بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

« السابق التالي »

28- جيوش العمل

إنما عن الطريق التجريبي، لا بالاعتماد على الشروط النظرية، توصلنا إلى طرح مسألة استخدام الجيش في مهام العمل (وهي مسألة أخذت عندنا أهمية نظرية كبيرة). لقد شاءت الظروف، في بعض المناطق النائية من روسيا السوفياتية، أن تبقى قوى عسكرية هامة حقبة من الزمن دون أن تساهم في أي عملية عسكرية. ولقد كان من الصعوبة بمكان أن نقذف بها على الجبهات الأخرى التي يدور فيها القتال، وبخاصة في الشتاء، نظرًا لدمار المواصلات. هذا ما كان عليه، على سبيل المثال، وضع الجيش الثالث الموجود في منطقة الأورال. إن المناضلين الذين كانوا على رأس هذا الجيش، والذين كانوا يعلمون أنه ليس بمقدورنا بعد أن نسرحه طرحوا من تلقاء أنفسهم مسألة الانتقال إلى العمل البناء. وهكذا أرسلوا إلى “المركز” مشروعًا شبه كامل عن جيش العمل.

كانت المهمة جديدة وغير سهلة. هل سيعمل الجنود الحمر؟ هل سيكون عملهم منتجًا بما فيه الكفاية؟ هل سيكون له من مبرر؟ كانت الشكوك تنتابنا حتى نحن في هذا الموضوع. ولا حاجة للقول أن معظم المنشفيك كانوا معارضين. ففي “مؤتمر سوفييتات الاقتصاد القومي”، في كانون الثاني أو في مطلع شباط على ما يخيل إلي، أي حين لم تكن المسألة بعد إلا في مرحلة المشروع، راح أبراموفيتش يتنبأ بأننا سنفشل حتمًا، وأن هذا المشروع جنوني، وأنه طوبائية جديرة بآراكتشييف، وهكذا ودواليك. وكنا نرى الأمور بغير هذا المنظار: يقينًا إن الصعوبات كبيرة، لكنها لا تتميز مبدئيًا عن سائر صعوبات البناء السوفياتي بصورة عامة.

ولننظر إلى ما يمثله جهاز الجيش الثالث فعليًا؟ لم تكن قد تبقت منه إلا قوات قليلة: فرقة رماة وفرقة فرسان (المجموع خمس عشرة كتيبة) بالإضافة إلى فيلقين خاصين. أما باقي القوات فقد وزع قبل مدة طويلة على الجيوش الأخرى وعلى الجهات. لكن جهاز قيادة الجيش ظل سليمًا، وكنا نرجح أنه سيتوجب علينا في الربيع أن نرسله، عن طريق الفولغا، إلى جهة القفقاس ضد دينيكين الذي لم يكن قد سحق آنذاك نهائيًا. كان الجيش الثالث هذا يضم حوالي 120000 رجل موزعين على الأركان العامة والخدمات والأسلحة والإسعاف إلخ. وكان العنصر الفلاحي هو السائد فيه، وكان يضم 16000 شيوعي أو نصير معظمهم من عمال الأورال. وهكذا كان هذا الجيش يمثل، بتركيبه، كتلة فلاحية منظمة تنظيمًا عسكريًا بقيادة العمال الطليعيين. وكان عدد لا بأس به من الاختصاصيين العسكريين يعملون فيه. كانوا يشغلون مناصب عسكرية هامة، ويعملون تحت رقابة الشيوعيين العامة. ولو ألقينا نظرة على مجموع الجيش الثالث لرأينا أنه يعكس روسيا السوفياتية كلها. فلو أخذنا الجيش الأحمر بمجموعه، أو تنظيم السلطة السوفياتية في محافظة من المحافظات أو في إقليم أو في الجمهورية كلها، بما فيه الأجهزة الاقتصادية، لوجدنا في كل مكان هيكل التنظيم نفسه. ألوف من الفلاحين، أطر هم في أشكال جديدة من الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العمال المنظمون الذين يلعبون الدور القيادي في جميع ميادين البناء السوفياتي. وصحيح أن الاختصاصيين المتخرجين من المدرسة البورجوازية يشغلون المناصب التي تتطلب معارف خاصة، وصحيح أنهم يتمتعون بالاستقلال الذاتي الضروري، لكن الرقابة على عملهم تظل بيد الطبقة العاملة، المتجسدة في حزبها الشيوعي. وأن تطبيق إلزامية العمل ليس ممكنًا، في نظرنا، إلا بشرط أن تتم التعبئة من بين صفوف بروليتاريا الأرياف تحت قيادة العمال المتقدمين. وهكذا لم نواجه ولم يكن من الممكن أن نواجه أي عقبة مبدئية في عمل الجيش لأغراض البناء. وبتعبير آخر، أن الاعتراضات المبدئية لأولئك المنشفيك أنفسهم على جيوش العمل لم تكن في الواقع إلا اعتراضات على العمل “الإلزمي” بصورة عامة، وبالتالي على إلزامية العمل وعلى الطرائق السوفياتية في البناء الاشتراكي في مجموعها. وأننا لم ند صعوبة في دحضها.

