بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثورة والحياة اليومية

« السابق التالي »

3- ليس بالسياسة وحدها يحيا الإنسان

هذه الفكرة البسيطة ينبغي أن نفهمها مرة واحدة و إلى الأبد، والا ننساها أبدا في إعلامنا، الشفهي أو المكتوب، لكل عصر أغانيه. وتاريخ حزبنا قبل الثورة كان تاريخ سياسة ثورية. فأدب الحزب، وتنظيمات الحزب، وكل ما يتعلق بالحزب كان يخضع لشعار “السياسة” بالمعنى الضيق للكلمة، وقد زادت الثورة والحرب الأهلية من حدة المهام والإهتمامات السياسية. فخلال هذه الفترة جند الحزب في صفوفه أكثر عناصر الطبقة العاملة نشاطا على الصعيد السياسي. مع ذلك، فإن الدروس والاستنتاجات السياسية الجوهرية لهذه السنوات واضحة بالنسبة إلى الطبقة العاملة في مجملها.

والتكرار الآلي لهذه الاستنتاجات لن يأتيها بجديد، وقد يمحو بالعكس دروس الماضي في وعيها. وبعد الاستيلاء على الحكم وبعد تدعيمه في أعقاب الحرب الأهلية، تحولت مهامنا الأساسية إلى ميدان البناء الاقتصادي والثقافي، فأصبحت أكثر تعقيدا، ومالت إلى أن تكون مجزأة، واكتسبت طابعا أكثر تفصيلا وأكثر”ابتذالا” على ما يبدو.

لكن نضالاتنا السابقة، مع ما واكبها من جهود وتضحيات، لن تجد تبريرا لها إلا بقدر ما نوفق في طرحنا السليم وحلنا للمشكلات الخاصة، اليومية، المتعلقة ب”النضالية الثقافية”.

فماذا ربحت الطبقة العاملة على وجه التحديد، وعلام حصلت خلال نضالاتها السابقة؟
1- ديكتاتورية البروليتاريا (بواسطة دولة عمالية وفلاحية يقودها الحزب الشيوعي).
2- الجيش الأحمر، بصفته ركيزة مادية لديكتاتورية البروليتاريا.
3- تأميم أهم وسائل الإنتاج، الذي من دونه تكون ديكتاتورية البروليتاريا شكلا فارغا، بلا مضمون.
4- احتكار التجارة الخارجية، وهو شرط ضروري للبناء الاشتراكي في محيط رأسمالي.

هذه العناصر الأربعة، التي أضحى امتلاكها نهائيا، تشكل الدرع الفولاذية لعملنا بأكمله. وبفضل هذه الدرع، فإن كل نصر نحققه في الميدان الاقتصادي أو الثقافي- شرط أن يكون نصرا فعليا لا وهميا- يتحول بالضرورة إلى عنصر تأسيسي للبناء الاشتراكي.

