بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

« السابق التالي »

34- ملحق (2) – فرنسا عند المنعطف

إن هذا الكتاب مخصص لتوضيح مناهج سياسة البروليتاريا الثورية في عصرنا. وهو معروض بصورة سجالية، شأن السياسة الثورية نفسها. إن السجال ضد الطبقة السائدة، بوصوله إلى الجماهير المضطهدة، يتحول، في لحظة معينة، إلى ثورة.

إن الفهم الواضح للطبيعة الاجتماعية للمجتمع الحديث، ولدولته، ولحقه، ولعقيدته، يعتبر الأساس النظري للسياسة الثورية. إن البورجوازية تلجأ إلى التجريد (“الأمة”، “الوطن”، “الديمقراطية”) لتموه الاستغلال الذي هو أساس سيطرتها. إن “الزمن”، وهي واحدة من أكثر صحف العالم دناءة، تعلم يوميًا الجماهير الشعبية الفرنسية الوطنية والتجرد. إلا أنه لا يخفي على أحد أن تجرد “الزمن” يقدر حسب تعرفة عالمية محددة.

إن الفعل الأول للسياسة الثورية هو تعرية الأوهام البورجوازية التي تسمم عاطفة الجماهير الشعبية. وهذه الأوهام تصبح شديدة الضرر حين تختلط بأفكار “الاشتراكية” و”الثورة”. وإن لهجة المنظمات العمالية الفرنسية يحددها اليوم أكثر من أي وقت سبق كيميائيو هذا النوع من المزج.

لقد كان للطبعة الأولى من هذا الكتاب بعض الأثر على تكوين الحزب الشيوعي الفرنسي: وقد تلقى المؤلف عدة شهادات لا يصعب بعد كل شيء الوقوع على أثرها في “الإنسانية ( )” حتى عام 1924. وخلال الأثنى عشر عامًا التي تلت هذا التاريخ، قامت الأممية الشيوعية – بعد عدة تقلبات عصبية – بإعادة نظر جذرية في القيم: ويكفي أن نقول اليوم أن هذا الكتاب يمثل في لائحة الكتب الممنوعة. إن القادة الحاليين للحزب الشيوعي الفرنسي (أننا مرغمون على الحفاظ على هذه التسمية رغم تناقضها التام مع الواقع) لا يتميزون، بأفكارهم وطرائقهم، عن كاوتسكي بأي مبدأ من المبادئ، كاوتسكي الذي كتبنا هذا الكتاب ضده: كل ما هنالك أنهم أكثر جهلاً ورياء إلى حد لا يقاس. أن نوبة الإصلاحية والوطنية الجديدة التي يعاني منها كاشان وشركاؤه تكفي وحدها لتبرير طبع هذا الكتاب مجددًا. لكن هناك أسبابًا أخرى جدية أكثر: أسبابًا تمتد جذورها إلى الأزمة العميقة السابقة للثورة التي تهز الجمهورية الثالثة.

لقد أمكن لمؤلف هذا الكتاب، بعد ثمانية عشر عامًا من الغياب، أن يقضي سنتين في فرنسا (1933 – 1935) وأن بصفة مراقب قادم من الريف وخاضع، علاوة على ذلك، لرقابة مشددة. وخلال هذه الفترة وقع في محافظة أيزير، التي أتيح للمؤلف أن يقيم فيها، حادث صغير مشابه لكثير من الحوادث الأخرى، لكنه يمثل في الوقت نفسه مفتاح السياسة الفرنسية كلها. ففي مصح عائد إلى “لجنة معامل صهر الحديد”، سمح عامل لنفسه، مقيم في المصح بانتظار عملية خطيرة، أن يقرأ صحيفة ثورية (وبتعبير أدق: صحيفة “الإنسانية” التي كان يعتبرها بسذاجة ثورية). ووجهت الإدارة إلى هذا العامل المتهور، ثم إلى أربعة مرضى آخرين يشاركونه ميوله، هذا الإنذار: أما الامتناع عن تلقي منشورات غير مرغوب فيها، وأما أن يقذف بهم إلى الشارع. ولقد احتج المرضى بأن هناك حملة دعائية كهنوتية ورجعية مكشوفة في المصح، لكن احتجاجهم لم يلق بالطبع أذنًا صاغية. لكن لما كانت المسألة مسألة عمال لا يجازفون بمقاعد برلمانية أو كراسي وزارية، بل يجازفون بكل بساطة بصحتهم وحياتهم، فإن الإنذار لم يلق نجاحًا: وهكذا طرد خارج المصح خمسة مرضى كان أحدهم ستجري له عملية في اليوم التالي. وكالنت بلدية مدينة غرونوبل آنذاك اشتراكية يرأسها الدكتور مارتان، وهو واحد من أولئك البورجوازيين المحافظين الذين يفرضون على الحزب الاشتراكي لهجته والذين يعتبر ليون بلوم ممثلهم الصادق. وحاول العمال المطرودون أن يحتموا بالعمدة. لكن بلا جدوى: فهو لم يستقبلهم رغم إلحاحهم ورسائلهم ووساطتهم. فتوجهوا إلى الصحيفة اليسارية المحلية “لا ديبيش” التي يشكل فيها الراديكاليون والاشتراكيون كارتلا متماسكًا. وعندما علم مدير الصحيفة بأن المسألة تتعلق بمصح “لجنة معامل صهر الحديد”، رفض رفضًا باتًا أن يتدخل: كل ما تشاؤون، ما عدا ذلك. فقد سبق لصحيفة “لا ديبيش”، بسبب هفوة صغيرة اقترفتها تجاه تلك المنظمة القوية، إن حرمت من الإعلان وتعرضت بالتالي إلى خسارة 20.000 فرنك. لقد كان مدير الصحيفة وكذلاك العمدة يخشيان، بخلاف البروليتاريين، أن يخسرا شيئًا ما: وهكذا تخليا عن معركة غير متكافئة، تاركين العمال بأمعائهم وكلاهم المريضة إلى مصيرهم الخاص.

