بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

« السابق التالي »

3- مقدمة ليون تروتسكي

هذا الكتاب أوحى بنا إليه كتيب كاوتسكي المتعالم المنشور تحت العنوان نفسه. إن مؤلفنا هذا الذي بدأناه أثناء المعارك الطاحنة ضد دينيكين وبودينتش قد توقف عدة مرات بسبب أحداث الجبهة. ففي الأيام الصعبة التي كنا نكتب فيها الفصول الأولى، كان اهتمام روسيا السوفييتات منصبًا كله على المهام العسكرية المحضة. كان المهم قبل كل شيء الحفاظ حتى على إمكانية بناء اقتصادي اشتراكي. وما كنا نستطيع تقريبًا أن نهتم بالصناعة باستثناء ما كانت تستطيع أن تقدمه للجبهة. ولقد كنا مرغمين على فضح افتراءات كاوتسكي في المسائل الاقتصادية مبينين تشابهها مع افتراءاته في المجال السياسي. وحين بدأنا هذا العمل – منذ نحو عام – كنا نستطيع أن ندحض تأكيدات كاوتسكي عن عجز العمال الروس عن أن يفرضوا على أنفسهم انضباطًا في العمل وأن يتقشفوا اقتصاديًا، منوعين بانضباط العمال الروس الرفيع وببطولتهم في جبهات الحرب الأهلية ولقد كانت هذه التجربة تكفينا تمامًا لتكذيب الافتراءات البرجوازية لكن باستطاعتنا اليوم، بعد مرور بضعة أشهر، أن نستشهد بمعطيات ووقائع مأخوذة من الحياة الاقتصادية لروسيا السوفييتات.

فما إن تراخى المجهود العسكري قليلاً، وبعد سحق كولتشاك ويودينتش، وبعد أن سددنا إلى دينيكين الضربات الأولى الحاسمة، ووقعنا معاهدة سلام مع أستونيا، وبدأنا بالمفاوضات مع ليتوانيا وبولونيا، حتى أمكن للبلاد كلها أن تشهد عودة ملموسة إلى الحياة الاقتصادية. وإذا كانت عناية البلد وطاقته قد اتجها بسرعة من مهمة إلى أخرى وتركزنا عليها، مهمة عميقة الاختلاف عن الأولى وإن كانت تتطلب القدر نفسه من التضحيات، فهذا دليل لا يدحض على الحيوية المدهشة للنظام السوفياتي. فعلى الرغم من كل الامتحانات السياسية ومن كل البؤس والشقاء الماديين، ظلت الجماهير الروسية الكادحة بعيدة عن التفسخ السياسي وعن التخاذل المعنوي أو عن اللامبالاة. لقد حافظت هذه الجماهير، بفضل نظام أعطى حياتها معنى وهدفًا ساميًا وإن فرض عليها أعباء جسامًا، حافظت على مرونة معنوية كبيرة وعلى قدرتها التي لا مثيل لها في التاريخ على تركيز اهتمامها وإرادتها على مهام جماعية. إن ثمة حملة جبارة اليوم في مختلف فروع الصناعة لإقامة انضباط حازم في العمل ولمضاعفة الإنتاج. إن منظمات الحزب والنقابات، وإدارات المصانع والمعامل تتنافس في هذا الميدان يدعمها الرأي العام للطبقة العاملة كلها بدون تحفظ. إن المصانع تقرر، الواحد تلو الآخر، بلسان الهيئات العامة للعمال، إطالة يوم العمل. وبطرسبورغ وموسكو تضربان المثل، والريف يسير جنبًا إلى جنب مع بطرسبورغ. إن “أيام السبت والأحد الشيوعية” – أي العمل المجاني المتطوع في ساعات الراحة – تطبق أكثر فأكثر من قبل مئات الألوف من العمال من كلا الجنسين. إن مضاعفة الإنتاج والعمل أيام السبت والأحد الشيوعية جديران، برأي الاختصاصيين وحسب شهادة الأرقام، بكل اهتمام.

إن التعبئة الطوعية التي يقوم بها الحزب واتحادات الشبيبة الشيوعية تتم اليوم من أجل العمل بالحماسة نفسها التي كانت تتم بها من أجل الجبهة. إن العمل الطوعي الكامل يفسح المجال واسعًا أمام العمل الإلزامي. إن لجان العمل الإلزامي، التي أنشئت حديثًا، أخذت تنتشر في طول البلاد وعرضها ومساهمة السكان في عمل الجماهير الجماعي (تنظيف الطرقات والدروب المسدودة بالثلوج، تصليح السكك الحديدية، قطع الأخشاب، تهيئة ونقل الحطب، إهمال البناء البسيطة، استخراج التراب النفطي والحجر الأسود) تأخذ أكثر فأكثر طابعًا أوسع ومدروسًا أكثر. وإن مضاعفة عدد الوحدات العسكرية العاملة كانت ستكون مستحيلة لولا الحماسة للعمل.

