بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثورة والحياة اليومية

« السابق التالي »

4- الصحيفة وقارئها

إن ازدياد عدد أعضاء الحزب وتعاظم تأثيره على اللاحزبيين من جهة، ومرحلة الثورة الجديدة التي ننبري لها اليوم من جهة أخرى، يفسران اصطدام الحزب بمشكلات جديدة، وكذلك بمشكلات قديمة عادت للظهور بشكل جديد، حتى في ميدان التحريض والدعاية. لذا يتوجب علينا أن نعيد النظر، بدقة وإمعان، في وسائل وأساليب دعايتنا. هل هي كافية من حيث الحجم، أي هل تشمل سائر المشكلات التي هي بحاجة إلى التوضيح ؟ وهل اهتدت إلى التعبير المناسب، السهل المنال بالنسبة إلى القارئ والقادر على جذب اهتمامه ؟

هذه المشكلة، مع غيرها من المشكلات، كانت موضوع دراسة خمسة وعشرين محرضا وداعية موسكوفيا عقدوا اجتماعا لهذا الغرض. وقد سجلت وجهات نظرهم و آراؤهم وملاحظاتهم بأسلوب الإختزال. وآمل أن أتمكن قريبا من نشر كل هذه المواد. إن رفاقنا الصحفيين سيجدون فيها عددا كبيرا من المآخذ المريرة، لكن لا يسعني إلا أن أعترف بأن غالبية هذه المآخذ مبررة في نظري. إن مسألة تنظيم تحريضنا المكتوب، تحريضنا الصحفي في المرتبة الأولى، هي أهم وأخطر من أن نلزم الصمت بصدد أي جانب من جوانبها. بل يجب أن نتكلم بصراحة.

هنالك مثل يقول : ” إن البزة العسكرية هي التي تصنع الجنرال “. ينبغي إذن أن نبدأ بالتقنية الصحفية. إنها اليوم أفضل بكثير مما كانت عليه خلال عامي 1919-1920، غير أنها مع ذلك ما تزال تشكو من نواقص عديدة. فبسبب قلة الإهتمام بالإخراج، والشطط في التحبير، يعاني القارئ المثقف من صعوبات في مطالعة الصحيفة، فكم بالأحرى القارئ غير المثقف. والصحف الواسعة التوزيع، والموجهة للجماهير العمالية العريضة، مثل ” عامل موسكو ” أو ” الجريدة العمالية “، تشكو من سوء رهيب في الطباعة. والتباين عظيم بين نسخة وأخرى : فقد تكون الصحيفة بأكملها مقروءة أحيانا، وقد يكون نصفها غير مقروء أحيانا أخرى. لذا أصبح شراء جريدة كشراء ورقة يانصيب. ها أنا أسحب، دون تمييز، نسخة من العدد الأخير من ” الجريدة العمالية “. وألقي نظرة على ” ركن الأطفال ” : ” قصة الهر الذكي… ” مستحيل قراءة ما جاء في القصة لشدة سوء الطباعة، والركن موجه للأطفال ! يجب أن نعترف بصراحة : أن تقنيتنا في ميدان الصحف هي عارنا. فعلى الرغم من فقرنا، وعلى الرغم من حاجتنا الماسة إلى التعلم، نسمح لأنفسنا بترف تلويث ربع صفحة من الجريدة إن لم نقل نصفها. إن ” خرقة ” كهذه لا تفلح إلا في إثارة غيظ القارئ. إن القارئ غير المطلع يمل منها بسرعة، أما القارئ المثقف والمتطلب فهو يصرف على أسنانه غيظا، ويحتقر صراحة من يسخر منه على هذا النحو. فهنالك طبعا من يكتب هذه المقالات، ومن يخرجها، ومن يطبعها، لكن على الرغم من هذه الجهود كلها لا يستطيع القارئ في نهاية المطاف أن يفك نصف ألغاز المقال الواحد. هذا عار ومهانة ! وخلال مؤتمر الحزب الأخير حظيت مشكلة الطباعة باهتمام خاص . لكن السؤال ما يزال مطروحا : إلامَ سنظل نتحمل ذلك ؟ ” البزة العسكرية هي التي تصنع الجنرال ” … لقد رأينا كيف يمكن أن تحول الطباعة السيئة أحيانا دون فهم روح المقال. لكن يبقى أن نهتم أيضا بتوفير المواد، وبالإخراج والتصحيح. لأنه يشكو من نواقص فاضحة عندنا. فليس من النادر أن نلاحظ أخطاء مطبعية فادحة، لا في الصحف اليومية فحسب، وإنما أيضا في المجلات العلمية، وبخاصة في مجلة ” تحت راية الماركسية “. لقد قال ليون تولستوي ذات يوم أن الكتب هي وسيلة نشر الجهل. ولا ريب في أن هذا التأكيد، الصادر عن نبيل متعجرف، كاذب مئة بالمئة. غير أنه مع الأسف قد يجد تبريرا جزئيا له… فيما لو نظرنا إليه من زاوية التصحيح في صحافتنا. وهذا أيضا ما عاد يحتمل ! فإذا كانت المطابع تفتقر إلى الأطر اللازمة، إلى المصححين-المراجعين المثقفين والملمين بعملهم، فينبغي تحسين الكوادر المتوفرة حاليا في هذه المطابع. وذلك بإعطائها دروسا في تقنية الطباعة وأخرى في السياسة. فالمصحح ملزم بفهم النص الذي يصححه، وإلا لما اعتبر مصححا، بل مروجا للجهل رغما عنه، والمطلوب أن تكون الصحافة أداة تثقيف شاء تولستوي أم أبى.
والآن لنتأمل عن كثب مضمون الصحيفة.