ما هي مهمتنا اليوم، ماذا يجب أن نتعلم في المرتبة الأولى، وإلام ينبغي أن ننزع ؟ يجب أن نتعلم أن نعمل جيدا- بدقة، ونظافة واقتصاد. ونحن بحاجة إلى تطوير ثقافة العمل، وثقافة الحياة وثقافة نمط الحياة. لقد أطحنا بهيمنة المستغـِلين بعد طول استعداد وبفضل عتلة الثورة المسلحة. ولكن ليس هنالك عتلة قادرة على النهوض بالثقافة دفعة واحدة. ولا بد هنا من سيرورة طويلة الأمد من التربية الذاتية والتثقف للطبقة العاملة وللطبقة الفلاحية. يشير الرفيق لينين في مقال له عن التعاون، إلى هذا التحول في توجه اهتمامنا وجهودنا ومفاهيمنا، فيقول: “… نحن مضطرون إلى التسليم بتحول جذري في نظرتنا للاشتراكية. وينبع هذا التحول الجذري من اضطرارنا في الماضي إلى وضع مركز ثقل نشاطنا في الصراع السياسي، في الثورة، في الإستيلاء على السلطة، إلخ. وقد تحول اليوم مركز الثقل هذا إلى العمل التنظيمي، السلمي، “الثقافي”. ولولا العلاقات الدولية وضرورة الدفاع عن وضعنا على الصعيد الدولي لقلت أن مركز الثقل قد انتقل، بالنسبة إلينا، إلى “النضالية الثقافية”. لكن لو وضعنا الأمور الدولية جانبا، وحصرنا أنفسنا بالعلاقات الاقتصادية الداخلية، لوجدنا أن مركز الثقل قد أعيد فعلا إلى” النضالية الثقافية”( [23]). وحدها إذن مسألة وضعنا الدولي تحولنا عن النضالية الثقافية، وذلك بصورة جزئية فقط كما سنرى على الفور. فالعامل الأساسي في وضعنا الدولي هو الدفاع الوطني، أي الجيش الأحمر. والحال أن مهامنا، في هذا الميدان الأساسي، ترجع مرة أخرى، بنسبة تسعة أعشار، إلى النضالية الثقافية : رفع سوية الجيش، القضاء على الأمية في صفوفه، تعليمه كيف يستخدم الأدلة والكتب والخرائط، تعويده على النظافة والدقة والإنتظام والملاحظة. وليس هنالك دواء معجزة يسمح بحل هذه المشكلات على الفور. فبعد انتهاء الحرب الأهلية، وفيما كنا نواجه مرحلة جديدة من نشاطنا، جاءت محاولة خلق “مذهب عسكري بروليتاري” تعبر على نحو واضح وصارخ عن عدم فهم مهام المرحلة الجديدة. والمشاريع الصلفة والمكابرة الهادفة إلى خلق ” ثقافة بروليتارية ” في المختبر تنطلق هي الأخرى من عدم فهم مماثل. وفي هذا المسعى وراء حجر الفلاسفة، يتحد يأسنا أمام تخلفنا بايمان بالعجائب والمعجزات، وهذا الايمان هو بحد ذاته دليل على هذا التخلف. لكن ليس ثمة مبرر لليأس، وقد آن الأوان لنتخلص من هذا الإيمان بالعجائب والمعجزات، من هذه الممارسات السحرية الصبيانية، من نوع “الثقافة البروليتارية” أو المذهب العسكري البروليتاري. فمن أجل تدعيم ديكتاتورية البروليتاريا، لا بد من العمل على تطوير نضالية ثقافية يومية لأنها وحدها كفيلة بصيانة المضمون الاشتراكي لمكاسب الثورة الأساسية. ومن لم يدرك ذلك، يؤد دورا رجعيا في تطور فكر الحزب وعمله.

عندما يؤكد الرفيق لينين أن مهامنا اليوم لم تعد سياسية بقدر ما هي ثقافية، فإنه ينبغي أن نتفق على المصطلحات كي لا نسيء تفسير رأيه. فالسياسة تسيطر على كل شيء بمعنى ما. ونصيحة الرفيق لينين بتحويل اهتمامنا من المجال السياسي إلى المجال الثقافي هي نصيحة سياسية. فعندما يقرر حزب عمالي، في قطر أو في آخر، انه قد أضحى من الضروري، في زمن محدد، وضع المتطلبات الاقتصادية لا السياسية، في المرتبة الأولى، فإن هذا القرار يتميز بطابع ” سياسي”. من الواضح تماما أن كلمة ” سياسي ” قد استخدمت هنا بمعنيين مختلفين : أولا بالمعنى الواسع، المادي- الجدلي، المحتوي على مجموعة الأفكار المرشدة والمناهج والأنظمة التي توجه نشاط مجموع الشعب في سائر ميادين الحياة الاجتماعية، ثانيا بالمعنى الضيق، المختص، المميز لجزء محدد من النشاط الاجتماعي، المرتبط على نحو وثيق بالكفاح من أجل السلطة والمتعارض مع العمل الاقتصادي والثقافي إلخ. عندما يكتب الرفيق لينين أن السياسة هي اقتصاد مركز، فهو يرى إلى السياسة من منظور المفهوم الواسع، الفلسفي. وعندما يقول الرفيق لينين : ” قليل من السياسة ومزيد من الاقتصاد “، فهو ينظر إلى السياسة بالمعنى الضيق والمختص للكلمة. لكن يبقى أن نفهم تماما أي المعنيين هو المقصود في كلتا الحالتين.

