بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

« السابق التالي »

7- اليقظة الإمبريالية للديموقراطية

ليس عبثًا أن لكلمة الديمقراطية في القاموس معنى مزدوجًا. فهي من جهة أولى تشير إلى نظام قائم على الانتخاب العام وعلى سائر ملحقات “السيادة الشعبية” الشكلية. وهي تشير من الجهة الثانية إلى الجماهير الشعبية نفسها بقدر ما تكون لها حياة سياسية. إن مفهوم الديمقراطية يضع نفسه، من خلال هذين المعنيين، فوق الاعتبارات الطبقية.

إن خصوصيات اللفظة هذه لها دلالتها السياسية العميقة. فالديمقراطية كنظام سياسي تكون أثبت وأكمل وأمتن كلما احتلت جماهير المدن والارياف البورجوازية الصغيرة، غير المتمايزة من وجهة النظر الطبقية، مكانًا أوسع في الحياة الاجتماعية لقد بلغت الديمقراطية أوجها في القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة الأميركية وسويسرا. ففيما وراء البحار كانت الديمقراطية الحكومية للجمهورية الاتحادية تستند إلى ديموقراطية المزارعين الزراعية. أما في الجمهورية السويسرية الصغيرة، فقد شكلت البورجوازية الصغيرة في المدن والفلاحون الأغنياء أساس ديموقراطية الكانتونات المحافظة.

لقد أصحبت الديمقراطية بسرعة، وهي التي ولدت في ظل صراع الطبقة العاملة ضد الاقطاعية، سلاحًا ضد التناحرات الطبقية التي كانت في طريقها إلى النمو في المجتمع البورجوازي وتنجح الديمقراطية البورجوازية في أداء مهمتها على وجه أفضل كلما كانت مدعومة بطبقة بورجوازية صغيرة واسعة، وكلما كانت أهمية هذه الطبقة في الحياة الاقتصادية أكبر، وكلما كان مستوى التناحرات الطبقية بالتالي أدنى. لكن الطبقات المتوسطة، المتخلفة أكثر فأكثر عن التطور التاريخي، تفقد مع ذلك حقها في الكلام باسم الأمة. ولقد أمكن لمذهبيي هذه الطبقات (برنشتاين وشركائه) أن يثبتوا برضى أن الطبقات المتوسطة لن تختفي بالسرعة التي كانت تفترضها المدرسة الماركسية. ويمكننا أن نوافق بالفعل أن عناصر المدن والأرياف البورجوازية الصغيرة ما تزال تحتل عدديًا مكانة هامة للغاية. لكن الدلالة العميقة للتطور تكمن في فقدان أهميتها في الإنتاج: أن قيمة الثروات التي تصبها البورجوازية الصغيرة في أرباح الأمة قد سقطت بسرعة أكبر بكثير من أهميتها العددية. أن التطور التاريخي يزداد اعتمادًا على القطبين المتعارضين في المجتمع – البورجوازية الرأسمالية والبروليتاريا – لا على تلك الفئات المحافظة التي خلفها الماضي.

وكلما فقدت البورجوازية الصغيرة أهميتها الاجتماعية، تضاءلت قدرتها على الحفاظ بقوة على دورها كحكم في النزاع التاريخي الكبير بين الرأسمال والعمل. لكن بورجوازية المدن الصغيرة، وبخاصة بورجوازية الأرياف، ما تزال نجد تعبيرها، باعتبار كثرتها العددية، في إحصاء البرلمانية الانتخابي. أن المساواة الشكلية بين جميع المواطنين بصفتهم ناخبين لا تفعل شيئًا سوى أن تثبت بشكل أوضح، في مثل هذه الظروف، عجز “البرلمانية الديمقراطية” عن حل المسائل الأساسية التي يطرحها التطور التاريخي. إن المساواة في الانتخاب بين البروليتاري والفلاح وصاحب التروست الكبير قد جعلت من الفلاح وسيطًا بين متناحرين. لكن الطبقة الفلاحية المختلفة بصورة مزدوجة من وجهة نظر الثقافة والحياة الاجتماعية، والعاجزة سياسيًا، تخدم بالفعل دومًا كقوة “أعمة للأحزاب الأكثر رجعية والأكثر مغامرة والأكثر فسادًا التي تنتهي دومًا بدعم الرأسمال ضد العمل.

وبخلاف كل تنبؤات برنشتاين وسومبات وطوغان – بارانوفسكي لم تخفف حيوية الطبقات المتوسطة من حدة الأزمات الثورية في المجتمع البورجوازي، بل جعلتها أشد إيلامًا ولو أتخذ تحول البورجوازية الصغيرة والطبقة الفلاحية إلى بروليتاريا أشكالاً صافية وواضحة، لكان استيلاء البروليتاريا على السلطة سليمًا بواسطة الآلية البرلمانية محتملاً أكثر مما هي عليه الحال اليوم أن تركيز أنصار البورجوازية الصغيرة على حيوية هذه الطبقة كان نحسًا حتى على الأشكال الخارجية للديموقراطية منذ أن زعزعت الرأسمالية أسس هذه الطبقة فالبورجوازية الصغيرة، باحتلالها في السياسة البرلمانية المكان الذي فقدته في الإنتاج، قد أساءت نهائيًا إلى البرلمانية عندما جعلت منها مجرد ثرثرة مائعة وأداة في يد الإقليمية لعرقلة التشريعات. أن هذه الواقعة وحدها تفرض على البروليتاريا واجب الاستيلاء على سلطة الدولة، بصورة مستقلة عن البورجوازية الصغيرة بل ضدها – لا ضد مصالحها بل ضد عطالتها وضد سياستها غير المتماسكة التي هي عبارة عن نزوات عاطفية عاجزة.