إن الصحيفة هي قبل أي شيء آخر وسيلة ربط بين الأفراد، فهي تطلعهم عما يجري وأين. وروح الجريدة تكمن في الأخبار الحديثة، والوافرة والمثيرة للإهتمام. وقد بات التلغراف والراديو يلعبان في أيامنا دورا هاما للغاية في الإعلام الصحفي. لذا فإن القارئ المعتاد على صحيفة محددة، وعلى مطالعتها الدائبة، يسارع دوما إلى مطالعة زاوية ” الأنباء البرقية “. لكن كي تحتل البرقيات المكانة الأولى في صحيفة سوفياتية، يجب أن تأتي بأخبار هامة ومثيرة، وأن تقدمها بشكل مفهوم من قبل جماهير القراء. والحال أننا لا نجد شيئا من هذا القبيل . فالأنباء البرقية في صحفنا تصاغ وتطبع على طريقة الصحافة البورجوازية ” الكبرى “. ولو تتبعنا يوميا أنباء بعض الصحف، لشعرنا بأن الرفاق الذين يهتمون بهذه الزاوية يتصرفون كمن نسي ما نشر بالأمس عندما يحملون برقياتهم إلى الإخراج. فليس ثمة استمرار منطقي في عملهم. فكل برقية تبدو وكأنها شظية سقطت هنا بالصدفة. أما الشروح المتعلقة بها فهي مجانية، وسطحية في معظم الأحيان. وفي أفضل الأحوال، قد يكتب محرر الزاوية إلى جانب اسم سياسي بورجوازي أجنبي كلمة ” ليب ” أو ” محا ” بين مزدوجتين. والمقصود بها ليبرالي، ومحافظ. لكن بما أن ثلاثة أرباع القراء لا يفهمون هذين الإختصارين، فإن توضيحات المحرر لا تزيدهم إلا تشويشا. إن البرقيات التي تطلعنا عما يجري في بلغاريا أو رومانيا تأتي عادة عن طريق فيينا، برلين ووارسو. إن أسماء هذه المدن التي يشار إليها في مطلع البرقية تضلل نهائيا جماهير القراء الذين لا يفقهون شيئا في الجغرافيا. ولماذا تراني آتي بهذه التفاصيل ؟ للسبب نفسه في الواقع : فهي تبين، أكثر من أي شيء آخر، كيف أننا لا نعير بالا لوضع القارئ المحدود الإطلاع، لحاجاته، لمتاعبه ومشكلات عندما ننكب على اعداد صحفنا. فصياغة البرقيات لصحيفة عمالية عمل من أصعب ما يكون، عمل يقتضي أكبر قدر من المسؤولية. هذه الصياغة تتطلب عملا يقظا ودقيقا. فلا بد أولا من إمعان التفكير في الجوانب الهامة في النبأ البرقي، ولا بد ثانيا من إعطائه شكلا يتناسب على نحو مباشر مع مستوى معرفة جماهير القراء. كذلك يجب العمل على إعادة تجميع البرقيات قبل التقديم لها بالشروح اللازمة. إذ ما الفائدة من عنوان ضخم يقع في سطرين أو ثلاثة أو أكثر إن كان لا يعدو كونه تكرارا لما جاء في البلاغ ؟ وغالبا ما تنحصر فائدة هذه العناوين في التشويش على القارئ. فكثيرا ما يشار إلى إضراب غير ذي أهمية بعنوان مثير : ” لقد دقت الساعة “، أو ” قريبا الحل “، في حين أن البرقية بحد ذاتها تكون قد اكتفت بالإشارة من بعيد إلى تحرك مبهم لعمال سكك الحديد، دون أن تأتي بذكر أسباب هذا التحرك أو أهدافه. وفي اليوم التالي لا يشار إلى هذا الحدث ولو بكلمة واحدة. وكذلك في اليوم الذي يليه. لذا عندما يطالع القارئ من جديد برقية عنوانها ” لقد دقت الساعة !”، فإنه سيعتبر نفسه أمام عمل غير جدي، أمام إثارة صحفية رخيصة، واهتمامه بالبرقيات، بل بالصحيفة بأكملها سيتضاءل بطبيعة الحال، في حين لو تذكر محرر زاوية البرقيات ما نشره بالأمس وما قبل الأمس، ولو حاول أن يفهم هو أولا ما يربط بين الأحداث والوقائع كي يشرحها للقارئ، لاكتسب الإعلام على الفور، على ما تشوبه من نواقص، أهمية تثقيفية كبرى. فالمعلومات الصحيحة تنتظم شيئا فشيئا في ذهن القارئ ويسهل عليه بالتدريج فهم الوقائع الجديدة، كما انه يتعلم كيف يبحث في صحيفته عن المعلومات الهامة و أين يجدها. وهكذا يخطو القارئ خطوة جبارة على طريق الثقافة. والمطلوب من هيئات التحرير تركيز جهودها على الإعلام البرقي كي تتمكن من صياغة هذه الزاوية على النحو المنشود. فإن لم تمارس الصحف الضغوط بهذا الإتجاه وتضرب المثال بهذا الصدد، فلن نقوى على تعليم مراسلي وكالة ” روستا ” ( [24]) وتثقيفهم ولو بالتدريج.