ان التنظيم الشيوعي حزب سياسي بالمعنى الواسع، والتاريخي، أو إذا أردنا، بالمعنى الفلسفي للكلمة. أما الأحزاب الحالية الأخرى فهي سياسية فقط بمعنى أنها تهتم بالسياسة ( الصغيرة ). وأن يحول حزبنا اهتمامه إلى المجال الثقافي، فهذا لا يعني في حال من الأحوال أنه يضعف دوره السياسي. فالدور القيادي ( وبالتالي السياسي ) للحزب يتجلى تاريخيا على وجه التحديد في هذا التحول المنطقي لاهتمامه إلى المجال الثقافي. ولن يتمكن الحزب من التحرر بالتدريج من قوقعته الحزبية للإندماج بالأسرة الاشتراكية إلا بعد سنوات طوال من النشاط الاشتراكي المطبق بنجاح في الداخل، والمضمون في الخارج، لكن ذلك بعيد جدا بحيث لا جدوى هنا من استباق المستقبل… أما في الوقت الراهن، فعلى الحزب أن يحافظ أتم المحافظة على ميزاته الأساسية : تلاحم إيديولوجي، مركزية، انضباط وبالتلازم، قتالية. لكن هذه الميزات التي لا تقدر بثمن والتي تميز ” الروح الحزبية ” الشيوعية لا يمكن أن تثبت وأن تنمو في ظل شروط جديدة إلا إذا لبيت المطالب والحاجات الاقتصادية والثقافية على نحو أكمل. وأحدق و أدق وأكثر تفصيلا. وانسجاما مع هذه المهام المدعوة إلى القيام بدور راجح في سياستنا، فإن الحزب يعيد تجميع قواه وتوزيعها ويثقف الجيل الصاعد. بتعبير آخر، ان السياسة العليا تقتضي بأن نعتبر المهام والمقتضيات الاقتصادية والثقافية، لا المقتضيات ” السياسية ” بالمعنى الضيق للكلمة، أساس كل عمل تحريض ودعاية وتوزيع للقوى وتعليم وتثقيف.

***

إن الوحدة الاجتماعية القوية التي تمثلها البروليتاريا تظهر بكل أهميتها في مراحل النضال الثوري المحتدم، لكن داخل هذه الوحدة نلاحظ تنوعا لا يصدق، بل تنافرا عظيما. فمن الراعي المغمور والجاهل إلى الآلاتي الرفيع الإختصاص تندرج تشكيلة من المواصفات، ومن المستويات الثقافية، ومن انماط الحياة. زد على ذلك، أخيرا، ان كل شريحة اجتماعية، كل ورشة في منشأة، كل مجموعة، تتألف من أفراد يختلفون في أعمارهم وطبائعهم، كما يختلفون بماضيهم. ولولا وجود هذا التنوع لكان عمل الحزب الشيوعي في مجال تثقيف البروليتاريا وتوحيدها سهلا للغاية. لكن مثال أوروبا يثبت لنا بالعكس كم هو صعب هذا العمل في الواقع.

