بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

إيهما الرفاق، إن حجج الخطباء المنشفيك، وبصورة خاصة ابراموفيتش، تعكس بعد كل شيء بعدًا تامًا عن الحياة وأعبائها. إنهم أشبه بمراقب بتوجب عليه أن يعبر مجرى مائيًا سباحة، فيفكر قبل ذلك تفكيرًا عميقًا بنوعية المياة وقوة التيار مع أن المشكلة هي قبل كل شيء عبور الماء! ويقفز صاحبنا الكاوتسكي على قدمه اليمنى تارة، واليسرى تارة أخرى، قائلاً: “نحن لا ننكر هذه الضرورة. إلا إننا نرى الأخطار، فهي عديدة. التيار سريع، وثمة صخور، ونحن متعبون الخ، الخ. لكن من غير الصحيح، من غير الصحيح على الإطلاق، إن نلام على أننا لا نقبل بضرورة عبور الماء. إننا لم نرفض القبول بها، حتى منذ ثلاثة وعشرين عامًا”.

إن كل حججهم، من أولها أولها إلى آخرها، مبنية على هذه الشاكلة. يقول المنشفيك: أولاً نحن لا ننكر قط ضرورة الدفاع وبالتالي ضرورة الجيش. ثانيًا، نحن لا ننكر إلزامية العمل. عفوًا، أسمحوا لنا! هل وجد قط في هذه الدنيا، باستثناء إتباع بعض الشيع الدينية، رجال قادرون على رفض فكرة الدفاع المشروع “بصورة عامة”؟ إن جميع موافقاتكم المجردة لا تقدمنا بوصة واحدة. فعندما أنطرحت علينا مسألة أنشاء جيش والنضال ضد الأعداء الواقعيين للطبقة العاملة، كيف كان موقفكم؟ لقد عارضتم ذلك، وصحيح أنكم لم تنكروا ضرورة الدفاع عن النفس، لكنكم خربتموها. كنتم تقولون وتكتبون في صحفكم: “لتستقط الحرب الأهلية!” في الوقت الذي كان فيه الحرس الأبيض يضع السكين على اعناقنا. وها أنتم، بعد موافقتكم المتأخرة على دفاعنا المنتصر، تشهرون نظرتكم المنتقدة على مهامنا الجديدة وتعلنون لنا ونحن لا نرفض، بصورة عامة، إلزامية العمل لكن… بدون إكراه حقوقي”. يا له من تناقض داخلي رائع في هذه الكلمات وحدها! إن لفظة “الإلزامية” تحتوي في حد ذاتها على عنصر إكراه. إن الإنسان مكره على فعل شيء ما. وإذا لم يفعل شيئًا، فبديهي أنه سيعاني من الإكراه، أو من القصاص بتعبير آخر. يبقى علينا أن نعرف ما هو الإكراه. إن إبراموفيتش يعلن: “الضغط الاقتصادي، أجل، لكن لا الإكراه الحقوقي”. لقد بين ممثل نقابة هما التعدين، الرفيق هو لزمان، بصورة رائعة، كل ما هناك من سكولائية في مثل هذا التفكير، فالضغط الاقتصادي لا ينفصل عن الإكراه الحقوقي، حتى في ظل النظام الرأسمالي. فكم بالأحرى اليوم!

لقد حاولت أن أبين، في تقريري، أنه ليس ثمة إلا إمكانية واحدة لتثقيف الشغيلة على أسس اجتماعية جديدة وتدريبهم على اشكال جديدة للعمل، والوصول للعمل، والوصول إلى إنتاجية أعلى في العمل: تطبيق عدة طرائف في آن واحد: طرائق المصلحة الاقتصادية، والإكراه الحقوقي، والتأثير الذي يمكن أن يمارسه التنظيم الاقتصادي المنسق داخليًا، والقصاص، وبصورة خاصة وأولاً وأخيرًا الاقناع والتحريض والدعاية، وأخيرًا رفع المستوى العام للثقافة. ولن نستطيع الوصول إلى مستوى عال في الاقتصاد الاشتراكي كل إلا بلجوئنا إلى كل هذه الوسائل مجتمعة.

