بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حول الفاشية

« السابق التالي »

أزمة الرأسمالية الألمانية [14]

لقد برهنت الرأسمالية في روسيا عن أنها الحلقة الأضعف في السلسلة الإمبريالية بسبب تخلفها الشديد. وفي الأزمة الحالية تظهر الرأسمالية الألمانية نفسها كالحلقة الأضعف وذلك لسبب معاكس تماما: فبالضبط لأنها النظام الرأسمالي الأكثر تقدما.. لكما أصبحت القوى المنتجة في ألمانيا أكثر تجهيزا وكلما امتلكت قوة ديناميكية أكبر، كلما اختلفت أكثر في نظام الدولة في أوروبا –نظام مشابه «لنظام» أقفاص في حديقة حيوانات محدودة مفقرة. إن الرأسمالية الألمانية تجد ذاتها عند كل مفترق في الأحداث، في مواجهة تلك المشاكل نفسها التي حاولت حلها بواسطة الحرب. لقد تأهبت البورجوازية الألمانية، من خلال حكومة هوهنزلرنية [15]، للعمل من أجل «تنظيم أوروبا». ومن خلال نظام برونينغ كورتويس [16] حاولت.. أن تشكل اتحادات جمركية مع النمسا. لهكذا مستوى محزن اختزلت مشاكلها ومقدراتها وأبعادها! لكن حتى الإتحاد الجمركي لم يتحقق. وكبيت الساحرة في حكايات الجن كان النظام الأوروبي بمجمله يقبع على رجلي دجاجة. كان التفوق الكبير والصحي لفرنسا سيتداعى بحال توحد بضعة ملايين نمساوي مع ألمانيا.

فبالنسبة لأوروبا بشكل عام ولألمانيا بشكل أولي لم يكن هناك أي تقدم عبر الطريق الرأسمالي. إن أي حل مؤقت للأزمة الراهنة يتحقق عبر تفاعل آلي لقوى الرأسمالية ذاتها –على عظام العمال- سيعني فقط انبعاث تناقضات الرأسمالية في المرحلة القادمة بأشكال أكثر حدة وتركزا.
وبلغة الاقتصاد العالمي، فإن أوروبا هي على منعطف انحداري. لقد انطبعت بشدة على جبينها الطوابع الأمريكية: مشروع دوز، مشروع يونغ، قرار هوفر بتأجيل دفع الديون المستحقة. إن أوروبا تحيا كلها الآن على الإعاشة الأمريكية.

وينتج عن أفول الرأسمالية تحلل اجتماعي وثقافي. فالطريق مقطوع أمام المزيد من التفرقة المنظمة داخل الأمة، حيث أن ازدياد نمو البروليتاريا يأتي من خلال تقليص الطبقات الوسطى. كما أن إطالة أمد الأزمة تجر فقط إلى افقار البرجوازية الصغيرة وتحويل أعداد متزايدة من التجمعات العمالية إلى فئة البروليتاريا الرثة. إن هذا التهديد أكثر من أي تهديد آخر، يمسك ألمانيا المتقدمة رأسماليا من عنقها.

إن الجزء الأكثر عفونة في أوروبا الرأسمالية هو البيروقراطية الاشتراكية الديموقراطية. لقد دخلت التاريخ تحت لواء ماركس وانجلس. ووضعت لها هدفا إسقاط الحكم البرجوازي. وجاء الصعود المفاجئ الكبير للرأسمالية ليباغتها ويجرها في يقظتها. فباسم الإصلاح تخلت عن الثورة، أولا من خلال أعمالها وفيما بعد من خلال أقوالها بالذات. إن كاو تسكي قد استعمل لوقت طويل في الواقع لغة الثورة، مكيفا إياها مع حاجات الإصلاحية. أمّا برنشتين [17] بالمقابل فطلب التخلي عن الثورة: فبالنسبة إليه، دخلت الرأسمالية فترة تطور سلمي دون أزمات ودون حروب. مثال نبوءة! وفي الظاهر، بدا بين كاوتسكي وبرينشتين خلاف لا يمكن حله. لكنهما في الواقع أكملا بعضهما البعض الآخر بشكل متناسق كفردتي الحذاء اليمنى واليسرى لقدمي الإصلاحية.

