بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

« السابق التالي »

32- كارل كاوتسكي: مدرسة وكتابة

كانت المدرسة النمساوية الماركسية (بوير، رينر، هيلفردينع، ماكس آدلر، فريدريك آدلر) تقف في غالب الأحيان موقف المعارضة من مدرسة كاوتسكي باعتبارها تمثل انتهازية مقنعة تجاه الماركسية الأصيلة. ولقد بدت هذه المعارضة كسوء تفاهم تاريخي سببب الكثير من الضياع الفكري، لكنه انكشف في النهاية على حقيقة واضحة: إن كاوتسكي هو مؤسس التحريف النمساوي للماركسية وحامل لوائه الأول.

ففي حين أن تعاليم ماركس الحقيقية تقوم على صيغة نظرية للعمل والهجوم وتطوير الطاقة الثورية ودفع الصراع الطبقي إلى الأمام، نجد أن المدرسة النمساوية قد تحولت إلى أكاديمية للسلبية واللف والدوران، وأصبحت تاريخية بصورة مبتذلة، وقصرت أهدافها على تعليل الأحداث وتبريرها، وانحط دورها إلى مصدر ممول للانتهازية البرلمانية والنقابية، واستبدلت الديالكتيك بالسفسطة المخاتلة، وتحولت أخيرًا، بالرغم من لفظيتها الثورية، إلى قوة أمينة داعمة للدولة الرأسمالية، وللعرش والمذبح اللذين يهيمنان عليها. وإذا كان العرش قد سقط، فالخطأ في ذلك لا يقع حتمًا على المدرسة الماركسية النمساوية.

إن ما يميز الماركسية النمساوية عداؤها لكل نشاط ثوري وتخوفها منه. إن الماركسي النمساوي لقادر على أن يحفر هوة من الأفكار والتأويلات العميقة للماضي، وعلى أن يظهر جرأة رجولية في مجال التنبؤات المتعلقة بالمستقبل، لكنه لا يملك أبدًا فكرة كبيرة أو مبدأ موجهًا عن الأعمال الكبيرة المتعلقة بالحاضر. إن الحاضر ينساب دومًا انسيابًا عقيمًا بالنسبة إليه تحت عبء هموم الانتهازية الصغيرة التي تؤول فيما بعد وتصور على أنها السلسلة الضرورية التي تربط بين الحاضر والمستقبل. إن الماركسي النمساوي معين لا ينضب ماؤه فيما يتعلق بالبحث عن الأسباب التي تعرقل الممارسة والعمل الثوريين. إن الماركسية النمساوية هي نظرية السلبية والاستسلام المدعية الجليلة. وبديهي أنه ليس من قبيل الصدفة والعرض أن تكون النمسا، بابل التي تمزقها معارضات قومية عقيمة، والدولة التي هي تجسيد لاستحالة الوجود والتطور بالذات، قد وقع عليها دور توليد وتوطيد الفلسفة الماركسية المزعومة عن استحالة العمل الثوري.

إن أشهر الماركسيين النمساويين يمثلون، كلا على طريقته، “فردية” معينة. إن وجهات نظرهم تختلف في غالب الأحيان حول مختلف المسائل. بل لقد وصل بهم الأمر إلى حد الخلافات السياسية. لكننا نستطيع القول، بصورة عامة، أنم أصابع يد واحدة.

إن كارل رينر هو أشهر هؤلاء الممثلين، وأفخمهم، وأكثرهم إعجابًا بنفسه. إن موهبة الانتحال، وبتعبير أدق التقليد السخيف، متطورة عنده إلى درجة استثنائية. ولقد كانت مقالاته الملتهبة عن أول أيار، من وجهة نظر الأسلوب، آية في تجميع الكلمات الأكثر ثورية. ولما كانت الكلمات وتجميعاتها تعيش إلى حد ما حياتها الخاصة، فإن مقالات رينر قد أشعلت في قلوب الكثير من العمال نار الثورة التي لم يعرفها المؤلف قط على ما يبدو.

إن البهرج الكاذب للثقافة النمساوية – الفييناوية الساعية وراء اللقب والمركز، يتجلى عند رينر أكثر مما يتجلى لدى سائر زملائه. والواقع أنه لم يكف قط عن أن يكون موظفًا إمبراطوريًا وملكيًا يتقن اللفظية الماركسية.