صحيح أننا نعيش في شروط دمار اقتصادي رهيب، بين الإنهاك والفقر والجوع. لكن ليست هذه حجة ضد نظام السوفييتات. فلقد كانت كل عصور الانتقال متميزة بهذه المظاهرة المأساوية. إن كل مجتمع عبودي (سواء أكان عبوديًا أم إقطاعيًا أم رأسماليًا) لا يغادر المسرح عن طيب قلب ما أن ينتهي دوره: إذ لا بد من إرغامه على ذلك بنضال داخلي حاد يسبب في غالب الأحيان للمناضلين آلامًا وحرمانات أكبر حتى من الآلام والحرمانات التي تمردوا عليها.

إن الانتقال من الاقتصاد الإقطاعي إلى الاقتصادي البورجوازي – الذي كانت دلالته ضخمة بالنسبة إلى التقدم – ترافق بقائمة لا تحصى من الشهداء. ومهما كانت آلام الجماهير المستعبدة من قبل الإقطاعية، ومهما تكن صعبة شروط حياة البروليتاريا في ظل الرأسمالية، فإنها لا توازي أبدًا الكوارث الرهيبة التي عانى منها العمال في العصر الذي أرغم فيه المجتمع الإقطاعي القديم على التخلي بالعنف عن مواقعه لنظام جديد. إن ثورة القرن الثامن عشر الفرنسية التي لم تبلغ مداها العظيم إلا بفضل ضغط الجماهير التي حركها الألم، قد زادت هي نفسها من بؤس الجماهير لفترة طويلة من الزمن وبنسب فائقة للطبيعة. وهل كان من الممكن أن يتم الأمر على غير هذا النحو؟

إن مآسي البلاط، التي تنتهي بتبدلات في قمة السلطة، يمكن أن تكون وجيزة ولا تأثير لها تقريبًا على حياة البلاد الاقتصادية. لكن الحالة تختلف تمامًا في ثورة تلقي في دوامتها بملايين الشغيلة. فمهما يكن شكل المجتمع، يظل أساسه العمل. والثورة، بانتزاعها الجماهير من العمل، وبإلقائها بها في أتون الصراع لمدة طويلة من الزمن، وبقطعها أسباب الإنتاج، توجه بالمقابل ضربات مماثلة إلى الاقتصاد، فتخفض بالتالي مستوى التطور الاقتصادي بالنسبة إلى ما كان عليه قبلها. وكلما كانت الثورة الاجتماعية عميقة، كان عدد الجماهير التي تجرها أكبر، وكلما كانت أطول، أساءت أكثر إلى آلية الإنتاج واستهلكت احتياطي المجتمع، ولا يمكن أن نستخلص من هذا إلا شيئًا واحدًا ليس بحاجة بالأصل للبرهنة عليه، أعني أن الحرب الأهلية تضر الاقتصاد. لكن أن نلوم الاقتصاد السوفياتي على ذلك، فهذا معناه أننا ننسب إلى الوليد الجديد آلام الأم لحظة الوضع. إن هدفنا اختصار الحرب الأهلية. ولا يمكننا الوصول إلى هذا الهدف إلا عن طريق الحزم في العمل. والحال أن كتاب كاوتسكي كله إنما هو موجه ضد هذا الحزم الثوري.

* * *

منذ أن نشر الكتاب الذي ندرسه، وقعت أحداث جسام، لا في روسيا وحدها، بل في العالم أجمع وبخاصة في أوروبا أن تطورات عميقة الدلالة قد تحققت، وهي تهدم اليوم رأسًا على عقب آخر مواقع الكاوتسكية الدفاعية.

