بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

البرنامج الانتقالي – احتضار الرأسمالية ومهام الأممية الرابعة

« السابق التالي »

مقدمة للطبعة الفرنسية لعام 1967

ورد أول برنامج انتقالي ماركسي في بيان الحزب الشيوعي الصادر في عام 1848، في نهاية فصل «البروليتاريون والشيوعيون». يتعلق الأمر ببرنامج مؤلف من عشر نقاط يرمي إلى تجميع الشغيلة في النضال من أجل أن يستولوا على السلطة. إن برامج الأحزاب العمالية الكبرى التي تشكلت إبان النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأشهرها برنامج إيرفورت (1891)، كانت تتألف من قسمين لا أدنى صلة ديالكتيكية بينهما: القسم الأول يتناول برنامج حد أقصى يعبر عن مطلب مجتمع اشتراكي في أمد غير منظور، والثاني يتناول برنامج حد أدنى هو ذلك الذي يدافع عنه الحزب العمالي داخل المجتمع الرأسمالي، ذلك أن مشكلة استيلاء البروليتاريا على السلطة في تلك المرحلة من تطور الرأسمالية وتوسعها على الصعيد العالمي لم يكن يمكن طرحها كهدف فوري.

أعيد وضع النضال من أجل السلطة على جدول الأعمال مع دخول الرأسمالية في مرحلتها الإمبريالية، في بداية القرن العشرين: كانت ثورة عام 1905 الروسية أول تعبير عن هذا الواقع، والأكثر إثارة. عام 1917، قدم الحزب البلشفي برنامجا انتقاليا، لم يطلِق عليه هذه التسمية (نجده ضمن «موضوعات نيسان»، كما في كراس للينين بعنوان «الكارثة المحدقة، وكيف نتجنبها»). هذا وفي الخطاب البرنامجي بمناسبة تأسيس الحزب الشيوعي الألماني، هذا الخطاب الذي ألقته في عام 1918 روزا لوكسمبورغ التي شعرت قبل الجميع بمخاطر تقسيم البرنامج إلى قسمين، أعلنت، بعد التذكير بالمقطع المشار إليه أعلاه من بيان الحزب الشيوعي وببرنامج إيرفورت، أنه يجب العودة إلى مفهوم البيان، كما أكدت قائلة:

«إن برنامجنا يتعارض بصورة واعية مع وجهة النظر التي كان يستند إليها حتى ذلك الحين برنامج إيرفورت، إنه يتعارض بصورة واعية مع الفصل بين المطالب المباشرة التي تستهدف النضال الاقتصادي والسياسي (وهي تسمى مطالب الحد الأدنى) والهدف الاشتراكي النهائي كبرنامج حد أقصى. بالتعارض الواعي مع ذلك، نضع موازنة نتائج السبعين سنة الأخيرة من التطور، ولاسيما ناتجها المباشر المتمثل بالحرب العالمية، ونقول: بالنسبة إلينا، ليس ثمة برنامج حد أقصى وبرنامج حد أدنى؛ إن الاشتراكية واحدة؛ الاشتراكية هي الحد الأدنى الذي نريد اليوم إنجازه».

أما الأممية الشيوعية التي تشكلت كمنظمة، واتخذت تدابير لغلق الأبواب أمام التيارات الإصلاحية والوسطية إبان مؤتمريها العالميين الأولين، فقد قدمت في مؤتمريها الثالث والرابع (1921 و 1922) مفهوم برنامج الانتقال بهذه التعابير:
«عوض برنامج الحد الأدنى الذي يقدمه الإصلاحيون والوسطيون، تضع الأممية في المقدمة النضال من أجل الحاجات الملموسة للبروليتاريا، من أجل نظام مطالب تدمر بمجملها قوة البرجوازية، وتنظم البروليتاريا، وتشكل مراحل من النضال لأجل دكتاتورية البروليتاريا، ويعبِّر كل واحد منها بشكل خاص عن واحدة من حاجات الجماهير الواسعة، حتى لو كانت هذه الجماهير لم تتوصل بعد إلى وضع نفسها بصورة واعية على أرض دكتاتورية البروليتاريا» (المؤتمر الثالث، 1921، الموضوعات حول التكتيك).