ونستطيع أن نقول أنه كلما كان تاريخ بلد، وبالتالي تاريخ الطبقة العاملة نفسها، غنيا، كثرت فيه الذكريات والتقاليد والعادات، وكلما كانت التجمعات الاجتماعية فيه أقدم عهدا، صعب فيه أكثر تحقيق وحدة الطبقة العاملة. إن البروليتاريا عندنا تكاد لا تملك تاريخا، ولا تقاليد. وهذا ما سهّـًل دون أدنى ريب اعدادها لثورة أكتوبر. فعاملنا ( باسثناء الشريحة العليا ) يجهل حتى أبسط العادات الثقافية وأكثرها بدائية ( فهو لا يعرف مثلا النظافة، ولا الدقة، ويجهل القراءة والكتابة إلخ ). أما العامل الأوروبي فقد اكتسب هذه العادات بالتدريج في إطار النظام البورجوازي : لهذا نراه – ولا سيما في الشرائح العليا – متعلقا إلى حد كبير بهذا النظام، بديموقراطيته و حرية تعبيره ومكاسبه الأخرى التي من هذا القبيل. إن العامل عندنا لم يجن مكسبا يذكر من نظام بورجوازي جاء متأخرا : لهذا السبب استطاعت البروليتاريا في روسيا أن تقطع علاقتها بالبورجوازية وأن تطيح بها بسهولة أكبر. لكن لهذا السبب أيضا فإن البروليتاريا عندنا، في غالبيتها، تجد نفسها مضطرة إلى أن تكتسب اليوم، أي في إطار حكم اشتراكي عمالي، أبسط العادات الثقافية. والتاريخ لا يعطي شيئا بالمجان : فان أعطى حسما على شيء، على السياسة مثلا، عوّضه في مكان آخر، في الثقافة. وبقدر ما كان تحقيق الثورة سهلا ( نسبيا بالطبع ) بالنسبة إلى البروليتاريا الروسية سيكون تحقيق البناء الاشتراكي صعبا. لكن درع مجتمعنا الجديد بالمقابل، الذي قدّته الثورة، وميّزته العناصر الأساسية الأربعة المشار إليها في مطلع هذا الفصل، يعطي طابعا اشتراكيا موضوعيا لسائر الجهود الواعية والعقلانية التي تبذل في مجال الاقتصاد والثقافة. فالعامل في النظام البورجوازي يغني البورجوازية من دون إرادته، بل من دون علمه، وبقدر ما كان يعمل بإتقان، كان يزيد في غناها. أما في الدولة السوفياتية فإن العامل صاحب الوجدان يؤدي عملا اشتراكيا، حتى دون أن يفكر يذلك أو يعيره بالا ( إذا كان غير حزبي ولا مسيسا ) ويزيد من قدرات الطبقة العاملة. هنا على وجه التحديد يكمن معنى ثورة اكتوبر الذي لم تبدل السياسة الاقتصادية الجديدة فيه شيئا.

هناك أعداد ضخمة من العمال غير الحزبيين، المخلصين للإنتاج، وللتقنية وللآلة. وينبغي أن نتحفظ في كلامنا عن ” لا تسيسهم ” أي عن عدم اهتمامهم بالسياسة. فقد وقفوا إلى جانبنا في اللحظات الحرجة التي مرت بها الثورة. ان ثورة أكتوبر لم تفزعهم، في غالبيتهم الساحقة، لذا لم يتخلوا عنها ولم يخونوها. وإبان الحرب الأهلية توجه العديد منهم إلى الجبهة، في حين انكب الآخرون على العمل لتجهيز الجيش. يقال عنهم أنهم غير مسيسين، وهذا الحكم لا يطلق جزافا، لأنهم يسبقون عملهم ومصلحة أسرتهم على المصلحة السياسية، في المراحل ” الهادئة ” على الأقل. إن كل واحد من بينهم يود أن يصبح عاملا صالحا، وأن يتقن عمله، وأن يرتفع إلى سوية أعلى ليحسن وضع أسرته وليرضي كبرياءه المهنية المشروعة في آن واحد. إن كل واحد من بينهم، كما سبق أن قلنا، يؤدي عملا اشتراكيا، وإن لم يكن ذلك قصده وهدفه، لكن ما يهمنا نحن، أي الحزب الشيوعي، هو أن يكون لدى هؤلاء العمال – المنتجين شعور واضح بالعلاقة بين إنتاجهم اليومي الخاص وبين أهداف البناء الاشتراكي بأكمله. فمصالح الاشتراكية ستصبح عندئد مضمونة على نحو أفضل، كما أن الترضية المعنوية التي سيجنيها هؤلاء المنتجون الفرديون من جراء ذلك ستكون أعظم بكثير.