إن العمدة الاشتراكي يلقي، مرة أو مرتين في الأسبوع، تدفعه ذكريات شباب غائمة، يلقي خطابًا يمتدح فيه مزايا الاشتراكية على الرأسمالية، وأثناء الانتخابات، تدعم “لاديبيش” العمدة وحزبه. أن كل شيء على أحسن ما يرام. وتنظر “لجنة معامل صهر الحديد” بتسامح ليبرالي إلى هذا النوع من الاشتراكية الذي لا يلحق أدنى ضرر بالمصالح المادية للرأسمالية. وبعشرين ألف فرنك ثمن إعلانات سنويًا (ثمن بخس فعلاً!)، يفرض إقطاعيو الصناعة الثقيلة والمصارف سيطرتهم عمليًا على جحريدة الكارتل الكبيرة! وليس هذه الجريدة وحدها: “فلجنة معامل صهر الحديد” لديها حتمًا ما فيه الكفاية من الوسائل، المباشرة أو غير المباشرة، لتؤثر على السادة العمد والشيوخ والنواب بما فيهم العمد والشيوخ والنواب الاشتراكيون. إن كل فرنسا الرسمية واقعة تحت ديكتاتورية الرأسمال المالي. ويشار في قاموس لاروس إلى هذا النظام باسم “الجمهورية الديمقراطية”.

كان السادة نواب اليسار والصحفيين، لا في أيزير وحدها بل في جميع محافظات فرنسا، يعتقدون أن تعايشهم السلمي مع الرجعية لن تكون له من نهاية. وكانوا مخطئين. فالديمقراطية التي يتآكلها السوس منذ زمن طويل، شعرت فجأة بفوهة المسدس على صدغها. فكما أن تسلح هتلر – وهو فعل مادي فظ – قد سبب ثورة حقيقية في العلاقات بين الدول، كاشفًا النقاب عن غرور ووهم ما اصطلح على تسميته بـ”الحق الدولي”، كذلك فإن عصابات الكولونيل لاروك المسلحة قد زرعت البلبلة في العلاقات الداخلية في فرنسا، مرغمة جميع الأحزاب بلا استثناء على أن تعيد تنظيم نفسها، وتضيق صفوفها، وتجمعها من جديد.

لقد كتب فريدريك إنجلز ذات يوم أن الدولة، بما فيها الجمهورية الديمقراطية، ليست إلا عصابة مسلحة للدفاع عن الملكية. وكل ما تبقى ليس له من مهمة ألا تجميل هذه الواقعة أو تقنيعها. إن المدافعين الفصحاء عن “الحق” من نوع هربو أو بلوم، قد تقززوا دومًا من هذه الوقاحة. لكن هتلر، شأنه شأن لاروك، قد أثبت من جديد أن أنجلز كان على حق.

في مطلع 1934 كان دالا دييه رئيسًا لمجلس الوزراء بإرادة الانتخاب العام المباشر والسري: كان يحمل السيادة القومية في جيبه مع منديله. لكن ما أن أظهرت عصابات لاروك ومورا وشركائهما جرأتها على إطلاق النار وعلى قطع سروج خيول البوليس، حتى تخلى دالادييه وسيادته عن مكانهما للسياسة غير المشروعة التي فرضها زعماء هذه العصابات. إن هذه الواقعة أهم بما لا يقاس من جميع الإحئايات الانتخابية، ولا يمكن محوها من تاريخ فرنسا الحديث، لأنها دليل للمستقبل.

من المؤكد أنه ليس بمقدور أي جماعة مسلحة بالمسدسات أن تغير في كل لحظة الاتجاه السياسي لبلد من البلدان. أن العصابات المسلحة العاملة لحساب طبقات محدودة هي وحدها التي تستطيع، في ظروف معينة، أن تلعب دورًا حاسمًا. إن الكولونيل لاروك وأنصاره يريدون أن يستتب “النظام” ضد الهزات. ولما كان “النظام” في فرنسا يعني سيطرة الرأسمالي المالي على البورجوازية الصغيرة والوسطى، وسيطرة مجموع البورجوازية على البروليتاريا والفئات الاجتماعية القريبة منها، فإن قوات لاروك تعدو أن تكون بكل بساطة عصابات مسلحة تابعة للرأسمال المالي.

إن هذه الفكرة ليست بالجديدة. إننا نستطيع أن نجدها بكثرة حتى في جريدتي “الشعبي” و”الإنسانية”، رغم أنهما ليستا أول من صاغها. غير أن هاتين الجريدتين لا تقولان إلا نصف الحقيقة. والنصف الآخر، الذي لا يقل أهمية هو أن هريو ودالاديبه وأنصارهما يشكلون وكالة عاملة لحساب الرأسمالي المالي: وإلا ما كان أمكن للراديكاليين أن يكونوا الحزب الحاكم في فرنسا طوال عشرات السنين. وإذا كنا لا نريد أن نلعب لعبة الاستغماية، فمن الضروري أن نقول أن لاروك ودالادييه يعملان عند رب العمل نفسه. وهذا لا يعني، بالطبع، أن هناك تماثلاً كاملاً بينهما أو بين طرائقهما. بل على العكس من ذلك. إنهما يتحاربان حربًا طاحنة، كما لو أنهما وكالتان مختصتان تملك كل منهما سر الإنقاذ. إن دالادييه يعد بالحفاظ على النظام بواسطة الديمقراطية المثلثة الألوان عينها. أما لاروك فيقدر أن البرلمانية البالية يجب أن تكنس لحساب ديكتاتورية عسكرية وبوليسية صريحة. إن الطرائق السياسية متناحرة، لكن المصالح الاجتماعية واحدة.