«(…) 3- إن ضرورة النضال، على صعيد برنامج الفروع القومية، من أجل المطالب الانتقالية، ينبغي أن يتم تعليلها بدقة ووضوح. كما ينبغي إيراد التحفظات حول علاقات هذه المطالب بالظروف الملموسة على صعيدي الزمان والمكان.

«4- إن الأسس النظرية لكل المطالب الانتقالية والجزئية ينبغي أن تصاغ في البرنامج العام. يعبِّر المؤتمر الرابع عن موقفه المناهض لإظهار إدخال المطالب الانتقالية في البرنامج كضرب من الانتهازية، كما لكل محاولة للحد من الأهداف الثورية الأساسية أو لاستبدالها بمطالب جزئية.

«5- ينبغي أن ترد بوضوح في البرنامج العام النماذج التاريخية الأساسية، التي تنقسم إليها المطالب الانتقالية للفروع القومية، وفقا للاختلافات الجوهرية في البنيتين الاقتصادية والسياسية للبلدان المتخلفة، كإنجلترا من جهة والهند من جهة أخرى، على سبيل المثال، الخ.» (المؤتمر الرابع، 1922، القرار حول برنامج الأممية الشيوعية).

لقد تخلت الأممية الشيوعية عن مفهوم البرنامج الانتقالي فيما بعد، حين أفسدتها الستالينية. فبعد العديد من القفزات الفجائية إلى أقصى اليسار، ولما كان توجهها الأساسي ذا طابع انتهازي (الجبهات الشعبية، الجبهات القومية، الخ)، غدت تلجأ إلى التعاون مع أجنحة برجوازية أو تبحث عن هكذا تعاون في إطار الاقتصاد الرأسمالي. عادت الأحزاب الشيوعية بفعل ذلك إلى مفهوم برنامج الحد الأدنى. فلم يعد يتعلق الأمر بالنسبة إليها بنظام مطالب يؤدي إلى تطوير الصراع الطبقي والارتفاع به انطلاقا من مطالب جزئية وانتقالية بالنسبة للنضال من أجل حكومة شغيلة.

إن الأممية الرابعة هي التي احتفظت بعمل المؤتمرات الأربعة الأولى للأممية الشيوعية وأغنته، على صعيد البرنامج الانتقالي كما على كل الأصعدة الأخرى. بعد سلسلة محاولات قامت بها الفروع القومية (برنامج العمل لعام 1934 للعصبة الشيوعية في فرنسا، برنامج العمل للفرع البلجيكي، الخ.)، تبنى مؤتمر تأسيس الأممية الرابعة عام 1938 الوثيقة التي دخلت تاريخ الحركة التروتسكية باسم البرنامج الانتقالي. هذه الوثيقة هي التي نعيد نشرها في هذا الكتاب.

ليس هذا البرنامج ما يمكن تسميته بالبرنامج الأساسي للأممية الرابعة. فهذا الأخير يتكون من مجمل دروس النضال لأجل الاشتراكية منذ بدايات الحركة العمالية. إن برنامجا من هذا النوع لا يتخذ شكل وثيقة واحدة، بل يتشكل بصورة أساسية من تعاليم الماركسيين الأوائل، ومما صدر عن المؤتمرات الأربعة الأولى للأممية الشيوعية، ومن الوثائق الأساسية للمعارضة اليسارية السوفياتية والدولية ولمؤتمرات الأممية الرابعة. ضمن هذا السياق التاريخي، يشكل البرنامج الانتقالي لعام 1938 جزءا من برنامج الأممية الرابعة الأساسي. إنه جزؤه الأهم من الناحية السياسية، بمعنى أنه يصوغ انطلاقا من مجمل التعاليم الواردة في البرنامج الأساسي برنامجا سياسيا معدا لتعبئة الجماهير عبر نشاطات تنطلق من مستوى وعيها في تاريخ محدد لترتفع بها، عبر تربيتها في خضم تلك النشاطات، إلى المستوى الأعلى، وتدفعها إلى استلام السلطة.