لكن كيف نتوصل إلى ذلك ؟ فمن الصعب عقد حوار مع عامل من هذا النمط حول قضايا سياسية خالصة. فقد سبق له أن استمع إلى سائر الخطب. وهو لا يشعر بأي انجداب نحو الحزب. وفكره لا ينتبه ويستيقظ إلا عندما يكون إلى جانب آلته، وما لا يرضيه في الوقت الحاضر هو النظام القائم في الورشة، وفي المعمل، وفي المجمًّع. ويحاول هؤلاء العمال أن يذهبوا إلى أبعد ما أمكن في تفكيرهم، وغالبا ما يكونون متحفظين، ومن صفوفهم يخرج مخترعون عصاميون. لذا يجب ألا نحدثهم بأمور السياسة، لأن السياسة لا تثير اهتمامهم، للوهلة الأولى على الأقل. بالمقابل نستطيع أن نحدثهم عن الإنتاج والتقنية، بل يتوجب علينا علينا ذلك.

لقد أشار الرفيق كولتسوف ( من حي كراسنايا برسنيا )، وهو أحد المشاركين في اجتماع محرضي موسكو، إلى النقص الهائل في الموجزات، والكتب الدراسية، والمؤلفات المكرسة لاختصاصات تقنية أو لمهن خاصة أخرى. فالكتب القديمة نفدت، وبعضها كان قد أضحى متخلفا على الصعيد التقني. أما على الصعيد السياسي فإن تلك الكتب غالبا ما تكون مشبعة بالعقلية الرأسمالية الخسيسة.

أما بالنسبة إلى الكتب الجديدة، فيوجد منها واحد أو إثنان على الأكثر، ومن الصعب الحصول عليها لأنها تطبع في أوقات مختلفة، ومن قبل دور نشر أو هيئات مختلفة، خارج كل خطة عامة. وهي ليست دائما صالحة ومشروعة من الزاوية التقنية : فغالبا ما تكون نظرية و أكاديمية أكثر مما ينبغي. أما سياسيا، فهي خالية من كل طابع مميز بوجه عام لأنها لا تعدو كونها في الواقع ترجمة لأعمال أجنبية. إننا بحاجة إلى سلسلة من كتب الجيب الجديدة، كتب لصانع الأقفال السوفياتي، وللخراط السوفياتي، و للكهربائي السوفياتي إلخ. وينبغي أن تتكيف هذه الكتب مع تقنيتنا واقتصادنا الراهنين، وأن تحسب حسابا لفقرنا ولإمكاناتنا الهائلة آن واحد، وأن تهدف إلى أن تطور في صناعتنا أساليب وعادات جديدة أكثر عقلانية. كذلك يفترض فيها أن تبرز، بهذا القدر أو ذاك من الإلحاح، الآفاق الاشتراكية من زاوية ضرورات ومصالح التقنية بالذات ( هنا تأخد مكانها مسألة توحيد المنتوجات الصناعية، والكهربة، والاقتصاد المخطط ). ففي كتب كهذه لا بد وأن تندمج الأفكار والإستنتاجات الاشتراكية بالنظرية العملية لكل قطاع من قطاعات العمل. إذ لا يجوز، في حال من الأحوال، أن تكون مجرد تحريض سطحي و غير مؤات. وفيما يتعلق بهذه المؤلفات فإن الطلب عليها ضخم. وينجم هذا الطلب عن الحاجة إلى عمال مختصين من جهة وإلى الرغبة، لدى العمال أنفسهم، في رفع مستوى تأهيلهم من جهة أخرى. ومما يزيد في شدة هذا الطلب التدني في الإنتاجية الذي تم تسجيله خلال الحربين الأهلية و الإمبريالية. نحن هنا أمام مهمة في غاية الأهمية والمنفعة.