إن انحطاط النظام الرأسمالي، وأزمته التي لا علاج لها، وتفسخه، تشكل الأساس التاريخي للتناحر القائم بين لاروك ودالادييه (إننا نستشهد بهذين الاسمين وحدهما حتى نسهل عرض المسألة). إن الرأسمالية بالرغم من تقدم التكنيك المتواصل ومن النتائج الملموسة التي حققتها بعض الفروع الصناعية، تعرقل في مجموعها تطور القوى المنتجة، وهذا ما يؤدي إلى عدم استقرار بالغ في العلاقات الاجتماعية والدولية. إن الديمقراطية البرلمانية وثيقة الارتباط بعصر المزاحمة الحرة وحرية التجارة الدولية. إن البورجوازية تستطيع أن تسمح بحق الإضراب والاجتماع وحرية الصحافة ما دامت القوى المنتجة في حالة صعود مستمر، وما دامت الأسواق تتسع ورفاهية الجماهير الشعبية تزداد بالرغم من نطاقها المحدود، والأمم الرأسمالية تستطيع أن تعيش وتترك الآخرين يعيشون. لكن الحال لم تعد كذلك اليوم. إن العصر الإمبريالي يتميز، باستثناء الاتحاد السوفياتي، بجمود وتراجع في الدخل القومي، وبأزمة زراعية مزمنة، وبطالة عضوية. إن هذه الظاهرات الداخلية ملازمة لمرحلة الأسمالية الراهنة، كما أن النقرس وتصلب الشرايين ملازمان للفرد عندما يبلغ عمرًا معينًا. إما أن يريد البعض تفسير الفوضى الاقتصادية العالمية بنتائج الحرب الأخيرة، فهذا دليل على عقل سطحي إلى حد مؤسس، كما هي حال كايو والكونت سفورزا وغيرهما. إن الحرب لم تكن إلا محاولة قامت بها البلدان الرأسمالية لتلقي على ظهر الخصم بعبء الأزمة الاقتصادية التي كانت تلوح في الأفق منذ ذلك الحين. ولقد فشلت المحاولة. فالحرب قد زادت من تفاقم مظاهر التفسخ الذي سيؤدي تسارعه اللاحق إلى حرب جديدة.

ومهما تكن إحصائيات فرنسا الاقتصادية سيئة ومهملة عن قصد للتناحرات الطبقية، إلا أنها لا تستطيع أن تخفي مظاهر التفسخ لاجتماعي الواضحة للعيان. فبالتوازي مع تراجع الدخل القومي، وتدهور دخل الريف تدهورًا مأساويًا مريعًا، ودمار صغار كسبة المدن، وزيادة البطالة، تحقق المشاريع الضخمة التي يتراوح رغم أعمالها السنوي بين 100 و200 مليون وأكثر، أرباحًا طائلة. إن الرأسمال المالي، بكل ما في الكلمة من معنى، يمتص دم الشعب الفرنسي. هذا هو الأساس الاجتماعي لعقيدة وسياسة “الاتحاد القومي”.

يقينًا، من الممكن بل من المحتم أن تخف حدة التفسخ بين فترة وأخرى، لكن هذه مسألة تظل مشروطة بشكل دقيق بالظروف. أما الاتجاه العام لعصرنا، فهو يضع فرنسا، بعد عدد آخر من البلدان، أمام الاختيار التالي: إما أن تطيح البروليتاريا بالنظام البورجوازي المتقرح في أساسه، وأما أن يستبدل الرأسمال الديموقراطي بالفاشية للمحافظة على بقائه. لكم من الزمن! إن مصير موسوليني وهتلر سيجيب على هذا السؤال.

لقد سحب الفاشيون أموالاً من المصارف والتروستات، بأمر مباشر من البورصة. ومن مواقع القيادة هذه نفسها، طلب إلى دالادييه أن يسلم السلطة إلى دوميرغ. وإذا كان الوزير الراديكالي، رئيس الوزارة قد سلم – بالجبن الذي يتميز به الراديكاليون – فهذا لأنه تعرف في عصابات لاروح على قوات رب عمله. وبتعبير آخر: إن دالادييه، الوزير ذا السيادة، قد سلم السلطة إلى دوميرغ للسبب نفسه الذي رفض من أجله مدير “لاديبيش” وعمدة غرونوبل أن يفضحا القسوة البغيضة التي بدرت عن عملاء “لجنة معامل صهر الحديد”.

غير أن الانتقال من الديمقراطية إلى الفاشية يجازف بأحداث هزات اجتماعية. ومن هنا كانت الترددات والاختلافات التكتيكية التي نلاحظها في الدوائر العليا من البورجوازية. إن جميع أرباب المال يؤيدون الاستمرار في تقوية العصابات المسلحة التي يمكن أن تشكل احتياطيًا مطمئنًا في ساعة الخطر. لكن ما المكان الذي ينبغي أن يترك لهذه العصابات منذ اليوم؟ هل ينبغي السماح لها بالانتقال إلى الهجوم فورًا، أم الاحتفاظ بها مؤقتًا كوسيلة تخويف؟ إن هذه وغيرها أسئلة لم يوجد لها بعد جواب قاطع. إن الرأسمال المالي لم يعد يؤمن أن بمقدور الراديكاليين أن يجروا خلفهم جماهير البورجوازية الصغيرة، وأن يبقوا البروليتاريا، عن طريق ضغط هذه الجماهير، في حدود الانضباط “الديموقراطي”، لكنه لا يؤمن من ناحية أخرى بأن المنظمات الفاشية، التي ما تزال تفتقر إلى قاعدة جماهيرية متينة، قادرة على الاستيلاء على السلطة وعلى إقامة نظام حديدي.

إن ما جعل زعماء الكواليس يفهمون ضرورة اتخاذ موقف الحذر، ليس هو البلاغة البرلمانية، بل تمرد العمال ومحاولة الإضراب التي خنقتها من البداية بيروقراطية جوهر، ثم الاضطرابات المحلية (طولون وبريست). ولقد تنفس الراديكاليون بشيء من الحرية، بعد أن أوقف الفاشيون عند حدهم بعض الشيء. واكتشفت “الزمن” من جديد، بعد أن كانت قد وجدت الوسيلة في سلسلة من المقالات لتمد يدها وقلبها إلى “الجيل الجديد”، اكتشفت مزايا النظام الليبرالي، المتناسب في نظرها مع العبقرية الفرنسية. وهكذا قام نظام غير مستقر، مؤقت، غير شرعي، يتناسب مع أفول الجمهورية الثالثة لا مع عبقرية فرنسا. إن أوضح ما في هذا النظام ملامحه البونابرتية. استقلال الحكومة عن الأحزاب والبرنامج، وتصفية السلطة التشريعية بواسطة الصلاحيات المطلقة، باعتبار أن الحكومة تقف فوق الأحزاب المتناحرة، أي في الواقع فوق الأمة، لتلعب دور “الحكم”. وقد عزفت الوزارات الثلاث، دوميرغ، وفلاندان ولافال، بمساهمة الراديكاليين المهانين المورطين، عزفت لحنًا واحدًا على ثلاثة إيقاعات.