وإذا كانت المصلحة الاقتصادية، في النظام الرأسمالي، تترافق بصورة حتمية والإكراه الحقوقي الذي تكمن خلفه القوة المادية لدولة، فلا مجال في الدولة السوفياتية، أي في دولة الانتقال إلى الاشتراكية، لفصل الإكراه الاقتصادي عن الإكراه الحقوق بصورة عامة. إن أهم المشاريع في روسيا هي في أيدي الدولة. وحين نقول للعامل الخراط ايفانون: “عليك أن تشتغل حاليًا في مصنع سورموفو. وإذا رفضت فلن تتلقى وجبتك” – فما هذا؟ أضغط اقتصادي أم إكراه حقوقي؟ إنه لا يستطيع الذهاب إلى مصنع آخر، فجميع المصانع هي في يد الدولة التي تسمح بها الانتقال. إن الضغط الاقتصادي يختلط ههنا بالقمع الحكومي. ويريد ابراموفيتش ظاهريًا أن ينظم توزيع اليد العاملة على أساس زيادة الاجور ومنح الجوائز، الخ، بصورة تكفي لإجتذاب الشغيلة اللازمين لأهم المشاريع. هذه هي، على ما يبدو، كل فكرته. لكن إذا ما طرحت المسألة على هذا النحو، فإن كل مناضل شريف في الحركة النقابية سيفهم أن هذه طوبائية من أسوأ الطوبائيات. إننا لا نستطيع أن نأمل في تدفق اليد العاملة إلى سوق العمل، دون أن يكون لدى الدولة ما فيه الكفاية من موارد الغذاء والسكن والمواصلات – أي على وجه التحديد الموارد التي ما يزال علينا أن نخلقها. ولن نتوصل إلى أي نتيجة، بدون نقل جماعي لليد العاملة، منظم من قبل الدولة، حسب حاجات الاجهزة الاقتصادية. وهنا تأتي ساعة الإكراه، وتتجلى كل ضرورتها الاقتصادية. لقد قرأت لكم برقية من ايكاتيرانبورغ عن سير أعمال جيش العمل الأول. ولقد جاء فيها أن أكثر من أربعة آلاف عامل مختص قد مروا على لجنة الأورال المكلفة بتطبيق إلزامية العمل. فمن أين جاؤوا؟ من الجيش الثالث السابق في معظمهم. فهم لم يرجعوا إلى بيوتهم، بل عهد إليهم بمهمة جديدة. وهكذا أستلمتهم لجنة إلزامية العمل من الجيش، وقسمتهم إلى، ووزعتهم على المصانع. وهذا – من وجهة النظر الليبيرالية – “عنف” ضد الحرية الفردية. إلا أن الغالبية الساحقة من العمال ذهبت عن طواعية إلى جهة العمل، كما ذهبت عن طواعية في السابق إلى جبهة الحرب، مدركة أن هذا تقتضيه مصالح علينا. غير أن بعضهم لم يرض من تلقاء نفسه. وهؤلاء هم وحدهم الذي أكرهوا.

ولا حاجة بنا البتة إلى القول إن على الدولة أن تضع، بواسطة نظام الجوائز، خير العمال في أحسن الشروط. لكن هذا لا يستبعد، بل على العكس بفترض أن الدولة والنقابات (التي لن تستطيع الحكومة السوفياتية أن تبنى صناعتها بدون مساعدتها) ستتمتع ببعض الحقوق الجديدة على العامل. إن العامل لا يساوي الحكومة السوفياتية. أنه تابع الدولة وخاضع لها من كل الزوايا، نظرًا إلى أنها دولته هو.

