بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإرهاب والشيوعية

« السابق التالي »

9- الجمعية التأسيسية

إن الحصول على غالبية ديموقراطية في برلمان بورجوازي ليس مستحيلاً استحالة مطلقة بصورة مطلقة. لكن هذه الواقعة حتى لو تحققت، فإنها لن تغير شيئًا، مبدئيًا، من مجرى الأحداث. إن المثقفين المنتمين إلى الطبقات المتوسطة، المتأثرين بانتصار البروليتاريا البرلماني ** مقاومة أضعف تجاه النظام الجديد. لكن المقاومة الأساسية للبورجوازية ستحددها وقائع معينة كالوقائع التالية: حالة الجيش المعنوية، درجة تسلح العمال، الوضع في البلدان المجاورة. وستتبع الحرب الأهلية مجراها تحت تأثير هذه العوامل الواقعية لا تحت تأثير الحساب البرلماني الهش.

إن حزبنا لم يكن يرفض أن يقود البروليتاريا إلى الديكتاتورية مرورًا بالديمقراطية. ولقد كان يدرك إدراكًا دقيقًا المزايا التي يقدمها إلى الدعاية وإلى العمل السياسي مثل هذا الانتقال “المشروع” إلى النظام الجديد. ومن هنا كانت محاولتنا لدعوة الجمعية التأسيسية. لكنها فشلت. لقد وجد الفلاح الروسي نفسه، هذا الفلاح الذي أيقظته الثورة للحياة السياسية، تجاه دزينة من الأحزاب كان هدف كل منها أن يبلبل أفكاره. ولقد اعترضت الجمعية التأسيسية طريق الثورة فكنسناها.

إن الغالبية “التوفيقية” في الجمعية التأسيسية لم تكن تعكس إلا النقص في فكر وأصالة الفئات الوسطية في المدن والأرياف والعناصر البروليتارية المتخلفة. وإذا ما نظرنا من زاوية الإمكانيات التاريخية الموضوعية، فإننا نستطيع أن نقول أن الأزمة كانت ستكون أقل إيلامًا لو أن الجمعية التأسيسية قد أسقطت نهائيًا، خلال سنتين من العمل، حظوة الاشتراكيين – الثوريين والمنشفيك لتحالفهم مع الكاديت، فتكون بذلك قد حققت انعطافًا شكليًا لصالح البولشفيك مثبتة للجماهير أنه ليس هناك في الواقع إلا قوتان البروليتاريا الثورية التي يقودها الشيوعيون، والديمقراطية المناوئة للثورة التي يقف على رأسها الجنرالات والأميرالات. لكن عقدة المسألة ليست ههنا: فالموقف الداخلي كان بعيدًا آنذاك عن التطور بالتوازي مع الموقف الدولي، ولو أن حزبنا وضع ثقته، فيما يخص كل المسؤوليات في التربية الموضوعية “لمجرى الأمور”، فقد كان من الممكن أن توجهنا الأحداث العسكرية وحدها. لقد كان بمقدور الإمبريالية الألمانية أن تستولي على بتروغراد التي كانت حكومة كرينسكي قد بدأت بإخلائها. وخسارة بطرسبورغ كانت ستكون قاتلة بالنسبة إلى البروليتاريا الروسية التي كانت خير قواتها آنذاك هي قوات أسطول البلطيق والعاصمة الحمراء.

لا يمكن إذن أن يلام حزبنا على أنه أراد أن يعاكس تيار التاريخ، بل على أنه قفز بضع درجات من التطور السياسي لقد تخطى الاشتراكيين – الثوريين والمنشفيك كي لا يسمح للعسكرية الألمانية بأن تتخطى البروليتاريا الروسية وبأن تعقد معاهدة صلح مع “التفاهم” على حساب الثورة قبل أن يتاح الوقت لها لبسط أجنحتها.