وحين تشكلت وزارة سارو، صرح ليون بلوم الذي تمتد بصيرته إلى بعدين بدلاً من ثلاثة: “إن الآثار المتبقية من 6 شباط قد تبددت على الصعيد البرلماني” (“الشعبي” 2 شباط 1936). هذا ما يسمى رسم شبح عربة بشبح فرشاة! كما لو أنه بالإمكان حذف ضغط العصابات المسلحة التابعة للرأسمال المالي، على “الصعيد البرلماني”! وكما لو أن باستطاعة سارو ألا يحس بهذا الضغط وألا يرتعد أمامه! والواقع أن حكومة سارو – فلاندان هي مجرد فرع من تلك “البونابرتية” نصف البرلمانية، وإن كانت تميل بعض الشيء إلى “اليسار”. ولقد أجاب سارو بنفسه، داحضًا الاتهام بأنه اتخذ تدابير تعسفية، أجاب على ذلك بصورة برلمانية خالصة: “إذا كانت تدابيري تعسفية، فهذا لأنني أريد أن أكون حكمًا”. إن هذه الحكمة ما كانت لتكون مستغربة في فم نابليون الثالث. إن سارو لا يشعر بأنه مفوض حزب معين أو كتلة من الأحزاب للسلطة، كما تنص على ذلك قواعد البرلمانية، بل بأنه حكم فوق الطبقات والأحزاب كما تنص على ذلك قوانين البونابرتية.

إن تفاقم الصراع الطبقي، ودخول عصابات الرجعية المسلحة إلى المسرح بصورة خاصة لم ينالا من ثورية المنظمات العمالية. ولقد رأى الحزب الاشتراكي، الذي كان يلعب باطمئنان دور الدولاب الخامس في عجلة الجمهورية الثالثة، رأى نفسه مرغمًا على التخلي نصف تخل عن تقاليده الكارتلية، بل حتى على قطع الصلة بجناحه اليميني. وفي الوقت نفسه حقق الشيوعيون التطور المعاكس، لكن على نطاق أوسع بكثير. لقد حلم هؤلاء السادة طوال سنوات بالمتاريس، وغزو الشوارع، إلخ.. (لكن هذا الحلم كانه له طابع أدبي). وبعد السادس من شباط، عندما أدرك أنصار المتاريس أن المسألة جدية، ألقوا بأنفسهم إلى اليمين. وكان هذا رد فعل تلقائيًا بدر عن هؤلاء اللفظيين المتخوفين، وجاء مطابقًا بصورة مذهلة للاتجاه الجديد في الدبلوماسية السوفياتية.

لقد تحولت سياسة الكرملين نحو فرنسا، أمام الخطر الذي تمثله ألمانيا الهتلرية. الحفاظ على الوضع القائم في العلاقات الدولية! الحفاظ على الوضع القائم في نظام فرنسا الداخلي! إن الأوساط الحاكمة في الكرملين لا تتكلم إلا بازدراء عن الشيوعية الفرنسية. ينبغي إذن الاحتفاظ بما هو موجود منعًا لوجود ما هو أسوأ منه. وما دامت الديمقراطية البرلمانية في فرنسا غير ممكنة بدون الراديكاليين، فلنعمل على أن يدعمهم الاشتراكيون، ولنأمر الشيوعيين بألا يحرجوا كتلة بلوم – هريو. بل لندخلهم هم أيضًا في التكتل إذا كان ذلك ممكنًا! لا هزات، ولا تهديدات! هذه هي سياسة الكرملين.

حين يتخلى ستالين عن الثورة العالمية، فإن الأحزاب البورجوازية الفرنسية لا تريد أن تصدقه. وإنها لمخطئة! فالثقة العمياء في السياسة ليست بالطبع فضيلة سامية. لكن الريبة العمياء بالمقابل ليست خيرًا من الثقة العمياء. إن علينا أن نعرف كيف نواجه الكلام بالأفعال ونميز الاتجاه العام للتطور خلال عدة سنوات. وإن سياسة ستالين، التي تحددها، مصالح البيروقراطية السوفياتية المتمتعة بالامتيازات، قد أصبحت في جوهرها سياسة محافظة. إن البورجوازية الفرنسية لها كل الأسباب للثقة بستالين، والبروليتاريا الفرنسية لها كل الأسباب لتكون مرتابة.

في مؤتمر الوحدة في تولوز، عرف “الشيوعي” راكامون سياسة الجبهة الشعبية تعريفًا جديرًا بالانتقال إلى الأجيال القادمة: “كيف نتغلب على خجل الحزب الراديكالي؟”. كيف نتغلب على خوف البورجوازية من البروليتاريا؟ الأمر بسيط للغاية: إن على الثوريين المخيفين أن يرموا السكين التي يشدون عليها بين أسنانهم، وأن يطلوا شعورهم، وأن يبتسموا ابتسامة ساحرة كابتسامة نساء الحريم: وسيكون مثالهم فايان – كونيرييه الذي يتبنى دومًا آخر موضة. وإن على بلوم أن يغير مرة أخرى اتجاهه تحت ضغط “الشيوعيين” المطليي الشعور والوجوه، والذين يدفعون بكل قواهم إلى اليمين بالاشتراكيين الذين يتطورون إلى اليسار. ولقد فعل ذلك، لحسن الحظ، في الاتجاه المعتاد. وهكذا تشكلت الجبهة الشعبية: شركة تأمين الراديكاليين المفلسين على حساب رأسمال المنظمات العمالية.

إن الراديكالية لا تنفصل عن الماسونية. وهذا جوهر كل ما يمكن أن يقال. وفي أثناء المناقشات التي دارت في مجلس النواب حول الجمعيات الماسونية، قام السيد كسافيه فالا يذكر بأن تروتسكي كان قد منع، في زمن معين، الشيوعيين من الانتماء إلى المجامع الماسونية. وأسرع السيد جامي شميدت، الذي يبدو أنه خبير في هذا الموضوع، ليفسر هذا المنع بتناقض البولشفية الاستبدادية مع “روح الحرية”. إننا لا نرى ضرورة للدخول في جدال حول هذا الموضوع مع النائب الراديكالي. لكننا ما نزال نرى إلى اليوم أن الممثل العمالي الذي يذهب للبحث عن إلهامه أو عزائه في الدين الماسوني الرث القائم على التعاون الطبقي، لهو غير جدير بالثقة البتة. وليس من قبيل الصدفة أن يكون “الكارتل” قد اكتمل بمساهمة الاشتراكيين الواسعة في المحافل الماسونية. لكن قد آن الأوان ليقوم الشيوعيون التائبون بربط المئزر بأنفسهم. وسيكون من الأسهل على الرفاق الذين صاروا من المريدين حديثًا أن يخدموا أرباب الكارتل المسنين وهم يرتدون مآزرهم.