من المتفق عليه أن الجهاز العسكري ليس متلائمًا من تلقاء نفسه مع قيادة عمليات العمل. ونحن لم نفعل شيئًا بالأصل في هذا الاتجاه. إن القيادة يجب أن تظل في يدي الأجهزة الاقتصادية المناسبة. والجيش يقدم اليد العاملة الضرورية تحت شكل وحدات متماسكة منظمة تستطيع في مجموعها أن تقوم بتنفيذ الأعمال المتجانسة البسيطة: تنظيف السكك الحديدية من الثلوج، قطع الحطب، أعمال البناء، تنظيم الشحن، إلخ.

وقد أصبحت لدينا الآن خبرة لا بأس بها في موضوع استخدام جيش العمل، ونستطيع من الآن فصاعدًا أن نتجاوز مرحلة التنبؤات. فما النتائج التي يجب أن نستخلصها من هذه التجربة؟ لقد تعجل المنشفيك في استخلاصها. فلقد صرح آبراموفيتش، خطيبهم، نفسه في مؤتمر عمال المناجم بأننا فشلنا وبأن جيش العمل ليس إلا منظمة طفيلية يقوم فيها مئة رجل بخدمة عشرة من الشغيلة. فهل هذا صحيح؟ كلا إنه لنقد حاقد يقوم به بخفة أناس يعيشون على الهامش، ويجهلون الوقائع، ولا يفعلون شيئًا سوى أن يجمعوا من أينما كان النفايات والأقذار، أسواء ليقرروا فشلنا أم ليتنبؤوا به. والواقع أن جيوش العمل لم تخفق، بل حققت على العكس تقدمًا هامًا، وقد أثبتت حيويتها، وهي تتطور الآن وترسخ أقدامها أكثر فأكثر. أما الذين أخفقوا فهم الأنبياء أنفسهم الذين كانوا ينبؤون لنا بأن هذا المشروع لن يثمر شيئًا، وبأن ما من أحد سيعمل، وبأن الجنود الحمر لن ينتقلوا إلى جبهة العمل بل سينصرفون بكل بساطة إلى بيوتهم.

لقد كانت هذه الاعتراضات تمليها الريبية البورجوازية الصغيرة، ونقص الثقة بالجماهير وبالمبادهة التنظيمية الجريئة. لكن ألم يكن علينا أن نفند الاعتراضات نفسها، في الحقيقة، عندما كنا نقوم بالتعبئة الكبيرة للمهام العسكرية؟ لقد حاولوا، في تلك الحقبة، أن يخيفونا بالتلويح بشبح هرب الجنود الجماعي، المحتم، كما كانوا يقولون، بعد الحرب الإمبريالية. وبديهي أن حوادث الهرب وقعت. لكن التجربة بينت أنه بعيدًا عن أن يأخذ طابعًا جماعيًا بالصورة التي تنبؤوا لنا بها. أنه لم يخرب الجيش: فالرابطة الروحية والتنظيمية، والتطوع الشيوعي والإكراه الحكومي في مجموعها، أتاحت إمكانية تعبئة الملايين من الرجال، وتكوين العديد من التشكيلات، وتنفيذ أعقد المهام العسكرية. ومختصر القول أن الجيش قد انتصر.

أما فيما يتعلق بالعمل، فقد كنا نتوقع النتائج نفسها. ولم يخب أملنا. فالجنود الحمر لم يهربوا حين انتقلنا من جبهة الحرب إلى جبهة العمل، كما تنبأ لنا المتشككون. بل أن هذا الانتقال آثار حماسة كبيرة، بفضل التحريض والدعاية الجيدة. وأننا لا ننكر أن عددًا معينًا من الجنود قد حاول الفرار من الجيش، لكن هذا ما يحدث دوًا حين تنقل وحدات عسكرية كبيرة من جبهة إلى أخرى أو من المقدمة إلى المؤخرة، أو حين تتحرك بصورة عامة، فيتحول الفرار الاحتمالي إلى فرار فعلي. لكن ما إن تقع مثل هذه الحالات، حتى تتدخل القطاعات السياسية والصحافة والأجهزة الخاصة بمقاومة الفرار، والنسبة الحالية للفرار من جيوش العمل لا تتجاوز نسبة الفرار من الجيوش المحاربة.

