بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

البرنامج الانتقالي – احتضار الرأسمالية ومهام الأممية الرابعة

« السابق التالي »

7 – «السر التجاري» والرقابة العمالية على الصناعة.

لقد اختفت منذ زمن بعيد الرأسمالية الليبرالية، القائمة على المنافسة الحرة وحرية التجارة. إن الرأسمالية الاحتكارية التي حلت محلها على المسرح، لم تعجز عن الحد من فوضى السوق وحسب، بل أعطتها، على العكس، طابعا متشنجا بشكل خاص. ويجري الاعتراف الآن بضرورة فرض «رقابة» على الاقتصاد، واضطلاع الدولة بنوع من «الإدارة» و «التخطيط» من جانب كل تيارات الفكر البرجوازي والبرجوازي الصغير تقريبا، من الفاشية إلى الاشتراكية ـ الديموقراطية ـ لفظيا على الأقل. فبالنسبة للفاشيين، يتعلق الأمر على الأخص بنهب «مخطط» للشعب لغايات عسكرية. أما الاشتراكيون الديموقراطيون، فيحاولون إفراغ بحر الفوضى بملعقة «تخطيط» بيروقراطي. وفيما يكتب المهندسون والأساتذة مقالات عن «التقنوقراطية»، تصطدم الحكومات الديموقراطية في محاولاتها الجبانة «للتنظيم» بالتخريب الذي يمارسه الرأسمال الكبير والذي تعجز عن مقاومته.

إن العلاقة الحقيقية بين المستغلين و «المراقبين» الديموقراطيين تتصف على أحسن وجه بكون السادة «المصلحين»، الذين أخذهم انفعال مقدس، يقفون عند عتبة التروستات «بأسرارها» الصناعية والتجارية. هنا يسود مبدأ «عدم التدخل». فالحسابات بين الرأسمالي المعزول والمجتمع تشكل سرا من أسرار الرأسمالي: لا دخل للمجتمع بها. ولا يزال «السر التجاري» يبرر بمتطلبات «المنافسة»، تماما كما كانت الحال في عصر الرأسمالية الليبرالية. والحال أن التروستات لا تدع مجالا للأسرار فيما بينها. إن السر التجاري، في العصر الحالي، مؤامرة دائمة من جانب الرأسمال الاحتكاري ضد المجتمع. وسوف تبقى مشاريع الحد من السلطة المطلقة «لأرباب عمل الحق الإلهي» هرجات محزنة ظالما ظل بإمكان المالكين الفرديين لوسائل الإنتاج الاجتماعية أن يخفوا عن المنتجين والمستهلكين مكائد الاستغلال والنهب والخديعة. إن إلغاء «السر التجاري» هو الخطوة الأولى نحو رقابة حقيقية على الصناعة.

ليس للعمال حقوق أقل مما للرأسماليين في معرفة «أسرار» المنشأة، أو التروست، أو الفرع الصناعي، أو الاقتصاد القومي بمجمله. وينبغي أن توضع المصارف والصناعة الثقيلة ووسائل النقل الممركزة قبل غيرها تحت المراقبة.

تكمن أولى مهام الرقابة العمالية في توضيح حقيقة مداخيل المجتمع ونفقاته، بدءا بالمنشأة المعزولة، في تحديد الحصة الحقيقية للرأسمالي الفرد ولمجمل المستغلين من الدخل القومي، ومن كشف التدابير السرية واختلاسات المصارف والتروستات، وفي الكشف أخيرا، أمام المجتمع بكامله، عن التبذير المريع للعمل الإنساني الذي هو ناتج الفوضى الرأسمالية والركض الصرف وراء الربح.

لا يمكن لأي موظف في الدولة البرجوازية أن يؤدي هذا العمل جيدا، مهما تكن السلطات التي يراد منحه إياها. وقد لاحظ العالم بأجمعه عجز الرئيس روزفلت ورئيس الوزراء ليون بلوم حيال مؤامرة ال«ستين» أو «المئتي» عائلة. فثمة حاجة لضغط البروليتاريا من أجل كسر مقاومة المستغلين. يمكن للجان المصنع، ولها وحدها، أن تؤمِّن رقابة حقيقية على الإنتاج، عن طريق استدعاء الاختصاصيين الشرفاء والمخلصين للشعب، محاسبين وإحصائيين ومهندسين وعلماء، الخ، وذلك بصفتهم مستشارين لا بصفتهم «تقنوقراطيين».

لا يمكن تصور النضال ضد البطالة، بشكل خاص، دون تنظيم واسع وجريء للأشغال العامة الكبرى. غير أنه لا يمكن أن تكون للأشغال الكبرى أهمية مستديمة وتقدمية، سواء بالنسبة للمجتمع أو بالنسبة للعاطلين عن العمل أنفسهم، إلا إذا كانت جزءا من خطة عامة، موضوعة لسنوات عديدة. وسوف يطالب العمال ضمن إطار خطة من هذا النوع بالعودة إلى العمل، لحساب المجتمع، في المنشآت الخاصة التي تم إقفالها تبعا للأزمة. في تلك الحالات، ستحل محل الرقابة العمالية إدارة مباشرة من قبل العمال.

إن وضع خطة اقتصادية، مهما تكن أولية ـ من وجهة نظر مصالح الشغيلة، لا مصالح المستغلين ـ لا يمكن تصوره من دون رقابة عمالية، من دون أن يطلع العمال على كل عناصر الاقتصاد الرأسمالي الظاهرة والخفية. فعلى لجان شتى المنشآت أن تنتخب في كونفرنسات مناسبة لجان تروستات ولجان فروع صناعية ولجان مناطق اقتصادية، ولجانا للصناعة القومية بمجملها في نهاية المطاف. هكذا تصبح الرقابة العمالية مدرسة الاقتصاد المخطط. وسوف تعدّ البروليتاريا نفسها، عبر تجربة الرقابة، لإدارة الصناعة المؤممة بشكل مباشر، عندما يحين الوقت.

ردا على الرأسماليين، لاسيما الصغار والمتوسطين منهم، الذين يعرضون أحيانا من تلقاء أنفسهم أن يفتحوا دفاتر حساباتهم أمام العمال ـ لاسيما ليبرهنوا لهم على ضرورة تخفيض الأجور ـ يجيب العمال أن ما يهمهم ليس حسابات المفلسين أو نصف المفلسين المعزولين، بل حسابات جميع المستغلين. فليس بوسع العمال ـ ولا هم يريدون ـ أن يكيفوا مستوى معيشتهم مع مصالح الرأسماليين المعزولين الذين أصبحوا ضحايا نظامهم الخاص بهم. إن المهمة هي إعادة بناء كل نظام الإنتاج والتوزيع على أساس مبادئ أكثر عقلانية وأكثر جدارة. وإذا كان إلغاء السر التجاري شرط الرقابة العمالية الضروري، فهذه الرقابة هي الخطوة الأولى على طريق الإدارة الاشتراكية للاقتصاد.

« السابق التالي »