وجاءت الحرب (1914)، فقامت الاشتراكية الديموقراطية بدعم الحرب باسم الوفرة المستقبلية، وبدل الوفرة بدأ الانحطاط. لم يعد السؤال هو ما إذا يجب استنتاج حتمية الثورة من عدم ملاءمة الرأسمالية، ما إذا يجب العمل بهدف توافق العمال مع الرأسمالية عن طريق الإصلاحات. فالسياسات الجديدة للاشتراكية الديموقراطية اليوم تقوم على الحفاظ على المجتمع البرجوازي عبر التضحية بالإصلاحات.

إلا أنه حتى ذلك لم يكن المرحلة الأخيرة من الاندحار. فالأزمة التي تهز الرأسمالية بعنف أجبرت الاشتراكية الديموقراطية على التضحية بثمار النضال الاقتصادي والسياسي الطويل، وبالتالي على الضغط على العمال الألمان للعيش في مستوى حياة آبائهم وآباء آبائهم وأجدادهم. ليس هناك موضوع سخرية تاريخي أكثر مأساوية وفي الوقت نفسه أكثر تنفيرا من هذا الانحلال المقرف للإصلاحية وسط حطام جميع انتصاراتها و أمالها. إن المسرح في أيامنا هذه يجهد نفسه من أجل التحديث. فليعرضوا دائما مسرحية جيرهارت هوبتمان «الحائك»: هذا العمل المسرحي الأكثر حداثة. لكن على مدير المسرح أن لا ينسى أن يحجز مقاعد الشرفة الأمامية لقياديي الاشتراكية الديمقراطية .

إلا أن أولئك القياديين ليسوا في مزاج المسرح الان، فلقد وصلوا إلى أعلى حدود تكليفهم. فهناك مستوى لا يمكن للطبقة العاملة الألمانية أن تهبط تحته بإرادتها لأي مدة من الزمن، مع ذلك فالنظام البرجوازي الذي يقاتل للبقاء ليس في مزاج الاعتراف بذلك المستوى. إن قانون الطوارئ الذي فرضه براونينغ ليس إلا بداية الاستطلاع. فنظام براونينغ يقبع على الدعم الجبان والغادر للبيروقراطية الاشتراكية الديموقراطية، التي بدورها تعتمد على الدعم الكئيب والفاتر لشريحة من البروليتاريا. إن النظام المبني على مراسيم بيروقراطية هو نظام غير مستقر وغير جدير بالثقة ومؤقت، فالرأسمالية تتطلب سياسة أخرى أكثر حسما. فالدعم الذي تقدمه الاشتراكية الديموقراطية لها، مع بقاء عين واحدة لها منصبة على عمالها، ليس فقط غير كاف بالنسبة للأهداف الرأسمالية، بل أصبح مصدرا للمضايقة أيضا. لقد مرت فترة أنصاف الحلول وأصبح على البرجوازية، من أجل إيجاد مخرج لها، أن تتخلص من جميع الضغوطات التي تفرضها المنظمات العمالية، أن تستأصل تلك المنظمات وتحطمها وتسحقها نهائيا.

عند هذا المنعطف يبدأ الدور التاريخي للفاشية.تقوم الفاشية بتحريض تلك الطبقات التي هي مباشرة فوق البروليتاريا وتخاف دوما من أن تجبر على النزول إلى الأوساط البروليتاريا، فتنظمها وتسلحها بمساعدة الرأسمال المالي المتستر بالدولة الرسمية، وتوجهها نحو استئصال المنظمات البروليتارية من أكثرها ثورية إلى أكثرها اعتدالا.

