بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عويل وبكاء على كرونشتاد

« السابق التالي »

المقالة الثانية: المزيد حول القضاء على كرونشتاد

لقد حاولت في مقالتي الأخيرة حول “كرونشتاد” ان أطرح المشكلة على صعيد سياسي. لكن العديد يهتمون بمسألة “مسؤوليتي” الشخصية. إن سوفارين [11] الذي تحول من ماركسي خامل إلى نمام متحمس يؤكد في كتابه عن ستالين أنني سكت عمدا في سيرتي الذاتية عن تمرد كرونشتاد، ويقول ساخرا: ثمة أعمال لا يفتخر بها المرء. ويروي سيليغا [12] في كتابه “في بلاد الكذبة الكبرى” انه قد تم، خلال القضاء على كرونشتاد، إعدام “أكثر من عشر ألف بحار”من قبلي ( أشك فيما إذا كان أسطول البلطيق بكامله كان يضم في ذالك الوقت هذا العدد). ويقول نقاد اخرون ما مفاده: أجل، كان للتمرد موضوعيا طابع مضاد للثورة، لكن لماذا لجأ تروتسكي الى مثل هذا القمع بدون رحمة خلال إخماد الفتنة(وـــ؟) بعدها؟ لم أتطرق قط إلى هذه المسألة. ليس لأن لدي شيئا أخفيه بل على عكس ذلك لأنه بالضبط ليس لذي شيء أقوله. إن حقيقة الأمر هي أنني لم اشترك شخصيا بأي شكل في القضاء على تمرد كرونشتاد ولا في حملة القمع التي أعقبت هذا القضاء. وهذه الواقعة، ليس لها في نظري مدلول سياسي. كنت عضوا في الحكومة واعتبرت قمع التمرد ضروريا وأتحمل بالتالي مسؤولية الإخضاع. وضمن هذه الحدود فقط أجبت على النقد حتى الآن. لكن عندما يبدأ الأخلاقيون بإزعاجي شخصيا فيتهمونني بالإغراق في الوحشية التي لا تستوجبها الظروف، اعتبر أنه من حقي أن أقول :”أيها السادة الأخلاقيون، إنكم تكذبون بعض الشيء”.

لقد اندلع التمرد خلال إقامتي في الاورال، وجئت فورا من الاورال إلى موسكو لحضور مؤتمر الحزب العاشر. إن قرار القضاء على التمرد بالقوة العسكرية إذا استحال حمل الحصن على الاستسلام بالمفاوضات السلمية أولا ثم بواسطة الإنذار ـ إن هذا القرار العام قد تم تبنيه بمشاركتي المباشرة. لكن بعد اتخاذ القرار بقيت في موسكو ولم اشترك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في العمليات العسكرية. وفيما يخص حملة القمع اللاحقة كانت كليا من شأن التشيكا [13].

كيف حصل إنني لم اذهب شخصيا إلى كرونشتاد؟ إن السبب من طبيعة سياسية. لقد اندلع التمرد خلال نقاش حول ما يسمى بمسألة “النقابات”. وكان العمل السياسي في كرونشتاد كليا في أيدي لجنة بتروغراد التي ترأسها زينوفييف. وزينوفييف عينه كان القائد الرئيسي الأكثر مثابرة وحماسا للنضال ضدي في النقاش. وقبل مغادرتي للاورال كنت في بتروغراد وألقيت خطابا في اجتماع للبحارة- الشيوعيين. إن الروح العامة للاجتماع تركت انطباعا سيئا جدا لدي. فالبحارة الانيقون والشابعون، الشيوعيون بالاسم فقط، كانوا يظهرون كالطفيليين بالمقارنة مع العمال ورجال الجيش الأحمر في ذالك الوقت. وكانت الحملة تخاض بطريقة ديماغوجية للغاية من قبل لجنة بتروغراد. كان السلك القائد للأسطول معزولا ومرعوبا. وحصل قرار زينوفييف على الأرجح على تسعين بالمائة من الأصوات. واذكر أنني قلت لزينوفييف في تلك المناسبة:” كل شيء هنا على أحسن ما يرام، حتى يصبح سيئا جدا”. وبعد ذالك كان زينوفييف برفقتي في الاورال حيث تلقى برقية عاجلة تقول بأن الأوضاع في كرونشتاد تتحول إلى “سيئة جدا”. إن الأغلبية الساحقة من البحارة ” الشيوعيين” الذين أيدوا زينوفييف اشتركت في التمرد. فقد اعتبرت، ولم يبد المكتب السياسي أي اعتراض، ان المفاوضات مع البحارة وعند الضرورة إخضاعهم، يجب إن تقعا على عاتق أولئك القادة الذين حازوا في الأمس بالذات على ثقة أولئك البحارة السياسية. وإلا فان الكرونشتاديين سوف ينظرون للأمر وكأنني جئت لأخذ بـ”ثأري” منهم لتصويتهم ضدي خلال النقاش في الحزب.

أكانت صحيحة أو خاطئة، على كل حال هذه الاعتبارات بالضبط هي التي حددت موقفي. لقد وقفت كليا وبهدف سياسي خارج هذه القضية، وفيما يتعلق بحملة القمع حسبما أذكر فقد كان دزرجينسكي مسؤولا عنها شخصيا. ودزرجينسكي لم يكن يطيق تدخل أحد في مسؤولياته ( وهو على حق في ذالك).

لست ادري إذا وقعت ضحايا غير ضرورية. وفي هذا المجال أثق بدزرجينسكي أكثر مما أثق بنقاده المستجدين. ولنقص المعطيات لا استطيع الآن أن أقرر بعديا من كان يجب معاقبته وكيف. إن استنتاجات فيكتور سرج في هذا المجال، مبنية على شهادة غيره، لا قيمة لها في نظري. لكنني على استعداد للاعتراف بأن الحرب الأهلية ليست بمدرسة إنسانية. إن المثاليين والمساومين قد اتهموا دوما الثورة بـ “التجاوزات”، غير أن النقطة الرئيسية هي أن ” التجاوزات” تنبع من طبيعة الثورة عينها التي ليست سوى “تجاوز” للتاريخ، إن كل من أراد يستطيع أن يرفض على هذا الأساس ( في مقالات صغيرة) الثورة بالإجمال، إنني لا ارفضها. وبهذا المعنى أتحمل المسؤولية الكاملة والكلية في القضاء على تمرد كرونشتاد.

كويوواكان، 6 تموز 1938

« السابق التالي »