يقولون لنا باستنكار أن الجبهة الشعبية ليست كارتلا، بل حركة جماهيرية. يقينًا أن التعاريف الفخمة موفورة، لكنها لا تبدل من واقع الأمور شيئًا. لقد كان هدف الكارتل دومًا عرقلة حركة الجماهير بتوجيهها نحو التعاون الطبقي. وهذا هو على وجه التحديد هدف الجبهة الشعبية. والفرق بينهما – وهو فرق كبير – أن الكارتل التقليدي قد طبق في عصور استقرار وهدوء النظام البرلماني. لكن اليوم، بعد أن نفد صبر الجماهير وأصبحت مستعدة للانفجار، أصبح لا بد من لجام أمتن عن طريق مساهمة “الشيوعيين”. إن الاجتماعات المشتركة، والمواكب البهية، والوعود والإيمان الغليظة، واتحاد علم الكوميونة بعلم فرساي، والديماغوجية، أن هذا كله ليس له إلا هدف واحد: لجم الحركة الجماهيرية وضرب معنوياتها.

وقد صرح سارو في البرلمان، كي يبرر نفسه أمام اليمنيين، بأن تنازلاته غير الضارة إزاء الجبهة الشعبية لا تعدو أن تكون صمام أمان النظام. إن مثل هذه الصراحة قد تبدو متهورة. لكن اليسار المتطرف غطاها بالتصفيق. إذن لم يكن لدى سارو أي داع للحرج. وعلى كل حال فقد نجح، عن دون قصد من الجائز، في تعريف الجبهة الشعبية: صمام أمان ضد الحركة الجماهيرية. والسيد سارو موفق، بصورة عامة، في صياغة الحكم!

إن السياسة الخارجية هي استمرار السياسة الداخلية. ولقد تبنى بلوم وكاشان وشركاؤهما، بعد أن تخلوا تمامًا عن وجهة نظر البروليتاريا، تبنوا تحت قناع “الأمن الجماعي” و”الحق الدولي” – وجهة نظر الإمبريالية الوطنية. أنهم يعدون العدة لنفس سياسة التنازل والتهاون التي اتبعوها بين 1914 و1918، مضيفين إليها هذه العبارة فقط: “من أجل الدفاع عن الاتحاد السوفياتي”. غير أن الدبلوماسية السوفياتية عندما رأت نفسها بين 1918 و1923 مرغمة في غالب الأحيان على المناورة وعلى عقد الاتفاقات، لم يخطر ببال شعبة واحدة من شعب الأممية الشيوعية أنها تستطيع أن تتكتل مع بورجوازيتها! أليس هذا وحده دليلاً كافيًا على صدق ستالين عندما ينكر الثورة العالمية؟

وللدوافع نفسها التي دفعت بالقادة الحاليين للأممية الشيوعية إلى التعلق بثدي “الديمقراطية” في مرحلة احتضارها، اكتشف هؤلاء الوجه المشع لـ”عصبة الأمم” مع أنها تشكو من البداية من غصة الموت. وهكذا وجدت خلفية مشتركة للسياسة الخارجية بين الراديكاليين والاتحاد السوفياتي. إن المنهاج الداخلي للجبهة الشعبية تجميع لأفكار معروفة مبتذلة تطلق حرية التفسير تمامًا كما يطلقها ميثاق جنيف. إن المعنى العام للمنهاج هو ما يلي: لا تغيير. والحال أن الجماهير تريد التغيير وإنما ههنا يكمن لب الأزمة السياسية.

إن بلوم وبول فور وكاشان وتوريز، بتجريدهم البروليتاريا من أسلحتها سياسيًا، إنما يهتمون قبل كل شيء بمنعها من التسلح ماديًا. إن دعاية هؤلاء السادة لا تتميز عن المواعظ الدينية حول سمو المبادئ الأخلاقية. إن إنجلز الذي كان يعلم أن الاستيلاء على سلطة الدولة هو مسألة من اختصاص العصابات المسلحة، وماركس الذي كان يعتبر التمرد فنًا، يبدو أن للنواب والشيوخ والعمد الحاليين في الجبهة الشعبية، كمتوحشين من العصور الوسطى. لقد نشرت “الزمن” مئة مرة رسمًا يصور عاملاً منزوع السلاح مع هذه الخرافة: “إنكم ستفهمون أن قبضاتنا العارية أقوى من عصيكم كافة”. يا له من ازدراء عظيم بالتكنيك العسكري! إن إمبراطور الحبشة نفسه له وجهات نظر أكثر تقدمًا في هذا الموضوع. إن أولئك الناس لا يعترفون بوجود انقلابات في إيطاليا وألمانيا والنمسا. فهل سيكفون عن التغني بـ”القبضات العارية”، عندما سيقيد لاروك أياديهم بالأغلال البوليسية؟ أننا لنأسف تقريبًا على أنه لا يمكن تطبيق هذه التجربة على السادة الزعماء وحدهم، دون أن تتألم الجماهير نتيجة ذلك!

إن الجبهة الشعبية تبدو، إذا ما نظرنا إليها من زاوية النظام البورجوازي، مرحلة في التنافس بين الراديكالية والفاشية لجذب انتباه وصدقات الرأسمال الكبير. إن الراديكاليين، بتآخيهم بصورة مسرحية مع الاشتراكيين والشيوعيين، يريدون أن يظهروا لرب العمل أن النظام ليس مريضًا إلى الحد الذي يزعمه اليمينيون، وأن خطر الثورة مبالغ فيه، وإن فايان – كوتيرييه نفسه قد استبدل سكينه بعقد للزينة، وأنه يمكن عن طريق “الثوريين” المروضين ضبط الجماهير العمالية، وبالتالي إنقاذ النظام البرلماني من الانهيار.

غير أن الراديكاليين كافة لا يؤمنون بهذه المناورة. فأكثرهم جدية ونفوذًا، وعلى رأسهم هريو، يفضلون تبني موقف الانتظار. لكنهم أنفسهم لا يستطيعون بعد كل شيء أن يقترحوا شيئًا آخر. إن أزمة البرلمانية هي قبل كل شيء أزمة ثقة الناخب تجاه الراديكالية.