يعلن أبراموفيتش: “لو قيل لنا ببساطة إن المسألة هي مسألة انضباط نقابي، لما كانت هناك من حاجة للأخذ والرد. لكن ما دخل النزعة العسكرية ههنا؟”. يقينًا إن المسألة هي إلى حد كبير مسألة انضباط نقابي، لكن الانضباط الجديد للنقابات الصناعية الجديدة. إننا نعيش في بلد سوفياتي، نحكم فيه الطبقة العاملة، وهذا ما لا يفهمه أصحابنا الكاوتسكيون. فحين يقول المنشفيكي روبتسوف إنه لم يبق شيء تقريبًا من النقابات في تقريري، فإن في هذا القول حبة من الحقيقة. وبالفعل لم يبق فيه شيء يذكر من النقابات كما يفهمها، أي من النقابات ذات الصفة التريديونيونية. لكن أكبر المهامز تقع على عاتق التنظيم المهني والصناعي للطبقة العاملة في روسيا السوفياتية. فما هذه المهام؟ إنها ليست بالطبع النضال ضد الحكومة باسم مصالح العمل. بل المسألة مسألة بناء، بناء اقتصاد اشتراكي بالتفاهم التام مع الحكومة. إن هذا النوع من النقابة هو مبدئيًا تنظيم جديد لا يتميز عن النقابات التريديونيونية فحسب، بل أيضًا عن النقابات الثورية في ظل الأنظمة البروجوزاية، كما تتميز سيطرة البروليتاريا عن سيطرة البورجوازية. إن النقابة الصناعية للطبقة العاملة الحاكمة ليست لها المهام نفسها والطرائق نفسها والانضباط نفسه، التي للنقابات المناضلة التابعة للطبقة العاملة المضطهدة. إن على جميع العمال في روسيا أن يدخلوا إلى النقابات. وإنما ضد هذا المبدأ يقف المنشفيك. وهذا شيء مفهوم تمامًا، لأنهم في الواقع ضد ديكتاتورية البروليتاريا. وهذا هي بالفعل خلاصة المسألة كلها. إن الكاوتسكيين هم ضد ديكتاتورية البروليتاريا، وضد كل نتائجها بالتالي. إن الإكراه الاقتصادي والإكراه السياسي ليسا إلا تجليًا لديكتاتورية الطبقة العاملة في مجالين وثيقي الارتباط. ألم يبين ابراموفيتش بعمق أنه لا يمكن أن يوجد إكراه في النظام الاشتراكي، وإن العقاب مضاد للاشتراكية، وإن شعور الواجب وعادة العمل وجاذبيته، الخ، تكفي. هذا أمر لا يقبل جدالاً. وليس ثمة من حاجة إلا إلى توسيع هذه الحقيقة التي لا تماري. والحقيقة أنه في النظام الاشتراكي لن يوجد جهاز إكراه، لن توجد دولة. أن الدولة ستنحل في كوميونة الإنتاج الاشتهلاك. لكن هذا لا يعني أن طريق الاشتراكية لا يمر بأعلى درجات توتر التدويل. وإنما هذه المرحلة هي التي نجتازها الآن على وجه التحديد معكم. فكما أن القنديل يتألق نوره ساطعًا قبل أن ينطفيء، كذلك فإن الدولة، قبل أن تختفي، تأخذ شكل ديكتاتورية البروليتاريا، أي شكل أقسى حكومة وجدت في التاريخ، حكومة تختضن بصورة آسرة حياة المواطنين كافة. إن هذه الترهة، هذه الدرجة الصغيرة في التاريخ – الديكتاتورية الحكومية – لم يلاحظها ابراموفيتش والمنشفيكية التي يمثلها. وهذا ما يجعلهما يتعثران.

إن ما من تنظيم آخر في الماضي، ما عدا الجيش، قد مارس تجاه الإنسان إكراهًا كالذي يمارسه التنظيم الحكومي للطبقة العاملة في أقصى مراحل الانتقال. وإنما بسبب هذا على وجه التحديد نتكلم عن التنظيم العسكري للعمل. إن قدر المنشفيك هو أن يلهثوا وراء الاحداث وإن يعترفوا بتلك الأجزاء من البرنامج الثوري التي أستهلك الزمن كل أهمية عملية لها. أن المنشفيكية ما عادت تماري اليوم – رغم تحفظاتها – في شرعية عمليات القمع ضد الحرس الأبيض والفارين من الجيش الأحمر. ولقد أضطرت إلى القبول بها بعد تجاربها الخاصة التعيسة في “الديمقراطية”. لقد فهمت، على ما يبدو، بعد فوات الأوان، أنه لا تمكن مواجهة العصابات المناهضة للثورة بمجرد التأييد اللفظي للنظام الاشتراكي بدون اللجوء إلى الإرهاب الأحمر. لكن المنشفيك ما يزالون يحاولون، على الصعيد الاقتصادي، أن يؤجلوا عملنا ليؤديه أبناؤنا وبخاصة أحفادنا. إلا أنهم ينسون أن علينا أن نبني الآن وبدون تأخير، ونحن نواجه التركة المؤسفة التي خلفها لنا المجتمع البورجوازي والحرب الأهلية التي لم تنته بعد.