إن فهم الأخبار الخارجية يستحيل ان لم تتوفر بعض المعلومات الجغرافية الأولية. والخرائط الغامضة التي تنشرها الصحف أحيانا تعجز، حتى ولو كانت مقروءة، عن تقديم مساعدة ملموسة للقارئ الذي يجهل ترتيب مختلف أقطار العالم وتوزيع مختلف الدول. والحال أن مسألة الخرائط الجغرافية تشكل في وضعنا الخاص، أي بالنظر إلى محيطنا الرأسمالي وإلى صعود الثورة العالمية، قضية هامة من قضايا الثقافة الاجتماعية، فحيثما تنظم المؤتمرات والمهرجانات، أو على الأقل في قاعة المؤتمرات والاجتماعات الكبرى، يجب أن تتوفر خرائط جغرافية خاصة، تبرز فيها بوضوح الحدود الفاصلة بين الدول، ويشار فيها إلى بعض عناصر التطور الاقتصادي والسياسي لهذه الدول. وقد يكون من المفيد تعليق هذا النوع من الخرائط البيانية في بعض الشوارع والساحات، إسوة بما كنا نفعله إبان الحرب الأهلية. ووسائل تحقيق مثل هذا العمل متوفرة، ولا بد. ففي العام الماضي نصبنا كمية غير معقولة من اللافتات ولأتفه الأسباب. أفلم يكن من الأفضل أن نسخر هذه الوسائل لتزويد المصانع والمعامل، والقرى فيما بعد، بخرائط جغرافية ؟ إن كل محاضر، كل خطيب، كل محرض، إلخ، يأتي بذكر إنكلترا ومستعمراتها مثلا، كان سيستطيع تحديدها على الفور على الخريطة. كان سيشير، بالطريقة نفسها، إلى موقع الرور مثلا. والخطيب هو الذي سيكون المستفيد الأول : فمعرفته بموضوعه ستكون أوضح وأدق لأنه سيضطر إلى الإستفسار مسبقا عن موقع بلد من البلدان أو دولة من الدول. أما المستمتعون فإن كان موضوع المحاضرة يهمهم فإنهم سيتذكرون، ولا بد، ما عرض عليهم من خرائط، إن لم يكن من المرة الأولى، فلنقل في المرة الخامسة أو العاشرة. وعندئذ، أي عندما تكف كلمات ” الرور ” و ” لندن ” و ” الهند ” عن أن تكون فارغة من كل معنى، فإن القارئ سيطالع البرقيات على نحو مختلف تماما. عندئذ سوف يجد متعة في مطالعة كلمة ” الهند ” في الصحيفة، بعد أن يكون قد بات يعلم أين يقع هذا البلد. وسوف يصبح أكثر ثقة بنفسه، وأكثر قدرة على هضم البرقيات والمقالات السياسية. سوف يشعر بأنه أكثر ثقافة، فيصبح هكذا فعلا. الخرائط الجغرافية الواضحة والبينة هي إذن عنصر أساسي من عناصر الثقافة السياسية للجميع. والمطلوب أن تهتم مؤسسة ” غوسيزدات “( [25]) جديا بتوفيرها.

