بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

البرنامج الانتقالي – احتضار الرأسمالية ومهام الأممية الرابعة

« السابق التالي »

17- الاتحاد السوفياتي ومهمات الفترة الانتقالية

لقد خرج الاتحاد السوفياتي من ثورة أكتوبر دولة عمالية. وقد أفسح تدويل وسائل الإنتاج، وهو شرط ضروري لتطور الاشتراكي، أفسح المجال لنمو سريع للقوى المنتجة. إلا أن جهاز الدولة العمالية أصيب في غضون ذلك بانحطاط كامل، متحولا من أداة للطبقة العاملة إلى أداة للعنف البيروقراطي ضد الطبقة العاملة، وأكثر فأكثر إلى أداة تخريب للاقتصاد. إن تبقرط دولة عمالية متخلفة ومعزولة وتحول البيروقراطية إلى فئة مغلقة صاحبة امتيازات وكلية الجبروت، هما الدحض الأكثر إقناعا ـ لا على الصعيد النظري وحسب، بل العملي أيضا ـ لنظرية الاشتراكية في بلد واحد.

هكذا ينطوي نظام الاتحاد السوفياتي على تناقضات خطرة. إلا أنه يبقى نظام دولة عمالية منحطة. هو ذا التشخيص الاجتماعي.

أما التكهن السياسي فله طابع تناوبي: إما أن تطيح البيروقراطية بالأشكال الجديدة للملكية وتدفع بالبلاد مجددا إلى الرأسمالية، فيما تصبح أكثر فأكثر أداة البرجوازية العالمية داخل الدولة العمالية، أو أن الطبقة العاملة ستسحق البيروقراطية وتفتح منفذا نحو الاشتراكية.

لم تكن محاكمات موسكو مفاجأة لفروع الأممية الرابعة ولا نتيجة للجنون الشخصي لدكتاتور الكرملين، بل النتائج الشرعية للردة الترميدورية. فقد نجمت عن الخلافات التي لا تطاق داخل البيروقراطية السوفياتية والتي تعكس بدورها التناقضات بين البيروقراطية والشعب، وكذلك التناقضات التي تتعمق داخل «الشعب» بالذات. هذا ويبين طابع المحاكمات «الخارق» الدامي أي حد بلغته قوة التناقضات وهو يعلن هكذا اقتراب الحل.

وقد أثبتت التصريحات العلانية لعملاء سابقين للكرملين في الخارج، رفضوا العودة إلى موسكو، أثبتت بشكل لا يدحض، وبطريقتها الخاصة، أن كل ألوان الفكر السياسي موجودة داخل البيروقراطية: من البلشفية الحقيقية (ا. رايس) إلى الفاشية المكتملة (ت. بوتنكو). فالعناصر الثورية في البيروقراطية، التي تشكل أقلية ضئيلة، تعكس بصورة غير فاعلة المصالح الاشتراكية للبروليتاريا. أما العناصر الفاشية، والمعادية للثورة عموما، التي يزداد عددها باستمرار، فتعبر بصورة منسجمة أكثر فأكثر عن مصالح الإمبريالية العالمية. هؤلاء المرشحون لدور «الكومبرادور» يعتقدون، ليس دون سبب، أن الشريحة القيادية الجديدة، لا تستطيع أن تضمن مواقعها المميزة إلا بالتراجع عن التأميم والتجميع واحتكار التجارة الخارجية، وذلك بحجة استيعاب «الحضارة الغربية»، أي الرأسمالية. بين هذين القطبين تتوزع اتجاهات وسطية وضبابية، ذات طابع منشفي، أو اشتراكي ـ ثوري، أو ليبرالي، تنجذب نحو الديموقراطية البرجوازية.

هذا ولا شك أنه توجد في المجتمع المسمى مجتمعا «بلا طبقات» التجمعات ذاتها التي داخل البيروقراطية، لكن بتعبير أقل وضوحا وبنسبة مقلوبة: فالاتجاهات الرأسمالية الواعية، الرائجة على وجه الخصوص في شريحة الكولخوزيين الثرية، لا تميز إلا أقلية ضئيلة من السكان. لكنها تجد لنفسها قاعدة عريضة في الميول البرجوازية الصغيرة إلى التراكم الخاص، التي تولد من البؤس العام وتشجعها البيروقراطية عمدا.

وعلى أساس هذا النظام من التعارضات المتنامية التي تدمر التوازن الاجتماعي أكثر فأكثر، تحتفظ طغمة ترميدورية بمواقفها، عبر وسائل إرهابية، وهي الآن تنحصر، على وجه الخصوص، في زمرة ستالين البونابرتية.

