتعلق بمجموع الشروط الاجتماعية الأكثر تعقيدًا، ولا يمكن في أي حال من الأحوال أن تقاس أو تحدد مسبقًا بشكل حقوقي من أشكال العمل.

إن كل تاريخ الإنسانية هو تاريخ تنظيم وتربية الإنسان الاجتماعي بالعمل، بهدف الحصول منه على إنتاجية أكبر. إن الإنسان لهو، كما سمحت لنفسي آنفًا بأن أعبر، كسول، أي يحاول بالغريزة أن يحصل بأقل جهد ممكن على أكبر حد ممكن من المنتجات. وبدون هذا الميل، لن يكون ثمة وجود للتطور الاقتصادي. إن نمو الحضارة يقاس بإنتاجية الإنسان، وكل شكل جديد من أشكال العلاقات الاجتماعية ينبغي أن يمتحن على حجر المحك هذا.

إن العمل “الحر” لم يظهر إلى النور على حين غرة بكل قوة إنتاجيته. إنه لم يصل إلى إنتاجية عالية إلا تدريجيًا، وعلى إثر تطبيق طويل الأمد لطرائق تنظيم وتثقيف العمل. ولقد استخدم هذا التثقيف مختلف الطرائق والوسائل التي كانت تتبدل، علاوة على تنوعها، حسب العصور. في البداية كانت البورجوازية تطرد بالعصا الغليظة الفلاح الموجيك خارج قريته وتلقي به على عارضة الطريق، بعد أن تكون قد انتزعت منه أراضيه. وحين كان لا يريد أن يعمل في المصنع، كانت تدمغه بالحديد الأحمر، وتشنقه، وترسله إلى العمل الإجباري في تجذيف السفن، إلى أن يعتاد البائس في النهاية على العمل في المصنع. وكما نرى، فإن هذه المرحلة من العمل “الحر” لا تختلف إلا قليلاً للغاية عن الأشغال الشاقة، سواءًا من زاوية الشروط المادية أم من وجهة النظر الشرعية.

ولقد لجأت البورجوازية، في عصور مختلفة، وبنسب متباينة، إلى الحديد الأحمر والقمع ووسائل الإقناع في آن واحد. ولقد قدم إليها الكهنة، في هذا المجال، مساعدة لا تقدر بثمن. فمنذ القرن السادس عشر، كانت قد أدخلت الإصلاح على الدين الكاثوليكي القديم الذي كان يدافع عنه النظام الإقطاعي، وتبنت من أجل حاجاتها دينًا جديدًا، دين “الإصلاح” الذي يجمع بين حرية الروح وحرية التجارة والعمل. واتخذت من الكهنة الجدد حراسًا روحيين لها وخدمًا مخلصين. ولقد طورت البورجوازية المدرسة والصحافة والمجالس البلدية والبرلمان بهدف تكوين أفكار الطبقة العاملة لصالحها. إن مختلف أشكال الأجرة (المياومة، وعلى القطعة، والمقاولة، والعقد الجماعي) لا تشكل بين يدي البورجوازية إلا وسائل متنوعة لترويض البروليتاريا على العمل. وتنضم إليها مختلف أشكال التشجيع على العمل والتحريض على الوصولية. وأخيرًا، لقد عرفت البورجوازية كيف تضع يدها على النقابات ومنظمات الطبقة العاملة، وتستفيد منها إلى أبعد الحدود في ضبط الشغيلة. لقد روضت القادة، وأقنعت العمال عن طريقهم بضرورة الاجتهاد والعمل الهادئ، وإنجاز مهمتهم بصورة مثالية، والتنفيذ الدقيق لقوانين الدولة البورجوازية. ولقد وجد كل هذا العمل تتويجه في نظام تايلور الذي تتحد فيه عناصر التنظيم العلمي لعملية الإنتاج بأمهر الطرق في استثمار جهد العامل إلى أقصى حد ممكن.