يقوم البرنامج الانتقالي إذن على عنصرين أساسيين:

1- أن يكون المجتمع الرأسمالي وصل إلى حالة فقد معها استقراره على المستوى التاريخي (ليس بالضرورة في كل آن وفي بلد محدد) وأصبح النضال من أجل الاستيلاء على السلطة المهمة الرئيسية للفترة التاريخية المعنية؛

2- طرح سلسلة من الشعارات المرتبطة بالشروط الظرفية الدولية والقومية، التي يهدف جمعها إلى ارتفاع بالجماهير عبر النضال إلى المستوى السياسي الأعلى.

إن العنصر الأساسي في هذا البرنامج هو بالضبط تتويج هذه السلسلة من الشعارات التي ينبغي، لكي تكون في محلها، أن تتوافق مع المنطق الداخلي لحركة الجماهير: ينبغي أن تؤدي هذه السلسلة إلى شعار حكومة العمال والفلاحين أو حكومة الشغيلة. حول هذه النقطة أيضا، استعادت الأممية الرابعة تعاليم المؤتمرين الثالث والرابع للأممية الشيوعية وأغنتها، حيث لا يستخدم هذا الشعار كمرادف لدكتاتورية البروليتاريا، بل كصيغة حكومية انتقالية تتلاءم مع ظروف تنظيم الجماهير ووعيها في فترة محددة. إن برنامجا لا يتضمن منظور حكومة للجماهير الكادحة، تتخذ تدابير معادية للرأسمال، ليس برنامجا انتقاليا.

يقدم برنامج عام 1938 إغناء آخر لتعاليم الأممية الشيوعية؛ فقد طرح الانحطاط الستاليني في الاتحاد السوفياتي مسألة الثورة السياسية ضد السلطة البيروقراطية، والبرنامج الانتقالي لعام 1938 يضم جزءا يتعلق بهذا النضال ينص على شعارات كان تروتسكي يعبِّر في كتابه، الثورة المغدورة، عن مظهرها الظرفي بالكلمات التالية:
«سوف يتوقف برنامج هذه الثورة على الفترة التي ستنفجر فيها، وعلى المستوى الذي يكون البلد قد بلغه، والى حد بعيد على الوضع العالمي».

إن البرنامج الانتقالي الذي كتب عشية الحرب العالمية الثانية برهن عن صحته الساطعة بعد ذلك بسنوات، وبالتحديد بُعيد الحرب. ففي أوروبا، نلاحظ أن كل النضالات الكبرى لما بعد الحرب مباشرة قد أعادت خلال تطورها بناء المنطق الداخلي للبرنامج الانتقالي وشعاراته؛ لكن لما كانت أغلب الأحيان بقيادة الستالينيين الذين لم يكونوا ينوون قلب النظام الرأسمالي، وذلك انصياعا لتوجيه الكرملين الملتزم تجاه الإمبرياليين باتفاقات يالطا وطهران وبوتسدام، فإن هذا النضالات لم توجَّه نحو إرساء حكومة للجماهير الكادحة وانتهت إلى الفشل. لقد برهنت الثورة الكولونيالية فيما بعد عن صحة الجزء من البرنامج العائد للبلدان المستعمَرة المنتفضة ضد الحواضر الإمبريالية. إن تحركات الجماهير البولونية والهنغارية عام 1956 برهنت عن صحة الخطوط الأساسية الواردة في هذا البرنامج، بما يخص الدولة السوفياتية التي كانت الدولة العمالية الوحيدة القائمة في الفترة التي كتب فيها(1).

هذا التحقق الثلاثي من صحة الوثيقة التي بين أيدينا كاف لتبيان أهميتها وقيمتها. إنها تبقى إلى اليوم محتفظة بصحتها، شريطة القيام بعمليات الضبط التي تتطلبها التطورات التي حدثت خلال السنوات المنصرمة التي تلت العام الذي كتبت فيه.