إن تحول مؤلف مقال يوبيل كارل ماركس، المعروف ببلاغته الثورية، إلى مستشار – دمية يذخر بعواطف الاحترام والاعتراف بالجميل تجاه السكندنافيين، يقدم واحدًا من أبهر الأمثلة على مفارقات التاريخ.

إما أوتو بوير فهو أكثر إطلاعًا، وأكثر ابتذالاً، وأكثر جدية وأكثر إملالاً، من رينر. إننا لا نستطيع أن ننكر عليه معرفته بفن كتابة الكتب وتجميع الوقائع واستخلاص النتائج، حسب الأهداف التي ترسمها له السياسة العملية التي يصنعها غيره. إن بوير لا يملك إرادة سياسية. إن فنه الرئيسي يقوم على استخلاص نتائج معروفة مبتذلة من المسائل العملية الأشد حدة. إن فكرة السياسي – يعيش دومًا حياة موازية لإرادته المفتقدة إلى الشجاعة. إن أعماله لا تعدو أن تكون منتخبات ينتقيها تلميذ واسع الاطلاع متخرج من جامعة للاهوت. إن التصرفات المخزية للانتهازات النمساوية، وموقف الخضوع الذليل لسلطة الطبقة المالكة الذي تقفه الاشتراكية – الديمقراطية النمساوية – الألمانية، قد وجدت في بوير أعمق ممثل لها، بوير الذي ذهب أحيانًا إلى حد رفض الشكل وقبول المضمون. وإذا كانت الفرصة قد أتيحت لبوير ليبرهن على عزيمته وقوته السياسية، فقد كان ذلك فقط في النضال ضد الجناح الثوري، وفي خليط عجيب من الاستنتاجات والوقائع والاستشهادات ضد العمل الثوري. ولقد بلغ ذروة مجده في الفترة التالية لعام 1907، عندما كان ما يزال أصغر من أن ينتخب نائبًا، فلعب دور سكرتير الشرذمة الاشتراكية – الديمقراطية التي كان يزودها بالمواد والأرقام والأفكار المزيفة، والتي كان يثقفها ويكتب لها، والتي كان يعتقد أنه ملهم أعمالها الكبيرة، في حين أنه لم يكن في الواقع إلا ممولها بالأفكار الممسوخة المسروقة الصالحة لاستعمال الانتهازيين البرلمانيين.

أما ماكس آدلر فهو ممثل آخر للماركسية النمساوية لا يختلف عن غيره إلا اختلافًا صغيرًا لا يكاد يظهر للعيان. إنه غنائي، فيلسوف غنائي للسلبية، تمامًا كما أن رينر هو صحافيها وحقوقيها، وكما أن هيلفردينغ هو اقتصاديها، وكما أن بوير هو عالم اجتماعيًا. إن ماكس آدلر يحتل مكانًا ضيقًا في العالم المبتذل، رغم أنه قد أخذ مكانًا مريحًا للغاية في إطار الاشتراكية البورجوازية المجرية ومذهب تسلط الدولة الهايسبورغي. إن الجمع بين مهنة المحاماة الفاشلة وبين الدناءة السياسية، بالإضافة إلى المقالات الصحفية الرخيصة الممجدة للمثالية، قد أعطت ماكس آدلر تلك الصفة الخاصة الناعمة والمقرفة معًا.
أما رودولف هيلفردينغ، المشهور هو الآخر، فقد دخل إلى الاشتراكية – الديمقراطية الألمانية كمتمرد، لكن كمتمرد من “النمط النمساوي”، أي المستعد دومًا للاستسلام بدون قتال. لقد خيل لهيلفردينغ. إن سهولة الحركة الخارجية للسياسية النمساوية وتحريضها، تلك السياسة التي ربته، إنما هي المبادهة الثورية، ولقد طالب طوال أثنى عشر شهرًا، وبألفاظ هي أكثر الألفاظ تواضعًا بلا ريب، بسياسة مبادهة أكثر فعالية من قبل قادة الاشتراكية – الديمقراطية الألمانية. لكن التحريض النمساوي – الفييناوي سرعان ما سقط، حتى عنده. ولم يتأخر في الخضوع لا يقاع برلين وللطابع الأوتوماتيكي لحياة الاشتراكية – الديمقراطية الألمانية الروحية. لقد حرر طاقته الفكرية ليركزها على حقل النظرية الخالصة، ذلك الحقل الذي لم يأت إليه بشيء جديد أصلاً، – باعتبار أن ما من ماركسي نمساوي أتى بشيء جديد في أي حقل – رغم أنه كتب كتابًا جديًا. ولقد دخل العصر الثوري، رازحًا تحت عبء ذلك الكتاب، كحمال محني الظهر تحت حمل ثقيل. لكن ذلك الكتاب الجدي نفسه لا ينوب مقام غياب الإرادة والمبادهة وبرودة الدم الثورية والتصميم السياسي، التي يستحيل العمل بدونها.. إن هيلفردينغ، المحترف الطب، ميال إلى الاعتدال، وهو يبدو، بالرغم من إعداده النظري، أكثر التجريبيين بدائية في حقل المسائل السياسية. إن المهمة الرئيسية في الوقت الحاضر هي في نظره عدم الخروج من إطار الأمس وإيجاد تبرير اقتصادي جدي عميق لهذا الموقف المحافظ وهذا الضعف البورجوازي الصغير.

