بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ثلاثة مفاهيم للثورة

ثلاثة مفاهيم للثورة

 

ليون تروتسكي

 

لم تشكل ثورة 1905 “التجربة العامة لسنة 1917” فحسب، بل كانت أيضا المختبر الذي انبثـقت عنه كل التجمعات الأساسية للفكر السياسي الروسي، وحيث ارتسمت وتـقولبت جميع اتجاهات الماركسية وتنوعاتها. وكانت مسألة الطابع التاريخي للثورة الروسية ومسالك نموها المقبلة في مركز الاختلافات والمنازعات. وصراع المفاهيم والتوقعات هذا بحد ذاته، لا علاقة مباشرة له بسيرة ستالين الذي لم يشترك بشكل مستقل في هذه المجادلات. فالمقالات الدعائية القليلة التي كتبها حول هذه المادة، خالية من أية فائدة نظرية. وقد نشر عشرات البلاشفة بأقلامهم هذه الأفكار نفسها، وذلك بطريقة أوفى بكثير. إن عرضا نقديا للمفهوم الثوري للبلشفية، كان يجب عليه، بحكم طبيعة الأشياء نفسها، أن يحتل مكانه في سيرة لينين. إلا أن للنظريات مصيرا خاصا بها.

إذا لم يكن لستالين موقف مستقل أثـناء فترة الثورة الأولى وفيما بعد حتى سنة 1923، عندما كانت المذاهب الثورية تحضر وتطبق، فإن الوضع ابتداء من منة 1924 تغير فجأة. فمنذ ذلك الحين بدأت فترة الردة البيروقراطية والمراجعة الصارمة للماضي. فإذا بحبكة الثورة تجري معكوسة. المذاهب القديمة تخضع لتـقيـيمات جديدة أو لتغـييرات جديدة. ويتركز الانتباه بطريقة غير منتظرة أبدا من أول وهلة على مفهوم “الثورة الدائمة” بوصفها منبع جميع عثرات التروتسكية . ومن وقتذاك وعلى مدى عدد معين من السنين أصبح نقد هذا المفهوم يشكل المضمون الرئيسي للعمل النظري لستالين ومعاونيه. بل إننا نستطيع القول إن الستالينية كلها على الصعيد النظري تطورت من خلال نقد نظرية الثورة الدائمة كما صيغت سنة 1905. وبالتالي فإن تحليل هذه النظرية المتميزة عن نظريات المناشفة والبلاشفة، لا يستطيع إلا أن يشكل قسما من هذا الكتاب ولو كان ذلك على شكل ملحق.

***

إن نمو روسيا مطبوع قبل كل شيء بوضعها المتأخر. إلا أن وضعا تاريخيا متأخرا لا يستتبع في تطوره نسخا بسيطا عن نمو البلدان المتقدمة مع فارة قرن أو قرنين. إن وضعا كهذا يخلق بنية اجتماعية “مركـَّبة” جديدة كل الجدة حيث تتأصل آخر فتوحات التكنيك والبنية الرأسمالية في علاقات بربرية إقطاعية وما قبل الإقطاعية. فتحولها وتسودها خالقة بذلك وضعا خاصا جدا من العلاقات الطبقية المتبادلة. والشيء نفسه يجري في مجال الأفكار. إن روسيا، بسبب وضعها التاريخي المتأخر بالضبط، تجد نفسها البلد الوحيد حيث بلغت الماركسية كمذهب، والاشتراكية الديمقراطية كحزب نموا قويا حتى قبل الثورة البورجوازية. فطبيعي جدا أن تكون مسألة الارتباط ما بين النضال من أجل الديموقراطية والنضال من أجل الاشتراكية قد خضعت إلى تحليل عميق نظريا في روسيا بالضبط .

لقد رفض النارودنيون، وهم جوهريا مثاليون – ديمقراطيون اعتبار الثورة الجارية ثورة بورجوازية . فنعتوها بـ “الديمقراطية” محاولين بواسطة صيغة سياسية محايدة ، أن يحجبوا مضمونها الاجتماعي لا عن الآخرين فقط بل عن أنفسهم. لكن بليخانوف، مؤسس الماركسية الروسية، في نضاله ضد النارودنية، أعلن حوالي سنة 1880 أنه ليس من سبب كي تأمل روسيا طريقا للتطور متميزا وأنها مثلها مثل الأمم “الأجنبية” الأخرى، عليها أن تمر عبر مطهر الرأسمالية وأنها باتباعها هذا المسلك بالضبط، سوف تحظى بالحرية السياسية التي لا غنى عنها لنضال البروليتاريا من أجل الاشتراكية. ولم يكن بليخانوف يفصل بين الثورة البورجوازية كمهمة والثورة الاشتراكية – التي كان يرجئها إلى مستقبل غير محدد – فحسب، بل كان ينسب إلى كل منها تركيبات للقوى، مختلفة تماما.

