بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثورة المغدورة – نقد التجربة الستالينية

« السابق

14- ملحق (2): أصدقاء الاتحاد السوفياتي

لاول مرة في التاريخ تقوم حكومة قوية بتمويل الصحافة اليسارية و صحافة اقصى اليسار خارج البلاد بدلا من تغذية صحافة اليمين المحترمة. و يوجه تعاطف الجماهير لاكبر الثورات بصورة ذكية و حاذقة لكي يصب في اتجاه البيروقراطية. كما تفقد الصحافة “المتعاطفة” الغربية الحق باصدار كل ما قد يسبب الازعاج لحكام الاتحاد السوفياتي. و تستقبل الكتب غير المرغوب بها في الكرملين بصمت مطبق. و تترجم المدائح الصارخة المجردة من كل ميزة و موهبة الى عدة لغات. و قد تجنبنا ان نذكر في هذا الكتاب المؤلفات النموذجية “لاصدقاء” الاتحاد السوفياتي مؤثرين ذكر الكتب الاصلية الفظة بدل الكتب المترجمة الى اللغات الاجنبية. ان ادب “الاصدقاء” بما فيه ادب الاممية الشيوعية وهو القسم الاكثر تفاهة و ابتذالا يشكل مع ذلك جبلا شاهقا من الصفحات يلعب دورا سياسيا لا يمكن اهماله. و لا بد لنا ان نكرس له بعض الصفحات قبل اختتام هذا الكتاب.

لقد وصف كتاب الزوجين ويب و عنوانه “الشيوعية السوفياتية” بانه يشكل اسهاما مهما في و التراث الفكري. و بدلا من التعرض لما انجز و في اي اتجاه تتطور الحقيقة بدلا من هذا استخدم هذان المؤلفان 1500 صفحة لعرض مشاريع المكاتب و مضمون القوانين. و كان استنتاجهما ان الشيوعية ستتحقق في الاتحاد السوفياتي عندما تنتقل الخطط و النوايا الى حيز التطبيق. هذا هو محتوى كتاب ممل ينقل تقارير المكاتب الموسكوفية و مقالات الصحف المطبوعة بمناسبة الاعياد السنوية…

ان الصداقة التي يحملها الكتاب للبيروقراطية السوفياتية لا تتجه الى الثورة البروليتارية بل بالاحرى ضمان ضدها. و الزوجان ويب مستعدان بدون شك للاعتراف بان النظام السوفياتي سينتشر في يوم من الايام في بقية انحاء العالم. و لكن “متى و اين و ما هي التعديلات التي ستطرا عليه و هل سيتحقق بالثورة العنيفة او بالاختراق السلمي او بالتقليد الواعي… هذه اسئلة لا نستطيع ان نجيب عليها “. ان هذا الرفض الديبلوماسي اليذ يشكل في الواقع جوابا لا لبس فيه و الذي يميز “اصدقاء” يحدد مدى صداقتهم. فلو اجاب الجميع هكذا على مسالة الثورة قبل اندلاعها مثلا في عام 1917 لما كان هناك الان دولة سوفياتية ولكان هذان الصديقان البريطانيان يحولان تعاطفهما الى اغراض اخرى…

و يتحدث الزوجان ويب كما لو كان بديهيا عن لا جدوى انتظار ثورات تشتعل في اوروبا خلال المستقبل القريب و يريان في هذه الحجة برهانا اكيدا على صحة نظرية الاشتراكية في بلد واحد. انهما يعلماننا ضرورة بناء الاشتراكية داخل حدود الاتحاد السوفياتي نظرا لعدم وجود افاق اخرى و ذلك بما يتمتع به من سلطة اناس كانت ثورة اوكتوبر مفاجاة لهم و مفاجاة غير سارة في كل حال. و اننا لنتحمل كثيرا من العناء لكي لا نهز اكتافنا استهزاء و ذلك بدافع من الادب و التهذيب. فنحن لا نستطيع ان نحاور الزوجين ويب الا في مسائل الثورة و اسلوب اعدادها في بريطانيا العظمى و بناء المصانع و استخدام الاسمدة الكيميائية في الاتحاد السوفياتي. و لكن حول هذه النقطة الدقيقة يعترف علماؤنا الاجتماعيون بعدم اختصاصهم و تبدو المشكلة نفسها بالنسبة اليهم متناقضة مع العلم.