أما فريدريك آدلر فهو أقل الممثلين اتزانًا للنمط الماركسي النمساوي. لقد ورث عن أبيه المخرج السياسي. ولقد سمح فريدريك آدلر من خلال النضال البائس المنهك ضد فوضى البيئة النمساوية، سمح لريبيته الساخرة بأن تهدم أسس قناعاته الثورية بالذات. ولقد دفعه المزاج الموروث عن أبيه أكثر من مرة إلى معارضة المدرسة التي خلقها هذا الأدب ولقد أمكن لفريدريك آدلر، في بعض الآونة، إن يبدو مباشرة وكأنه التناقض الثوري في المدرسة النمساوية. والواقع أنه كان ويبقى تتويجها الضروري. إن عنفه الثوري لم يكن إلا تعبيرًا عن نوبات اليأس الحادة التي تعاني منها الانتهازية النمساوية التي يخيفها من آن إلى آخر عدم جدواها الذاتية. إن فريدريك آدلر ريبي حتى نخاع عظامه: إنه لا يؤمن بالجماهير ولا بقدرتها على العمل. وبينما كان كارل لييبكنيشت ينزل إلى ساحة بوتسدام، أيام أعظم انتصارات العسكرية الألمانية، ليدعو الجماهير المسحوفة إلى نضال مكشوف، كان فريدريك آدلر يدخل إلى مطعم بورجوازي ليغتال الوزير – الرئيس. لقد حاول فريدريك آدلر بلا ريب عن طريق أقدامه على عملية اغتيال معزولة، أن يقطع الصلة بريبيته الذاتية. وبعد هذا المجهود الهستيري، سقط في حالة خمول أشد.

لقد أغرقت عصابة الاشتراكيين – الوطنيين (أوسترليتز ولوتنر، إلخ) السوداء والصفراء، أغرقت آدلر الإرهابي بكل دناءات جبنها الذي تحيطه بفخم الألفاظ. لكن عندما انقضت الفترة الحادة، وعاد الابن الضال من الأشغال الشاقة إلى المنزل الأبوي تحيط به هالة الشهادة، تبين أن قيمته بالنسبة إلى الاشتراكية – الديمقراطية النمساوية قد تضاعفت مرتين بل ثلاثًا. ولقد حول مزيفو الحزب الماهرون هالة الإرهابي المذهبية إلى نقود ترن بالديماغوجية. وأصبح فريدريك آدلر الكفيل المعتمد لأمثال أوسترليتز وبوير أمام الجماهير. ولحسن الحظ أن العمال النمساويين باتوا لا يفرقون إلا أقل فأقل بين الغنائية العاطفية لفريدريك آدلر، وانحطاط رينر المخفي وراء الألفاظ البراقة، وخمول ماكس آدلر التلمودي، ورضى أوتو بوير التحليلي بنفسه.

إن جبن أفكار نظريي المدرسة الماركسية النمساوية قد افتضح تمامًا، في مجموعه، تجاه المشكلات الكبرى التي يطرحها العصر الثوري.

لقد أعطى هيلفردينغ، في محاولته التي لا تنسى لإدخال نظام السوفييتات على دستور إيبرت – نوسك، أعطى دفقة دافعة لا لفكره الذاتي فحسب، بل أيضًا لكل فكر المدرسة الماركسية النمساوية التي حاولت، بدءًا من ولادة العصر الثوري، أن تأخذ مكانها على يسار كاوتسكي بالقدر نفسه الذي أخذت به مكانها إلى يمينه قبل الثورة.

