بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

البرنامج الانتقالي – احتضار الرأسمالية ومهام الأممية الرابعة

« السابق التالي »

13- حكومة العمال والفلاحين

ظهرت صيغة «حكومة العمال والفلاحين» للمرة الأولى عام 1919، في تحريض البلاشفة، وقد تم إقرارها نهائيا بعد انتفاضة أكتوبر. هذا ولم تكن تمثل في تلك الحالة إلا تسمية شعبية لدكتاتورية البروليتاريا، التي كان تم إرساؤها. وكانت تكمن أهمية هذه التسمية بوجه خاص في كونها وضعت في المقدمة فكرة التحالف بين البروليتاريا وطبقة الفلاحين، المطروحة كقاعدة للسلطة السوفياتية.

وعندما حاولت أممية الأخلاف الشيوعية أن تعيد إلى الحياة صيغة «الدكتاتورية الديموقراطية للعمال والفلاحين» التي دفنها التاريخ، أعطت صيغة «حكومة العمال والفلاحين» مضمونا مختلفا تماما، «ديموقراطيا» بحتا، أي برجوازيا، معارضة به دكتاتورية البروليتاريا. أما البلاشفة اللينينيون فقد رفضوا بحزم شعار «حكومة العمال والفلاحين» بتفسيره الديموقراطي البرجوازي. ولقد أكدوا ـ ويؤكدون ـ أنه إذا تراجع حزب البروليتاريا عن خروجه من إطارات الديموقراطية البرجوازية، فإن تحالفه مع الفلاحين سيؤدي ببساطة إلى دعم الرأسمال، كما كانت الحال مع المناشفة والاشتراكيين ـ الثوريين عام 1917، وكما حصل مع الحزب الشيوعي الصيني في فترة 1925 – 1927، وكما يحصل الآن مع «الجبهات الشعبية»، في إسبانيا وفي فرنسا، وفي بلدان أخرى.

لقد طالب البلاشفة بين نيسان ـ أبريل وأيلول ـ سبتمبر 1917 بأن يفك الاشتراكيون ـ الثوريون والمناشفة ارتباطهم بالبرجوازية الليبرالية ويستولوا على السلطة بأنفسهم. ولقاء تحقيق هذا الشرط، وعد البلاشفة الاشتراكيين ـ الثوريين والمناشفة، بوصفهم الممثلين البرجوازيين الصغار للعمال والفلاحين، بمحضهم مؤازرتهم الثورية ضد البرجوازية. بيد أن البلاشفة رفضوا بحزم مع ذلك أن يدخلوا في حكومة المناشفة والاشتراكيين الثوريين أو أن يتحملوا المسؤولية السياسية عن نشاطها. فلو أن المناشفة والاشتراكيين الثوريين فكوا حقا ارتباطهم بحزب الكاديت (الليبرالي) وبالإمبريالية الخارجية، لما كان من شأن «حكومة عمال وفلاحين» ينشئونها إلا أن تسرّع إرساء دكتاتورية البروليتاريا وتسهلها. غير أن هذا الأمر بالضبط هو السبب الذي جعل قادة الديموقراطية البرجوازية الصغيرة يعارضون بكل قواهم إرساء سلطتهم الخاصة بهم. فقد برهنت تجربة روسيا أن أحزاب الديموقراطية البرجوازية الصغيرة (اشتراكيين ـ ثوريين، اشتراكيين ـ ديموقراطيين، ستالينيين، فوضويين) تعجز، حتى ضمن ظروف ملائمة جدا، عن إقامة حكومة عمال وفلاحين، أي حكومة مستقلة عن البرجوازية، وهو ما تؤكده من جديد تجربتا إسبانيا وفرنسا.

إلا أن المطلب الذي وجهه البلاشفة إلى المناشفة والاشتراكيين الثوريين، «فكوا ارتباطكم بالبرجوازية، استولوا على السلطة بأنفسكم!»، كانت له قيمة تربوية عظيمة بالنسبة للجماهير. فقد أدى رفض المناشفة والاشتراكيين ـ الثوريين المتعنت للاستيلاء على السلطة، الذي ظهر بذلك الشكل المأساوي خلال محنة تموز ـ يوليو، أدى إلى سقوطهم نهائي في نظر الجماهير الشعبية وهيأ انتصار البلاشفة.