وما لم تكتشف الوسيلة لتجديد شباب الرأسمالية، فلن تكون هناك من صفة لإنقاذ الحزب الراديكالي. إن هذا الحزب لا يملك الخيار إلا بين مختلف أنواع الموت السياسي. إن نجاحًا نسبيًا في الانتخابات القادمة لن يمنع بل لن يؤخر طويلاً انهياره.

إن زعماء الحزب الاشتراكي، وأكثر سياسيي فرنسا لا مبالاة، لا يجدون إحراجًا في سوسيولوجية الجبهة الشعبية: فما من إنسان يستطيع أن يستخلص شيئًا مفيدًا من مونولوجات ليون بلوم اللا متناهية الطول. أما الشيوعيون الذين يشعرون بفخر بالغ لأنهم بادهوا إلى التعاون مع البورجوازية، فإنهم يصورون الجبهة الشعبية على أنها تحالف البروليتاريا مع الطبقات المتوسطة. يا له من تقليد للماركسية! كلا، إن الحزب الراديكالي ليس حزب البورجوازية الصغيرة. كما أنه ليس “تكتل البورجوازية الصغيرة والمتوسطة”، حسب تعريف “البرافدا” المفضوح. فالبورجوازية المتوسطة لا تستغل البورجوازية الصغيرة على الصعيد الاقتصادي كما على الصعيد السياسي فحسب، بل أنها نفسها وكالة للرأسمال المالي. وأن تسمية العلاقات السياسية المتسلسلة القائمة على الاستغلال بلفظة “تكتل” الحيادية، لهي سخرية من الواقع. إن الفارس ليس تكتلاً بين الرجل والحصان. وإذا كان لحزب هريو ودالادييه جذوره في الجماهير البورجوازية الصغيرة، بل حتى في الأوساط العمالية إلى حد ما، فهذا فقط بهدف خداعها لحساب النظام الرأسمالي. إن الراديكاليين هم حزب الإمبريالية الفرنسية الديموقراطي. وكل تعريف آخر مخاتلة.

إن أزمة النظام الرأسمالي تنزع من الراديكاليين سلاحهم، بتجريدها إياهم من الوسائل التقليدية التي تسمح لهم بتخدير البورجوازية الصغيرة. لقد بدأت “الطبقات المتوسطة” تشعر، إن لم نقل تفهم، أن الموقف لن ينقذ بإصلاحات بائسة وأنه أصبح من الضروري القيام بإصلاح جريء على النظام الحالي. إن الفاشية تتغذى قبل كل شيء من الريبة المتزايدة للبورجوازية الصغيرة إزاء الراديكالية. ويمكننا أن نقول بدون مبالغة أن مصير فرنسا السياسي لن يتأخر في أن يتقرر إلى حد كبير حسب الطريقة التي ستصفى بها الراديكالية، وحسب الحزب الذي سيخلفها: الفاشية أو حزب البروليتاريا، أي حسب تأثيرها على الجماهير البورجوازية الصغيرة.

إن أحد المبادئ الأولية في الإستراتيجية الماركسية هو أن تحالف البروليتاريا مع صغار الناس في المدن والأرياف ينبغي أن يتحقق فقط في النضال العنيد ضد التمثيل البرلماني التقليدي للبورجوازية الصغيرة. فلكي نكسب الفلاح إلى جانب العامل، ينبغي أن نفصله عن السياسي الراديكالي الذي يستعبده لصالح الرأسمال المالي. وبعكس ذلك، تعمل الجبهة الشعبية، التي هي وليدة تآمر البيروقراطية العمالية مع أبشع المستغلين السياسيين للطبقات الوسطى، على قتل إيمان الجماهير في الطرائق الثورية وعلى قذفها في أحضان الثورة المضادة الفاشية.

ومهما كان من الصعب أن نصدق، إلا أن بعض الوقحين يحاولون فعلاً أن يبرروا سياسة الجبهة الشعبية بالاستشهاد بلينين الذي بين على ما يبدو أنه لا يمكن الاستغناء عن “الحلول الوسط” وبخاصة عن الاتفاقات مع الأحزاب الأخرى. إن إهانة لينين قد أصبحت قاعدة بالنسبة إلى زعماء الأممية الشيوعية اليوم. إنهم يدوسون على مذهب مؤسس الحزب البولشفي ثم يذهبون إلى موسكو لينحنوا أمام ضريحه.

لقد بدأ لينين مهمته في روسيا القيصرية التي لم يكن العمال والفلاحون والمثقفون هم وحدهم الذين يحاربون فيها النظام القديم، بل أيضًا أوساط بورجوازية واسعة. وإذا كان يمكن لسياسة الجبهة الشعبية أن تكون مبررة بصورة عامة، فهذا أمر معقول قبل كل شيء في بلد لم ينجز بعد ثورته البورجوازية. فليتفضل السادة المزورون بأن يدلونا في أي مرحلة وفي أي زمن وفي أي ظروف حقق الحزب البولشفي في روسيا تكتلاً يشبه تكتل الجبهة الشعبية؟ فليأمروا سحايا أدمغتهم بالعمل ولينقبوا في الوثائق التاريخية!

لقد عقد البلاشفة اتفاقات ذات طابع عملي مع المنظمات الثورية البورجوازية الصغيرة من أجل التداول السري المشترك للكتابات الثورية، وأحيانًا من أجل تنظيم مشترك لمظاهرة في الشارع أو للرد على العصابات السافكة للدم. وأثناء انتخابات الدوما، لجؤوا في بعض الدوائر وفي الدرجة الثانية إلى تكتلات انتخابية مع المنشفيك أو الاشتراكيين الثوريين هذا كل شيء. لا “برامج” مشتركة، ولا أجهزة دائمة، ولا استنكاف عن انتقاد حلفاء المرحلة. إن هذا النوع من الاتفاقات والحلول الوسط العارضة، المحددة بأهداف معينة – لم يكن لينين ليهتم إلا بهذه الأهداف – لا علاقة له بالجبهة الشعبية التي تمثل كتلة مؤلفة من منظمات متنافرة، وتحالفًا دائمًا بين طبقات شتى تربطها طوال مرحلة كاملة – وأي مرحلة! – سياسة وبرنامج مشتركان، سياسة استعراض وتطبيل وذر رماد في العيون. إن الجبهة الشعبية ستتحطم عند أول امتحان جدي، وستظهر شقوق عميقة بين أجزائها المكونة لها. إن سياسة الجبهة الشعبية سياسة خيانة.