وليس من الصعب البتة أن نستخلص مما سبق الجواب على السؤالين اللذين يطرحهما علينا كاوتسكي بصورة خادعة. وأولهما: لماذا دعينا الجمعية التأسيسية ما دمنا نستهدف ديكتاتورية البروليتاريا؟ وثانيهما: إذا كانت الجمعية التأسيسية الأولى التي اعتقدنا أن من واجبنا أن ندعوها قد انكشفت رجعيتها ولم تتجاوب مع مصالح الثورة، فلماذا نرفض أن ندعو جمعية تأسيسية جديدة؟ إن القصد الخفي لكاوتسكي هو إدانتنا بأننا رفضنا الديمقراطية، لا لأسباب مبدئية، بل لأنها كانت ضدنا. فلنستعرض إذن الوقائع حتى نستطيع أن نلتقط هذه الحماقة المغرضة من أذنيها.

كان شعار “كل السلطة للسوفييتات!” شعار حزبنا منذ بداية الثورة، أي قبل مدة طويلة من حل الجمعية التأسيسية، بل قبل مدة طويلة من صدور مرسوم دعوتها. صحيح أننا لم نكن نعارض السوفييتات بالجمعية التأسيسية القادمة التي كانت حكومة كيرينسكي تقلل من احتمال دعوتها وتؤخرها باستمرار. لكننا بالتأكيد لم نكن ننظر إلى الجمعية التأسيسية القادمة على طريقة الديموقراطيين البورجوازيين الصغار الذين كانوا يرون فيها سيد البلاد الروسية المؤهل لتقرير كل شيء. لقد كنا نُفهم الجماهير أمن منظماتها الثورية الخاصة – السوفييتات – هي التي تستطيع ويجب أن تكون سيدة الموقف بكل أصالة. وإذا كنا لم نرفض رفضًا قاطعًا الجمعية التأسيسية مسبقًا فهذا فقط لأنها لم تكن تبدو معارضة لسلطة السوفييتات، بل معارضة لسلطة كيرينسكي الذي لم يكن هو نفسه إلا رجل القش في يد البورجوازية. كنا قد قررنا سلفًا أنه إذا ما كانت الغالبية في الجمعية التأسيسية إلى جانبنا، فإنها ستحل نفسها بنفسها بنقل سلطاتها إلى السوفييتات كما فعلت فيما بعد دومًا بتروغراد البلدية التي انتخبت على أوسع أسس الانتخاب الديموقراطي. ولقد حاولت، في كتابي الصغير “ثورة أوكتوبر”، أن أبين الأسباب التي جعلت من الجمعية التأسيسية انعكاسًا متخلفًا لعصر تجاوزته الثورة. ولما كنا لا نرى تنظيم السلطة الثورية إلا في السوفييتات ولما كانت هذه السوفييتات تقبض على زمام السلطة الفعلية لحظة دعوة الجمعية التأسيسية، فقد كانت المسألة محلولة في نظرنا عن طريق الحل الإجباري للجمعية التأسيسية التي لم تكن مستعدة لحل نفسها بنفسها لصالح سلطة السوفييتات.

لكن كاوتسكي يسألنا: لماذا لا تدعون جمعية تأسيسية جديدة؟

لأننا لا نشعر بالحاجة إلى ذلك. وإذا كانت الجمعية التأسيسية الأولى تستطيع أن تلعب في حينه دورًا تقدميًا مؤقتًا وذلك بإضفائها صفة شرعية، في نظر البورجوازية الصغيرة، على سلطة السوفييتات التي كانت في المرحلة الأولى من تأسيسها، فإن السلطة السوفياتية لم تعد بحاجة الآن، وبعد سنتين من ديكتاتورية البروليتاريا المظفرة، وبعد الإخفاق التام لكل المشاريع “الديمقراطية” في سيبيريا وعلى شطآن البحر الأبيض وفي أوكرانيا والقوقاز، أقول أن السلطة السوفياتية لم تعد بحاجة إلى أن تنال تصديق سلطة الجمعية التأسيسية المشبوهة. لكن كاوتسكي يتساءل بلهجة لويد جورج: ألسنا على حق، ما دام الأمر كذلك، في أن نستنتج أن حكومة السوفييتات تقوم على إرادة الأقلية باعتبار أنها تستبعد رقابة الاستشارة الشعبية؟

إن هذه الفكرة تمر بجانب الهدف.