بيد أنه ينبغي التمهيد بمعالجة مسألة ليس لها طابع ظرفي صرف. فقد وضع البعض موضع الاتهام المعنى الأساسي لل«برنامج الانتقالي»، عبر استخدام التعبير ذاته. إن عبارة «البرنامج الانتقالي» قد استخدمت منذ عدة سنوات بمفهوم مناقض كليا لذلك الذي كانت تقصده الأممية الشيوعية، ثم الأممية الرابعة فيما بعد. أما بطلة هذا التحريف فهي قيادة الحزب الشيوعي الإيطالي. فالقيادة المذكورة تدافع عن وجهة النظر التي تقول أن الدستور الإيطالي ينطوي على بنود تسمح بتخطي المجتمع الرأسمالي إلى مجتمع يبني الاشتراكية، فيما العالم في فترة يحدث فيها الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية؛ كان الأمر يتعلق إذن بالنسبة لتوغلياتي وتلامذته بتقديم برنامج يسمح تحقيقه، عن طريق استخدام أحكام الدستور الإيطالي الحالي، بإنجاز الانتقال من نمط إنتاج إلى نمط إنتاج آخر*.

إن وجهة النظر هذه تشكل انحرافا أساسيا عن المفهوم الماركسي المتعلق بالدولة، وهو المفهوم الذي أبرزه لينين في كتاب الدولة والثورة (لا ينكر قادة الحزب الشيوعي الإيطالي ذلك). ففي الانتقال من المجتمع الرأسمالي إلى المجتمع الاشتراكي، تلغي وجهة النظر تلك اللحظة التي يعتبرها جوهرية كل من ماركس وإنجلز، وروزا، ولينين وتروتسكي، عنينا لحظة استيلاء الطبقة العاملة على السلطة وتدمير الدولة البورجوازية. إن »البرنامج الانتقالي« الذي يدافع عنه على هذا المنوال قادة الحزب الشيوعي الإيطالي يعيدنا إلى البرنامج الذي كان يتصوره إدوار برنشتاين في بداية القرن، البرنامج الذي يتناسب مع تطور تدريجي للمجتمع عبر سلسلة من الإصلاحات المتتالية دون أن تنطرح مسألة السلطة بغير الطريق البرلماني وامتداده الملازم له، أي المشاركة في الحكومة البورجوازية. ليس هذا »البرنامج الانتقالي« إذن شيئا جديدا، إنه يعيدنا إلى المناقشات حول النزعة التحريفية التي جرت داخل الأممية الثانية في السنوات الأولى من القرن العشرين(2).

إن قيادة الحزب الشيوعي الفرنسي، التي تصل نزعتها المحافظة إلى الحدود القصوى، قد وقفت زمنا طويلا ضد هذه الفكرة «الإيطالية» عن «البرنامج الانتقالي»، غير مدفوعة إلى ذلك بفعل روح ثورية بل بالأحرى على طريقة كاوتسكي، على أساس أنه ينبغي الحفاظ على «النظرية» كما لو كانت عقيدة dogme، لا علاقة لها بالممارسة اليومية التي كانت برلمانية وانتهازية في فرنسا، تماما كما هي الحال مع ممارسة الحزب الشيوعي الإيطالي في بلاده. إن أنصارا «للبرنامج الانتقالي» على الطريقة الإيطالية، ظهروا في فرنسا داخل الحزب الاشتراكي الموحد (P.S.U)، وهم يدافعون عن وجهة النظر التالية: تشكل الرأسمالية الحالية، أو «الرأسمالية الجديدة»(3) وفقا لتعبير غامض، مرحلة انتقالية من الرأسمالية إلى الاشتراكية؛ ولا يحدث هذا الانتقال وفقا للمخططات Schémas القديمة للصراع السياسي. لقد أصبحت مسألة السلطة الحكومية ذات أهمية ثانوية؛ والقوة الاجتماعية تكمن الآن في أجهزة اقتصادية كبيرة، بحيث أنه يمكن للاشتراكية أن تتقدم بالضبط عبر وصول أناس تحركهم قناعات اشتراكية إلى قيادة تلك الأجهزة، إلى تلك «المراكز لاتخاذ القرارات» (بالجمع). تتم هكذا تنحية مسألة السلطة من الاهتمامات والنضالات، تماما كما في حالة الحزب الشيوعي الإيطالي.