لكن لنعد إلى الصحيفة. الأخطاء التي أشرنا إليها بالنسبة إلى ” أخبار الخارج ” نجدها أيضا في أخبار ” البلد “، ولا سيما المتعلق منها بنشاط المنشآت والتعاونيات السوفياتية، إلخ. فهذا الموقف من القارئ، الرقيع والمتهاون، نلمسه في معظم الأحيان من خلال ” أشياء صغيرة ” تكفي لإفساد الكل. فالمنشآت السوفياتية يشار إليها بتعابير مختصرة، وأحيانا بالأحرف الأولى فقط من إسمها. وهذا الإختصار يسمح بتوفير الوقت والورق ضمن إطار المنشأة نفسها أو ضمن إطار المنشآت المجاورة. غير أن جماهير القراء الواسعة لا تستطيع أن تفهم ما المقصود بهذه الإختصارات الإصطلاحية. وقد اعتاد صحفيونا وكتبة التعليقات والتحقيقات على أداء ألعاب بهلوانية مع كمية لا تحصى من هذه المصطلحات المختصرة، تماما كما يفعل المهرجون مع كرياتهم. فقد ينقلون مثلا تفاصيل مناقشة دارت مع الرفيق فلان، رئيس ” م. إ. ب ” ولا يترددون في استعمال هذا الإسم المختصر عشرات المرات خلال المقال. لكن ان لم يكن القارئ بيروقراطيا سوفياتيا مطلعا، عجز عن أن يدرك أن هذه الأحرف تشير إلى ” مكتب الإدارة البلدية “( [26]). ولما كان من المستحيل على جماهير القراء فك لغز هذا الرمز، فإنها ستعزف عن مطالعة المقال، وربما عن مطالعة الصحيفة برمتها. يجب أن يفهم صحفيونا أن استخدام الإختصارات والرموز غير جائز إلا في الحالات التي تكون مفهومة للحال، لكن إن كانت لا تفيد إلا في تشويش العقول والأذهان، فعندئذ يصبح استخدامها إجراما وغباء.