وبهذا الصدد، فإن وجهة نظر ماكس آدلر عن نظام السوفييتات بليغة الدلالة.

إن الفيلسوف التخيري الفييناوي يعترف بأهمية السوفييتات، بل أنه يظهر من الجرأة حدًا يدفعه إلى تبنيًا. إنه يعتبرها صراحة جهاز الثورة الاجتماعية. وماكس آدلر بالطبع، من أنصار الثورة الاجتماعية. لكن ما يريده، ليس ثورة المتاريس والإرهاب العنيفة، الثورة الدامية، بل الثورة العاقلة، المقتصدة، المتزنة، المطوبة حقوقيًا والمصدق عليها فلسفيًا.

إن ماكس آدلر لا يذعر حتى من فكرة إن السوفييتات تنتهك “مبدأ” التقسيم الدستوري للسلطات (هناك بالفعل في حضن الاشتراكية – الديمقراطية النمساوية أكثر من أحمق واحد يرى في هذا الانتهاك ثغرة خطيرة في النظام السوفياتي). بل على العكس، إن محامي النقابات والمستشار الحقوقي لثورة الاجتماعية الذي هو ماكس آدلر، يرى في دمج السلطات تفوقًا يضمن التعبير المباشر عن إرادة البروليتاريا. إن ماكس آدلر يؤيد التعبير المباشر عن إرادة البروليتاريا، لكن ليس عن طريق استيلاء السوفييتات مباشرة على السلطة. إنه يدعو إلى طريقة مأمونة أكثر. إن على المجالس العمالية، في كل مدينة ودائرة وحي، أن “تراقب؛ موظفي البوليس وغيرهم بأن تفرض عليهم “إرادة” البروليتاريا. إلا أنه يحق لنا أن نسأل: كيف سيكون الوضع “الدولي – الحقوقي” للسوفييتات في جمهورية سيتزت ورينر ومن هم على شاكلتهم؟ إن فيلسوفنا يرد على هذا التساؤل: “إن السوفييتات ستتلقى في النهاية من القوة الدولية – الحقوقي بقدر ما تبذل من نشاط” (“جريدة العمال” – العدد 197.. 1 حزيران 1919).

إن على السوفييتات البروليتارية أن تتحول تدريجيًا إلى سلطة سياسية للبروليتاريا، تمامًا كما كان على المنظمات البروليتارية في الماضي، حسبما كانت تقول نظرية الانتهازية، أن تتطور إلى أن تتحول اشتراكية، وهذا هدف لاقى في طريقه بعض العراقيل نتيجة لسوء التفاهم غير المتوقع الذي طرأ طوال أربعة أعوام بين الدول المركزية و”التفاهم” وكل ما تلاه فيما بعد. وكان لا بد بالتالي من التخلي عن البرنامج الاقتصادي للتنمية المنهجية لحساب اشتراكية بدون ثورة اجتماعية. لكن تكشفت بالمقابل آفاق نمو منهجي للسوفييتات إلى حد ثورة اجتماعية بدون عصيان مسلح ولا استيلاء عنيف على السلطة.

وحتى لا تقع السوفييتات في شراك مهام المحافظات والأحياء، فإن المستشار الحقوقي الجريء يقترح دعاية الأفكار الاشتراكية – الديمقراطية. فالسلطة السياسية تظل، كما في الماضي، في أيدي البورجوازية وعملائها، لكن السوفييتات بالمقابل تراقب، في المحافظات والأحياء، ضباط وضباط صف البوليس. إلا أن ماكس آدلر، كي يطمئن الطبقة العاملة وليركز في الوقت نفسه أفكارها وإرادتها، سيلقي كل يوم أحد محاضرات عن الوضع الدولي – الحقوقي للنقابات. ويعدنا ماكس آدلر: “وهكذا فإن النظام في الوضع الدولي – الحقوقي للنقابات. ويعدنا ماكس آدلر: “وهكذا فإن النظام في الوضع الدولي – الحقوقي للسوفيتتات العمالية، وثقلها وأهميتها، ستكون متوفرة على طول الخط، في مجال حياة الدولة والحياة العامة، وأن النظام السوفياتي، بدون ديكتاتورية السوفييتات سيحقق نفوذًا أوسع بكثير من النفوذ الذي يستطيع أن يحصل عليه في جمهورية السوفييتات بالذات. ثم أنه لن يتعين، من جهة أخرى، شراء هذا النفوذ بثمن العواصف السياسية والأعاصير الاقتصادية المدمرة”. إن ماكس آدلر يظل، كما نرى، منسجمًا مع التقاليد النمساوية: تحقيق الثورة بدون الدخول في نزاع مع السيد المدعي العام.