إذا كان النظام البرلماني لا يعبر إلا بصورة مجملة، حتى في عصر تطوره “الهادئ” الموثوق، عن الحالة المعنوية للبلاد، وإذا كان فقد نهائيًا في عصر العواصف الثورية القدرة على متابعة نضال وتطور الوعي السياسي، فإن نظام السوفييتات يشكل اتصالاً أوثق وأصدق وأكثر عضوية إلى ما لا نهاية بغالبية الشغيلة. وأهم دلالة له ليست التعبير بصورة سكونية عن الغالبية، بل أن يصيغها بصورة ديناميكية. ولقد دللت الطبقة العاملة الروسية، بدخولها في طريق الديكتاتورية الثورية، على أنها لا تبني سياستها، في مرحلة الانتقال، على فن منافسة الأحزاب المتقلبة كيما تنتزع منها بعض الأصوات الفلاحية، بل على مبادهة الجماهير الفلاحية العاملة باتفاق تام مع البروليتاريا وإدارة البلاد في إطار المصالح الحقيقية للشغيلة. إن هذه لديموقراطية عميقة الاختلاف عن الديمقراطية البرلمانية.

والآن إذ تقوم المهمة الأساسية للثورة – وهذه مسألة حياة أو موت – على صد هجوم العصابات البيضاء، هل يفكر كاوتسكي بأن “غالبية برلمانية” ما قادرة على تأمين تنظيم أشد قوة وإخلاصًا وظفرًا للدفاع الثوري؟ إن شروط النضال تطرح نفسها بوضوح كبير في البلاد المطوقة بالحصار السافل، حتى أن الطبقات الوسطية والزمر الاجتماعية ليس لها من خيار إلا بين دينيكين وحكومة السوفييتات. وهل ثمة حاجة إلى براهين جديدة بعد أن رأينا أحزاب الوسط، المنشفيك والاشتراكيين – الثوريين، تنقسم على نفسها على هذا النحو؟

هل يتوقع كاوتسكي، باقتراحه علينا انتخابًا جديدًا للجمعية، أن تقف الحرب الأهلية أثناء الفترة الانتخابية؟ وإذا كان ينوي أن يدفع بالأممية الثانية إلى مثل هذا الاتجاه، فلنسرع لنعلمه أن مثل هذا الاتجاه لم يعد له من حظوة لا في نظرنا ولا في نظر دينيكين. وإذا ما استمرت الحرب بين عصابات الإمبريالية وبين جيش العمال والفلاحين، وإذا ما توجب على الانتخابات أن تقتصر على أراضي السوفييتات، فهل سيطلب كاوتسكي أن نترك للأحزاب التي تؤيد دينيكين حق الدعاية الحرة؟ إنها لثرثرة بائسة فارغة: فما من حكومة قط تستطيع أن تسمح في أي ظرف كان بتعبئة قوى الأعداء التي تحاربها من خلف صفوف جيوشها.