إن المهمة الأولى للصحيفة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، هي الإعلام الصحيح. ولن تصبح الصحيفة أداة تثقيف إن لم يكن الإعلام فيها جيدا، مثيرا للاهتمام، معروضا بنباهة وذكاء. فالحدث فيها لا بد أن يعرض بوضوح وذكاء قبل أي شيء آخر : يجب تحديد مكان الحدث، ومضمونه وكيفية حصوله. فغالبا ما نميل إلى الإعتقاد بأن الأحداث والوقائع بحد ذاتها ليست غريبة عن القارئ، أو أنه يفهمها بالإشارة والتلميح، وقد نعتقد أيضا بأنها غير ذات أهمية، وبأن هدف الصحيفة هو الإنطلاق من ” معرض الحديث ” عن واقعة ما ( واقعة يجهلها القارئ ولا يفقه منها شيئا ) لحشو دماغه بجملة من الشعارات التثقيفية الممجوجة. وهذا كثيرا ما يحدث لأن كاتب المقالة أو الزاوية لا يعرف دوما عما يتكلم، ولنكن صريحين، لأنه كسول، بل وأكسل من أن يستعلم، ويقرأ، ويتناول الهاتف، ويتحقق من صحة معلوماته. هكذا نراه يتحاشى لب الموضوع ويروي ” في معرض حديثه ” عن واقعة ما أن البورجوازية هي البورجوازية، وأن البروليتاريا هي البروليتاريا. أيها الزملاء الصحفيون الأعزاء، إن القارئ يرجوكم ألا تلقوا عليه دروسا، ألا تعظوه، ألا تنهالوا عليه باللوم والتقريع، ألا تهاجموه، بل أن ترووا له، أن تعرضوا له، أن تشرحوا له بوضوح وعلى نحو مفهوم ما حدث، وأين، وكيف. أما الدروس والنصائح فإنها ستأتي من تلقاء نفسها.

على الكاتب، ولا سيما الصحفي، ألا ينطلق من وجهة نظره هو، وإنما من وجهة نظر القارئ. وهذا تمييز بالغ الأهمية ينعكس في بنيان كل مقالة على حدة، وفي بنيان كل جريدة ككل. ففي الحالة الأولى ينحصر عمل الكاتب ( الأخرق وغير المدرك لأهمية عمله ) في تقديمه للقارئ شخصيته الخاصة، ووجهات نظره الخاصة، وأفكاره الخاصة، بل، في معظم الأحيان، عباراته الخاصة أيضا. أما في الحالة الأخرى، فإن الكاتب الذي ينظر نظرة صحيحة إلى مهمته، يدفع قارئه إلى أن يستخلص بنفسه الإستنتاجات الضرورية، وذلك باستخدامه تجربة الجماهير اليومية. وتوضيحا لهذه الفكرة لنأخذ مثالا دار عنه النقاش خلال اجتماع محرضي موسكو. لقد انتشر وباء البرداء عندنا هذا العام كما نعلم جميعا. فلئن تكن الأوبئة القديمة – التيفوس، الكوليرا، إلخ – قد تراجعت بوضوح في الآونة الأخيرة، ( حتى أصبحت نسبتها دون ما كانت عليه قبل الحرب )،فإن البرداء بالمقابل قد انتشرت بنسبة رهيبة. وباتت تضرب في المدن والقرى والمصانع، إلخ. إن الظهور الفجائي لهذا الداء ، مده وجزره، دورية هجماته ( انتظامها ) أمور تجعل البرداء لا تؤثر على الصحة فحسب، وإنما أيضا على الخيال. فالناس يتكلمون عنها، وتحتل نقطة المركز في تفكيرهم، لذا فهي توفر تربة مناسبة للخرافات وللدعاية العلمية في آن واحد. لكن صحافتنا لا تهتم بها على النحو المطلوب. مع أن كل مقال يعالج البرداء يثير اعظم الإهتمام، كما أكد لنا ذلك رفاق من موسكو.