إن مؤسس هذه المدرسة والمسؤول الأعلى فيها هو كاوتسكي. إن كاوتسكي، في الوقت الذي يحافظ فيه بغيرة، وبخاصة بعد مؤتمر دريد للحزب والثورة الروسية الأولى (1905)، على سمعته كحارس للإرثوذكسية الماركسية، يعلن استنكاره من حين إلى آخر للتصرفات المخزية التي تصدر عن مدرسته النمساوية. إن بوير ورينر وهيلفردينغ يعتبرون جميعهم معًا، وكل منهم بصورة خاصة – كما كان شأن المرحوم فيكتور آدلر – يعتبرون كاوتسكي مدعيًا أكثر من اللازم، وقليل المرونة أكثر من اللازم، إلا أنهم يرون فيه أبًا وأستاذًا جديرًا بالاحترام لكنيسة عقيدة الدعة والخمول.

لقد بدأ كاوتسكي يوحي ببعض المخاوف الجديدة لمدرسته الخاصة في فترة صعوده الثوري، أثناء الثورة الروسية الأولى، عندما اعترف بضرورة استيلاء الاشتراكية – الديمقراطية الروسية على السلطة، وحاول أن يلقن الطبقة العاملة الألمانية الاستنتاجات النظرية التي فرضت نفسها بعد تجربة الإضراب العام في روسيا. ولقد أوقف فشل الثورة الروسية الأولى تطور كاوتسكي نحو الراديكالية. وكلما كان تطور الأحداث يفرض بصورة محتمة حل المشكلات المتعلقة بعمل الجماهير في داخل ألمانيا بالذات، كان موقف كاوتسكي إزاءها يزداد التباسًا. لقد راوح في مكانه، ثم تراجع إلى الوراء، وفقد ثقته الأولية، واتضحت لديه أكثر فأكثر ملامح الادعاء السكولائي التي كانت ملموسة في طريقته في التفكير. ولقد كشفت الحرب الإمبريالية، التي قتلت كل تردد وطرحت بفظاظة جميع المسائل الأساسية، كشفت إفلاس كاوتسكي السياسي التام. ومن اللحظة الأولى، انزلقت به قدمه دونما أمل بالعودة إلى أبسط المسائل، أي إلى مسألة التصويت على اعتمادات الحرب. وأن جميع أعماله اللاحقة تدور حول موضوعة واحدة مكررة معادة: “أنا وبلبلتي”. ولقد أجهزت الثورة الروسية على كاوتسكي نهائيًا. كان مجرى الأحداث السابق كله قد جعله يتبنى موقفًا معاديًا إزاء انتصار البروليتاريا في تشرين الثاني. ولقد جاء هذا الحدث ليلقي به في المعسكر المناهض للثورة. وهكذا فقد آخر بقايا حسه التاريخي. وتحولت كتاباته اللاحقة أكثر فأ:ثر إلى أدب أصفر يصلح للسوق البورجوازية نظرًا إلى رداءته وبخس ثمنه.

إن كتاب كاوتسكي، الذي درسناه، يملك جميع الصفات الخارجية لما اتفق الناس على تسميته بالعمل الموضوعي والعلمي. لكي يعمق كاوتسكي مسألة الإرهاب الأحمر، يرسم مخططه بكل الدقة الدقيقة المعروفة عنه. فهو يبدأ بدراسة الشروط الاجتماعية التي هيأت الجو للثورة الفرنسية الكبرى، وكذلك الأسباب الفيزيولوجية والاجتماعية التي ساهمت في تطوير القسوة والإنسانية طيلة تاريخ الجنس البشري. وفي الكتاب المخصص للبولشفية، والذي لم تدرس فيه المسألة إلا في الصفحة 154، يروي كاوتسكي بالتفصيل كيف كان يأحل جدنا البعيد، القريب بتكوينه من القرود. ويطرح فرضية أنه كان يلتهم الحشرات وربما بعض الطيور بالإضافة إلى طعامه النباتي الرئيسي (ص 85). وبتعبير آخر، إن ما من شيء يمكن أن يدفع بالإنسان إلى التفكير بأن مثل هذا الجد المحترم الذي كان يعيش على النبات، يمكن أن يخلف فيما بعد أحفادًا دمويين كالبلاشفة. هذا هو الأساس العلمي المتين للغاية الذي يطرح عليه كاوتسكي المسألة..