لقد كان لينين يكره البرجوازيين المحافظين الذين يتخيلون انفسهم اشتراكيين و يكره بصورة خاصة الفابيين الانجليز. ان الفهرس الابجدي للمؤلفين المذكورين في مؤلفاته يظهر العداء الذي كان يكنه كل حياته للزوجين ويب. و قد وصفهما للمرة الاولى في عام 1907 ” بمداحين حمقى للبرجوازية الصغيرة البريطانية، يحاولون تقديم الشارتية2 التي تعتبر مرحلة ثورية في الحركة العمالية الانجليزية، كمجرد لعب اطفال”. و الحال ان كومونة باريس كان من الممكن ان تصبح مستحيلة بدون الشارتية. و لولا الشارتية و كومونة باريس لما كانت ثورة اوكتوبر. و لم يجد الزوجان ويب في الاتحاد السوفياتي الا اليات ادراية و خططا بيروقراطية و لم يلاحظا لا الشارتية و لا الكومونة و لا ثورة اوكتوبر. و قد بقيت الثورة غريبة عنهما الا اذا بدت لهما “عملا طفوليا مجردا من اي معنى”!!

و لم يكن لينين ليتضايق ايضا ابدا كما نعرف جميعا من المجاملة الصبيانية و الشريفة في الحوار مع الانتهازيين. و لكن الصفات النابية المهينة التي استخدمها خلال اعوام طويلة (“خدام البرجوازية” “الخونة”، “النفوس الذليلة”..الخ) عبرت خلال سنوات عن حكم ضد الزوجين ويب داعي الفابية اي الوقار التقليدي و الخضوع للامر الواقع. فلا يمكن ان يكون تفكير الزوجين ويب قد تغير خلال الاعوام الاخثرة. هذا الثنائي الفابي الذي دعم برجوازية بلاده اثناء الحرب و قبل بعد ذلك لقب لورد باسفيلد الذي منحه اياه الملك دون ان يتخلى عن اي شيء و دون ان يكذب نفسه على الاطلاق اقبل على الشيوعية في بلد واحد بل و في بلد اجنبي. لقد كان سيدني ويب وزيرا للمستعمرات اي رئيس سجاني الامبريالية الانجليزية حين تقرب من البيروقراطية السوفياتية و تلقى منها مواد مؤلفه الضخم.

و منذ عام 1923 لم يكن الزوجان ويب يريان فرقا كبيرا بين البلشفية و القيصرية (انظر كتابThe Decay of Capitalist Civilisation الصادر عام 1923). و بالمقابل فانهما يعترفان بدون تحفظ ب “الديمقراطية” الستالينية. لا نبحث هنا عن اي تناقض. فالفابيون يحنقون عندما يرون الشعب الثوري يحرم “المتعلمين” من الحرية و لكنهم يجدون طبيعيا ان تحرم البيروقراطية البروليتاريا من الحرية. الم تكن هذه وظيفة بيروقراطية حزب العمال دوما؟ ان الزوجين ويب يؤكدان ان النقد حر كل الحرية في الاتحاد السوفياتي. و في هذا التاكيد افتقاد لروح الفكاهة. انهما يذكران بكامل جديتهما “النقد الذاتي” الذي تتم ممارسته كما تمارس السخرة و الذي من السهل دوما تعيين موضوعه و حدوده مسبقا.
هل نحن ازاء نوع من السذاجة؟ فلنقل بصراحة ان انجلز و لينين لم يجدا لدى سيدني و يب اين سذاجة. و الاصد ان نقول الاحترام. فالويب يتحدقان عن نظام قائم و مضيفين ممتعين. فهما لا يقران النقد الماركسي لما هو موجود بل انهما يعتبران نفسيهما مدعوين للدفاع عن تركة ثورة اوكتوبر ضد المعارضة اليسارية. و كي نكون اكثر شمولا و امانة و لكي ياتي نقدنا كاملا لا بد من ان نشير الى الحكومة العمالية التي ينتمي اليها اللورد باسفيلد (سيدني ويب) رفضت في ذلك الوقت اعطاء تاشيرة الى انجلترا لمؤلف هذا الكتاب. و كان المستر سيدني ويب الذي كان لا يزال يؤلف كتابه في ذلك الوقت يدافع هكذا عن الاتحاد السوفياتي في مجال النظرية و يدافع عن امبراطورية صاحب الجلالة البريطاني في المجال العملي. و مما يشرفه ايضا انه بقي امينا مع نفسه في كلتا الحالتين. فبالنسبة للكثير من البرجوازيين الصغار الذين لا يملكون ريشة و لا فرشاة تعتبر “الصداقة” الرسمية المرتبطة بالاتحاد السوفياتي نوعا من الاقرار بالمشاركة في المصالح المعنوية العليا… فالانتماء الى الجمعيات الماسونية او الى النوادي السلمية مماثل الى حد ما للانضمام الى جمعيات اصدقاء الاتحاد السوفياتي لان هذا الانضمام يسمح للمنضمين بان يعيشوا حياتين: الاولى حياة عادية تتقع في دائرة المصالح اليومية و الثانية ارفع مستوى من الحياة الاولى. “والاصدقاء” يزورون موسكو من ان لاخر و ياخذون علما بعدد الجرارات و برياض الاطفال و بالاستعراضات و بالرواد و بالمظليين و باختصار بكل شيء ماعدا وجود ارستقراطية جديدة. و افضل هؤلاء الاصدقاء يغمضون العينين عن هذه الاخطاء بدافع النفور ة الاشمئزاز من المجتمع الراسمالي. و لقد اعترف بذلك اندري جيد بصراحة حينما قال: “انها حقا لحماقة و قلة شرف تلك الهجمات الموجهة ضد الاتحاد السوفياتي التي تجعلنا اليوم ندافع عنه بعناد”. ان حماقة الخصوم و انعدام الشرف لديهم لا يمكن ان يكونا مبررين لعمى يصيب اعيننا. فالجماهير على كل حال بحاجة لاصدقاء يرون بوضوح.

