بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

« السابق التالي »

6- الديمقراطية: “إما الديمقراطية وإما الحرب الأهلية”

لا يعرف كاوتسكي إلا طريقًا واحدًا للسلام والخلاص: الديمقراطية. يكفي أن يعترف بها الجميع وأن يقبل الجميع بالخضوع لها. وعلى الاشتراكيين اليمنيين أن يتخلوا عن العنف الدموي الذي لجئوا إليه برضى البورجوازية. وعلى البورجوازية نفسها أن تتخلى عن فكرة التشبث حتى النهاية بوضعها الممتاز بفضل أمثال نوسك والملازم فوجيل. وعلى البروليتاريا أخيرًا، مرة واحدة وأخيرة، أن تتخلى عن هدف قلب البورجوازية بغير الطرق الدستورية. وإذا ما روعيت هذه الشروط بدقة، فإن على الثورة الاجتماعية أن تنحل بلا ألم في الديمقراطية. يكفي إذن، كما نرى، أن يقبل تاريخنا العاصف بأن يعتمر قبعة كاوتسكي القطنية وبأن ينهل الحكمة من علبة تبغة.

يقول حكيمنا: “ليس هناك إلا أحد حلين: إما الديمقراطية وإما الحرب الأهلية” (ص 145). ومع ذلك فإن الحرب الأهلية لم تقف ساعة واحدة في ألمانيا حيث تجتمع كل عناصر الديمقراطية الشكلية. ويوافق كاوتسكي على ذلك: “مع الجمعية الوطنية الحالية، لا يمكن لألمانيا بالتأكيد أن تستعيد صحتها. لكننا بدلاً من أن نساعدها على الشفاء، فإننا سنحكم عليها بالانتكاس إذا حولنا الصراع ضد الجمعية الحالية إلى صراع ضد الانتخاب العام الديموقراطي” (ص 152). فلكأن المشكلة في ألمانيا مشكلة أشكال الانتخاب لا مشكلة السيطرة الفعلية على السلطة!

إن كاوتسكي يعترف بأن الجمعية الوطنية الحالية لا يمكن أن تعيد إلى البلاد صحتها. فماذا ينتج عن ذلك؟ معاودة اللعبة من جديد.

فهل سيقبل شركاؤنا بذلك؟ نستطيع أن نشك. فاللعبة إذا لم تكن في صالحنا، فهي في صالحهم حتمًا.

إن الجمعية الوطنية، العاجزة عن “إعادة الصحة” إلى البلاد، قادرة تمامًا على أن تعد العدة لديكتاتورية بلودندروف الجدية بواسطة ديكتاتورية نوسك المقنعة. وهذا ما فعلته الجمعية التأسيسية التي مهدت الطريق أمام كولتشاك. إن رسالة كاوتسكي التاريخية هي على وجه التحديد أن يكتب، بعد الانقلاب، المنشور الذي سيسفر سقوط الثورة بكل المجرى السابق للتاريخ، بدءًا من القرد إلى نوسك، ومن نوسك إلى لودندورف. لكن مهمة الحزب الثوري مختلفة: إنها تكمن في توقع الخطر في الوقت المناسب واتقائه بالعمل. ولتحقيق هذه الغاية ليس هناك اليوم إلا شيء واحد يعمل: انتزاع السلطة من القابضين الأصيلين على زمامها، من ملاك الأراضي والرأسماليين الذين يختفون خلف إيبرت ونوسك. فالطريق تفترق إذن بدءًا من الجمعية الوطنية: إما ديكتاتورية حفنة إمبريالية وإما ديكتاتورية البروليتاريا. وما من طريق يفضي إلى “الديمقراطية”. وكاوتسكي لا يدرك ذلك. فهو يعرض، ليس من دون إطناب، أهمية الديمقراطية بالنسبة إلى التطور السياسي والتربية التنظيمية للجماهير، ويزعم أنها تستطيع أن تقود البروليتاريا إلى تحرير الجماهير تحريرًا كاملاً (ص 72). إن من يقرأ هذا الكلام يخيل إليه أن ما من شيء مهم قد حدث في هذه الدنيا منذ اليوم الذي كتب فيه برنامج إيرفورت.

