بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

البرنامج الانتقالي – احتضار الرأسمالية ومهام الأممية الرابعة

« السابق التالي »

18- ضد الانتهازية والتحريفية اللامبدئية

تبرهن من جديد سياسة حزب ليون بلوم في فرنسا أن الإصلاحيين عاجزون عن تعلم شيء من دروس التاريخ الأكثر مأساوية. فالاشتراكية ـ الديموقراطية الفرنسية تنسخ بصورة ذليلة سياسة الاشتراكية ـ الديموقراطية الألمانية وتسير نحو الكارثة ذاتها. والحال أن الأممية الثانية نمت طوال عشرات السنين ضمن أطر الديموقراطية البرجوازية، وأصبحت جزءا لا يتجزأ منها، تتعفن معها.

أما الأممية الثالثة فقد دخلت في طريق الإصلاحية في العصر الذي وضعت فيه أزمة الرأسمالية الثورة البروليتارية على جدول الأعمال وبصورة نهائية. إن السياسة الحالية للأممية الشيوعية في إسبانيا والصين ـ وهي سياسة تكمن في الزحف عند أقدام البرجوازية «الديموقراطية» و«الوطنية» ـ هذه السياسة تبرهن أن أ.ش. لم تعد هي الأخرى قادرة على تعلم شيء أو التغيّر. ولا يمكن للبيروقراطية التي أصبحت قوة رجعية داخل الاتحاد السوفياتي أن تلعب دورا ثوريا على الحلبة الدولية.

هذا وقد شهدت الحركة الفوضوية ـ النقابية بالإجمال تطورا من النوع نفسه. في فرنسا، أصبحت بيروقراطية ليون جوهو النقابية، منذ زمن طويل، وكيلة معتمدة للبرجوازية داخل الطبقة العاملة. وفي إسبانيا، تخلصت الحركة الفوضوية ـ النقابية من ثورويتها الخادعة حالما ابتدأت الثورة، وأصبحت الدولاب الخامس لعربة الديموقراطية البرجوازية.

أما المنظمات الوسيطة التي تتجمع حول مكتب لندن فليست سوى ملحقات «يسارية» للاشتراكية ـ الديموقراطية والأممية الشيوعية. وقد أظهرت عجزها الكامل عن تحديد الاتجاه ضمن وضع تاريخي واستخلاص الاستنتاجات الثورية من ذلك الوضع. هذا وقد بلغ ذروة ما يمكن أن يبلغه الحزب العمالي للتوحيد الماركسي (بوم) الإسباني الذي وجد نفسه، ضمن ظروف الثورة، عاجزا كليا عن اتباع سياسة ثورية.

إن الهزائم المأساوية التي نزلت بالبروليتاريا العالمية، على امتداد سنوات عديدة، دفعت المنظمات الرسمية إلى الإمعان في نزعتها المحافظة، وأدت في الوقت ذاته ب «الثوريين» البرجوازيين الصغار المحبطين إلى البحث عن «طرق جديدة». وكما الحال دائما في فترات الردة والأفول، يظهر السحرة والمشعوذون من كل الجهات. إنهم يريدون إعادة النظر بكل مسيرة الفكر الثوري. وعوض أن يتعلموا من الماضي، «يصححونه». فيكتشف بعضهم أن الماركسية غير متماسكة، ويعلن الآخرون إفلاس البلشفية. ويلقي بعضهم على النظرية الثورية مسؤولية أخطاء من خانوها وجرائمهم، فيما يلعن الآخرون الطب لأنه لا يضمن شفاء فوريا وعجيبا. أما الأكثر جسارة فيعدون باكتشاف علاج عام، ويوصون، بانتظار ذلك، بإيقاف صراع الطبقات. هذا والعديد من أنبياء الأخلاق الجديدة يتأهبون لإحياء الحركة العمالية بواسطة علاج تجانسي أخلاقي. والحال أن معظم هؤلاء الرسل نجحوا بأن يصبحوا هم أنفسهم كسيحين أخلاقيين حتى قبل نزولهم إلى ميدان القتال. هكذا لا تعرض على البروليتاريا، بمظهر «طرق جديدة»، إلا وصفات قديمة، تم دفنها منذ زمن بعيد في أرشيفات اشتراكية ما قبل ماركس.

تشهر الأممية الرابعة حربا شعواء على بيروقراطيي الأمميتين الثانية والثالثة، وأممية أمستردام والأممية الفوضوية ـ النقابية، كما على ملحقاتها الوسطية، وعلى الإصلاحية من دون إصلاحات، والنزعة الديموقراطية المتحالفة مع الغيبيو، والنزعة السلمية من دون سلام، على الفوضوية الموضوعة في خدمة البرجوازية، وعلى «الثوريين» الذين يخافون الثورة حتى الموت. كل هذه المنظمات ليست رهان المستقبل، بل ترسبات متعفنة من الماضي. ولن يترك منها عصر الحروب والثورات حجرا على حجر.

لا تبحث الأممية الرابعة عن أي علاج عام ولا تخترعه. بل تقف كليا على أرض الماركسية، النظرية الثورية الوحيدة التي تسمح بفهم ما هو كائن، وباكتشاف أسباب الهزائم وتهيئة النصر بصورة واعية. تتبع الأممية الرابعة تقاليد البلشفية التي دلت البروليتاريا للمرة الأولى على طريق انتزاع السلطة. إن الأممية الرابعة تزيح السحرة والمشعوذين وأساتذة الأخلاق المزعجين. فإن الأخلاق الأسمى في مجتمع قائم على الاستغلال هي أخلاق الثورة الاشتراكية. خيرة هي الطرائق والوسائل التي ترفع وعي العمال الطبقي، وثقتهم بقواهم الذاتية، واستعداداتهم لإنكار الذات وسط المعمعان. وغير مقبولة كل الطرائق التي توحي للمضطهَدين بالخشية والطاعة إزاء المضطهدين، وتخنق روح الاحتجاج والتمرد، أو تحل محل إرادة الجماهير إرادة القادة، ومحل الإقناع الإكراه، ومحل تحليل الواقع الديماغوجية والتزوير. هاكم هو السبب في أن الاشتراكية ـ الديموقراطية التي عهرت الماركسية، تماما كما الستالينية، نقيض البلشفية، هما العدوان اللدودان للثورة البروليتارية ولأخلاقها.

النظر إلى الواقع وجها لوجه، عدم البحث عن الخط الأقل مقاومة، تسمية الأشياء بأسمائها، قول الحقيقة للجماهير، مهما تكن مرة، عدم الخوف من العوائق، الصرامة في الأمور الصغيرة والكبيرة سواء، الجسارة حين تأزف ساعة العمل: تلكم هي القواعد التي تتبعها الأممية الرابعة. لقد بينت أنها تحسن السير ضد التيار. وسوف ترفعها الموجة التاريخية القادمة إلى ذروتها.

« السابق التالي »