لكن كما هي الحال في معظم المؤلفات التي من هذا النوع، يختفي الهجاء السياسي وراء واجهة أكاديمية. سكولائية أنه واحد من أكذب الكتب وأكثرها بعدًا عن العلم. وأليس من المستغرب بالفعل، للوهلة الأولى، أن يلتقط كاوتسكي من المنجم الذي لا ينضب لوكالات هافاس ورويتر وولف كل الافتراءات والشائعات البائسة المعادية للبلاشفة، تاركًا أذن الواشي المفتري تتغلب على قبعة العالم؟ لكن هذه التفاصيل القذرة ليست إلا زخرفات فسيفسائية تحيط بمجموع الكذبة الكبرى الموجهة ضد جمهورية السوفييتات والحزب الذي يقودها.

إن كاوتسكي يرسم، بأقتم الألوان، لوحة وحشتينا تجاه البورجوازية التي “لم تبد أي رغبة مهما تكن واهنة في المقاومة”.

إن كاوتسكي يدين موقفنا الصلب تجاه الاشتراكيين – الثوريين والمنشفيك الذين يؤلفون إحدى مدارس الاشتراكية. وأن كاوتسكي يصور الاقتصاد السوفياتي على أنه سديم مأساوي.

إن كاوتسكي يصور المناضلين السوفياتيين بصورة عامة، وكل الطبقة العاملة الروسية، كشرذمة من النانيين والجبناء والكسالى.

إنه لا يقول كلمة واحدة عن الجبن العظيم، الذي لا سابق له في التاريخ، الذي أظهرته البورجوازية الروسية. أنه لا يقول كلمة واحدة عن خياناتها الوطنية، وعن تسليم ريجا للألمان لأهداف “إستراتيجية”. وهو لا ينبس ببنت شفة عن موضوع تهيئة تسليم مماثل لمدينة بترسبورغ. إنه يمر مرور الكرام بنداءات هذه البورجوازية الموجهة إلى الجيوش الأجنبية، التشيكوسلوفاكية والألمانية والرومانية والإنكليزية واليابانية والفرنسية والعربية والزنجية، ضد العمال والفلاحين الروس. إنه يسكت عن مؤامراتها واغتيالاتها، المقترفة والمنفذة لحساب “التفاهم” وعلى نفقته، وحصارها الهادف إلى تجويع أطفالنا حتى الموت، وإلى إشاعة الأكاذيب والافتراءات في العالم قاطبة بصورة منهجية عندية لا تكل ولا تمل.

أنه لا يقول كلمة واحدة عن أعمال التعذيب والعنف الدنيئة التي عاملت بها حكومة الاشتراكيين – الثوريين والمنشفيك حزبنا قبل ثورة تشرين الثاني. أنه يخرس عن المطاردات المجرمة الموجهة ضد ألوف المناضلين في حزبنا بحجة التجسس لحساب ألمانيا هوهنزولرن. إنه يمر مرور الكرام بمساهمة المنشفيك والاشتراكيين – الثوريين في جميع مؤامرات البورجوازية، وكذلك تعاونهم مع جنرالات وأمراء القيصر، كولتشاك ودينيكين وبودينيتش. إنه يسكت عن أعمال الإرهاب التي قام بها الاشتراكيون – الثوريون بناء على أوامر “التفاهم”، وأعمال العصيان التي نظمها هؤلاء الاشتراكيون – الثوريون أنفسهم، بأموال السفارة الأجنبية، في صفوف جيشنا الذي كان يسفح دمه غزيرًا على مذبح النضال ضد عصابات الإمبريالية الملكية. إن كاوتسكي لا يتنازل ليذكر مرة واحدة بأننا لم نؤكد في أكثر من مناسبة فحسب، بل بأننا برهنا أيضًا على أننا مستعدون حتى لو قبلنا بتنازلات وتضحيات، لتوطيد السلم في بلدنا، وأننا مضطرون بالرغم من ذلك، إلى متابعة النضال الشرس على كل الجبهات للدفاع عن وجود بلدنا بالذات ولتجنب تحوله إلى مستعمرة الإمبريالية الأنكلو – الفرنسية. إن كاوتسكي يلزم الصمت أيضًا عن أن البروليتاريا الروسية كانت مرغمة، أثناء هذا النضال البطولي الذي نخوضه من أجل مستقبل الاشتراكية العالمية، على إنفاق خير طاقاتها، وزهرة قواها وأثمنها، تلك الطاقات والقوى التي حرم منها فيما بعد البناء الاقتصادي وتطوير الثقافة.