إن قاعدة البولشفية فيما يتعلق بالتكتلات هي التالية: السير على حدة، والضرب معًا! وإن قاعدة زعماء الأممية الشيوعية اليومي هي التالية: السير معًا لنتلقى الضربة على حده. فليتشبث هؤلاء السادة بستالين وديمتروف، لكن فليتركوا لينين في سلام.

إنه ليستحيل ألا يعصف بنا الاستنكار حين نقرأ تصريحات الزعماء المتبجحين الذين يزعمون أن الجبهة الشعبية “أنقذت” فرنسا من الفاشية. وفي الواقع هذا يعني بكل بساطة أن أبطالنا المذعورين قد أنقذوا أنفسهم من ذعر أكبر عن طريق تبادلهم التشجيع. لكم من الزمن؟ لقد انقضت عشر سنين، بين تمرد هتلر الأول ووصوله إلى السلطة، تميزت بتناوب المد والجزر. لقد أعلن الألمان ممن هم على شاكلة بلوم وكاشان عدة مرات “انتصارهم” على الوطنية – الاشتراكية. إننا لم نصدقهم ولقد كنا على صواب إلا أن هذه التجربة لم تعلم شيئًا أبناء عم ويلز وتايلمان الفرنسيين. يقينًا أن الشيوعيين في ألمانيا لم يساهموا في الجبهة الشعبية التي كانت تضم الاشتراكية – الديمقراطية وبورجوازية اليسار والوسط الكاثوليكي “تحالف البروليتاريا مع الطبقات المتوسطة!”). وفي ذلك الحين، كانت الأممية الشيوعية ترفض حتى اتفاقات القتال بين المنظمات العمالية ضد الفاشية. والنتائج معروفة. إن مودتنا الحارة تجاه تايلمان، باعتباره أسير الجلادين، لا يمكن أن تمنعنا من القول أن سياسته، أي سياسة ستالين، قد ساهمت في انتصار هتلر أكثر مما ساهمت سياسة هتلر نفسه. إن الأممية الشيوعية تطبق اليوم في فرنسا، بعد أن بدلت قميصها، السياسة المعروفة بما فيه الكفاية عن الاشتراكية – الديمقراطية الألمانية. فهل من الصعب حقًا التنبؤ بنتائج ذلك؟

إن الانتخابات البرلمانية القادمة لن تأتي، مهما كانت نتيجتها، من تلقاء نفسها، بتغيرات جدية في الموقف: فالمطلوب في نهاية الأمر من الناخبين أن يختاروا بين حكم من نوع لافال وحكم من نوع هريو – دالادييه. لكن لما كان هرير قد تعاون باطمئنان مع لافال، ودالادييه قد أيد الاثنين، فإن الاختلاف الذي يفرق بينهم يبدو تافهًا إذا ما قيس على صعيد المشكلات التاريخية المطروحة.

إن الاعتقاد بأن هريو دالادييه قادران على إعلان الحرب على “المئتي أسرة” التي تحكم فرنسا، خداع وقح للشعب. إن المئتي أسرة ليست معلقة بين السماء والأرض، بل هي تشكل التتويج العضوي لنظام الرأسمال المالي. فللتغلب على المئتي أسرة، لا بد من التطويح بالنظام الاقتصادي والسياسي الذي لا يقل هريو ودالادييه حرصًا على بقائه من تارديو ولاروك. إن المسألة ليست مسألة نضال “الأمة” ضد بعض الإقطاعيين، كما تزعم “الإنسانية”، بل مسألة نضال البروليتاريا ضد البورجوازية، مسألة النضال الطبقي التي لا يمكن أن تحسم إلا بالثورة. إن مؤامرة قادة الجبهة الشعبية ضد العمال قد أصبحت العقبة الرئيسية في هذا الطريق.

إننا لا نستطيع أن نقول مقدمًا كم من الزمن ستستمر الحكومات نصف البرلمانية ونصف البونابرتية في التتابع على فرنسا، ولا أن نحدد المراحل التي ستمر فيها البلاد خلال الحقبة الزمنية القادمة. إن هذا أمر يتعلق بمجموع الظروف الاقتصادية القومية والعالمية، وبالجو الدولي، وبالوضع في الاتحاد السوفياتي، وبدرجة استقرار الفاشية الإيطالية والألمانية، وبسير الأحداث في أسبانيا، وأخيرًا – وليس هذا العامل الأقل أهمية – بتبصر ونشاط العناصر المتقدمة من البروليتاريا الفرنسية. إن تشنجات الفرنك يمكن أن تعجل بالنهاية. لكن تعاونًا أوثق بين فرنسا وإنكلترا قادر على تأخيرها. على كل الأحوال، أن احتضار “الديمقراطية” يمكن أن يدوم في فرنسا أكثر بكثير مما دامت المرحلة الممهدة للفاشية في ألمانيا أيام برونينغ – بابن – شلايدر. لكنه لن يكف عن أن يكون احتضارًا. إن الديمقراطية ستكنس. والمسألة الوحيدة هي معرفة من سيكنسها.

إن النضال ضد “المئتي أسرة”، ضد الفاشية والحرب – ومن أجل السلم والخبز والحرية وغيرها من الأشياء الجميلة – إما أن يكون خدعة، وإما أن يكون نضالاً للإطاحة بالرأسمالية. إن مشكلة الاستيلاء الثوري على السلطة تطرح نفسها على الشغيلة الفرنسيين لا كهدف بعيد، بل كمهمة من مهام المرحلة التي بدأت. والحال أن القادة الاشتراكيين والشيوعيين لا يرفضون الإقدام على تعبئة البروليتاريا ثوريًا فحسب، بل يعارضون هذه التعبئة أيضًا بكل قواهم. إنهم يطاردون ويطردون البلاشفة، في الوقت نفسه الذي يتآخون فيه مع البورجوازية. إلى هذا الحد بلغ عنف كراهيتهم للثورة والخوف الذي توحي به إليهم! وأن أسوأ الأدوار، في هذا الموقف، يلعبه الثوريون المزعومون من طراز مارسو بيفير الذين يعدون بالإطاحة بالبورجوازية، لكن بشرط أخذ الإذن مسبقًا من ليون بلوم!

إن كل سير الحركة العاملة الفرنسية خلال الأثنى عشر عامًا المنصرمة قد أبرز ضرورة خلق حزب ثوري جديد.