ويتبين بوضوح مما قلناه أن إنتاجية العمل الحر ليست شيئًا محددًا، مقررًا، مقدمًا من التاريخ على صحن من الفضة. كلا! إنها نتيجة سياسة طويلة عنيدة، رادعة، تربوية، تنظيمية، منشطة، تنتهجها البورجوازية ** من المنتجات من جهد العمال، وكان الاستئجار الاختياري، الشكل الوحيد للعمل الحر، الطبيعي، السليم، المنتج والمأمون، واحدًا من أقوى الأسلحة بين أيديها.

إن التاريخ لم ولن يعرف شكلاً حقوقيًا للعمل يضمن من تلقاء نفسه الإنتاجية. إن الغلاف الحقوقي للعمل يتعلق بعلاقات العصر ومفاهيمه. إن إنتاجية العمل تتطور على أساس تطور القوى التكتيكية، وتثقيف العمل، وتلاؤم الشغيلة التدريجي مع وسائل الإنتاج التي تتبدل باستمرار، والأشكال الجديدة للعلاقات الاجتماعية.

إن تشييد المجتمع الاشتراكي يعني تنظيم الشغيلة على أسس جديدة وتلاؤمهم مع هذه الأسس، وإعادة تثقيفهم بهدف زيادة الإنتاجية باستمرار. وعلى الطبقة العاملة أن تقوم من تلقاء نفسها، بقيادة طليعتها، بإعادة تثقيف نفسها اشتراكيًا. ومن لم يفهم ذلك، فهذا معناه أنه لا يفهم شيئًا من ألف باء البناء الاشتراكي.

ما هي إذن طرائقنا في إعادة تثقيف الشغيلة؟ إنها أوسع بما لا يقاس من طرائق البورجوازية، وهي علاوة على ذلك مستقيمة، شريفة، صريحة، نقية من كل رياء ومن كل كذب. لقد كانت البورجوازية مرغمة على اللجوء إلى الكذب لتصور عملها على أنه حر، في حين أنه في الواقع لم يكن مفروضًا اجتماعيًا فحسب، بل كان أيضًا مستعبدًا. ذلك إنه كان عمل الغالبية لصالح الأقلية. وبالمقابل فإننا ننظم العمل لصالح الشغيلة أنفسهم، ولهذا فإن ما من شيء يمكن أن يدفنا إلى إخفاء أو تقنيع الطابع الإلزامي اجتماعيًا لتنظيم العمل. إننا لا ندري ماذا نفعل بحكايا الكهنة والليبراليين والكاوسكيين. إننا نقول علنًا وصراحة للجماهير أنها لا تستطيع أن تنقذ وترفع وتقود البلاد الاشتراكية إلى مركز لا مع إلا مقابل عمل حازم، وانضباط صارم، وأكبر دقة في مواعيد العمل من جانب كل شغيل. إن أهم وسائلنا هي عمل الفكرة، أي الدعاية لا لفظيًا فحسب بل فعليًا وعمليًا أيضًا. إن إلزامية العمل تتخذ طابعًا إكراهيًا، لكن هذا لا يعني أنها تشكل عنفًا تجاه الطبقة العاملة. ولو اصطدمت إلزامية العمل بمعارضة القسم الأعظم من الشغيلة، لكان حكم عليها بالموت ومعها النظام السوفياتي. إن التنظيم العسكري للعمل، حين يصطدم بمعارضة الشغيلة، يكون أشبه بطرائق آراكتشييف. إن تنظيم العمل عسكريًا بإرادة الشغيلة أنفسهم لهو طريقة من طرائق الديكتاتورية الاشتراكية. أما أن إلزامية العمل وتنظيمه العسكري يغتصبان إرادة الشغيلة، كما كان شأن العمل “الحر”، فهذا ما يدحضه بشكل قاطع إلهام الشغيلة المتطوعين الواسع في “أيام السبت الشيوعية”، هذا الحدث الفريد من نوعه في تاريخ الإنسانية. إن العالم لم يشهد شيئًا كهذا في أي زمن من الأزمان. إن الشغيلة يبرهنون بشكل رائع، بعملهم الاختياري والمتجرد – مرة واحدة في الأسبوع وأحيانًا أكثر من مرة – على أنهم مستعدون لا لتحمل عبء العمل “الإجباري” فحسب، بل ليقدموا للحكومة عملاً إضافيًا. أن “أيام السبت الشيوعية” ليست إلا أمثلة رائعة على التضامن الشيوعي، لكنها أوثق ضمانة أيضًا لنجاح تطبيق إلزامية العمل. إن علينا، بواسطة الدعاية، أن نوضح ونوسع ونعزز هذه الميول الشيوعية العميقة الجذور.