إن المهمة المركزية للأممية الرابعة هي تحرير البروليتاريا من القيادة القديمة التي تتناقض نزعتها المحافظة تناقضا كليا مع الوضع الكارثي الذي تتسم به الرأسمالية الآفلة، وتشكل العائق الرئيسي في وجه التقدم التاريخي. إذ أن الاتهام الرئيسي الذي توجهه الأممية الرابعة إلى منظمات البروليتاريا التقليدية هو أنها لا تريد الانفصال عن جسم البرجوازية السياسي نصف المهترئ.

ضمن هذه الظروف، فإن مطلب: «فكوا ارتباطكم بالبرجوازية واستولوا على السلطة»، عندما يوجه إلى القيادة القديمة بشكل منهجي، يشكل أداة في غاية الأهمية لكشف الطابع الخياني لأحزاب الأمميتين الثانية والثالثة ومنظماتها، كما لأممية أمستردام.

إننا نستخدم شعار «حكومة العمال والفلاحين» حصرا بالمعنى الذي كان له عام 1917 على لسان اليلاشفة، أي كشعار معاد للبرجوازية ومعاد للرأسمالية، وليس أبدا بالمعنى «الديموقراطي» الذي أعطاه إياه الأخلاف فيما بعد، جاعلين منه الحاجز الرئيسي في طريق الثورة الاشتراكية بعد أن كان جسرا موصلا إليها.

إننا نطالب كل الأحزاب والمنظمات التي تستند إلى العمال والفلاحين، وتتكلم باسمهم، بأن تفك ارتباطها السياسي بالبرجوازية وتنخرط في النضال من أجل حكومة العمال والفلاحين. ونعدها بأن ندعمها في هذا الطريق دعما كاملا ضد الردة الرأسمالية. ونقوم في الوقت ذاته بتحريض لا يكل حول المطالب الانتقالية التي ينبغي أن تشكل، في رأينا، برنامج «حكومة العمال والفلاحين».

هل إن قيام حكومة من هذا النوع على يد المنظمات العمالية التقليدية أمر ممكن؟ لقد بينت التجربة السابقة، كما سبق وأشرنا، أن هذا الأمر قليل الاحتمال، على الأقل. بيد أنه يستحيل أن ننفي بشكل جازم، ومقدما، الإمكانية النظرية التي قد تمضي بموجبها أحزاب برجوازية صغيرة، بما فيها أحزاب ستالينية، إلى أبعد مما تريد هي نفسها في طريق القطيعة مع البرجوازية، وذلك تحت تأثير تركيب استثنائي جدا لبعض الظروف (حرب، هزيمة، انهيار مالي، هجوم ثوري تشنه الجماهير، الخ). في كل حال، ثمة شيء لا ريب فيه، وهو أنه حتى لو تحقق هذا الاحتمال يوما، مع أنه احتمال صعب التصور، وأقيمت فعلا «حكومة عمال وفلاحين» بالمعنى الذي تم تحديده أعلاه، فهي لن تمثل أكثر من فصل قصير على طريق دكتاتورية البروليتاريا الحقيقية.

إلا أنه غير مفيد أن نضيع في التكهنات. فإن التحريض تحت شعار «حكومة العمال والفلاحين» يحتفظ بقيمة تربوية عظيمة، أيا كانت الظروف. وليس هذا صدفة، فهذا الشعار التعميمي يسير كليا على خط التطور السياسي لعصرنا (إفلاس الأحزاب البرجوازية القديمة وتفككها، إفلاس الديموقراطية وصعود الفاشية، تطلع الشغيلة المتنامي إلى سياسة أنشط وأكثر هجومية). لذا ينبغي أن يقود كل من مطالبنا الانتقالية إلى خلاصة سياسية واحدة وحيدة: على العمال أن يفكوا ارتباطهم بجميع الأحزاب البرجوازية التقليدية، من أجل أن يقيموا بالاشتراك مع الفلاحين سلطتهم الخاصة بهم.

يستحيل توقع ما ستكون المراحل الملموسة في التعبئة الثورية للجماهير. فعلى فروع الأممية الرابعة أن تتوجه بصورة نقدية عند كل مرحلة جديدة، وتطلق الشعارات التي تدعم اتجاه العمال نحو سياسة مستقلة، بحيث تعمق الطابع الطبقي لهذه السياسة، والتي تزيل الأوهام الإصلاحية وذات النزعة السلمية، وتوطد ارتباط الطليعة بالجماهير وتمهد للاستيلاء الثوري على السلطة.

« السابق التالي »