بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

« السابق التالي »

29- حول الخطة الاقتصادية الموحدة

إن التطبيق الواسع لإلزامية العمل وتدابير تنظيم العمل عسكريًا، لا يمكن أن تلعب دورًا حاسمًا إلا بشرط أن تطبق على أسس خطة اقتصادية موحدة تشمل كل البلاد وكل فروع الصناعة. وأن هذه الخطة يجب أن تحسب على أساس عدد معين من السنين. وطبيعي أن تنقسم إلى مراحل تتناسب مع المراحل الحتمية في النهوض بالبلاد. وأن علينا أن نبدأ بأبسط المهام وأهمها في آن واحد.

من الضروري، قبل كل شيء، أن نضمن للطبقة العاملة إمكانية الحياة، ولو في أصعب الشروط، وأن نحافظ بالتالي على المراكز الصناعية وأن ننقذ المدن. هذه هي نقطة الانطلاق. وإذا كنا لا نريد أن يغرق الريف المدن، وأن تغرق الزراعة الصناعة، وإذا كنا لا نريد أن تتحول البلاد إلى ريف، فإن علينا أن نحافظ، ولو في نطاق الحد الأدنى، على مواصلاتنا، وأن نؤمن الخبز للمدن، والوقود والمواد الأولية للصناعة، والعلف للماشية. ولا إمكان للتقدم بدون ذلك. وعلى هذا فإن أعجل مهام الخطة تحسين حالة المواصلات، أو على الأقل اتقاء تخريبها، وتخزين الاحتياطي الضروري من الحبوب والمواد الأولية والوقود. وإن كل المرحلة القادمة ستخصص لتمركز اليد العاملة وتوجيهها نحو حل هذه المشكلات الجوهرية، وهذا شرط مسبق للتطور الاقتصادي اللاحق فهل نحسب مدة المرحلة الأولى والمراحل التالية، بالشهور أو السنين؟ هذا ما يصعب التنبؤ به منذ الآن، باعتبار أن هذا كله يتعلق بأسباب متعددة بدءًا من الوضع الدولي إلى درجة إجماع ومقاومة الطبقة العاملة.

وعلينا في المرحلة الثانية أن نقوم بإنشاء الآلات الضرورية للنقل، وأن نتمون بالمواد الأولية والحبوب. وتحتل القطارات ههنا لب المسألة أن تصليح القطارات يتم حاليًا بطرائق بدائية تتطلب تبذيرًا للقوى ولأموال كثيرة. فمن الضروري بالتالي أن نقوم من الآن فصاعدًا بتصليح قطع الغيار بصورة كثيفة لا إفرادية. واليوم بعد أن أصبحت سكك الحديد ومصانع روسيا بكاملها بين يدي مالك وحيد. الحكومة العمالية. فإننا نستطيع ويتوجب علينا أن نضع نمطًا موحدًا للقاطرات والشاحنات في البلاد قاطبة، وأن نوحد قطع الغيار، وأن ندعو جميع المصانع الضرورية إلى صنع هذه القطع بصورة موحدة، وأن نتوصل إلى أن تكون التصليحات مجرد استبدال بسيط للقطع المهترئة بقطع جديدة، حتى نكون بالتالي قادرين على تركيب القاطرات بصورة جماعية. واليوم بعد أن أصبحت مصادر الوقود والمواد الأولية مفتوحة أمامنا من جديد، فإن علينا أن نوجه عناية خاصة إلى صنع القاطرات.

وسيكون من الضروري، في المرحلة الثالثة، أن نبني آلات تصلح لصنع بعض السلع التي لها ضرورة أولية.

وأخيرًا فإن المرحلة الرابعة، التي ستعتمد على النتائج التي حققتها المراحل الثلاث الأولى، ستسمح بالانتقال إلى إنتاج السلع ذات الاستهلاك الشخصي على أوسع نطاق.

إن لهذه الخطة أهميتها البالغة، لا باعتبارها توجيهًا عامًا لأجهزتنا الاقتصادية فحسب، بل أيضًا باعتبارها خطًا للدعاية المتعلقة بالمهام الاقتصادية في صفوف الجماهير العمالية. إن تعبئتنا من أجل العمل ستظل حبرًا على ورق ولن تعطي ثمارها إذا لم نضع يدنا على النقطة الحساسة لدى كل من هو مستقيم وواع ومتحمس من أبناء الطبقة العاملة. إن علينا أن نقول للجماهير كل الحقيقة عن وضعنا وعن نياتنا في المستقبل، وأن نعلن لها بصراحة أن خطتنا الاقتصادية لن تمنحنا لا غدًا ولا بعد غد، ولو بذل الشغيلة أقصى جهودهم، جبالاً وعجائب، ذلك أننا سنوجه عملنا الرئيسي، خلال المرحلة القريبة، إلى تحسين وسائل الإنتاج بهدف إنتاجية أكبر. ولن ننتقل إلى صنع السلع الاستهلاكية إلا حين نصبح قادرين، ولو في نسب ضعيفة، على تجديد وسائل النقل والإنتاج. وعلى هذا فإن النتاج المحسوس، النتاج المخصص للشغيلة تحت شكل سلع ذات استعمال شخصي، لن يأخذ طريقه إلى الوجود إلا في آخر المراحل، حين نكون قد وصلنا إلى المرحلة الرابعة من الخطة الاقتصادية. وإنما بهذا الشرط وحده يمكن أن نتوصل إلى تحقيسق تحسن ملموس في شروط الحياة. وأن على الجماهير أن تفهم، كي تكون قادرة على تحمل الأعباء وتحمل التعب والحرمان لمدة طويلة، المنطق المحتم لهذه الخطة الاقتصادية بكل اتساعه.