يجب ألا نتجاهل طبعا كم هي صعبة كتابة مثل هذه الموجزات. فالعمال يعجزون عن تأليف الكتب حتى ولو كانوا من ذوي الإختصاص الرفيع. والكتاب المختصون الذين يتعرضون لبعض القضايا، غالبا ما يجهلون جانبها العملي. ونادرا ما نجد بينهم أناسا يتمتعون بفكر اشتراكي. والواقع أن هذه المشكلة تفترض حلا مركبا لا ” بسيطا ” أي روتينيا. فلكتابة موجز ينبغي جمع هيئة من ثلاثة أشخاص ( ترويكا ) تتألف من كاتب مختص، مطلع على الصعيد التقني، له إلمام – أو قدرة على الإلمام – بالوضع السائد في الفرع الإنتاجي الذي سيتناوله الموجز، ومن عامل رفيع الإختصاص في هذا الفرع، ويتمتع بعقل مبدع، وأخيرا من كاتب ماركسي، من سياسي له بعض المعلومات في شؤون التقنية والإنتاج. وسواء ألجأنا إلى هذا الحل أم إلى حلول مشابهة، يبقى أنه من الضرورة القصوى العمل على إيجاد مكتبة نموذجية من المؤلفات التقنية برسم ورشات العمل، تكون حسنة الطباعة والتغليف، مناسبة الحجم وقليلة الكلفة. إن مكتبة كهذه مؤهلة لأن تؤدي دورا مزدوجا : فهي من جهة ستسهم في رفع سوية العمل وبالتالي في إنجاح تجربة البناء الاشتراكي. وستساعد، من جهة أخرى، على ربط مجموعة من العمال – المنتجين الرفيعي الأهمية بالاقتصاد السوفياتي ككل، وبالتالي بالحزب الشيوعي.

صحيح أننا لن نكتفي بسلسلة من الكتب الدراسية الموجزة، لكن إن كنا قد توقفنا بمثل هذا التفصيل عند هذه المسألة الخاصة، فذلك لأنها تعطينا، حسب اعتقادنا، مثالا واضحا بما فيه الكفاية على التناول الجديد الذي تمليه مشكلات المرحلة الراهنة. فالنضال من أجل كسب الولاء الإيديولوجي للبروليتاريين ” غير المسيسين ” قابل لأن يخاض، ويجب أن يخاض بوسائل مختلفة. يجب إصدار مجلات أسبوعية وشهرية، علمية وتقنية ومختصة بكل قطاع من قطاعات الإنتاج. وينبغي كذلك إنشاء جمعيات علمية وتقنية موجهة لهؤلاء العمال. وإلى هؤلاء العمال يجب أن تنحاز نصف صحافتنا المهنية على الاقل، هذا إن كانت هذه الصحافة لا ترغب في أن تكون موجهة للنقابيين فقط. لكن تبقى نجاحاتنا العملية في الميدان الصناعي، وتنظيمنا الفعلي للعمل في المصنع أو الورشة، وكل جهد يبذله الحزب بعد تفكير في هذا الإتجاه، الحجة السياسية الأكثر قدرة على اقناع العمال ” غير المسيسين “.