إن السلاح المعنوي الرئيسي في يد البورجوازية هو الدين. في حين أن سلاحنا، نحن، هو أن نشرح للجماهير شرحًا صادقًا حقيقة الأمور، وأن ننشر المعلومات الطبيعية والتاريخية والتكنيكية، وأن ندرب الجماهير على الخطة العامة للاقتصاد الحكومي التي يجب أن يتم على أساسها استخدام اليد العاملة التي تملكها السلطة السوفياتية.

إن الاقتصاد السياسي قد قدم لنا، في الماضي، أهم مصادر عملنا ودعايتنا: فلقد كان النظام الرأسمالي الاجتماعي لغزًا ولقد كشفنا اللثام عن هذا اللغز للجماهير. والألغاز الاجتماعية تتكشف الآن للجماهير بواسطة آلية النظام السوفياتي بالذات، هذا النظام الذي يسلم الشغيلة مختلف المناصب. وكلما تقدمنا، أخذ الاقتصاد السياسي المزيد من الأهمية التاريخية. إن العلوم، التي تفيد في تنقيب الطبيعة وفي إيجاد وسائل الكفيلة بإخضاعها لإرادة الإنسان، تحتل اليوم مكانة الصدارة.

إن على النقابات أن تشرع، على أوسع مدى، في التثقيف العلمي والتكنيكي، حتى يجد كل عامل في عمله الخاص دافعًا له على العمل الفكري النظري. والنظرية، بارتدادها نحو العمل، تزيده إتقانًا وإنتاجية.

إن على الصحافة أن ترتفع إلى مستوى مهام الوطن، لا كما تفعل ذلك الآن فحسب، أي باتجاه تحريض عام لإحياء الطاقة العاملة، بل أيضًا باتجاه مناقشة ودراسة للمهام والخطط والوسائل الاقتصادية العينية، بهدف إيجاد الحل لها، وبخاصة من أجل التحقق من النتائج المكتسبة وتقييمها. إن على الصحف أن تتبع يومًا فيومًا إنتاج أهم المصانع، لتسجل النجاح والإخفاق، ولتشجع هؤلاء وتفضح أولئك..

إن الرأسمالية الروسية، نتيجة لطابعها المتخلف واستقلالها وما ينتج عنهما من ملامح طفيلية، قد نجحت، بدرجة أدنى من درجة نجاح رأسمالية أوروبا، في تعليم وتثقيف الجماهير العمالية تكنيكيًا وضبطها صناعيًا. وهذه المهمة تقع اليوم بكاملها على منظمات البروليتاريا النقابية. إن المهندس الممتاز والميكانيكي الممتاز والمصلح الممتاز يجب أن يلقوا في روسيا السوفياتية نفس الشهرة والمجد اللذين كان يلقاهما في الماضي أجرأ المحرضين والمناضلون الثوريون، وفي زمننا هذا أجرأ الضباط والقوميساريين وأقدرهم. إن كبار قادة التكنيك وصغارهم يجب أن يحتلوا مكانة الشرف في التفكير العام، ولا بد من إرغام العمال الرديئين على الشعور بالخجل من أنهم ليسوا بمستوى مهمتهم.

أن الأجور العمالية في روسيا ما تزال تدفع نقدًا، ومن المتوقع أن تستمر الحال هكذا مدة طويلة. لكن كلما تقدمنا، بات علينا من الواجب أكثر أن نكفل لجميع أعضالء المجتمع كل ما هو ضروري لهم وعلى هذا فسوف تفقد الأجور كل سبب للوجود. نحن لسنا أغنياء بما فيه الكفاية في الساعة الراهنة لتحقيق مثل هذا الأمر. إن زيادة كمية السلع المصنوعة هي المهمة الرئيسية التي ترتبط بها سائر المهام الأخرى. إن الأجور ليست بالنسبة إلينا، في المرحلة الصعبة الراهنة، وسيلة لتخفيف عبء الحياة على كل شغيل، بل وسيلة لتقدير ما يقدمه كل شغيل بعمله إلى الجمهور العمالية.