كان على البروليتاريا المتحالفة مع البورجوازية الليبرالية أن تحقق الحرية السياسية. وبعد مضي عدة عقود وبعد بلوغها مستوى أعلى من النمو الرأسمالي، تستطيع البروليتاريا في نضال مباشر ضد البورجوازية، أن تقود بشكل ناجح الثورة الاشتراكية.

أما لينين من جهته، فكان يكتب في نهاية عام 1904:

“يظهر دائما للمثقف الروسي أن تحديد ثورتنا على أنها ثورة بورجوازية يعني إزالة لونها وتذليلها والحط من قدرها… بالنسبة للبروليتاريا ليس النضال من أجل الحرية السياسية ومن أجل الجمهورية الديمقراطية ضمن المجتمع البرجوازي أكثر من مرحلة ضرورية في نضالها من أجل المجتمع الاشتراكي ” . وكتب سنة 1905: “إن الماركسيين لمقتنعون تماما بالطابع البورجوازي للثورة الروسية. فماذا يعني هذا؟ إن هذا يعني أن تلك التحولات الديمقراطية… التي أصبحت لا غنى لروسيا عنها، لا تدل بنفسها على محاولة لدك الرأسمالية ، لدك الثورة البورجوازية ، بل إنها ، على عكس ذلك ، تفتح الطريق للمرة الأولى وبشكل مشروع، أمام نمو رحب وسريع للرأسمالية على النمط الأوروبي لا الأسيوي. ولأول مرة سوف تجعل هذه التحولات من الممكن سيطرة البورجوازية بوصفها طبقة…”

وكان يشدد على “إننا لا.نستطيع القفز فوق الإطار الديمقراطي البورجوازي للثورة الروسية ، غير أننا نستطيع توسيع هذا الإطار بنسب هائلة”. أي أننا نستطيع أن نخلق ضمن المجتمع البورجوازي ظروفا أكثر ملاءمة بكثير للنضال المقبل للبروليتاريا. في هذه الحدود ، كان لينين يتبع بليخانوف. فكان الطابع البورجوازي للثورة يشكل نقطة انطلاق جناحي الاشتراكية-الديمقراطية الروسية .

فمن الطبيعي جدا، في ظروف كهذه، ألا يتعدى كوبا (1) (ستالين)، في دعايته، تلك الصيغ الرائجة التي كانت تخص البلاشفة والمناشفة على حد سواء.

فكان يكتب في كانون الثاني سنة1905: “إن ما يجب أن نناضل من أجله الآن هو الجمعية التأسيسية المنتخبة على أساس الاقتراع العام المتساوي والمباشر والسري. وهذه الجمعية وحدها ستأتينا بالجمهورية الديمقراطية التي نحن بأمس الحاجة إليها في نضالنا من اجل الاشتراكية.” الجمهورية البورجوازية كميدان لصراع طبقي ذي نفس طويل من أجل الهدف الاشتراكي ، هوذا أفق المستقبل.

في سنة 1907، أي بعد نقاشات لا تحصى في صحافة بطرسبرج وفي الخارج، وبعد اختبار جدي لمتوقعات النظرية في تجارب الثورة الأولى، كتب ستالين :

“كون ثورتنا بورجوازيه، وأنه يجب عليها أن تـُتمم هدم النظام الإقطاعي لا النظام الرأسمالي، وأنها تستطيع أن تتوج فقط بالجمهورية الديمقراطية، تلك النقاط من الظاهر أن الجميع في حزبنا متفقون عليها”.

لم يكن ستالين يذكر بماذا تبدأ الثورة، بل كان يتكلم بما تؤدي إليه وحدد ذلك سلفا وبشكل قاطع تماما بالجمهورية الديمقراطية فقط”. وقد نبحث دون جدوى في كل كتاباته حتى عن إشارة إلى أي توقع لثورة اشتراكية ما علاقة مع إسقاط الديمقراطية. هكذا كان موقف ستالين حتى في بداية ثورة شباط 1917، إلى حين وصول لينين إلى بتروغراد.

