بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

« السابق التالي »

8- ميتافيزيقا الديمقراطية

حين شعر كاوتسكي بأن الأرض التاريخية تميد تحت قدميه، أنتقل من الديمقراطية إلى فلسفة التجاوز وراح يتفذلك عما يجب أن يكون.

إن المبادئ الديمقراطية – سيادة الشعب، الانتخاب العام، الحريات – تبدو له محاطة بهالة الواجب الأخلاقي. أنها تنفصل عن مضمونها التاريخي، وتبدو، إذا ما نظر إليها في طبيعتها المجردة، ثابتة مقدسة. إن هذه الخطيئة الميتافيزيقية ليست بنت الصدفة. فالمرحوم بليخانهوف بعدان كان، في أحسن مراحل حياته، الخصم اللدود للكانتيه، حاول هو أيضًا في أواخر أيامه، بينما كانت تجتاحه موجة الوطنية، أن يتعلق بقشة الآمر المطلق. وهذا شيء له دلالته العميقة.

أن كاوتسكي يعارض الديمقراطية الواقعية التي تعرف إليها الشعب الألماني مؤخرًا بديموقراطية مثالية، كما يعارض الشيء في ذاته بالظاهرة المبتذلة. إن كاوتسكي لا يدلنا بثقة على أي بلد ديموقراطي تضمن فيه الديمقراطية الانتقال غير المؤلم إلى الاشتراكية. وبالمقابل فإن قناعته بوجوب وجود مثل هذا البلد صلبة. إن كاوتسكي يعارض الجمعية الوطنية الألمانية الحالية التي هي أداة العجز والخبث الرجعي والدناءة بجمعية وطنية أخرى متمتعة بكل الصفات باستثناء واحدة هي بلا ريب قليلة الأهمية: صفة الوجود.

إن مذهب الديمقراطية الشكلية لم تخلقه الاشتراكية العلمية بل الحق الطبيعي. وماهية الحق الطبيعي تكمن في الاعتراف بالمعايير الحقوقية الخالدة الثابتة تجد لها في مختلف الأزمان ولدى مختلف الشعوب تعبيرات مضيقة ومشوهة إن كثيرًا أو قليلاً. أن الحق الطبيعي للتاريخ المعاصر، كما أنتجه العصر الوسيط، يشتمل قبل كل شيء على احتجاج على امتيازات الطوائف، وعلى المنتجات “المصطنعة” للحق الوضعي الإقطاعي. ولقد كانت عقيدة طبقة العامة، التي كانت ما تزال ضعيفة، تعبر عن مصلحتها الخاصة بواسطة بضعة معايير مثالية أصبحت فيما بعد من تعاليم الديمقراطية واكتسبت في الوقت نفسه طابعًا فردي النزعة. إن الشخصية غاية في ذاتها. وللبشر جميعًا حق التعبير عن فكرهم بالكلام والكتابة. ولكل إنسان الحق في اقتراع مساو لاقتراع الآخرين. ولقد كانت مطالب الديمقراطية، الرامزة إلى المعركة ضد الإقطاعية، تسجل تقدمًا وخطوة إلى الأمام. ولكن كلما تقدمنا، تجلي أكثر فأكثر المظهر الرجعي لميتافيزيقا الحق الطبيعي (نظرية الديمقراطية الشكلية): وهذا المظهر هو فرض معيار مثالي على المطالب المواقعية للجماهير الشغيلة والأحزاب الثورية.

كان الحق الطبيعي، الذي أصبح نظرية الديمقراطية، يقول للعامل: “البشر جميعًا متساوون أمام القانون، مهما كان أصلهم، وصفتهم كمالكين أو غير مالكين، والدور الذي يؤدونه. إن لهم جميعًا حقًا متساويًا في أن يقرروا بالانتخابات مصائر الشعب”. ولقد كان لهذا المعيار المثالي أثر ثوري في وعي الجماهير، بمقدار ما كان يدين الحكم المطلق والامتيازات الارستقراطية والانتخاب المقصور على بعض الفئات. أما فيما عدا ذلك، فقد كان لا يفعل شيئًا سوى أن يخدر أكثر فأكثر وعي الجماهير، ويضفي صفة شرعية على البؤس والعبودية والذل.