إن المنشفيكية، شأنها شأن الكاوتسكية كلها بصورة عامة، تغرق نفسها في الابتذالات الديمقراطية والعرقلات الاشتراكية. وأنه ليتضح مرة أخرى أنها لا تؤمن بوجود فترة انتقالية، أي فترة ثورة بروليتارية تفرض مهامها الخاصة بها. ومن هنا كان الطابع الباهت الآسن لانتقاداتها وتعاليمها ومخططاتها وتوجيهاتها. إن المسألة ليست مسألة معرفة ما سيجري بعد عشرين أو ثلاثين عامًا – وبديهي أن الأمور ستكون آنذاك أحسن مما هي عليه بما لا يقاس. بل معرفة ما يجب فعله للقضاء على الفوضى، ولتوزيع اليد العاملة في هذه المرحلة، ولرفع إنتاجية العمل اليوم، وللاستفادة بوجه خاص من الأربعة آلاف عامل المختص الذين وجدناهم في الجيش، في الأورال. فهل نتركهم قائلين لهم: “اذهبوا حيثما يحلو لكم!”. كلا، إننا لا نستطيع أن نتصرف على هذا النحو. ولقد جدناهم في فرق عسكرية خاصة ووجهناهم إلى المعامل والمصانع.

يهتف إبراموفيتش قائلاً: “بم تتميز اشتراكيتكم إذن عن العبودية المصرية؟ وبالفعل لقد كان الفراعنة يشيدون الأهرامات بالطريقة نفسها، بإرغامهم الجماهير على العمل”. إنها حقًا مقارنة لا مثيل لها تصدر عن “اشتراكي”! فههنا أيضًا غابت عن نظر صاحبنا المنشفيكي نقطة صغيرة: طبيعة الطبقة القابضة على زمام السلطة! إن إبراموفيتش لا يجد فرقًا بين نظامنا والنظام المصري. ولقد نسي أنه كان في مصر فراعنة وملاك عبيد وعبيد. وما كان الفلاحون المصريون هم الذين يقررون بواسطة سوفييتاتهم بناء الأهرامات بل كان هناك نظام اجتماعي قائم على نظام الطرائف المتسلسلة المراتب، وكان عدوهم الطبقي هو الذي يرغمهم على العمل. أما في روسيا فإن الأكراه تمارسه السلطة العمالية والفلاحية باسم مصالح الجماهير الكادحة. هذا ما لم يلاحظه إبراموفيتش. لقد تعلمنا في مدرسة الاشتراكية أن كل التطور الاجتماعي يقوم على الطبقات وعلى صراعها، وأن كل مجرى الحياة يتحدد بالطبقة القابضة على زمام السلطة وبالمهام التي تحقق سياستها باسمها. هذا ما لم يفهمه إبراموفيتش. ومن الجائز أنه يعرف عن ظهر قلب كتاب العهد القديم. لكن الاشتراكية بالنسبة إليه كتاب عويص مغلق.