كتب ماركس بصدد إمبراطورية نابليون الثالث: “أن الامبريالية هي أعهر وأكمل شكل من أشكال السلطة الحكومية… حولته البورجوازية، حين بلغت أوجها، إلى أداة لاستبعاد الرأسمالية للعمل”. أن هذا التعريف يتجاوز الإمبراطورية الفرنسية الثانية ويشمل الامبريالية الجديدة التي أثارتها في العالم أجمع أطماع الرأسمال القومي للدول الكبرى. وتفترض الامبريالية في المجال الاقتصادي السقوط النهائي لدور البورجوازية الصغيرة، وهي تعني في المجال السياسي التلاشي التام للديموقراطية عن طريق تحويل سياقها بالذات وربط كل وسائلها وكل مؤسساتها بأهداف الامبريالية. ولقد أثبتت الإمبريالية، بامتدادها إلى بلدان مختلفة، أن الآراء المسبقة السياسية، بغض النظر عن مصيرها السياسي السابق، غريبة عنها كلها، وأنها مستعدة لأن تستخدم (وهي قادرة على ذلك) ملكيات نيقولا رومانوف أو ولهلم هوهنزولرن، والاتوقراطية الرئاسية في الولايات المتحدة، وعجز بضع مئات من المشرعيين المتباينين في البرلمان الفرنسي، وذلك بعد أن تكون قد حولت هذا كله اجتماعيًا وأخضعته. أن المجزرة الكبرى – حمام الدم الذي حاولت البورجوازية عن طريقه أن تجدد شبابها – قد قدمت لنا صورة لتعبئة لم يسبق لها مثيل لكل أشكال الدولة والإدارة والتوجيه السياسي والمدارس الدينية أو الفلسفية لخدمة الامبريالية. وأن عددًا لا بأس به من الأدعياء الذين لم يسبب تطور الامبريالية أي اضطراب في سباتهم الدائم منذ عشرات السنين، والذين ما يزالون مستمرين في النظر إلى الديمقراطية والانتخاب العام الخ من وجهة نظرهم التقليدية، أقول أن عددًا لا بأس به من هؤلاء بالذات قد أدرك أخيرًا أثناء الحرب أن المفاهيم المألوفة قد أصبح لها من الآن فصاعدًا مضمون جديد. الحكم المطلق،الملكية البرلمانية، الديمقراطية إن جميع الأشكال الحكومية للسيطرة البورجوازية، من القيصرية الروسية إلى الاتحادية شبه الديمقراطية في أميركا الشمالية، هي في نظر الامبريالية وبلا ريب في نظر الثورة التي ستخلفها، متساوية في الحقوق وتشكل تركيبات يكمل فيها بعضها بعضًا بصورة متلاحمة. أن الامبريالية تنجح في أن تخضع، في اللحظة الحرجة، وبكل الوسائل التي تملكها، وبالبرلمانات على وجه الخصوص مهما كان حساب الأصوات – بورجوازية المدن والأرياف الصغيرة بل حتى الارستقراطية العمالية. أن الفكرة القومية التي قادت طبقة العامة في صعودها إلى السلطة عادت إلى الظهور أثناء الحرب مع “الدفاع القومي”. وأضاءت العقيدة القومية مرة أخرى وأخيرة بسطوع باهر على حساب عقيدة الطبقات. ولقد أدى غرق الأوهام الامبريالية في البلدان المقهورة أولاً، ثم في البلدان المنتصرة بعد زمن وجيز، إلى تهديم أسس ما كان في الماضي الديمقراطية القومية وأدلتها الرئيسية، البرلمان الديموقراطي وتجلي في كل مكان بوضوح مخيف ضعف البورجوازية ونوعيتها الرديئة وعجزها. وإنطرحت في جميع البلدان مسالة السلطة الحكومية بوضوح بين العصابة الرأسمالية التي تحكم بشكل مكشوف أو غير مكشوف والتي تملك تحت تصرفها طبقة من الضباط المتمرسين أو المرتزقة – معززة أحيانًا بمئات الألوف من الرجال – وبين البروليتاريا الثورية المتمردة، إزاء الطبقات المتوسطة المذعورة، الضائعة، الخانعة. ويالها من أضغاث أحلام تافهة العبارات التي يمكن أن تقال في مثل هذه الظروف عن الاستيلاء السلمي على السلطة من قبل البروليتاريا بواسطة البرلمانية الديمقراطية!