أن روتشيلد، الذي حول دم العالم وعرقه إلى نابوليونات ذهبية جميلة، ليس له إلا صوت واحد في الانتخابات البرلمانية. وإن عام المنجم المغمور الذي لا يعرف أن يوقع اسمه والذي ينام طوال حياته تقريبًا بدون أن يخلع ثيابه والذي يحيا في المجتمع حياة الخلد، يمسك هو الآخر بجزيئة من السيادة الشعبية، ويقف مساويًا لروتشيلد أمام المحاكم وأثناء الانتخابات. أما في شروط الحياة الواقعية، وفي العلاقات الاجتماعية، وفي الأعراف، فإن عدم المساواة بين البشر يتفاقم أكثر فأكثر: هنا ترا كم ثورات لا مثيل له، وهناك بؤس بلا أمل. لكن هذه التناقضات الرهيبة تختفي في البنية الدورية للدولة، فلا نرى فيها إلى ظلالاً شرعية مسلوخة عنها أجسامها. “المالك، الفلاح المياوم، الرأسمالي، البروليتاري، الوزير، صباغ الأحذية، جميعهم متساوون “كمواطنين” و”مشرعيه” لقد نزلت مساواة المسيحية الصوفية من إلى السماوات تحت شكل المساواة في الحق الطبيعي الديموقراطي. لكنا لم تنزل حتى الأرض بالذات، حتى الأساس الاقتصادي للمجتمع. إن الحق المثالي في التأثير على مصائر الشعب بواسطة الانتخابات البرلمانية لا يكاد يكون، بالنسبة إلى الفلاح المياوم المغمور الذي لا يكف في أي لحظة من لحظات حياته عن أن يكون دابة ركوب مستغلة من قبل الرأسمالي، أقول لا يكاد يكون أكثر واقعية من السعادة التي كان بوعد في الماضي بأنه ملاقيها في مملكة السموات.

ولقد دخل الحزب الاشتراكي، الذي تقوده المصالح العملية للطبقة العاملة، في مرحلة معينة في طريق البرلمانية وهذا لا يعني البتة أنه أعترف مبدئيًا بنظرية الديمقراطية الميتافيزيقية المبنية على حق متعال على التاريخ والطبقات الاجتماعية. لقد كان المذهب البروليتاري يعتبر الديمقراطية أداة في خدمة المجتمع البورجوازي، متلائمة بالأصل كل التلاؤم مع حاجات وأهداف الطبقات المسيطرة. لكن المجتمع البورجوازي، الذي يعيش من عمل البروليتاريا ولا يستطيع أن يمنعها، تحت ضغط عقوبة الانهيار، من أن تضفي صبغة شرعية على بعض مظاهر الصراع الطبقي على الأقل، كان يعطي الأحزاب الاشتراكية إمكانية استخدام آلية الديمقراطية إلى حد معين وفي فترات معينة، دون أن تلحق أي أذى بمبدئها غير المنظور.

لقد كانت المهمة الأساسية للحزب الاشتراكي، في كل مراحل نضاله، أن يخلق شروط مساواة واقعية اقتصادية، مساواة في الأعراف بين أعضاء المجتمع الإنساني، قائمة على التضامن. ولهذا على وجه التحديد يتوجب على نظريي البروليتاريا أن يكشفوا عن وجه ميتافيزيقا البروليتاريا القناع الفلسفي الذي يحجب خلفه أضاليل سياسية.

وإذا كان الحزب الديموقراطي قد قال للجماهير، وهو يكشف في عنفوان حماسته الثورية كذب معتقدات الكنيسة: “إنها تهدهدكم بوعد السعادة الأبدية، في حين أنكم على هذه الأرض بلا حقوق ورازحون تحت التعسف، فإن الحزب الاشتراكي على حق أكثر في أن يقول لها بعد بضع عشرات من السنين: “إنهم يخدرونكم بوهم المساواة والحقوق السياسية، لكن إمكانية تحقيق هذه الحقوق منتزعة منكم. إن المساواة الحقوقية، الظاهرية والاصطلاحية، تصبح قيدًا مثاليًا لربطكم بعجة الرأسمال”.