يجري استبعاد هذا المركز لاتخاذ القرار الحاسم، المتمثل بالسلطة الحكومية في الدولة، لصالح مراكز متعددة لاتخاذ القرارات. عوضا عن توجيه النضالات الجماهيرية صوب مسألة السلطة، ثمة ميل لبعثرتها على الصعيدين المكاني والزماني نحو أهداف متعددة. إن مفاهيم من هذا النوع تتلاقى مع المفاهيم التي أصبحت على قدر لا بأس به من الانتشار، وفي العديد من الأوساط، بما فيها بعض الأوساط البورجوازية، بين أولئك الذين يستخلصون أن الفروق بين الرأسمالية والاشتراكية أصبحت مسألة بالية والاستيلاء على السلطة مشكلة عفا عليها الزمن؛ ذلك أنهم يحكمون على أساس المظاهر، ويرون الإصلاحيين على طريقة ليبرمان في البلدان العمالية، من جهة، والبرمجة في البلدان الرأسمالية، من جهة أخرى. إن الرأسماليين بالذات لا يشاطرون المؤمنين بهذه الأفكار أفكارهم هذه، في ممارستهم اليومية. إن المجلة الأكثر ثقة في مدينة لندن ـ حيث أصبحت ثروة الأزمنة الخوالي أمرا من الماضي، لكن ليس الفهم الثابت للمصالح الرأسمالية ـ هذه المجلة عبرت عن رأيها بتعابير لا علاقة لها بالطبع بالتحليل الماركسي، إلا أنها تفصح عن وعي طبقي رأسمالي فطن للغاية حول هذه المسائل، حيث كتبت:
»في الحقيقة، كلما نظرنا إلى جهود الاقتصادات الغربية والشرقية وهي تقترب بعضها من الأخرى ـ حيث تتجه الاقتصادات الشيوعية نحو »علاقات السوق« وتخوض الاقتصادات الرأسمالية تجارب تخطيط ـ كلما بدت تشبه عنزتين مربوطتين تحاولان أن تلتقيا لكنهما تفشلان بسبب طول الرسن الذي يوثق كلا منهما إلى وتدها الخاص بها. هذا الوتد موجود حيث توجد السلطة الأساسية للقرار الاقتصادي، سواء كانت الدولة أو الأفراد« (الإيكونوميست، 28 تشرين الثاني ـ نوفمبر 1964).

تبقى الدولة في المجتمع الرأسمالي مركز القرار في خدمة الرأسماليين، رغم كل التبدلات التي يمكن أن تكون حدثت. لا يمكن الانتقال إلى الاشتراكية إلا عبر التصدي لها، أي للسلطة الحكومية، لا عبر تجاهلها والعمل خفية عن طريق وصول أناس ذوي نوايا حسنة إلى قيادة مجموعة من مراكز القرارات. تقدم نظرية »مراكز القرارات« هذه مع ذلك بعض المنافع… ذات الطابع الخاص بالنسبة لأولئك الذين يصلون إلى قمتها. ثمة أيضا، ليست المسألة جديدة تماما. فعندما أصبح جوهو حاكما لمصرف فرنسا (وهو واحد من مراكز القرارات، وليس الأخير)، أجاب على الانتقادات الثورية بأنه فعل ذلك من أجل قضية تحرر الشغيلة، وقد قال ذلك بحيث يترك الانطباع أنه لم يقدم أحد تضحيات قدر ما قدّم هو من أجل هذه القضية.

إننا نرفض رفضا مطلقا هذا الفهم »للبرنامج الانتقالي«، ونستبقي دون تحفظ الفهم الذي وجَّه وضع برنامج عام 1938، لا لمجرد التعلق بالماضي والاحترام العميق له، بل لأن هذا الفهم يبقى الأصلح أكثر من أي وقت مضى، وذلك في كل أجزاء العالم.