لقد أكدوا أن جيوش العمل لن تستطيع، بسبب بنيتها الداخلية، أن تقدم إلا نسبة ضئيلة من الشغيلة. وهذا غير صحيح إلا جزئيًا. أما فيما يتعلق بالجيش الثالث فلقد حافظ، كما قلت، على جهازه القيادي كاملاً بالإضافة إلى عدد ضئيل للغاية من الوحدات العسكرية. وطوال الفترة التي احتفظنا فيها، لاعتبارات عسكرية لا اقتصادية، بأركان الجيش وقيادته بكاملها، كانت نسبة الشغيلة التي يقدمها منخفضة للغاية. فمن بين 110000 جندي أحمر يعملون في الأعمال الإدارية والاقتصادية، لا يوجد بينهم من الشغيلة إلا 21%. وخدمات الحراسة اليومية لا تأخذ منهم إلا 16%، بالرغم من العدد الكبير للمؤسسات والمستودعات العسكرية. وعدد المرضى، وبخاصة المصابين بمرض التيفوس، بالإضافة إلى الجهاز الطبي والصحي، لا يتجاوز 13% وعدد الغائبين لأسباب مختلفة (مهام، أجازات، غياب غير مشروع) كان يرتفع إلى 25%. وهكذا فإن اليد العاملة المتفرغة لم تكن تتجاوز 25%. وكانت هذه النسبة هي أقصى ما يمكن أن يقدمه هذا الجيش لجبهة العمل. والواقع أنه لم يقدم في البداية إلا 14% من الشغيلة المأخوذين بصورة خاصة من فرق الفرسان والرماة.

لكن ما إن اتضح أن جيش دينيكين قد سحق وأنه يتوجب علينا في الربيع أن نرسل الجيش الثالث إلى جبهة القفقاس عن طريق الفولغا، حتى بدأنا فورًا بتصفية مختلف خدمات الجيش وملاءمة مؤسساته مع مهام العمل الجديدة بصورة أكثر عقلانية. وبالرغم من أننا لم ننجز بعد هذا التحويل، إلا أن النتائج التي أعطاها حتى الآن ليست بالقليلة. فالجيش الثالث القديم يقدم، في الساعة الراهنة ( )، 38% من الشغيلة بالنسبة إلى عدد أفراده. أما الوحدات العسكرية العاملة إلى جانبه في منطقة الأورال فقد صارت تقدم 49%. وهذه النتيجة لا يمكن أن نزدري بها إذا ما قارناها بنسبة الغياب، المبرر أو غير المبرر، التي تتجاوز 50% في المصانع والمعامل( )

ولنضف إلى هذا أنه كثيرًا، ما يحدث أن يقوم أقارب الشغيلة بتموين المصانع والمعامل، في حين أنه يتوجب على جنود الجيش الأحمر أن يمونوا أنفسهم بأنفسهم.

وإذا ما نظرنا إلى أولئك الشبان الذين يبلغون من العمر تسعة عشر عامًا والذين يجندهم الجهاز العسكري لقطع الحطب، والذين يبلغ تعدادهم 30000، لرأينا أن أكثر من 75% منهم يثابرون على العمل. وهذا بالفعل تقدم كبير. وأنه لبرهان بين أيدينا على أننا باستخدامنا الجهاز العسكري لتعبئتهم وتدريبهم، نستطيع أن ندخل على وحدات العمل تعديلات ستضمن ارتفاعًا كبيرًا في نسبة المساهمين في عملية الإنتاج المادية.