ولقد جند الحزب الاشتراكي، تحت راية هدفه الأساسي، الجماهير من أجل العمل البرلماني، لكنه لم يلتزم قط في أي مكان من العالم بألا يقود البروليتاريا إلى الاشتراكية إلا عن طريق البرلمانية. ونحن بتلاؤمنا مع النظام البرلماني، اقتصرنا في العصر السابق على أن نكشف نظر بأقناع الديمقراطية التي لم نكن نملك القوة بعد للتغلب عليها عمليًا. لكن المنحنى العقائدي للاشتراكية، الذي يتكون رغم الانحرافات والسقطات وحتى الخيانات، ينتهي برفض الديمقراطية وباستبدالها بآلية بروليتارية ما إن تصبح لدى الطبقة العاملة القوى اللازمة.

إننا لن نقدم إلا دليلاً واحدًا، لكنه باهر الدلالة. ففي عام 1888 كتب بول لافارغ في “الاشتراكي – الديموقراطي” (الروسية): “إن البرلمانية نظام حكومي يوهم الشعب بأنه يسير بنفسه شؤون البلاد، مع أن السلطة كلها في الواقع متمركزة في أيدي البرجوازية، لا البورجوازية كلها، بل بعض الفئات الاجتماعية المرتبطة بهذه الطبقة. إن البورجوازية، في مرحلة هيمنتها، لا تفهم أو لا تحس بالحاجة إلى منح الشعب هذا الوهم. ولهذا فإن جميع بلدان أوروبا بالبرلمانية بدأت بالانتخاب المقيد. ففي كل مكان كان حق توجيه مصائر البلد السياسية عن طريق انتخاب النواب وقفًا في البداية على الملاك المتفاوتي الغنى، ولم يمتد إلا فيما بعد إلى سائر المواطنين الذين لم يواتهم الحظ في الثروة، إلى أن أصبح امتياز البعض حقًا للجميع ولكل مواطن في بعض البلدان.

“في المجتمع البورجوازي، كلما كانت الثروة الاجتماعية أكبر، كان عدد من يمتلكونها أقل. وكذلك هو شأن السلطة: فكلما تعاظمت جماهير المواطنين المتمتعة بالحقوق السياسية وازداد عدد الحكام المنتخبين، تركزت السلطة الفعلية وأصبحت احتكارًا لزمرة شخصيات يتضاءل عددها يومًا بعد يوم”. هذا هو سر نظام الغالبيات.

إن لافارغ يرى أن البرلمانية ستبقى ما بقيت هيمنة البورجوازية. كتب يقول: “في اليوم الذي ستستولي فيه بروليتاريا أوروبا وأميركا على الدولة، فإن عليها أن تنظم سلطة ثورية وتدير المجتمع إدارة ديكتاتورية ما لم تتلاش البورجوازية باعتبارها طبقة اجتماعية”.

لقد كان كاوتسكي في الماضي يعرف هذا التقدير الاشتراكي لقيمة البرلمانية، ولقد ردده بنفسه عدة مرات، وإن خانه هذا الوضوح الفرنسي الظريف. إن جحود كاوتسكي النظري يكمن على وجه التحديد في تخليه عن الديالكتيكية المادية ليعود إلى الحق الطبيعي معترفًا بأن المبدأ الديموقراطي مبدأ مطلق غير منظور. إن ما كانت الماركسية تعتبره آلية مؤقتة للبورجوازية، وما لم يكن يمكن استخدامه في السياسة إلا مؤقتًا، بغاية إعداد الثورة البروليتارية، يصوره لنا كاوتسكي على أنه مبدأ أزلي يقف فوق الطبقات وترتبط به بلا مراء طرائق النضال البروليتاري. إن تفسخ البرلمانية المناوئ للثورة قد وجد أكمل تعبير له في تأليه الديمقراطية من قبل نظريي انحطاط الأممية الثانية.

« السابق التالي »