إن الفاشية ليست فقط نظام انتقام وقوة وحشية وإرهاب بوليسي،إنها نظام حكومي خاص مبني على استئصال جميع عناصر الديموقراطية البروليتارية داخل المجتمع البورجوازي. وتكمن مهمة الفاشية ليس فقط في تحطيم الحرس الشيوعي المتقدم بل في إبقاء مجمل الطبقة في حالة من التشتت المفروض. ولهذه الغاية لا تكفي التصفية الجسدية للقطاع الأكثر ثورية للعمال. من الضروري أيضا تهشيم جميع المنظمات المستقلة والطوعية، وإزالة جميع التحصينات الدفاعية للبروليتاريا، واستئصال كل ما تم تحقيقه خلال ثلاثة أرباع قرن من قبل الاشتراكية الديموقراطية والنقابات. فالحزب الشيوعي يقف أيضا في التحليل الأخير على قاعدة تلك الإنجازات.

لقد هيأت الإشتراكية الديموقراطية جميع الظروف الضرورية لانتصار الفاشية. لكنها هيأت بهذا أيضا ظروف تصفية نفسها سياسيا. إنه لمن الصواب تماما وضع مسؤولية قانون براونينغ للطوارئ وخطر الهمجية الفاشية على الاشتراكية الديموقراطية. غير أنه من الهراء التام أن تتم مماثلة الاشتراكية الديموقراطية بالفاشية.

خلال ثورة 1848 هيأت البرجوازية الليبرالية من خلال سياستها المسرح لانتصار الثورة المضادة، التي بدورها أضعفت الليبرالية. لقد هاجم ماركس وإنجلس البرجوازية الليبرالية ليس بأقل حدة مما فعله (فرديناند) لاسال [18]، وكان نقدهما أكثر شمولية من نقده. لكن عندما وضع اللاساليون الإقطاعية المضادة للثورة مع البرجوازية الليبرالية في «كتلة رجعية واحدة»، اغتاظ ماركس وإنجلس عن حق من هذه الراديكالية المتطرفة الزائفة. إن الموقف الخاطئ للاساليين قد حولهم في عدة مناسبات إلى أعوان لا إراديين للملكية، بالرغم من الطبيعة التقدمية العامة لعملهم، الذي كان أكثر أهمية بكثير وأكثر شأنا من انجازات الليبرالية.

وتعيد نظرية «الاشتراكية-الفاشية» إنتاج الخطأ الأساسي نفسه للاساليين على أرضية تاريخية جديدة. فبعد وضع الاشتراكيين الوطنيين والاشتراكيين الديموقراطيين في رزمة فاشية واحدة، تذهب البيروقراطية الستالينية إلى حد القيام بنشاطات كدعم إستفتاءهتلر، وهو أمر لم يكن أفضل على طريقته الخاصة من تحالفات لاسال مع بسمارك.

في الحقبة الراهنة، على الشيوعية الألمانية في نضالها ضد الاشتراكية الديموقراطية أن تبني نفسها على حقيقتين غير منفصلتين: 1) المسؤولية السياسية للاشتراكية الديموقراطية في تقوية الفاشية 2) التضارب التام بين الفاشية وتلك المنظمات العمالية التي تعتمد عليها الاشتراكية الديموقراطية.

إن التناقضات داخل الرأسمالية الألمانية قد وصلت في الوقت الحاضر إلى حالة توتر أصبح الانفجار عندها حتميا. كما وصل تكيف الاشتراكية الديموقراطية إلى ذلك الحد الذي تكمن ما دونه الإبادة الذاتية. وبلغت أخطاء البيروقراطية الستالينية ذلك المد الذي تكمن ما دونه الكارثة. هكذا هي المعادلة الثلاثية التي تميز الوضع في ألمانيا. إن كل الأمور تتوازن الآن على حافة سكين.

« السابق التالي »