إننا نستطيع من الآن فصاعدًا أن نعلن رأينا في إنتاجية جيوش العمل اعتمادًا على التجربة المكتسبة. لقد كانت الإنتاجية في البداية في مختلف ميادين العمل، وبالرغم من الحماسة الكبيرة، كبيرة الانخفاض حقًا. وإن قرءة البلاغات الأولى عن جيش العمل يمكن أن تبدو مثبطة للعزيمة فعلاً. إن تحضير ساجين ( ) مكعب من الحطب كان يتطلب، في الأيام الأولى، من ثلاثة عشر إلى خمسة عشر يومًا من العمل، في حين أنه لا يتعدى اليوم، إلا نادرًا للغاية، الثلاثة أيام. وينبغي أن نضيف أن الاختصاصيين في الموضوع قادرون، في الشروط المناسبة، على تحضير ساجين مكعب يوميًا ولكل رجل. فماذا حدث في الواقع؟ لقد كانت الوحدات العسكرية معسكرة بعيدًا عن غابات الاحتطاب. وغالبًا ما كان يحدث أن تضطر إلى قطع من ستة إلى ثمانية فراسخ للوصول إلى مكان العمل، مما كان يستغرق جزءًا كبيرًا من يوم العمل. وكانت الفؤوس والمناشير غير متوفرة في مكان العمل. وكان كثير من الجنود الحمر، قادمين من السهوب، لا يعرفون الغابة ولم يحتطبوا في حياتهم قط، وما كانوا معتادين على الفأس والمنشار. وكانت لجان الحراج في الأقاليم والمحافظات غير متدربة، في البداية، على استخدام الوحدات العسكرية، وعلى توجيهها إلى المكان اللازم، وعلى توفير الشروط الضرورية لها. وعلى هذا فليس من المدهش أن تكون إنتاجية العمل ضعيفة. لكن بعد أن قضينا على هذه العراقيل، حصلنا على نتائج مرضية أكثر بكثير أن الساجين المكعب يتطلب، حسب المعطيات الأخيرة، وفي الجيش الثالث نفسه، أربعة أيام ونصف من العمل، وهذا ليس ببعيد عن المعيار الحالي. والشيء المشجع بصورة خاصة هو أن الإنتاجية تزداد بشكل منتظم كلما ازداد العمل.

والنتائج التي يمكن الوصول إليها في هذا المجال قد بينتها التجربة القصيرة، لكن الغنية للغاية، التي حققتها كتيبة هندسة موسكو. لقد بدأت القيادة العامة للهندسة، التي تتولى العمليات، بتحديد معيار ثلاثة أيام عمل لمكعب الحطب. وقد تم تجاوز هذا المعيار بسرعة. ففي شهر كانون الثاني لم يعد “مكعب” الحطب يتطلب أكثر من يومين ونصف يوم من العمل، وفي شباط 1.5 يومًا، وهذه نسبة للإنتاجية كبيرة الارتفاع، ولقد تم الوصول إلى هذه النتيجة بفضل عمل أخلاقي، وقيام كل شغيل بعمله على أدق وجه، ويقظة روح العزة لدى الشغيل، وتخصيص الجوائز للشغيلة الذين ينتجون أكثر من المعيار المحدد، أو على حد تعبير لغة النقابات تحديد تعرفة مرنة مناسبة لكل تفاوتات الإنتاج الفردية. وأن هذه التجربة شبه العلمية ترسم أمامنا الطريق الذي يتوجب علينا أن نسير فيه من الآن فصاعد.

إننا نملك، في الساعة الراهنة، عدة جيوش عمل. الجيش الأول، وجيوش بتروغراد وأوكرانيا والقفقاس والفولغا، والاحتياطي. ولقد ساهم الاحتياطي، كما نعرف، في زيادة طاقة نقل الخط الحديدي الممتد بين قازان وإيكاتيرينبرغ. وأينما تمت تجربة استخدام الوحدات العسكرية ولو بقليل من الذكاء، تكفلت النتائج بإثبات أن هذه الطريقة هي بدون أدنى ريب صحيحة وقابلة للحياة.

أما الرأي المسبق القائل أن المنظمات العسكرية هي حتمًا منظمات طفيلية مهما تكن الشروط، فقد انهار نهائيًا. إن الجيش السوفياتي يجسد اتجاهات النظام السوفياتي الحكومي. إن من الواجب ألا نفكر بعد اليوم بمساعدة تلك الأفكار الميتة التي خلفها لنا العهد المنصرم: “النزعة العسكرية”، “التنظيم العسكري”، “عدم إنتاجية العمل الإلزامي”، وأن ننظر دونما احتراس إلى ظواهر العهد الجديد، وألا ننسى أن السبت وجد من أجل الإنسان ولم يوجد الإنسان من أجل السبت، وأن كل أشكال التنظيم، بما فيها التنظيم العسكري، ليست إلا أسلحة في أيدي الطبقة العاملة الحاكمة التي لها الحق والقدرة في أن تلائم أسلحتها وتعدلها وتعيد صنعها ما دامت لم تحصل بعد على النتائج المطلوبة.
——
(17): آذار 1920.
(18): انخفضت هذه النسبة بصورة محسوسة الآن (حزيران 1920).
(19): قياس روسي يعادل 2.1326 مترًا. (المترجم)

« السابق التالي »