بيد أن البروليتاريا الفرنسية والألمانية وبروليتاريا بعض البلدان الأخرى الهامة قد ناضلت طوال عشرات السنوات مستفيدة من كل مزايا الديمقراطية لتخلق منظمات سياسية قوية. غير أن تطور البروليتاريا هذا نحو الاشتراكية قد توقف نتيجة لحدث بالغ الأهمية، أعني الحرب الإمبريالية العالمية. لقد أمكن للدولة الطبقية، في اللحظة التي اندلعت فيها الحرب بخطيئها، أن تخدع البروليتاريا بمساعدة المنظمات القائدة للديموقراطية الاشتراكية وأن تجرها إلى مدارها. وهكذا أثبتت الطرائق الديمقراطية، بالرغم من المزايا التي لا نقاش فيها التي توفرها في ظرف محدد، تأثيرها المحدود للغاية: باعتبار أن التربية الديمقراطية لجيلين بروليتاريين لم تهيئ البتة الجو السياسي لتفهم وتقدير حدث كالحرب الإمبريالية العالمية. أن هذه التجربة لا تسمح بالتأكيد بأن الحرب لو اندلعت بعد عشر أو عشرين سنة لوجدت البروليتاريا مهيئة تهيئة سياسية أفضل. إن الدولة الديمقراطية البورجوازية لا تقتصر على منح الشغيلة شروطًا أفضل للتطور، بالنسبة إلى شروط الحكم المطلق، بل هي تحدد هذا التطور بالذات بشرعيته، وتجمع وتقوي بفن لدى الأرستقراطيات البروليتارية الصغيرة العادات الاتهازية والآراء المسبقة الشرعية. وفي اللحظة التي أصبحت فيها الكارثة – الحرب – وشيكة، انكشف عجز مدرسة الديمقراطية التام عن قيادة البروليتاريا إلى الثورة. وجاءت مدرسة الحرب الهمجية، والآمال الاشتراكية – الإمبريالية، وانتصارات عسكرية أكبر، وهزيمة لا مثيل لها. وبعد هذه الأحداث، التي أدخلت بعض التعديلات على برنامج إيرفورت، لن يعني إحياء الأفكار الشائعة القديمة عن دلالة البرلمانية بالنسبة إلى تربية البروليتاريا، لن يعني إلا السقوط سياسيًا في الطفولة. وهذه هي مصيبة كاوتسكي.

لقد كتب:

“لقد تميزت البرودونية بريبة عميقة تجاه نضال البروليتاريا السياسي من أجل تحررها، وتجاه عملها السياسي. وهذا الرأي يعاود اليوم الظهور (!!) ويزعم أنه الإنجيل الجديد للفكر الاشتراكي، وأنه نتاج التجربة التي لم يعرفها ماركس والتي لم يكن يستطيع أن يعرفها. وفي الحقيقة، أننا لا نجد في هذا الرأي إلا صيغة جديدة لفكرة قديمة ترجع نصف قرن إلى الوراء، كان ماركس قد حاربها وقهرها” (ص 58 – 59).

وعلى هذا، ليست البولشفية إلا… نزعة برودونية أعيدت إليها الحياة! إن هذا التأكيد الوقح لهو، من الزاوية النظرية، أسفة تأكيدات المنشور.

لقد كان البرودونيون يرفضون الديمقراطية، للسبب نفسه ** كان يدفعهم إلى رفض السياسة. لقد كانوا من أنصار تنظيم الشغيلة تنظيمًا اقتصاديًا بدون تدخل سلطة الدولة، وبدون انقلابات ثورية. كانوا من أنصار التشارك العمالي على أسس الاقتصاد البضاعي. وبقدر ما كانت قوة الأشياء تدفع بهم إلى النضال السياسي، كانوا يفضلون – باعتبارهم أيديولوجيين بورجوازيين – ديموقراطية حكم الطبقة الغنية حتى على الديكتاتورية الثورية. فأي شيء مشترك بينهم وبيننا؟ ففي حين أننا نرفض الديمقراطية باسم سلطة بروليتارية متمركزة، كان البرودونيون مستعدين على العكس للتلاؤم مع ديموقراطية ممزوجة قليلاً بالاتحادية كيما يتجنبوا السلطة العمالية الثورية الحاسمة. ولقد كان بمقدور كاوتسكي أن يقارننا بصورة منطقية أكثر مع البلانكيين خصوم البرودونيين، البلانكيين الذين كانوا يدركون أهمية السلطة الثورية، ويتجنبون بورع ديني، عند طرحهم مسألة الاستيلاء عليها، أن يأخذوا بعين الاعتبار المظاهر الشكلية للديموقراطية. لكن لتبرير المقارنة بين الشيوعيين والبلانكيين، لا بد من الإضافة أننا نتمتع بتنظيم ثوري لم يحلم به البلانكيون قط: سوفييتات النواب العماليين والجنود، وأن لدينا في حزبنا تنظيمًا سياسيًا قياديًا لا مثيل له مزودًا ببرنامج كامل للثورة الاجتماعية، وأن نقاباتنا تشكل أخيرًا، بسيرها مع المجموع تحت الراية الشيوعية وبدعمها حكومة السوفييتات بدون تحفظ، جهازًا قويًا للتحويل الاقتصادي. فلا يمكن إذن، في هذه الشروط، الكلام عن بعث البولشفية للآراء البرودونية البالية، إلا إذا فقد المرء نهائيًا الحس التاريخي والنزاهة في موضوع المذهب.

« السابق التالي »