إن وجود زهرة سكاننا الشغيلة في الجبهة في هذا الوقت لا يحتل أي مكان في طرح كاوتسكي للمسألة. إن البروليتاريين المتقدمين والفلاحين الواعين الذين يقفون، في جميع الانتخابات وفي جميع الأعمال السياسية الجماهيرية في الصف الأول ويوجهون رأي الشغيلة العام، موجودون الآن جميعًا في الجبهات، في الجيش الأحمر، حيث يحارب المفوضون والضباط والجنود ويموتون. وإذا كانت حكومات الدول الديمقراطية البورجوازية، التي يقوم نظامها على البرلمانية، قد رأت أنها لا تستطيع أن تجري الانتخابات طوال مدة الحرب، فإنه لمن السخف البالغ بالمقابل أن يطلب مثل هذا الشيء من روسيا السوفييتات التي ليس فيها من مكان للبرلمانية. ويكفينا أن حكومة روسيا الثورية لم تعرقل، حتى في أخطر الساعات، تجديد سوفييتاتها المحلية والمركزية عن طريق الانتخابات.

وسنقول أخيرًا، وكنتيجة نهائية، لننير عقل كاوتسكي، إن الكاوتسكيين الروس أنفسهم، منشفيك مارتوف ودان، لا يعتقدون أن من الممكن الآن طلب دعوة الجمعية التأسيسية ويرجئون هذا المشروع الجميل إلى أيام أفضل. لكن هل سنحتاج إليه آنذاك؟ من المسموح لنا أن نشك في ذلك. فعندما ستنتهي الحرب الأهلية، فإن الطبقة العاملة ستثبت قوتها الخلاقة وستبين للجماهير الأكثر تخلفًا كل ما يمكن أن تقدمه لها. إن جميع السكان سينخرطون في عجلة النظام الاقتصادي والإدارة الذاتية السوفياتية، عن طريق التطبيق العقلاني للعمل الإلزامي وتنظيم مركزي لتوزيع المنتجات. إن السوفييتات نفسها، التي هي اليوم أجهزة السلطة، ستتحول إلى منظمات اقتصادية خالصة. وفي مثل هذه الشروط نشك في أن فكرة تتويج البناية الواقعية للمجتمع الاشتراكي بواسطة جمعية تأسيسية ( ) بالية وأثرية، ستخطر لأي كان، وبخاصة أن هذه الجمعية لن تستطيع إلا أن تصدق على “تكوين” مختلف المؤسسات التي كانت البلاد بحاجة إليها قبلها وبدونها.

—-
(2) كيما يغرينا كاوتسكي بالجمعية التأسيسية، فإنه يدعم براهينه القائمة على الآمر المطلق باعتبارات مأخوذة من الرسم البياني للقطع النادر. يقول: “إن روسيا بحاجة لمساعدة الرأسمال الأجنبي. والحال أن روسيا السوفييتات ستحرم من هذه المساعدة إذا لم تدع الجمعية التأسيسية ولم تمنح حرية الصحافة، لا لأن الرأسماليين مؤمنون بالمثالية الديمقراطية – إنهم لم يترددوا في إقراض القيصرية عددًا لا بأس به من المليارات – بل لأنهم لا يثقون، في مجال الأعمال، بنظام السوفييتات” (ص 144).
ثمة ذرة من الحقيقة في هذا الخلط. فالبورصة قد دعمت بالفعل حكومة كوتشاك. لكنها دعمتها بقوة أكبر أيضًا عندما شتتت الجمعية التأسيسية. لقد عززت البورصة قناعتها، عن طريق تجربة كولتشاك، بأن آلية الديمقراطية البورجوازية يمكن أن تستخدم لخدمة قضية الرأسمالية ثم تطرح فيما بعد كثوب رث. ومن المحتمل كثيرًا أن تقبل البورصة بمد الجمعية التأسيسية بقروش جديدة مقابل رهون معينة بأمل – أمل تبرره تمامًا التجربة السابقة – أن ترى الجمعية التأسيسية توطد من جديد الديكتاتورية الرأسمالية. إننا لا نفكر بأن ندفع مثل هذا الثمن من أجل “ثقة أرباب الأعمال” في البورصة، ونفضل عليه ألف مرة الثقة التي توحي بها إلى البورصة أسلحة الجيش الأحمر.

« السابق التالي »