إن ترتيب هذه المراحل الاقتصادية الأربع يجب ألا يؤخذ بصورة مطلقة. فليس في نيتنا إيقاف صناعة النسيج نهائيًا، ونحن لا نستطيع ذلك أصلاً لأسباب عسكرية محضة. لكن حتى لا تتشتت القوى والاهتمامات تحت ضغط الضرورات التي تفرض نفسها بقسوة، ينبغي الخضوع للخطة الاقتصادية التي هي المعيار الرئيسي، وتمييز الجوهري من الثانوي. ولا حاجة بنا إلى القول إننا لا نتطلع البتة إلى شيوعية اجتماعية ووطنية ضيقة: فرفع الحصار واندلاع الثورة الأوروبية سيدخلان تعديلات عميقة على خطتنا الاقتصادية تؤدي إلى اختصار مدة مراحل تطورها وتقرب المسافات ما بين هذه المراحل. لكننا لا نستطيع أن نتوقع موعد حدوث هذين الحدثين. وهذا هو السبب الذي يحتم علينا أن نعمل بصورة نحافظ معها على أنفسنا ونقوي مواقعنا بالرغم من النمو الضعيف، أي البطيء للغاية، للثورة الأوروبية والعالمية. وإذا ما حدث واستأنفنا فعلاً العلاقات التجارية مع البلدان الرأسمالية، فسوف نستوحي أيضًا الخطة الاقتصادية المذكورة آنفًا. أننا سنصدر قسمًا من موادنا الأولية مقابل القاطرات وغيرها من الآلات الضرورية، لكن ليس، في أي حال من الأحوال، مقابل الألبسة والأحذية أو منتجات المستعمرات الغذائية، ذلك أن ما نهدف إليه مباشرة هو استيراد وسائل النقل والإنتاج لا سلع الاستهلاك.

إننا سنكون ريبيين عميانًا وبورجوازيين صغارًا بخلاء لو تصورنا أن النهضة الاقتصادية يمكن أن تكون انتقالاً تدريجيًا من حالة الفوضى الشاملة الراهنة إلى الحالة التي سبقتها، أو بتعبير آخر إذا ما تصورنا أننا نستطيع أن نعاود صعود درجات السلم كما نزلناها. والحق أننا لن نستطيع أن نعيد اقتصادنا الاشتراكي إلى المستوى الذي كان عليه عشية الحرب الإمبريالية إلا بعد فترة من الزمن طويلة بما فيه الكفاية. وأن الطريقة الأولى في تصور الأمور لن تكون معزية لنا البتة. بل ستكون على العكس خاطئة تمامًا. إن الفوضى التي قضت ودمرت ثروات لا تحصى، قد حررت الاقتصاد في الوقت نفسه من كثير من الروتين والعطالة والطرق البالية، شاقة بذلك الطريق أمام البناء الاقتصادي الجديد على أساس المعطيات التكنيكية التي هي، في الساعة الراهنة، معطيات الاقتصاد العالمي.

وإذا كانت الرأسمالية الروسية قد تطورت بدون انتقال من درجة إلى درجة، بل وثبًا، مقيمة في أعماق السهوب المصانع على الطريقة الأميركية، فهذا سبب إضافي آخر كيما يكون الاقتصاد الاشتراكي قادرًا على مثل هذا السير القسري. وعندما نتغلب على بؤسنا الشديد، ونجمع بعض الاحتياطي من المواد الأولية والحبوب، ونحسن المواصلات، بعد أن نكون قد تحررنا من قيود الملكية الخاصة، فستتاح لنا الإمكانية لتخطي عدة درجات بقفزة واحدة ولربط كل المشاريع وكل الموارد الاقتصادية بالخطة الاقتصادية الموحدة.

وهكذا سنستطيع حتمًا أن ندخل الكهربة إلى كل فروع الصناعة الأساسية وإلى قطاع الاستهلاك الشخصي دون أن نكون مضطرين إلى المرور من جديد بـ”عصر البخار”. وإن برنامج الكهربة في روسيا مقسوم إلى عدد معين من المراحل المتتابعة المتناسبة مع المراحل الأساسية من الخطة الاقتصادية العامة.

إن حربًا جديدة قد تؤخر تحقيق أهدافنا الاقتصادية. وإن على طاقتنا وقدرتنا على المثابرة أن تعجلا بعملية النهضة الاقتصادية. لكن مهما كانت السرعة التي ستظل الأحداث تتطور بها، فمن الواضح أن أساس عملنا كله (تعبئة العمل، تنظيم اليد العاملة عسكريًا، أيام السبت الشيوعية وغيرها من مظاهر التطوع الشيوعي للعمل) يجب أن يستند إلى خطة اقتصادية موحدة. وأن المرحلة التي ندخل فيها ستتطلب منا تركيزًا كاملاً لكل طاقتنا على المهام الأساسية الأولى: التموين، الوقود، المواد الأولية والنقل. وعلينا، بانتظار ذلك، ألا نشتت اهتمامنا، وألا نبدد قوانا وألا نبذرها. هذا هو طريق الخلاص الوحيد.

« السابق التالي »