لقد اتخذت الحرب الأهلية في ألمانيا طابعًا متزايد الحدة باستمرار ولقد كانت القوة الظاهرية للتنظيم الاشتراكي الديمقراطي القديم للحزب والنقابات أحد الأسباب الرئيسية في إطالة زمن الحرب واشتداد تفاقهمها، وذلك بعكس ما كانت تتوقعه نظرية كاوتسكي الراهنة التي كانت تعتقد أن هذه القوة ستسهل الانتقال السلمي و”الإنساني” إلى الاشتراكية. فكلما أصبحت الحركة الاشتراكية – الديمقراطية عاجزة عن الحركة ومحافظة، توجب على البروليتاريا الألمانية التي خانتها أن تبذل المزيد من القوى والدم والحياة في هجومها المصمم على المجتمع البورجوازي، وذلك كيما تتمكن من خلال هذا النضال بالذات، أن تخلق تنظيمًا جديدًا قادرًا على قيادتها إلى النصر النهائي. إن مؤامرة الجنرالات الألمان، ونجاحهم المؤقت ونتائجه الدامية، قد كشفت من جديد عن “المسخرة” الحقيرة التافهة التي انتهى إليها ما يسمى بالديمقراطية في الظروف الناجمة عن انهيار الإمبريالية والحرب الأهلية. إن الديمقراطية، ببقائها على قيد الحياة، لا تحل أي مشكلة ولا تمحو أي تناقض، ولا تشفي أي جرح، ولا تقي لا من تمرد اليمين ولا من تمرد اليسار: إنها عاجزة، تافهة، كاذبة، لا تنفع إلا في تضليل الفئات المتخلفة من السكان وبخاصة البورجوازية الصغيرة.

إن الأمل الذي عبر عنه كاوتسكي في القسم الأخير من كتابه، الأمل بأن تقدم لنا بلدان أوروبا الغربية و”الديمقراطيات العريقة” في فرنسا وإنكلترا، المتوجة بغار النصر، لوحة تطور طبيعي، صحي، سلمي كاوتسكي فعلاً، نحو الاشتراكية، إن هذا الأمل هو أكثر الأوهام بطلانًا. إن ما يسمى بـ”الديمقراطية الجمهورية” في فرنسا المنتصرة، هو اليوم حكومة هي من أكثر الحكومات التي عرفتها فرنسا رجعية ودموية وانحطاطًا. فسياستها الداخلية تقوم على الخوف والطمع والعنف، شأنها شأن سياستها الخارجية تمامًا. والبروليتاريا الفرنسية من جهة أخرى التي خدعت كما لم تخدع أي طبقة أخرى قط، تنتقل أكثر فأكثر إلى العمل المباشر. إن ثأر الحكومة من “الاتحاد العام للشغل” يدل على أنه لا مكان شرعيًا في الديمقراطية البورجوازية حتى للنقابية الكاوتسكية، أي لسياسة مصلحة مرائية أن تطور الجماهير نحو الثوروية وتعنت المالكين وتراجع التجمعات الوسطية – وهي تطورات ثلاثة تشرط وتمهد الجو، في مستقبل قريب، لحرب أهلية طاحنة – قد تفاقمت بسرعة، تحت أنظارنا في فرنسا خلال الشهور الأخيرة.

وتسير الأحداث في إنكلترا في الاتجاه نفسه وإن تحت شكل مختلف ففي هذا البلد تضطهد الطبقة الحاكمة وتنهب العالم أجمع، اليوم أكثر من أي وقت مضى، وقد فقدت الصيغ الديمقراطية كل دلالة لها وحتى على صعيد البهلوانيات البرلمانية. إن لويد جورج، أشهر الاختصاصيين في هذا الموضوع، لم يعد يذكر الديمقراطية، بل تحالف الملاك الليبراليين والمحافظين ضد الطبقة العاملة. إننا لم نعد نجد أثرًا في حججه لاندفاعات كاوتسكي “الماركسي” الديمقراطية. إن لويد جورج يحتل مكانه الآن على صعيد الوقائع الطبقية، ويستخدم لهذا السبب لغة الحرب الأهلية. إن الطبقة العاملة الإنكليزية تقترب، من خلال النزعة التجريبية الثقيلة المميزة لها، من فصل في تاريخ صراعها ستبدو إلى جانبه صفحات الحركة الشارتية المجيدة ساحبة، تمامًا كما أن التمرد القريب للبروليتاريا الفرنسية سيحكم بالشحوب حتى على أبهة كوميونة باريس.

وإنما على وجه التحديد لأن الأحداث التاريخية قد تطورت خلال الشهور الأخيرة بمنطق ثوري حازم، تساءل مؤلف هذا الكتاب عم إذا كانت ما تزال هناك حاجة لنشره، وعم إذا كانت ما تزال هناك حاجة للرد على كاوتسكي نظريًا، وعم إذا كانت ما تزال هناك حاجة لتبرير الإرهاب الثوري نظريًا.