ان لاستلطاف اكبر عدد من البرجوازيين الراديكاليين و الراديكاليين – الاشتراكيين لحكام الاتحاد السوفياتي اسباب هامة. فالبرغم من اختلاف البرامج يتفوق بين السياسيين المحترفين اولائك الذين يمسكون “بنجاح” تحقق او يسهل تحقيقه. اننا اجد على سطح كوكبنا من الاصلاحيين اكثر بكثير مما نجد من الثوريين و من الانتهازيين اكثر مما نجد من ذوي الصلابة و المبدا. ونحن نحتاج الى عهود تاريخية استثنائية حتى يخرج الثوريون من عزلتهم و يصبح شكل الاصلاحيين كالاسماك التي اخرجت من الماء. و لا يوجد في البيروقراطية السوفياتية الحالية شخص واحد لم يعتبر في نيسان/ ابريل 1917 و حتى بعد هذا التاريخ فكرة ديكتاتورية البروليتاريا في روسيا شيئا اخر غير مجرد وهم و جنون. (وكان هذا الوهم يوصف انذاك ب…”التروتسكية”). ان “الاصدقاء الاجانب للاتحاد السوفياتي اولائك الذين ينتمون الى جيل الاصدقاء الاوائل ظلوا خلال عشرات السنين يعتبرون المناشفة الروس سياسيين “واقعيين” لانهم دعاة جبهة شعبية مع الليبراليين و يرفضون الديكتاتورية البروليتارية كجنون مؤكد. انه لا شيء اخر الاعتراف بديكتاتورية البروليتاريا بعد ان تكون تحققت، لا بل شوهتها البيروقراطية. فهنا نجد ان “الاصدقاء” كانوا حقا على مستوى الاحداث فهم لم يقتصروا على اعطاء الدولة السوفياتية حقها بل ادعوا الدفاع عنها ضد اعدائها. و الحقيقة انهم يدافعون عنها ضد من يهيئون لمستقبل مزدهر لها لا ضد من يشدونها الى الوراء. فهل هؤلاء “الاصدقاء” و طنيون فعالون كالاصلاحيين الانجليز و الفرنسيين و البلجيكيين و اخرين غيرهم؟ من السهل عليهم اذاك تبرير تحالفهم مع البرجوازية مدعين الدفاع عن الاتحاد السوفياتي؟ ام هم على العكس انهزاميون رغم انوفهم كالاشتراكيين الوطنيين في المانيا و النمسا بالامس؟ انهم ياملون في هذه الحالة ان يساعهم التحالف بين فرنسا و الاتحاد السوفياتي في القضاء على هتلر و شوسينغ3. فليون بلوم الذي كان خصم البلشفية في عهدها البطولي و كرس صفحات صحيفة “الشعبي” للهجوم على الاتحاد السوفياتي لم يعد يطبع سطرا واحدا من جرائم البيروقراطية السوفياتية. لقد كان موسى يجن شوقا لرؤية الوجه الالهي و لكنه لم يستطع الا ان يسجد امام ظهر الاله. و الاصلاحيون الذين يعبدون الامر الواقع عاجزون عن رؤية اي شيء في الثورة سوى مؤخرتها البيروقراطية الغليظة.