إن معالم الموقف السياسي على الصعيد العالمي واضحة للغاية. فالبورجوازية، وبخاصة بورجوازية البلدان المنتصرة، بعد أن قادت الشعوب المنهوكة النازفة دماؤها إلى حافة الهاوية، قد أثبتت عجزها المطلق عن انتشالها من وضعها الرهيب وتناقض وجودها مع تقدم الإنسانية اللاحق. لقد تفسخت جميع التجمعات السياسية الوسيطية والأحزاب الاشتراكية – القومية وهي ما تزال حية. والبروليتاريا التي خدعتها هذه التجمعات والأحزاب، تزداد كراهيتها لها يومًا بعد يوم، وتؤكد نفسها في رسالتها التاريخية على أنها القوة الوحيدة التي تستطيع أن تنقذ الشعوب من الهمجية والموت. غير أن التاريخ لا يضمن لحزب الثورة الاجتماعية غالبية برلمانية شكلية. إنه، بتغيير آخر، لم يحول الأمم إلى نواد تقترع بحفاوة – بغالبية الأصوات – لصالح الثورة الاجتماعية. بل على العكس: لقد أصبحت الثورة العنيفة ضرورة، على وجه التحديد لأن مطالب التاريخ الملحة لم تعد تمكن تلبيتها عن طريق جهاز الديمقراطية البرلمانية. أن البورجوازية الرأسمالية تقول في نفسها: “مادمت أضع يدي على الأراضي والمصانع والمعامل والمصارف والصحافة والمدارس والجامعات، مادمت أضع يدي على ذلك أن هذا هو الشيء الأساسي – على الجيش، فإن آلية الديمقراطية ستظل خاضعة لإرادتي كيفما حركت. والبورجوازية الصغيرة العاطلة، المحافظة، غير الأصلية، تخضع لي سواء أماديًا أم معنويًا. أنني أتحكم وسأتحكم فيها بقوة مشاريعي وأرباحي وخططي وجرائمي. وإذا ما استاءت وتململت، فإنني سأخلق دزينة من مانعات الصواعق. بل سأخلق عند الحاجة أحزابًا معارضة ستختفي ما إن تؤدي مهمتها مفسحة المجال أمام البورجوازية للتعبير عن سخطها دون أن تلحق أي أذى بالرأسمالية. وسأحفظ بالنسبة إلى الجماهير الشعبية على نظام التعليم الابتدائي الإلزامي الذي سيبقى هذه الجماهير عند حدود الجهل دون أن يسمح لها بالارتفاع فكريًا فوق المستوى الذي يرى خبرائي أنه غير مؤذ. إنني سأفسد، سأخدع، سأخيف الفئات المرفهة أو المتخلفة من البروليتاريا ومادامت أدوات الاضطهاد والتخويف بين يدي، فإن تنسيق كل هذه التدابير لن يسمح لطليعة الطبقة العاملة بتنوير وعي العدد الأكبر”.

وعلى هذا تجيب البروليتاريا الثورية: “لا ريب في أن الشرط الأول للخلاص هو أن أنتزع من البورجوازية أدوات سيطرتها: ولا أمل في الوصول إلى السلطة سليمًا مادامت البورجوازية تمسك بكل أدوات السيطرة. أنه لجنون مثلث أن آمل بالوصول إلى السلطة بالطريق الذي تدل إليه البورجوازية وتسده في آن واحد: طريق الديمقراطية البرلمانية ليس هناك إلا سبيل واحد: انتزاع السلطة من البورجوازية بتجريدها من أدوات سيطرتها المادية. ومهما كانت العلاقة الظاهرية بين قوى البرلمان، فإنني سأجعل من أهم وسائل الإنتاج ثروة اجتماعية، وسأحرر وعي الطبقات البروجوازية الصغيرة الذي نومته الرأسمالية تنويمًا مغناطيسيًا. وسأبين لهذه الطبقات بالوقائع ما هو الإنتاج الاشتراكي. وحين سيتم ذلك، فإن أكثر فئات الشعب تخلفًا ستدعمني بالتزامات التلقائي والواعي بالبناء الاشتراكي”.

حين شتتت حكومة السوفييتات الروسية الجمعية التأسيسية، بدا هذا الحدث في نظر القادة الاشتراكيين الديموقراطيين في أوروبا وكأنه قطيعة متعسفة وفظة مع كل تطور الاشتراكية السابق إن لم يكن بداية نهاية العالم. لكنه لم يكن إلا نتيجة حتمية للوضع الذي خلقته الامبريالية والحرب. وإذا كانت الشيوعية الروسية أول من استخلص النتائج النظرية والعملية لهذا الوضع، فذلك للأسباب نفسها التي أرغمت البروليتاريا الروسية على أن تكون أول من يخوض النضال من أجل السلطة.

إن كل ما جرى في أوروبا فيما بعد يدل على أننا كنا على حق. إن الإيمان بإمكانية إعادة توطيد الديمقراطية على كل ضعفها، إنما يعني التعلل بطوبائيات رجعية مسكينة.

« السابق التالي »