لقد كان بمقدور إبراموفيتش، وهو يتابع مقارناته الليبرالية والسطحية التي لا تأخذ حسابًا لطبيعة الدولة الطبقية، أقول كان بمقدوره (وهذا ما فعله المنشفيك مرارًا كثيرة في الماضي) أن يوجد بين الجيش الأحمر والأبيض. ففي الجيش الأول كما في الثاني، كانت التعبئة تتم بالدرجة الأولى بين صفوف الجماهير الفلاحية. وفي هذا كما في ذاك، يعتمد على الإكراه. وفي هذا كما في ذاك، يكثر عدد الضباط الذين مروا بمدرسة القيصرية نفسها. وفي كلا المعسكرين، توجد البنادق نفسها، والرصاص نفسه. فما الفرق إذن؟ ثمة فرق، أيها السادة، وهو يتحدد بمعيار أساسي: من يقبض على زمام السلطة؟ الطبقة العاملة أو النبلاء، الفراعنة أو الموجيك، الطغمة الرجعية أو بروليتاريا بترسبورغ؟ ثمة فرق والشاهد على ذلك مصير بودينيتش وكولتشاك ودينيكين. إنهم العمال الذين جندوا الفلاحين عندنا: أما لدى كولتشاك فهم طائفة من الضباط الرجعيين. لقد رسخ جيشنا أقدامه ووطدها، أما الجيش الأبيض فقد تساقط رمادًا. ثمة فرق بين النظام السوفياتي ونظام الفراعنة، وليس من قبيل العبث أن يكون البروليتاريون قد بدؤوا ثورتهم بإعدامهم على قباب الأجراس “فراعنة” بترسبورغ ( ).

لقد حاول أحد الخطباء المنشفيك عرضًا أن يصورني على أنني محامي النزعة العسكرية بصورة عامة. إذ يتبين، من المعلومات التي يقدمها، أنني أدافع عن النزعة العسكرية الألمانية، لا أكثر ولا أقل. وهو يزعم، أصغوا جيدًا، أنني أعتبر ضابط الصف الألماني معجزة من معجزات الطبيعة وأن أعماله فوق التقليد.. فماذا قلت في الواقع؟ قلت فقط أن النزعة العسكرية، التي تجد فيها جميع ملامح التطور الاجتماعي تعبيرها الأكمل والأوضح والمطلق، يمكن أن ينظر إليها من زاويتين: أولاً من وجهة النظر السياسية أو الاشتراكية، وهنا يتعلق كل شيء بمسألة: ما الطبقة التي تقبض على زمام السلطة. وثانيًا، من وجهة نظر التنظيم كنظام للتوزيع الدقيق للالتزامات، وكنظام للعلاقات المتبادلة النظامية، والمسؤولية المطلقة، والتنفيذ الحازم. إن الجيش البورجوازي جهاز لقمع الشغيلة واضطهادهم بصورة عديمة الشفقة، في حين أن الجيش الاشتراكي جيش لتحرير هؤلاء الشغيلة والدفاع عنهم. لكن تبعية الجزء المطلقة للكل صفة مشتركة لكل جيش. وأن النظام الداخلي الحازم المتماسك لهو ميزة التنظيم العسكري. إن كل تهاون، وكل خفة، وكل إهمال، يمكن أن تكون، في الحرب، سببًا في خسائر فادحة. ومن هنا كان مسيل التنظيم العسكري إلى رفع الوضوح والدقة في العلاقات والمسؤولية إلى أعلى درجة. إن مثل هذه الصفات “العسكرية” مقدرة في جميع الميادين. وإنما بهذا المعنى قلت أن كل طبقة تعرف كيف تستفيد لخدمتها من أعضائها الذين مروا على الانضباط العسكري في ظروف أخرى مشابهة. وإذا كان الفلاح الألماني الميسور قد تخرج من الثكنة كضابط صف، فهو بالنسبة إلى الملكية الألمانية – وكذلك بالنسبة إلى جمهورية أيبرت. أثمن من أي فلاحخ آخر لم يمر بالمدرسة نفسها. إن جهاز السكك الحديدية الألمانية قد تحسن بصورة محسوسة بفضل وجود ضباط الصف والضباط في المراكز الإدارية التابعة لمديرية خطوط المواصلات. وبهذا المعنى علينا أن نتعلم الشيء الكثير من النزعة العسكرية. لقد أكد لنا هنا الرفيق تزيبيروفيتش، أحد المناضلين المعروفين في نقاباتنا، إن العامل النقابي الذي مر على الانضباط العسكري طوال سنوات، وشغل على سبيل المثال منصب مفوض، لا يخسر شيئًا من قدرته على العمل النقابي. فهو بعد أن حارب من أجل القضية البروليتارية. رجع إلى النقابة، بروليتاريًا كما في السابق، لكنه رجع متمرسًا، أكثر رجولة، أكثر استقلالاً وتصميمًا، ذلك أنه قد تحمل مسؤوليات كبيرة. لقد حدث له أن قاد آلاف الجنود الحمر من مستوى اجتماعي مختلف، معظمهم من الفلاحين. ولقد عاش معهم الانتصارات والهزائم، وعرف التقدم والتراجع. لقد عرف بعض حالات الخيانة في القيادة، وتمرد الفلاحين الميسورين، وأزمات الخوف، لكنه عرف دومًا، وهو في منصبه، كيف يضبط الجماهير الأقل وعيًا، ويقودها، ويحمسها بمثاله، معاقبًا بلا شفقة الخونة والمستغلين. إنها لتجربة عظيمة ثمينة. وهكذا، عندما يعود الشيوعي السابق من الكتيبة إلى النقابة، فإنه لا يكون منظمًا سيئًا.