إن كاوتسكي، في منشوره عينه، لا يذكر ولو تذكيرًا بأن العسكرية الألمانية، بمعونة الشايدمانيين وتواطؤ الكاوتسكيين، ثم عسكرية دول “التفاهم”، وبمعونة أمثال رينوديل وتواطؤ أمثال لونغيه، قد طوقتانا بحصار حديدي، وبأنهما بعد أن استولتا على مرافئنا قاطبة، عزلتانا عن سائر العالم، واحتلتا، بواسطة عصابات الحرس الأبيض المرتزقة، مساحات شاسعة من الأراضي الغنية بالمواد الأولية، وقطعنا عنا لمدة طويلة من الزمن نفط باكو، وفحم الدونتز، وقمح الدون وسيبيريا، وقطن تركستان. إن كاوتسكي لا يذكر بأن الطبقة العاملة الروسية قد خاضت وتخوض، منذ حوالي ثلاثة أعوام، وفي مثل هذه الشروط الفائقة الصعوبة، نضالاً بطوليًا ضد أعدائها على جبهة طولها 800 فرسخ، وبأن الطبقة العاملة الروسية قد عرفت كيف تستبدل المطرقة بالسيف وتخلق جيشًا قويًا، وبأنها جندت لهذا الجيش صناعتها المنهوكة، وبأنها، رغم الإنهاك الشديد الذي أصاب البلاد التي حكم عليها جلادو العالم أجمع بالحصار والحرب الأهلية، تكسي وتطعم وتسلح وتنقل، منذ ثلاثة أعوام حتى اليوم، وبوسائلها الخاصة، جيشًا تعداده مليون رجل تعلموا كيف ينتصرون.

إن كاوتسكي يجد الوسيلة ليظل أخرس عن هذا كله في كتاب يكرسه للشيوعية الروسية. وهذا الصمت من جانبه هو كذبته الكبرى، الأولى، المكشوفة، كذبة سلبية بدون شك، لكنها يقينًا أكثر إجرامًا ودناءة من الكذب الإيجابي الذي يلجأ إليه جميع أوغاد صحافة البورجوازية العالمية.

إن كاوتسكي، المفتري على سياسة الحزب الشيوعي، لا يقول في أي مكان ماذ يريد وماذا يقترح. إن البلاشفة لم يكونوا وحدهم في حلبة الثورة الروسية. بل لقد رأينا ونرى فيها، مرة في السلطة ومرة في المعارضة، الاشتراكيين – الثوريين (خمسة اتجاهات وتكتلات على الأقل) والمنشفيك (ثلاثة اتجاهات على الأقل)، وتلامذة بليخانوف، والماكسيماليين، والفوضويين.

إن جميع “اتجاهات الاشتراكية” بلا استثناء (إذا قبلنا بلغة كاوتسكي) قد جربت قواها وأظهرت ما تريده وما تستطيعه. إن هذه “الاتجاهات” كثيرة العدد للغاية حتى أنه ليصعب إدخال نصل سكين بين المتجاورة منها. إن أصل هذه “الاتجاهات” بالذات ليس عارضًا. إنها تمثل بصورة مجملة مختلف محاولات الأحزاب الاشتراكية التي وجدت قبل الثورة للتلاؤم مع شروط العصر الثوري الأكبر.

قد يبدو إذن أن كاوتسكي يملك بين يديه مجموعة مفاتيح سياسية كثيرة العدد بما فيه الكفاية ليجد بينها المفتاح الماركسي الصحيح للثورة الروسية.

لكن كاوتسكي يلزم الصمت. أنه يرفض اللحن البولشفي الذي ويمزق أذنيه، لكنه لا يبحث عن لحن آخر. إن عازف البيانو المسن قد استنكف بصورة عامة عن العزف على أداة الثورة.

« السابق التالي »