نستطيع أن نصوغ على النحو التالي وجهة النظر السياسية للعامل المنتج الذي هو محط اهتمامنا هنا، والذي نادرا ما يعبر عن أفكاره : ” فيما يتعلق بالثورة وبالإطاحة بالبورجوازية ليس لنا أي رأي مخالف : لقد كان عملا محقا. ونحن بغنى عن البورجوازية. وبغنى أيضا عن ممثليها المناشفة وغير المناشفة. وفيما يعلق ب ” حرية الصحافة “، فالأمر ليس بالغ الأهمية، ذلك أن المشكلة الأساسية ليست هنا. لكن كيف ستحلون مشكلة الاقتصاد ؟ فقد أخدتم، أنتم الشيوعيين، قيادة الأمور بين أيديكم. وأهدافكم وخططكم صحيحة وسليمة – نحن نعلم ذلك، وليس ثمة فائدة من التكرار، فلقد سمعنا، ووافقنا و أيدنا – لكن كيف ستحلون عمليا هذه المشكلات ؟ هذا ما يهمنا على وجه التحديد. حتى الآن حصل أكثر من مرة أن حشرتم أصبعكم حيث لا يجب، هذا ما لم يعد خافيا على أحد. ونحن نعلم أن الصواب في العمل لا يتحقق دفعة واحدة، وأنه لا بد من تعلم ذلك، وأن الوقوع في الأخطاء أمر لا مفر منه. هكذا هي الأمور دوما. ومادمنا قد استطعنا تحمل جرائم البورجوازية فكيف لا نتحمل أخطاء الثورة ؟ بيد أن ذلك لن لن يدوم إلى أبد الآبدين. ففي صفوفكم، أنتم أيضا أيها الشيوعيون، يوجد أناس مختلفون شأننا أيضا نحن الخطاة المساكين : فبعضهم يدرس جديا ويؤدي عمله وجدانيا ويحاول الوصول إلى نتيجة اقتصادية عملية، بينما يكتفي بعضهم الآخر بالمخادعة الكلامية. وهؤلاء المخادعون مضرون للغاية، لأن العمل يضيع من بين أصابعهم… “. والعامل المنتج، الذي هو محط اهتمامنا، قد يكون خراطا، أو حدادا، أو سباكا، نشيطا، وماهرا ومهتما بعمله. إنه ليس متحمسا سياسيا، بل إنه على العكس سلببي، بيد أنه يفكر، وعقله نقدي. وقد يراوده الشك أحيانا، غير انه يبقى دوما مخلصا لطبقته. إنه بروليتاري جيد. والحزب مطالب بتوجيه جهوده نحو هذا النمط من العمال. فدرجة تأصلنا في هذه الشريحة الاجتماعية – في الاقتصاد، والإنتاج والتقنية – ستكون أضمن مؤشر لنجاحاتنا في مجال النضالية الثقافية، بمعناها الواسع، أي بالمعنى اللينيني للكلمة.

إن توجيهنا لاهتماماتنا نحو العامل الوجداني لا يتعارض على الإطلاق، طبعا، مع المهمة الأساسية الأخرى لحزبنا، مهمة تأطير الجيل الصاعد ينمو في شروط محددة، فهو يتكون، ويشتد ساعده، ويخشوشن عن طريق حله مشكلات محددة. وينبغي من الجيل الصاعد أن يكون، قبل أي شيء آخر، جيل عمال وجدانيين، رفيعي التأهيل، محبين للعمل. جيل يعي ويدرك أن إنتاجه يخدم في الوقت نفسه قضية الاشتراكية. ولا شك في أن اهتمام الشبان بالتدريب المهني ورغبتهم في الحصول على أرفع تأهيل سيرفعان في نظرهم من مكانة العمال ” الشيوخ ” الذين بقوا في غالبيتهم خارج الحزب كما سبق أن ذكرنا. لذا، وإلى جانب اهتمامنا بالعامل الوجداني والماهر، ينبغي أيضا أن نجهد في الوقت نفسه لتثقيف الشبيبة البرليتارية ولتنشئتها على نحو سليم. وإلا استحال علينا المضي قدما باتجاه الاشتراكية.

« السابق التالي »