إن انتزاع الاستقلال السياسي الشكلي في البلدان التي كانت مستعمَرة أو نصف مستعمَرة لم يحلّ على الإطلاق مشاكل التخلف الكبرى. ففي كل القارات التي خضعت للاستعمار تنطرح بقوة أعظم فأعظم ضرورة تنامي الثورة الكولونيالية إلى ثورة اشتراكية، وبالتالي ضرورة برنامج انتقالي لهذه الغاية.

إن «نزع الستالينية» في البلدان العمالية لم يضع موضع الاتهام السلطة السياسية للبيروقراطية؛ ولم يجر وضع أي من المطالب التي صاغها برنامج عام 1938، أو كتاب الثورة المغدورة، موضع التنفيذ الكلي، نظرا للإبقاء على تلك السلطة البيروقراطية. فقد شهدت أحداث بولونيا وهنغاريا لعام 1956، من بين أحداث أخرى، على الحاجة لبرنامج انتقالي.

أما في البلدان الرأسمالية المتقدمة اقتصاديا، فقد ولَّدت سنوات عديدة من الازدهار الاقتصادي لم يتوقعها أحد، حتى أكثر الرأسماليين تفاؤلا، غبطة إصلاحية وتراجعا لدى التيارات الثورية. إن الإنتهازيين والإصلاحيين لا يشعرون بالحاجة إلى تبريرات نظرية: يكفي كل يوم شره، بالنسبة إليهم، ثم ألا تبدو الظروف مناسبة جدا لبرنامج حد أدنى(4)؟ إلا أن الازدهار الاقتصادي لم يُلغ الخصائص الجوهرية للرأسمالية في مرحلتها الإمبريالية، ولم يُعِد الرأسمالية إلى فترة ازدهارها في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، التي كانت كذلك فترة برنامج الحد الأدنى. بل ثمة وراء واجهة ازدهار اقتصادي خارق رأسمالية فقدت سطوتها على ثلث الكرة الأرضية وعلى ثلث سكانها، رأسمالية تعاني من الهجمات المتواصلة التي تشنها عليها أغلبية الجنس البشري، رأسمالية لا تقوى الإمكانات المادية الهائلة للولايات المتحدة على أن تكسر باسمها شوكة الشعب الفيتنامي، رأسمالية يبدو نظامها الاقتصادي أضعف بشكل ملموس من ذلك الذي لم تظهر إلا خطوطه الأولى في البلدان العمالية القائمة، مع أن هذه الأخيرة قد انطلقت من مستوى متدن جدا، وتحت إدارة بيروقراطية مشهورة بتبذيراتها. إن الادعاءات الكاذبة حول إمكانات التكيف لدى الرأسمالية، وحول تفوقها على الاشتراكية، لا تخدع في كل الأحوال الرأسماليين وخدمهم الأكثر مسؤولية عن الحفاظ على ذلك النظام، والأكثر تبصرا. فرغم مراكمة ثروات اقتصادية وتحسين لا جدال فيه لظروف معيشة الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية المتقدمة اقتصاديا، لا نجد في هذه البلدان ازدهارا موازيا، على مستوى الديمقراطية البورجوازية، لما كانت عليه الحال أثناء فترة ازدهار الرأسمالية.

على العكس من ذلك، إن الاتجاه الذي يبرز في كل تلك البلدان هو اتجاه »الدولة القوية« على حساب الأشكال الديمقراطية، وتقوية »الأجهزة التنفيذية« على حساب البرلمانات القومية والمؤسسات المحلية، وذلك حتى في بلد الديمقراطية البورجوازية بامتياز، بريطانيا، وبقيادة حكومة »حزب العمال« بالذات. ليس هذا الاتجاه محصلة اضطراب عقلي، إنه ثمرة الحاجة لدى الرأسمالية. تكفي بعض الأحداث المحدودة نسبيا حتى تبرز سرعة العطب الاجتماعية في البلدان الأوروبية، أكان الأمر يتعلق بالإضراب العام البلجيكي في عامي 1960-1961 أو بالأزمة اليونانية صيف عام 1965، الخ. إن تطلعات السود في الولايات المتحدة بالذات تهز المجتمع هزا عميقا. ولم تزل الحاجة إلى برنامج انتقالي في البلدان الرأسمالية الأكثر تقدما على المستوى الاقتصادي هي ذاتها القائمة في الأجزاء الأخرى من العالم.