أما حول مسألة نظام المكاتب الجماعية في إدارة الإنتاج، فإن حجج إبراموفيتش مبتذلة شأن حججه حول كل المسائل الأخرى. إنها حجج مراقب أجنبي ينظر إلى الأمور من بعيد.

إن إبراموفيتش يشرح لنا أن الإدارة الجماعية الحسنة خير من إدارة لاشخص الواحد السيئة، وأنه يجب أن يدخل إلى كل مكتب مؤلف بصورة حسنة اختصاصي ممتاز. إن هذه كلها أفكار ممتازة. فليقدم لنا المنشفيك إذن عدة مئات من المكاتب من هذا النوع؟ إنني أجزم مسبقًا أن المجلس الأعلى للاقتصاد الاشتراكي لن يتخلف عن أن يجد لها مهمة حسنة. إننا لسنا مراقبين، بل شغيلة يتوجب عليهم أن يبنوا حسب المواد المتوفرة لهم. إن لدينا اختصاصيين نستطيع أن نقول أن ثلثهم متعلم وذو وجدان، في حين أن الثلث الثاني نصف متعلم، والثلث الأخير لا يساوي شيئًا. إن الطبقة العاملة غنية بالرجال الموهوبين، المخلصين، الأشداء العزيمة. وإن فئة منهم – قليلة العدد للغاية مع الأسف – تملك المعارف والتجربة الضرورية. وبعضهم الآخر قوي الشكيمة وموهوب، لكنه لا يملك لا معارف ولا تجربة، والباقون لا يملكون لا هذا ولا ذاك. وإنما من هذه المادة يجب أن نخلق إدارات المصانع وغيرها، وأنه لمن المستحيل أن نؤدي هذه المهمة بمجرد عبارات لفظية. إن علينا، قبل كل شيء، أن ننتخب العمال الذين أثبتوا عمليًا أنهم قادرون على إدارة المشاريع، وأن نتيح لهم إمكانية داء مهمتهم. إن هؤلاء العمال يريدون نظام إدارة الشخص الواحد، ذلك أن إدارات المصانع ليست مدارس للمتخلفين. إن العامل القوي الشكيمة، المطلع على قضايا عمله، يريد بصورة طبيعية أن يدير. وإذا قرر وأصدر أمره، فإن قراره يجب أن ينفذ. وقد يستبدل بغيره، لكن هذه مسألة أخرى.

لكن ما دام هو السيد – سيدًا سوفياتيًا بروليتاريًا – فإنه يدير المصنع في مجموعه. وإذا ما عين في مكتب مؤلف من أناس أضعف منه يساهمون في الإدارة، فلن يمكن الوصول إلى أي نتيجة. إن كل عامل مدير يجب أن يضاف إليه اختصاصي أو اثنان، حسب أهمية المشروع. وإذا لم يكن تحت متناولنا مدير من هذه الجبلة، وإذا كان لدينا بالمقابل اختصاصي ذو وجدان عارف يعمله، فإننا سنضعه على رأس المشروع، ونلحق به، بصفة مساعدين، عاملين أو ثلاثة، بحيث أن كل قرار يتخذه الاختصاصي يكون معروفًا من مساعديه، دون أن يكون لهؤلاء الحق في إلغائه. إنهم سيتابعون بدقة عمله وسيكتسبون بالتالي المعارف. وبعد مرور بضعة شهور، سيكونون قادرين على أن يحتلوا بأنفسهم مناصب هامة.