كانت المحاكمات الأخيرة ضربة موجعة ضد اليسار. ويصح هذا أيضا على قمع قادة المعارضة اليمينية، لأن المجموعة اليمينية في الحزب البلشفي القديم كانت تمثل، من وجهة نظر مصالح البيروقراطية واتجاهاتها، خطرا «يساريا». أما أن تكون الزمرة البونابرتية، التي تخاف أيضا حلفاءها اليمينيين من أمثال بوتنكو، وجدت نفسها مضطرة من أجل ضمان بقائها للجوء إلى الإبادة شبه العامة لجيل البلاشفة القدامى، فبرهان لا جدال فيه على حيوية التقاليد الثورية لدى الجماهير، كما على استياء هذه الجماهير المتنامي.

إن الديموقراطيين البرجوازيين الصغار في الغرب، الذين كانوا حتى الأمس يصدقون محاكمات موسكو، يكررون اليوم بإلحاح أنه «ليس في الاتحاد السوفياتي تروتسكية ولا تروتسكيين». إلا أنهم لا يشرحون لماذا يجري التطهير كله تحت شارة النضال ضد هذا الخطر. صحيح أننا إذا نظرنا إلى «التروتسكية» كبرنامج مكتمل، وبالأحرى كمنظمة، فالأرجح أن «التروتسكية» ضعيفة للغاية في الاتحاد السوفياتي، بيد أن قوتها التي لا تقهر تكمن في تعبيرها، لا عن التراث الثوري فحسب، بل كذلك عن المعارضة الراهنة من جانب الطبقة العاملة بالذات. إن الحقد الاجتماعي الذي يكنه العمال للبيروقراطية، هذا الحقد بالضبط هو الذي يشكل «التروتسكية» في نظر زمرة الكرملين. فهي تخشى حتى الموت، وبحق، أن يتضافر تمرد العمال الصامت مع تنظيم الأممية الرابعة.

إن إبادة جيل البلاشفة القدامى والممثلين الثوريين للجيلين الوسيط والجديد قد زادت في تخريب التوازن السياسي لمصلحة جناح البيروقراطية اليميني، البرجوازي، وحلفائه في البلاد. ومن هنا بالضبط، أي من اليمين، يمكن أن نتوقع في الفترة القادمة محاولات أكثر فأكثر عزما إعادة النظر في النظام الاجتماعي في الاتحاد السوفياتي لتقريبه من «الحضارة الغربية»، ومن نسختها الفاشية بالدرجة الأولى.

يجعل هذا المنظور مسألة «الدفاع عن الاتحاد السوفياتي» أمرا ملموسا جدا. فإذا حدث في الغد أن شرع الاتجاه البرجوازي ـ الفاشي، عنينا «تكتل بوتنكو»، في صراع من أجل الاستيلاء على السلطة فسوف يقف تكتل «رايس» حتما في الجانب الآخر من المتراس. وعلى رغم أنه سيكون متحالفا مع ستالين بصورة مؤقتة، فسوف يدافع، ليس عن زمرة هذا الأخير البيروقراطية طبعا، بل عن أسس الاتحاد السوفياتي الاجتماعية، أي عن الملكية التي انتزعت من الرأسماليين وتم تدويلها. أما إذا تحالف «تكتل بوتنكو» عسكريا مع هتلر، فسوف يدافع «تكتل رايس» عن الاتحاد السوفياتي ضد التدخل العسكري، داخل الاتحاد السوفياتي كما على الحلبة الدولية. أما أي سلوك آخر فسيكون ضربا من الخيانة.

هكذا فإذا صح أنه لا يمكن أن ننفي مسبقا إمكانية قيام «جبهة موحدة»، ضمن حالات محددة بدقة، مع القسم الترميدوري من البيروقراطية وضد الهجوم المكشوف من جانب الثورة المضادة الرأسمالية، فإن المهمة السياسية الرئيسية في الاتحاد السوفياتي تظل رغم كل شيء إطاحة البيروقراطية الترميدورية بالذات. إذ أن استمرار هيمنتها يزيد يوما بعد يوم من زعزعة العناصر الاشتراكية في الاقتصاد ومن فرص الردة الرأسمالية. تعمل في الاتجاه ذاته كذلك الأممية الشيوعية وكيلة الزمرة الستالينية والمتواطئة معها في خنق الثورة الإسبانية وتثبيط عزم البروليتاريا العالمية.