*****

بالنسبة لبليخانوف واكيسلرود وزعماء المنشفية عامة، كان تحديد الثورة الاجتماعي، كثورة بورجوازية، مشروعا من الناحية السياسية لأنه كان يمنع سلفا استفزاز البرجوازية بشبح الاشتراكية و”دفعها” بالتالي إلى معسكر الرجعية. فكان اكيسلرود زعيم تكتيك المنشفية يصرح في مؤتمر الوحدة: “إن العلاقات الاجتماعية في روسيا قد نضجت من أجل الثورة البورجوازية لا غير، فأمام الفقدان المطلق للحقوق السياسية في بلادنا. لا يسعنا بأي شكل التحدث عن صراع مباشر بين البروليتاريا والطبقات الأخرى من أجل السلطة السياسية… إن البروليتاريا تناضل لكي تحصل على ظروف نمو بورجوازي. والظروف التاريخية الموضوعية تجمل من نصيب البروليتاريا التعاون بلا تسامح مع البورجوازية في نضالها ضد العدو المشترك” فكان مضمون الثورة الروسية يحدد هكذا سلفا بهذه التحولات المتلائمة مع مصالح البورجوازية الليبرالية وتطلعاتها .

وعند هذه النقطة بالضبط يبدأ الاختلاف الأساسي بين الجناحين . فلقد كانت البلشفية ترفض الاعتراف إطلاقا بأن البورجوازية الروسية قادرة على قيادة ثورتها حتى النهاية . وكان لينين يعتبر بقوة وبحلابة أكثر من بليخانوف بما لا يقاس، أن المسألة الزراعية هي المشكلة المركزية في الانقلاب الديمقراطي في روسيا. فكان يودد أن النقطة الأساسية في الثورة الروسية هي المسألة الزراعية (مسألة الأرض). ويجب على استنتاجات تتعلق بالهزيمة أو بالنصر أن تعتمد… على تقدير حالة الجماهير في النضال من اجل الأرض”. كان لينين يعتبر، مع بليخانوف، أن طبقة الفلاحين هي طبقة بورجوازية صغيرة. وأن برنامج الفلاحين الزراعي هو برنامج تقدم بورجوازي. فنجده يشدد في مؤتمر الوحدة على “أن التأميم هو تدبير بورجوازي: أنه سيدفع نمو الرأسمالية، ويزيد من حدة الصراع الطبقي، ويقوي التعبئة من أجل الأرض، ويسبب تدفق الرساميل إلى الزراعة، ويخفض سعر الحبوب”. غير أن البورجوازية الروسية قد بقيت، بالرغم من الطابع البورجوازي الذي لا جدال فيه للثورة الزراعية، معادية لمصادرة الأملاك الكبيرة وكانت تؤيد لهذا السبب بالضبط تسوية مع الملكية على أساس دستور حسب النموذج البروسي. فإزاء موقف بليخانوف المنادي بتحالف بين البروليتاريا والبورجوازية، رد لينين بفكرة تحالف بين البروليتاريا والفلاحين. وأعلن أن مهمة التآزر الثوري بين هاتين الطبقتين، هي إقامة “دكتاتورية ديمقراطية” كوسيلة وحيدة لتطهير روسيا جذريا من جميع بقايا الإقطاعية، ولخلق نظام فلاحين أحرار ولفتح الطريق أمام نمو الرأسمالية طبقا للنموذج الأمريكي لا البروسي .

كان لينين يكتب أن انتصار الثورة لا يمكن أن يكرس إلا دكتاتورية، لأن انجاز التحويلات التي تحتاج إليها البروليتاريا والفلاحون بصورة ماسة وفورية سوف يسبب مقاومة يائسة من قبل مالكي الأراضي والرأسماليين الكبار، والقيصرية. فسيكون من المستحيل بلا دكتاتورية، تحطيم هذه المقاومة ودحر المحاولات المضادة للثورة. غير أن هذه الدكتاتورية لن تكون طبعا دكتاتورية اشتراكية وإنما  دكتاتورية ديمقراطية. فلن يكون بمقدورها (دون المرور بسلسلة كاملة من المراحل الانتقالية للتطور الثوري) أن تمس أسس الرأسمالية ولن يمكنها في أحسن الأحوال، إلا القيام بإعادة تقسيم جديد وجذري للملكية العقارية لمصلحة الفلاحين، وإدخال نظام ديمقراطي صلب وكلي يذهب حتى إقامة الجمهورية واستئصال جميع السمات الاسيوية والاقطاعية ليس فقط من حياة القرية اليومية بل كذلك من المصنع، وتدشين تحسينات جدية لوضع الشغيلة وذلك برفع مستوى معيشتهم، ثم، وفوق كل شيء القيادة الناجحة للاشتعال الثوري في أوروبا.

ـــــــــــــــ

المصدر

كتبه : ليون تروتسكي

سنة: 1940 ولم يكمله

المصدر : “فصل من سيرة ستالين”

مصدر النسخة العربية : ثورة دائمة أم ثورة على مراحل؟ دار الشمس (ص 23 – 49 )

نسخ الكتروني : وجدي حمدي (سبتمبر 2004)

ـــــــــــــــ

هوامش

(1) الذي لا يقهر. اسم مستعار لستالين، أثناء الفترة القيصرية. -ملاحظة المترجم-