ان القادة الشيوعيين الحاليين ينتمون في الواقع الى النموذج ذاته من الرجال فهم بعد كثير من التذبذب و التقلب اكتشفوا فجاة محاسن الانتهازية فارتدوا اليها مع كل طراوة الجهل الذي طبعهم بطابعه كل الاوقات. ان خنوعهم تجاه قادة الكرملين هذا الخنوع غير المجرد من المصلحة يكفي ليجردهم من كل مبادرة ثورية. فهم في الوقت الذي يردون فيه على حجج النقد بالعواء و الزئير اراهم يظهرون اشارات الرضى اذا لوح لهم معلمهم بالسوط. ان هؤلاء الناس المنفرين الذين يشردون تحت كل الافاق عند اول خطر يبدو لهم يتهموننا بان “ارذال مضادون للثورة”. فماذا نعمل؟ ان التاريخ لا يخلوا من الهرجات بالرغم من قسوته.

اما اكثر “الاصدقاء” تبصرا فهم يعترفون في الحوار الفردي على الاقل بان هناك بقعا على الشمس السوفياتية و لكن باستخدامهم التحليل الحتمي مكان الجدل الديالكتيكي يعزون انفسهم بالقول بان بعض الفساد البيروقراطي امر محتوم و لا يمكن تجنبه. فليكن!… و لكن مقاومة الانحراف امر محتوم ايضا و للضرورة طرفان: الطرف الرجعي و الطرف التقدمي. و قد علمنا التاريخ ان الرجال و الاحزاب الذين يطالبون بهذه الضرورة باتجاهات معاكسة ينتهون بان يجدوا انفسهم على طرفي الحاجز.

الحجة الاخيرة “للاصدقاء” هي ان الرجعيين يستغلون المقالات النقدية الموجهة للنظام السوفياتي، و هذا موضوع لا يمكن انكاره. و قد يحاولون حقا استغلال هذا الكتاب. و لقد ذكر البيان الشيوعي باحتقار ان الرجعية الاقطاعية حاولت استغلال النقد الاشتراكي ضد الليبرالية. و قد سارت الاشتراكية الثورية على الطرق ذاته و نحن سنسير في طريقنا. و قد تتوصل الصحافة الشيوعية من دون شك الى القول بان نقدنا يهيء لتدخل مسلح ضد الاتحاد السوفياتي! و هذا معناه بالطبع ان الحكومات الراسمالية عندما تقرا في مؤلفاتنا ما ال اليه الوضع في الاتحاد السوفياتي في ظل البيروقراطية ستبادر فورا الى معاقبتها لانها بعملها هذا داست مبادئ اوكتوبر باقدامها؟ ان مجادلي الاممية الثالثة لا يستخدمون السيف بل العصا او اسلحة اقل حدة. و الحقيقة هي ان النقد الماركسي الحقيقي الذي يسمي الاشياء باسمائها الحقيقية لا يستطيع في النهاية الا ان يؤكد الرصيد المحافظ للديبلوماسية السوفياتية الحالية في نظر البرجوازية.
و لكن الوضع مختلف كل الاختلاف فيما يتعلق بالطبقة العاملة و الانصار المخلصين للثورة من بين المثقفين. و هنا فان عملنا قد يولد في الوقاع شكوكا و يسبب حذرا و لكن لا ضد الثورة بل ضد اولائك الذين يخنقونها. و هذا هو الهدف الذي رسمناه لكتابنا. ذلك ان الحقيقة، لا الكذب، هي محرك التقدم.

ـــــــــ
1. فولمار جورج هنري (1850 – 1922) سياسي الماني رئيس المؤتمر الاشتراكي العالمي بباريس عام 1889. (المعرب)
2. الشارتية (العرائضية) حركة جماهيرية ثورية للعمال الانجليز. نشات لدى اشتداد سوء الاوضاع الاقتصادية و الحرمان من الحقوق السياسية. بدات الحركة في اواخر العقد الرابع باجتماعات و مظاهرات ضخمة و استمرت منقطعة حتى اوائل العقد السادس من القرن التاسع عشر. (المعرب)
3. كورت ادوارد فون شوسينغ، رجل دولة نمساوي ولد في ريفا عام 1797 و اصبح مستشارا للنمسا عام 1924، لم يستطع منع ضم النمسا لالمانيا، سجنه هتلر.

« السابق