لقد استشهد إبراموفيتش، نقلاً عني، بمثال حلاق قاد فرقة وجيشًا. هذا صحيح! لكن ما لا يقوله إبراموفيتش هو أنه إذا كان الرفاق الشيوعيون عندنا قد بدؤوا يقودون فرقًا وجيوشًا، فهذا لأنهم عملوا في الماضي مفوضين لدى القادة – الاختصاصيين. إن كل المسؤولية تقع على عاتق الاختصاصي الذي يعلم أنه مسؤول كليًا عن كل خطأ مهمًا كان تافهًا، دون أن يستطيع التحجج بصفته “عضوًا مستشارًا” في مكتب…

إن معظم مناصب قيادة الجيش الأحمر، وبخاصة المناصب الدنيا، أي أهم الدرجات من وجهة النظر السياسية، مشغولة في الساعة الراهنة بعمال وفلاحين متقدمين، وبم بدأنا؟ لقد وضعنا ضباطًا في مناصب القيادة وجعلنا من العمال مفوضين. ولقد تعلموا كيف ينتصرون.

أيها الرفاق، إننا ندخل في مرحلة صعبة، ولعلها أصعب المراحل. ولا بد من تدابير جبارة في الآونة الصعبة من حياة الشعوب والطبقات. وكلما أوغلنا، أصبحت المهمة أكثر سهولة، وشعر المواطن بحرية أكبر، وتلاشى الإحساس بإكراه الدولة البروليتارية. ومن الممكن أن نسمح آنذاك للمنشفيك بأن تكون لهم صحفهم، هذا إذا قبلنا بأن المنشفيك سيكون لهم وجود يومذاك. لكننا نعيش اليوم في عهد ديكتاتورية سياسية واقتصادية. وإنما هذه الديكتاتورية هي التي يستمر المنشفيك في تخريبها. فبينما كنا نقاتل على جبهة الحرب الأهلية لنحمي الثورة من أعدائها، كتبت صحيفتهم: “لتسقط الحرب الأهلية!”. إنما هذا ما لا نستطيع أن نتسامح به. إن الديكتاتورية هي الديكتاتورية، والحرب هي الحرب. والآن بعد أن وصلنا إلى أعلى تركيز لقوانا في حقل النهضة الاقتصادية، ظل الكاوتسكيون الروس، المنشفيك، أوفياء لرسالتهم المناهضة للثورة: إن صوتهم يرن كما في الماضي، كصوت الشك والبلبلة. صوت ينسف ويلغم، ويزرع الريبة ويوهن العزائم.

أليس من الشناعة والسخافة في آن واحد معًا أن نسمع في هذا المؤتمر الذي يجتمع فيه 1500 ممثل للطبقة العاملة الروسية، والذي لا يمثل فيه المنشفيك إلا نسبة 5% في حين أن الشيوعيين يشكلون تسعة أعشاره، أليس من الشناعة والسخافة أن نسمع إبراموفيتش ينصحنا “بألا نتحمس لمثل هذه الطرائق، في حين أن غالبية صغيرة معزولة تنوب عن الشعب”. يقول ممثل المنشفيك: “كل شيء عن طريق الشعب، ولا أوصياء على الكادحين. كل شيء عن طريق الجماهير الكادحة. كل شيء عن طريق عملها!” ثم يقول: “إن الجماهير لا تقنع بالحجج”. لكن أ،ظروا إذن إلى هذه الصالة: هي ذي الطبقة! إن الطبقة العاملة ههنا أمامنا ومعنا، وأنتم، يا حفنة المنشفيك الصغيرة، تحاولون أن تقنعوها بحجج البورجوازيين الصغار! إنكم تريدون أن تكونوا أوصياء على هذه الطبقة. لكن لهذه الطبقة نشاطها ولقد برهنت عليه حين لفظتكم، وحين سارت إلى الأمام في طريقها.
——
(20) “الفراعنة” لقب شعبي يشار به إلى عملاء البوليس القيصريين الذين وضعهم وزير الداخلية بروتو بوبوف في نهاية شباط 1917 على أسطحة المنازل وقباب الأجراس.

« السابق التالي »