إن عدد الجريدة يمر من يد إلى يد، والمقال يقرأ بصوت عال. ومن الواضح تماما أن صحافتنا مدعوة إلى الشروع بعمل هام حول هذا الموضوع، دون أن تحد نفسها طبعا بالدعاية الصحية لمفوضية الصحة العامة. يجب البدء بوصف مراحل تطور الوباء، وتحديد مكان انتشاره، وتعداد المصانع والمعامل التي يبطش فيها. هذا وحده يكفي لخلق علاقة حية مع أكثر الناس تخلفا، إذ يشعرهم بأننا نعرفهم، ونهتم بهم، ولا ننساهم. وبعد ذلك يجب شرح داء البرداء من وجهة نظر علمية واجتماعية، واعتماد عشرات الأمثلة في بيان كيفية نموه وانتشاره في شروط حياتية وانتاجية خاصة، وإبراز الإجراءات التي اتخذتها الهيئات الحكومية، وتعميم النصائح الضرورية وتكرارها بإلحاح من عدد إلى آخر، إلخ. إنه في مقدورنا ومن واجبنا أن ننمي في هذا المجال الدعاية ضد الأفكار المسبقة الدينية. فإذا كانت الأوبئة، شأن سائر الأمراض بصورة عامة، عقابا على الخطايا المرتكبة، فلماذا تنتشر البرداء إذن في المناطق الرطبة أكثر مما تنتشر في المناطق الجافة ؟ إن خريطة لانتشار البرداء، مرفقة بالشروح العملية اللازمة، هي وسيلة رائعة للدعاية المناهضة للآراء الدينية. ومما يزيد من أهمية تأثيرها أن مجموعات واسعة من العمال تجد نفسها معنية إلى أبعد الحدود بمشكلة الوباء.

لا يحق لصحيفة ألا تهتم بما يهتم به الجمهور، وعامة العمال. صحيح أن لكل صحيفة حقها وواجبها في إعطاء تفسيرها الخاص للأحداث، بحكم من أنها مدعوة إلى تهذيب وتطوير ورفع السوية الثقافية. غير أنها لن تبلغ هذا الهذف ما لم تعتمد على الأحداث والأفكار التي تثير اهتمام جمهور القراء.

فمما لا يشك فيه أن الدعاوى القضائية وما يسمى ب ” الأخبار المنوعة ” : مآسي، انتحارات، جرائم، فواجع عاطفية، إلخ. تثير، إلى أبعد الحدود، اهتمام فئات الشعب الواسعة. وذلك لسبب بسيط : فهي أمثلة ساطعة على الحياة التي نعيش. ومع ذلك، فإن صحافتنا بصورة عامة لا تولي اهمية تذكر لهذه الأخبار، وتكتفي منها في أفضل الأحوال ببعض السطور المطبوعة بأحرف صغيرة. النتيجة : توجه الجماهير إلى مصادر غير مختصة للحصول على معلومات، غالبا ما يساء تفسيرها. فمأساة عائلية، أو حالة انتحار، أو جريمة، أو حكم قاس، أمور أثارت وستثير المخيلات دوما. فقد طغت مثلا ” دعوى توماروف ” لفترة من الزمن على ” قضية كورزون “( [27]) كما يقول الرفيقان لاغوتين وكازانكي من معمل التبغ ” النجم الأحمر “. على صحافتنا إذن أن تبدي أشد الإهتمام بالأخبار المنوعة : يجب أن تعرضها، وتعلق عليها، وتوضحها. ومن المفروض أن تقدم شرحا يأخذ بعين الإعتبار السيكولوجيا، والوضع الاجتماعي، ونمط الحياة في آن واحد. إن العشرات والمئات من المقالات، التي تتكرر فيها عبارات ممجوجة عن تبرجز البورجوازية وعن غباء البورجوازية الصغيرة، لن تؤثر في القارئ أكثر من رذاذ خريفي مزعج. بالمقابل فإن دعوى حول مأساة عائلية، إذا ما رويت بذكاء، وتوبعت في سلسلة المقالات، تستطيع أن تثير اهتمام الآلاف من القراء، وأن توقظ مشاعر و أفكارا جديدة لديهم، وأن تكشف لهم عن أفق أوسع وأرحب. وقد تحث مثل هذه المقالات بعض القراء على المطالبة بدراسة شاملة لموضوع الأسرة. إن صحافة الإثارة البورجوازية تجني فائدة كبرى من الجرائم وحوادث التسميم، وذلك بمراهنتها على الفضول المنحرف وعلى أحط الغرائز عند الإنسان. لكن هذا لا يعني أنه من واجبنا أن ندير ظهرنا للفضول ولغرائز الإنسان عامة. فموقف كهذا هو ضرب من المراوغة، هو الرياء بأم عينه. فنحن حزب الجماهير، ونحن دولة ثورية، ولسنا رهبانية أو ديرا. وعلى صحفنا ألا تلبي فقط الفضول الأنبل وإنما أيضا الفضول الطبيعي. شرط فقط أن ترفع من مستواه وتحسنه بتقديمها الأحداث وشرحها على نحو ملائم. إن المقالات والزوايا من هذا النوع تحظى دوما وفي كل مكان بنجاح كبير. والحال أنه نادرا جدا ما تطالعنا بها الصحافة السوفياتية. قد يصار إلى الرد على ذلك بأننا نفتقر إلى الأدباء المختصين في مثل هذا الموضوع. وهذا صحيح، لكن إلى حد ما فقط، فعندما تطرح مشكلة على نحو واضح وذكي، فإنه يوجد دوما أناس قادرون على حلها. ويجب قبل كل شيء إحداث تحول هام في اهتمامات صحافتنا. في أي اتجاه يكون هذا التحول ؟ في اتجاه القارئ، الحي، كما هو في الواقع، القارئ الجماهيري، الذي أيقظته الثورة والذي ما يزال ضعيف الثقافة، النهم إلى المعرفة والمفتقر إليها، والذي يبقى انسانا يثير كل ماهو انساني اهتمامه. والقارئ بحاجة إلى أن نعيره انتباهنا وإن كان لايعرف دوما كيف يعبر عن هذه الرغبة. ولكن دعاة لجنة موسكو ومحرضيها الخمسة والعشرين نابوا عنه على أفضل نحو في التعبير عن هذه الحاجة.