أجل، مع الأسف إن الأيديولوجية تلعب في الحركة الاشتراكية، بسبب من طبيعتها بالذات، دورًا كبيرًا. إن إنكلترا نفسها، مهما كانت تميل إلى النزعة التجريبية، تدخل الآن في مرحلة ستتطلب فيها الطبقة العاملة بإلحاح متزايد أن تدرس تجاربها ومهامها دراسة نظرية. غير أن نفسيتها – بل حتى نفسية البروليتاريا – تشتمل على قوة رهيبة من العطالة المحافظة. وبخاصة أن المسألة ليست إلا مسألة العقيدة التقليدية لأحزاب الأممية الثانية التي أيقظت البروليتاريا وكان لها إلى عهد قريب قوة واقعية. وبعد انهيار الحركة الاشتراكية – الوطنية الرسمية (شايدمان، فيكتور آدلر، رينوديل، فاندروفيلد، هندرسون، بليخانوف) أصبحت الكاوتسية الدولية (قيادة أركان الألمان المستقبلين، فريتز آدلر، لونغيه، جزء هام من الاشتراكيين الإيطاليين، “المستقلون” الإنكليز، جماعة مارتوف، إلخ) العامل السياسي الرئيسي الذي يتحقق بواسطته التوازن غير المستقر للمجتمع الرأسمالي. ويمكننا أن نقول إن إرادة الجماهير الكادحة في العالم المتمدن، المتوترة دومًا بمجرى الأحداث، لهي أكثر ثورية بما لا يقاس من وعيها الذي ما يزال تحت تأثير الآراء البرلمانية المسبقة والنظريات التوفيقية. إن النضال من أجل ديكتاتورية الطبقة العاملة يعني اليوم ضربة قاصمة إلى الكاوتسكية في قلب الطبقة العاملة. إن الأكاذيب والآراء المسبقة التوفيقية التي ما تزال تسمم الجو حتى في أوساط الأحزاب الملتفة حول الأممية لاثالثة يجب أن تطرح. وهدف هذا الكتاب هو أن يخدم قضية من يحاربون، بلا شفقة، في جميع البلدان، ضد الكاوتسكية الخائرة الغامضة المرائية.

* * *

ملاحظة – إن الغيوم تتجمع من جديد في هذا الوقت (آيار 1920) فوق روسيا السوفييتات. إن بولونيا البورجوازية، بعدوانها على أوكرانيا قد دشنت هجومًا جديدًا من قبل الإمبريالية العالمية ضد روسيا السوفييتات. إن الأخطار الكبرى التي تهدد الثورة من جديد، والتضحيات الضخمة التي تفرضها الحرب على الجماهير الكادحة، تحرض من جديد الكاوتسكيين الروس على أن يقاوموا بشكل مكشوف سلطة السوفييتات أي أن يساعدوا القتلة الدوليين أعداء روسيا السوفييتات. إن مهمة الكاوتسكيين هي أن يحاولوا مساعدة ثورة البروليتاريا حين تكون قضيتها سائرة على ما يرام، وأن يخلقوا أمامها كل أنواع العراقيل عندما تكون بأشد الحاجة إلى المساعدة. لقد سبق لكاوتسكي أن تنبأ أكثر من مرة بهزيمتنا التي ستكون أفضل دليل على صحة نظريته. إن “وريث ماركس” هذا قد هوي، في سقوطه، إلى هوة عميقة للغاية، حتى أن برنامجه السياسي وحده تجسيد حي لنظريته عن سقوط ديكتاتورية البروليتاريا.

إنه يخطئ مرة أخرى. إن هزيمة بولونيا البورجوازية على يد الجيش الأحمر الذي يقوده العمال الشيوعيين، ستثبت من جديد قوة ديكتاتورية البروليتاريا، وستسدد بالتالي ضربة جديدة إلى التشكيك البورجوازي الصغير (الكاوتسكية) بالحركة العمالية. إن التاريخ المعاصر، رغم البهرجة المجنونة في المظاهر والشعارات، قد بسط إلى أقصى حد تطوره الأساسي بإرجاعه إلى الصراع بين الإمبريالية والشيوعية. إن بيلسودسكي لا يقوم بالحرب من أجل امتيازات النبلاء البولونيين في أوكرانيا وروسيا البيضاء فحسب، ولا من أجل الملكية الرأسمالية والكنيسة الكاثوليكية فحسب، بل أيضًا من أجل الديمقراطية البرلمانية، من أجل الاشتراكية التدرجية، من أجل الأممية الثانية، من أجل حق كاوتسكي في أن يبقى كناقد شماسًا للبورجوازية. ونحن إنما نحارب من أجل الأممية الشيوعية، من أجل الثورة العالمية للبروليتاريا. إن الرهان عظيم بين الطرفين. وستكون المعركة عنيدة وصعبة. ونحن نأمل في النصر نظرًا إلى أن لنا عليه كل الحقوق التاريخية.

ل. تروتسكي

« السابق التالي »