ولهذه الأسباب، فإن الأجور، أسوأ منها النقدية أم العينية، يجب أن تتناسب إلى أكبر حد ممكن مع إنتاجية العمل الفردي. لقد كان هدف العمل بالقطعة والعمل على أساس التلزيم، وهدف تطبيق نظام تايلور، إلخ، زيادة استغلال العمال واستلابهم فضل القيمة. وعلى إثر تشريك الإنتاج، يصبح هدف العمل بالقطعة والعمل على أساس التزلمي زيادة الإنتاج الاشتراكي وبالتالي زيادة الرفاهية المشتركة. والشغيلة الذين يساهمون أكثر من غيرهم في الرفاهية العامة لهم الحق في أن يأخذوا حصة من النتاج الاجتماعي أكبر من حصلة الكسالى والمتهاونين والفوضويين.

وأخيرًا فإن الدولة العمالية، بمكافأتها البعض، لا تستطيع إلا أن تعاقب الآخرين، أي الذين يعرقلون، في كل الظروف والمناسبات، التضامن العمالي، ويخربون العمل المشترك، ويسببون ضررًا كبيرًا لقضية النهوض الاشتراكي بالبلاد. وأن الردع الهادف إلى تحقيق الماهم الاقتصادية هو سلاح ضروري للديكتاتورية الاشتراكية.

إن جميع التدابير التي عددناها – بالإضافة إلى بعض التدابير الأخرى. يجب أن تضمن تطور روح المنافسة في ميدان الإنتاج. وبدون هذا يستحيل علينا أن نرتفع فوق مستوى منخفض جدًا. إن المنافسة التي تقوم على غريزة حيوية – النضال من أجل الحياة – تتخذ طابع المزاحمة في ظل النظام البورجوازي. إن المنافسة لن تختفي من المجتمع الاشتراكي المتطور، بل ستأخذ، كلما توفرت فيه على نطاق أوسع الرفاهية الضرورية للجميع، طابعًا متجردًا وعقائديًا محضًا أكثر فأكثر. إنها ستعبر عن نفسها بالميل إلى تأدية أكبر الخدمات الممكنة إلى القرية والقضاء والمدينة والمجتمع كله، لتجد مكافأتها في الشعبية، والاعتراف العام بالجميل، والمودة، وأخيرًا، وبكل بساطة، في الرضى الداخلي الذي يشعر به من يعرف أنه أدى مهمته على الوجه الأكمل. لكن المنافسة، في مرحلة الانتقال الصعبة، وفي شروط الفقر المادي المدقع والتطور الضعيف لعاطفة التضامن الاجتماعي، أقول أن المنافسة، في مثل هذه الشروط، ينبغي أن ترتبط حتمًا، وإلى حد ما، بالرغبة في الحصول على سلع للاستعمال الشخصي. هذه هي، أيها الرفاق، الوسائل التي تملكها الحكومة العمالية لرفع إنتاجية العمل. وكما نرى، ليس ثمة ههنا من حل جاهز. إن الحل غير موجود في أي كتاب. ولا يمكن بالأصل أن يوجد بعد كتاب للحلول. ونحن لم نفعل شيئًا سوى أننا بدأنا في كتابته بدم الشغيلة وعرفهم. إننا نقول: أيها العمال والعاملات، إنكم تدخلون في طريق العمل المنظم. ولن تبنوا المجتمع الاشتراكي إلا بمثابرتكم عليه. إنكم تواجهون مهمة لن ينجزها أحد لكم: زيادة إنتاجية العمل على أسس اجتماعية جديدة. وإذا لم نحل المشكلة، فقد هلكنا. أما إذا حللناها، فسنكون قد تقدمنا بالإنسانية خطوة كبيرة.

« السابق التالي »