تماما كما الحال في البلدان الفاشية، لا تستمد البيروقراطية قوتها الرئيسية من ذاتها، بل من ثبوط همة الجماهير، ومن افتقادها لأفق جديد. وتماما كما الحال في البلدان الفاشية، التي لا يتميز عنها جهاز ستالين السياسي بشي، خلا بهيجان أعظم، لا يمكن القيام حاليا في الاتحاد السوفياتي بأكثر من عمل دعائي إعدادي. وتماما كما في البلدان الفاشية، سوف تتولى الأحداث الخارجية على الأرجح حفز الحركة الثورية للعمال السوفيات. إن النضال ضد الأممية الشيوعية على الحلبة العالمية هو الآن الجزء الأهم من النضال ضد الديكتاتورية الستالينية. فثمة أمور كثيرة تسمح بالاعتقاد أن تفكك الأممية الشيوعية التي لا تستند مباشرة إلى الغيبيو*، سوف يسبق سقوط الزمرة البونابرتية وكل البيروقراطية الترميدورية على وجه العموم.

إن صعود الثورة الجديد في الاتحاد السوفياتي سوف يبدأ بلا شك تحت راية النضال ضد اللامساواة الاجتماعية وضد الاضطهاد السياسي. فلتسقط الامتيازات البيروقراطية! ولتسقط الستاخانوفية! ولتسقط الأرستوقراطية السوفياتية مع رتبها وأوسمتها! نحو المزيد من المساواة في مكافأة كل أشكال العمل!

إن النضال من أجل حرية النقابات ولجان المصانع، ومن أجل حرية الاجتماع والصحافة، سوف يتطور إلى نضال من أجل بعث الديموقراطية السوفياتية وتفتحها.

لقد استبدت البيروقراطية السوفياتات، من حيث هي أدوات طبقية، استبدلتها بوهم الاقتراع العام، على طريقة هتلر ـ غوبلز. فينبغي أن يعاد للسوفياتات ليس شكلها الديموقراطي الحر وحسب، بل كذلك مضمونها الطبقي. ومثلما لم تكن البرجوازي ولا الكولاك مقبولين في السوفياتات، ينبغي اليوم أيضا طرد البيروقراطية والأرستقراطية الجديدة من السوفياتات. فليس في السوفياتات مكان لغير ممثلي العمال وشغيلة الكولخوزات، والفلاحين والجنود الحمر.

هذا ولا يمكن تصور إشاعة الديموقراطية في السوفياتات من دون منح الصفة الشرعية للأحزاب السوفياتية. إن العمال والفلاحين أنفسهم سوف يظهرون، عبر الإدلاء بأصواتهم الحرة، أيّ الأحزاب هي أحزاب سوفياتية.

ينبغي إعادة النظر في الاقتصاد المخطط من أعلى لأسفل، لمصلحة المنتجين والمستهلكين! وعلى لجان المصانع أن تستعيد حق الرقابة على الإنتاج. كما يجب أن تقوم تعاونيات الاستهلاك المنظمة ديموقراطيا بمراقبة نوعية المنتجات وأسعارها.

ينبغي إعادة تنظيم الكولخوزات بالتوافق مع إرادة الكولخوزيين ووفقا لمصالحهم!

يجب أن تحل محل السياسة الدولية المحافظة التي تعتمدها البيروقراطية سياسة الأممية البروليتارية. وأن يتم نشر كل مراسلات الكرملين الدبلوماسية. فلتسقط الدبلوماسية السرية!

ينبغي إعادة النظر في المحاكمات السياسية التي لفقتها البيروقراطية الترميدورية، ضمن ظروف العلانية التامة والتفحص الحر. كما يجب أن يلقى منظمو التزويرات العقوبة التي يستحقون.

هذا ويستحيل تنفيذ هذا البرنامج دون إطاحة البيروقراطية التي تبقى في مواقعها بواسطة العنف والتزوير. إن الانتفاض الثوري الظافر للجماهير المضطهَدة هو وحده القادر على إحياء النظام السوفياتي وضمان سيره إلى الأمام نحو الاشتراكية. إن حزب الأممية الرابعة وحده هو القادر على قيادة الجماهير السوفياتية نحو الانتفاضة.
فلتسقط زمرة قايين ـ ستالين البونابرتية!
تحيا الديموقراطية السوفياتية!
تحيا الثورة الاشتراكية العالمية!

« السابق التالي »