***

إن كتابنا الإعلاميين الشباب لا يجيدون جميعهم الكتابة المفهومة. ربما لأنهم لم يضطروا إلى شق طريقهم عبر القشرة القاسية للظلامية والجهل. وقد جاؤوا إلى الأدب التحريضي في وقت راجت فيه مجموعة من الأفكار والكلمات والتعابير لدى فئات واسعة من الشعب. وهنالك خطر يهدد حزبنا : الإنفصال عن الجماهير اللاحزبية، وهذا الخطر ناجم عن انغلاقية دعايتنا في مضمونها وشكلها، وعن ابتكار رطانة خاصة بالحزب لا يعجز عن فهمها تسعة أعشار الفلاحين فحسب، وإنما العمال أيضا. بيد أن الحياة لا تتوقف لحظة واحدة، والأجيال تتوالى بانتظام. إن مصير الجمهورية السوفياتية هو اليوم، إلى حد كبير، بين أيدي الذين كانوا في الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة عند وقوع الحرب الإمبريالية وثورتي آذار وأكتوبر. وتأثير هذه ” الدفعة ” من الشباب، التي ستحل مكاننا، سيبرز أكثر فأكثر.

والحال أننا لا نستطيع أن نتوجه إلى هذه الشبيبة بالصيغ الجاهزة، والجمل، والتعابير، والكلمات التي لها معناها بالنسبة إلينا نحن ” الشيوخ “، لأنها منبثقة عن تجربتنا السابقة، والتي تبدو فارغة من كل مضمون بالنسبة إليها. يجب أن نتعلم أن نتكلم بلغتها، أي بلغة تجربتها.

فالنضال ضد القيصرية، وثورة 1905، والحرب الإمبريالية، وثورتا 1917، هي بالنسبة إلينا تجارب معاشة، وذكريات وأحداث بارزة لنشاطنا الخاص. فنحن نتكلم عنها بالتلميح والكناية، ونتذكر ونستكمل في أذهاننا ما لا نعبر عنه، لكن ماذا بالنسبة إلى الشبيبة ؟ فهي لا تفهم هذه التلميحات والكنايات لأنها لم تعشها ولم تستطع الإطلاع عليها عن طريق الكتب والروايات الموضوعية، إذ هي غير متوفرة. فحيث يكتفي الجيل القديم بالتلميح يحتاج الشباب إلى كتاب. وقد آن الأوان لكي نصدر سلسلة من الموجزات والمؤلفات في التربية السياسية الثورية الموجهة للشباب.

« السابق التالي »