بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

« السابق

35- ملحق (3) – مقدمة الطبعة الإنكليزية الثانية – 10 كانون الثاني 1935 “مقتطفات”

كتب هذا الكتاب عام 1920، في عربة قطار عسكري، أثناء أوج الحرب الأهلية. وأن على القارئ ألا يغفل عن ذلك إذا كان يريد أن يكون فكرة دقيقة لا عن المحتوى الأساسي للكتاب، بل أيضًا عن الإشارة إلى أحداث العصر وبخاصة اللهجة.

إنه موجه، تحت شكل الجدال، ضد كارل كاوتسكي. إن هذا الاسم لا يقول شيئًا كثيرًا للجيل الجديد، رغم أن كاوتسكي ما يزال معاصرنا: فهو قد احتفل مؤخرًا بعيد ميلاده الثمانين. لقد تمتع كاوتسكي بنفوذ كبير في حضن الأممية الثانية، باعتباره الشارح النظري للماركسية. ولقد بينت الحرب بسرعة أن ماركسيته هي مجرد طريقة للتفسير السلبي للصيرورة التاريخية، وليست البتة طريقة للعمل الثوري. لقد وقف كاوتسكي، شأنه شأن الكثيرين، موقف النقد الثوري والآفاق الجريئة، طالما أن الصراع الطبقي كان يدور بين ضفاف البرلمانية المأمونة. ولم يكن هذا الموقف يلزمه بشيء عمليًا. لكن حين طرحت الحرب وفترة ما بعد الحرب مشكلات الثورة بعبارات واضحة، أخذ كاوتسكي موقفه نهائيًا في الطرف الآخر من المتاريس. لقد جعل من نفسه، دون أن يقطع صلته بالتعابير الماركسية، متهم الثورة البروليتارية، ومحامي السلبية والاستسلام أمام الإمبريالية.

كان كارل كاوتسكي وقادة حزب العمال يقفون ظاهريًا، قبل الحرب، في القطب الأقصى من الأممية الثانية. وإن جيلنا، الذي كان يمثل آنذاك الشباب، قد استخدم مرارًا أسلحة مأخوذة من ترسانة تروتسكي لمحاربة انتهازية ماكدونالد وهندرسون وغيرهما. وصحيح أننا كنا، حتى في ذلك العهد، نتطرف إلى أبعد مما كان يريد المعلم المتردد. ولقد كانت روزا لوكسمبرغ، التي تعرف كاوتسكي خيرًا منا، تفضح منذ فترة ما قبل الحرب جذريته المائعة. ولقد سلط العصر الجديد، على كل الأحوال، ضوءًا ساطعًا على الموقف: إن كاوتسكي ينتمي إلى نفس معسكر هندرسون. وإذا كان الأول ما يزال يستشهد بماركس، في حين أن الثاني يفضل مزامير داوود، إلا أن هذا الاختلاف في العادات لا يحرج في شيء تضامنها.

… إنني أترك لهذا الكتاب، بهدف الاستمرار، العنوان الذي ظهر به في الطبعة الإنكليزية الأولى: “دفاع عن الإرهاب”. إلا أنه من الضروري أن نشير فورًا إلى أن هذا العنوان الذي يعود إلى الناشر لا إلى المؤلف واسع أكثر مما ينبغي، ويمكن أن يكون مصدرًا لسوء التفاهم. إن المسألة ليست هي البتة الدفاع عن “الإرهاب” كإرهاب. إن تدابير الإكراه والتخويف، بما فيها أبادة الخصوم المادية، قد خدمت وما تزال تخدم قضية الرجعية، المتجسدة في الطبقات المستغلة المدانة، أكثر بكثير مما خدمت قضية التقدم التاريخي التي تجسدها البروليتاريا. إن الأخلاقيين حاملي الشهادات الذي يدينون “الإرهاب” بصورة عامة، إنما يقصدون بوجه خاص الأفعال الثورية للمضطهدين الذين يطمحون إلى التحرر. وأسطع الأمثلة عليهم السيد رامساي ماكدونالد. لقد أدان هذا الأخير العنف بلا كلل باسم مبادئ الأخلاق والدين الخالدة. لكن حين طرح تفسخ النظام الرأسمالي وتفاقم صراع الطبقات مسألة نضال البروليتاريا الثوري من أجل السلطة، حتى في إنكلترا، انتقل ماكدونالد من معسكر الشغيلة إلى معسكر البورجوازية المحافظة بنفس السهولة التي ينتقل بها المسافر من عربة مسموح فيها بالتدخين إلى عربة غير مسموح فيها بالتدخين. إن خصم الإرهاب الورع يدعم اليوم، بواسطة جهاز عنف، النظام “السلمي” القائم على البطالة والاضطهاد الاستعماري والتسلح المتسارع والإعداد لحروب جديدة.

إن هذا الكتاب بعيد بالتالي عن الدفاع عن الإرهاب بصورة عامة. إنه يدافع عن القوانين التاريخية للثورة البروليتارية. إن الفكرة الأساسية في هذا الكتاب هي التالية: إن التاريخ لم يجد حتى الآن من وسائل أخرى لتقدم الإنسانية إلا بمعارضته في كل مرة عنف الطبقات المدانة بالعنف الثوري للطبقة التقدمية.

إن الفابيين غير القابلين للشفاء سيقولون بالطبع إنه إذا كان من الممكن أن تكون استنتاجات هذا الكتاب صحيحة بالنسبة إلى روسيا المتخلفة، إلا أنها لا يمكن أن تطبق على البلدان المتقدمة، وبخاصة على الديموقراطيات القديمة كبريطانيا العظمى. إن هذا الوهم المعزي كان يمكن أن يبدو مقنعًا إلى حد ما قبل عشرة أو خمسة عشر عامًا. لكن موجة من الدكتاتوريات الفاشية أو العسكرية البوليسية قد اجتاحت قسمًا لا بأس به من البلدان الأوروبية. فغداة طردي من الاتحاد السوفياتي في 25 شباط 1929، كتبت – لا للمرة الأولى – بصدد الوضع في أوروبا: “لقد أثبتت المؤسسات الديمقراطية إنها لا تستطيع أن تقاوم ضغط التناحرات الراهنة، ذات الطابع الدولي حينًا، والداخلي حينًا آخر، والاثنين معًا في غالب الأحيان.. إن الديمقراطية يمكن أن تعرف، بالتشابه مع الالكترونيك، بأنها نظام من قواطع التيار والموانع ضد تيارات النضال الوطني أو الاجتماعي الأقوى من اللازم. إن ما من عصر آخر في التاريخ قد حمل بالتناحرات، ولو من بعيد، بمثل ما حمل عصرنا. إن التيار المحمل أكثر من طاقته يتجلى أكثر فأكثر في عدة نقاط من الشبكة الأوروبية. وأن قواطع التيار الرصاصية تذوب أو تنفجر تحت الضغط المرتفع للتناحرات الدولية والاجتماعية. هذه هي طبيعة قواطع تيار الديكتاتورية. إن القواطع الرصاصية الأضعف والأوهن هي أول ما تصاب. والحال أن عنف التناحرات الداخلية والعالمية لا ينقص، بل على العكس يتزايد. وعبثًا نحاول أن نتعزى بفكرة أن هذا التحول لم يغز إلا محيط العالم الرأسمالي. إن النقرس يبدأ بإبهام القدم، لكنه يصيب القلب في النهاية”…

« السابق