إن الديالكتيك الحالي للثورة العالمية سوف يجعل الحاجة إلى برنامج انتقالي أكثر إلحاحا، وذلك كوسيلة لتعبئة أوسع الجماهير حول هذه الشعارات التي تدفعها إلى حلبة الصراع مع النظام القائم، من أجل إرساء حكومة بشروعها في وضع مطالب هذا البرنامج موضع التنفيذ تشرع هكذا في الوقت ذاته في خرط المجتمع في طريق بناء الاشتراكية. علينا أن نقول بضع كلمات فقط عن ضرورة طرح شعارات البرنامج الانتقالي وترتيبها بالتوافق مع معطيات المكان والزمان.

بعض الشعارات إن لم تصبح بالية، بالنسبة لما كانت عليه عام 1938، فهي قد أصبحت ثانوية على الأقل، إذا قارناها بمطالب أخرى. إن تبريرها يدخل بشكل مختلف في واقع مختلف. فأضخم التغييرات مطلوبة للبلدان الرأسمالية المتقدمة اقتصاديا، ذلك أن برنامج عام 1938 صيغ في فترة ميَّزتها في تلك البلدان أزمة مزمنة طويلة الأمد، صاحبتها بطالة واسعة ذات طبيعة مختلفة عن تلك البطالة المحدودة التي تظهر اليوم بعد فترة طويلة من الاستخدام الكامل. إن الشعارات الانتقالية من مثل الرقابة العمالية، وفتح دفاتر الحسابات وتخفيض أسبوع العمل، الخ. لم تعد تمر عبر حالات من مثل وجود أزمة مزمنة أو بطالة كثيفة، بل في ظروف ازدهار مؤقت، أو للحفاظ على وضع الاستخدام الكامل أو للدفاع عنه. لا ينطرح الدفاع عن الحركة العمالية المنظمة بمواجهة تهديد مباشر من جانب الفاشية، بل عندما تهدد الدولة القوية بالقيام أو لدى تحقيقها الأكثر تعقيدا ومكرا بكثير. إن النضال ضد خطر الحرب النووية يطرح مشكلات، وبالتالي شعارات (من مثل نزع السلاح النووي من جانب واحد مثلا) لا يكون لها معنى على مستوى التسلح المسمى تقليديا، على أساس أنه من السهل تركيب مصنع أسلحة بصورة سريعة، انطلاقا من آلات صناعية عادية، بينما لا يمكن أن يحصل الأمر ذاته بالنسبة للصناعات النووية. إن تطور أوقات الفراغ يطرح مشكلات جديدة ينبغي أن تجد لها مكانا في برنامج عمل، الخ. إلا أنه لا يمكن أن يتعلق الأمر، على مستوى هذه النقاط جميعا وفي الحالات كافة، إلا بتوفيق مع الشروط الحالية، لا بتطليق للمبادئ التي في أساس البرنامج الانتقالي.

نحن متأكدون أن الطبعة الجديدة من البرنامج الانتقالي لعام 1938 سوف تشكل أداة بين أيدي الشبان الذين ييمِّمون شطر التروتسكية، وذلك لأكثر من سبب. فهم سيجدون فيها وثيقة تبين لهم كيف أن الأممية الرابعة، التي ولدت بعد سنوات عديدة من نضال الحركة التروتسكية للدفاع عن التعاليم النظرية والسياسية للماركسية الثورية، كانت تعبر بذلك عن إرادتها النضال لأجل قيادة الحركة العمالية عبر تطبيق تلك التعاليم على ظروف العصر، وثيقة ينبغي أن تستمر روحها في إلهام الماركسيين الثوريين في عملهم داخل الحركات الجماهيرية، وثيقة ما يزال مضمونها إلى الآن في منتهى الصحة بعد ثلاثين عاما مرت على كتابتها، وذلك رغم التغيرات الكبيرة التي حدثت طوال تلك الأعوام.
بيير فرانك
(22 كانون الثاني-يناير 1967)

« السابق التالي »