وإن الرغبة في التنبؤ فيما إذا كانت الأحداث ستترك “ما فيه الكفاية” من الوقت لتكوين الحزب الجديد، إنما تعني الاستسلام لأكثر المشاغل عقمًا وجدبًا. إن مصادر التاريخ فيما يتعلق بالإمكانيات المتنوعة والأشكال الانتقالية، والمراحل، والإسراع والإبطاء، ذات معين لا ينضب. إن الفاشية تستطيع، تحت ضغط المصاعب الاقتصادية، أن تشن هجومًا سابقًا لأوانه فتلحق بها الهزيمة. وستتلو ذلك حتمًا فترة راحة وركون. وعلى العكس من ذلك، تستطيع بدافع الحذر أن تتبنى لمدة طويلة موقف الانتظار، فتقدم بالتالي فرصًا جديدة للمنظمات الثورية. إن الجبهة الشعبية قد تتحطم على صخرة هذه التناقضات قبل أن تصبح الفاشية قادرة على شن هجوم عام: وستكون نتيجة ذلك مرحلة تجمعات وانشقاقات في الأحزاب العمالية، وتبلور سريع لطليعة ثورية. إن حركات الجماهير التلقائية تستطيع، كما بينت أحداث طولون وبريست، أن تأخذ اتساعًا كبيرًا وتخلق نقطة ارتكاز موثوقة للرافعة الثورية. وأخيرًا، وحتى لو انتصرت الفاشية في فرنسا، وهذا ليس مستحيلاً نظريًا، فإن هذا لا يعني أن الفاشية ستظل في السلطة ألف سنة كما يعلن ذلك هتلر، أو أن هذا الانتصار سيضمن لها فترة كتلك التي نالها موسوليني. وإذا كان فجر الفاشية قد بدأ في إيطاليا أو ألمانيا، فإنه لن يتأخر عن الامتداد إلى فرنسا. وعلى هذا الأساس، وعلى أسوأ الفرضيات، فإن بناء حزب ثوري يعني التعجيل بساعة الثأر. إن الحكماء الذين يتخلصون من هذه المهمة العاجلة بزعمهم أن “الشروط ليست ناضجة” لا يفعلون شيئًا عدا أنهم يثبتون أنهم هم أنفسهم غير ناضجين.

إن على الماركسيين الفرنسيين، شأنهم شأن ماركسيي جميع البلدان، أن يعاودوا العمل بمعنى ما من جديد، لكن على مستوى تاريخي أرفع بكثير من سابقيهم. إن سقوط الأممية الشيوعية، الأشد خزيًا من سقوط الاشتراكية – الديمقراطية عام 1914، يحرج كثيرًا التقدم إلى الأمام في البداية. إن تجميع الأطر الجديدة يتم ببطء خلال نضال الطبقة العاملة القاسي ضد جبهة البيروقراطية الرجعية والوطنية الموحدة. كما أن هذه المصاعب التي لم تسقط على البروليتاريا بعامل الصدفة تشكل، من ناحية أخرى، عاملاً هامًا في اختيار الصائب والاختيار الموثوق للكتائب الأولى من الحزب الجديد والأممية الجديدة.

إن قسمًا صغيرًا للغاية من أطر الأممية الشيوعية كان قد بدأ تثقيفه الثوري في بداية الحرب، قبل ثورة تشرين الأول. وهؤلاء جميعًا، بدون استثناء تقريبًا، موجودون حاليًا خارج الأممية الثالثة. وأن الصف الثاني قد انتمى إلى ثورة تشرين الأول بعد أن كانت هذه قد انتصرت: هذا كان أسهل. لكن لم يبق أحد تقريبًا من هذا الصف الثاني نفسه. وأن القسم الأعظم من الأطر الراهنة للأممية الشيوعية لم يتم إلى البرنامج البولشفي، ولا إلى الراية الثورية، بل إلى البيروقراطية السوفياتية. إنهم ليسوا بمناضلين، بل مجرد موظفين وديعين ومساعدين وخدم. ومن هنا كان تفسخ الأممية الثالثة بصورة غير مجيدة البتة في موقف تاريخي غني بإمكانيات ثورية عظيمة.

إن الأممية الرابعة تتسلق على أكتاف الأمميات الثلاث المتقدمة عليها. إنها تتلقى الضربات من الأمام ومن الجنب ومن الخلف. وليس من عمل في صفوفها للوصوليين والجبناء والمحدودي الأفق. وأن قسمًا، محتمًا في البداية، من المتعصبين والمغامرين سيختفي كلما نمت الحركة. ولنترك الادعياء والمتشككين يهزوا أكتافهم إزاء المنظمات “الصغيرة” التي تصدر صحفًا “صغيرة” وتوجه التحديات إلى العالم أجمع. إن الثوريين الجادين سيمرون بهم بازدراء. إن ثورة تشرين الأول قد بدأت هي أيضًا بالسير في حذاء طفل.

إن الأحزاب الروسية الاشتراكية – الثورية والمنشفيكية القوية قد شكلت، طوال شهور، “جبهة شعبية” مع الكاديت، ثم تلاشت هباء تحت ضربات “حفنة من متعصبي” البولشفية وقد لاقت الاشتراكية – الديمقراطية الألمانية، والحزب الشيوعي الألماني، والاشتراكية – الديمقراطية النمساوية، لاقت الموت بدون مجد تحت ضربات الفاشية. إن العصر الذي سيبدأ بالنسبة إلى الإنسانية الأوروبية لن يترك أثرًا في الحركة العمالية من كل ما هو ملتبس ومتقرح. إن جميع من هم على شاكلة جوهر وسيترين وبلوم وكاشان وقائد رفيلك وكاباليرو، ليسوا إلا أشباحًا. إن شعب الأمميتين الثانية والثالثة ستغادر المسرح الواحدة تلو الأخرى بدون ضجة. إن تجميعًا جديدًا وعظيمًا للصفوف العمالية قد أصبح محتمًا. إن الأطر الثورية الجديدة ستكتسب لحمًا ودمًا. إن النصر ليس ممكنًا إلا على أساس الطرائق البولشفية التي كتب هذا الكتاب دفاعًا عنها.

ل. تروتسكي
28 آذار 1936

—–
(22): الصحيفة الرسمية للحزب الشيوعي الفرنسي. (المترجم)

« السابق التالي »